الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بناء الأداة الثورية مهمة لا محيد عنها

وديع السرغيني

2022 / 9 / 6
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي


وقبل الخوض مباشرة في هذا النقاش، لا بد من توضيح بعض الأمور المهمة في هذا السياق، وهي أننا كوجهة نظر مناضلة نحيي جميع الأصوات المبحوحة بهذا الغرض ولا نبخس، بالمناسبة، أي مجهود عملي في الساحة يسعى لحل الأزمة التنظيمية التي تعاني منها الحركة الثورية المغربية.. فقط نعمل، وبإصرار، على تقديم أفكارنا في الموضوع، بكل مبدئية، والتي تختلف إلى هذا الحد أو ذاك مع وجهات النظر الأخرى المنتشرة في صفوف الحركة ومكوناتها.
وبناء الأداة الثورية في السياق نفسه ليس بالأمر السهل، وخلال هذه المرحلة بالذات التي كثرت فيها التيارات والاتجاهات والمجموعات التي تنادي جميعها بتسريع عملية البناء، دون ان تفصح عن الطبيعة الطبقية لهاته الأداة، أو عن خارطة الطريق لتشكيلها مسلحة ببرنامجها المرحلي والاستراتيجي، ارتباطا بالمشروع المجتمعي الذي تسعى للمساهمة في بناءه وتشييده.

فهو عجز بيّن في هذا المجال، عجز لا يمكن إنكاره أو التغلب عليه بالمعاندة.. إذ نتسائل ومن مسؤوليتنا أن نتسائل كمناضلين ثوريين عن أسباب هذا العجز الذي عمّر طويلا رغم العديد من المحاولات والكثير من التضحيات، من أجل هذا الهدف.. بحيث لا يستقيم هذا الحال أمام تدهور الحالة المعيشية التي تعاني منها الجماهير الشعبية بسبب من الغلاء المضطرد، والبطالة المتفشية وسط أصحاب السواعد وحملة الشواهد، سيان.. إضافة للاستغلال المستفحل وتدني الأجور الذي تعاني منه الطبقة العاملة وجمهور الموظفين الصغار، بما يعمّق الفقر والخصاص الذي يمسّ عموم الطبقات الشعبية وسط المدن والقرى.
فلابد إذن من بسط وجهة نظرنا، مساهمة في معالجة هذه الأزمة الذاتية، التي تساهم بقوة في تعميق الفقر والحاجة والظلم والاستبداد.. وستعطل بالتالي مهامنا التحررية من نظام الاستغلال والاستبداد والعمالة للإمبريالية، القائم ببلادنا.
فنحن نسعى كباقي التيارات الثورية لبناء حزب ثوري ينظم ويقود مختلف الطبقات الشعبية الكادحة والمحرومة نحو النصر والقضاء على النظام الرأسمالي التبعي القائم.. ونتوفر على وجهة نظرنا الخاصة كتيار فكري سياسي متميز، يمثل الخط البروليتاري وسط الحركة الماركسية اللينينية المغربية، قدّمناها وطوّرناها في مناسبات عدة، والآن نعيد طرحها تفاعلا مع النقاش الدائر في صفوف الحركة الثورية المغربية.

في طبيعة الحركة الثورية المغربية
اذ لا يخفى على أي أحد من المناضلين المغاربة، الواثقين والمقتنعين بمشروع الثورة الاجتماعية المنشودة، أن ميلاد الحركة الثورية المعاصرة وفكرتها، اختمرت سنوات قليلة بعد طرد المستعمر من الجزء الأكبر من الأراضي المغربية المحتلة، أي بعد أن استيقظت مكونات الحركة الوطنية من سباتها، وبعد أن تبيّن لجزء منها طبيعة النظام الجديد، وطبيعة الاستقلال المحصّل عليه إثر صفقة إكس ليبان الخيانية.. والذي أفرز بطبيعة الحال ووفقا لمصالح الاستعمار نظاما تبعيا للاستعمار نفسه، يقدّس المِلكية والاستغلال والتربح.. ولا يعير أي اعتبار للحالة المعيشية للفقراء الذين في حاجة ماسة للمدرسة العمومية المجانية وللمستوصفات والمستشفيات المجانية، وللطرقات والمباني والأوراش العمومية الضرورية لخلق فرص الشغل، ولتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية..الخ
فبسرعة خسر الحاكمون الجدد الرهان، بعد أن انفضحت مخططاتهم ليتبيّن لجميع الوطنيين الأحرار دور النظام والقصر في تثبيت وتوطيد الاستعمار الجديد ببلادنا.. كانت الصفعة قوية في وجه الحركة الوطنية المغربية وخصوصا قادتها السياسيين الذين ربطوا في ما سبق، استقلال المغرب برجوع الملك من المنفى واعتلاءه العرش.. في استخفاف تام بالتضحيات الجسام التي قدّمها الشعب المغربي والتي تم التعبير عنها ببعض المواقف الرافضة والصادرة من بعض قادة المقاومة وجيش التحرير الذين رفضوا إلقاء السلاح ووقف إطلاق النار إلى حين تحرير جميع الأراضي المغربية المغتصبة، كسبتة ومليلية والجزر الجعفرية وطرفاية..الخ وإلى حين إجلاء جميع المعمّرين الأجانب من جيوب الإدارة وتجريدهم ممّا نهبوه واستولوا عليه من أراضي ومعامل ومصانع وشركات ومناجم..الخ
لقد تمت تصفية هذه الأصوات وإخراسها بالحديد والنار خلال هذه المرحلة، كان أوجها انتفاضة الريف المجيدة لسنتي 58/59 والتي عجّلت بتصحيح الأوضاع السياسية في البلاد ببروز معارضة تقدمية ديمقراطية بزعامة الشهيد بن بركة الذي لم يتأخر عن تقديم نقد ذاتي جريء للممارسة السياسية التي أطـّرت في السابق نشاط واختيارات الحركة الوطنية وتجربتها الحكومية من خلال حكومة عبد الله ابراهيم، التي اصطدمت بقوة وعنف بخيارات القصر المنحازة بوضوح لمصالح الرأسمال وكبار الملاك وعملاء الاستعمار، في تناقض تام مع طموحات الحركة الوطنية التي عقدت آمالها وأحلامها على التأميم وبناء مشاريع التصنيع والتحديث والإصلاح الزراعي والرعاية الاجتماعية..الخ
كان مؤتمر التأسيس لحزب القوات الشعبية بمثابة نقطة التحول المهمة في المعركة من أجل تحقيق استقلال حقيقي سياسي واقتصادي، بعد أن تمكـّن الحزب من الصهر، في بنيته التنظيمية، يسار الحزب وقيادة اتحاد النقابات ومختلف التنظيمات المهنية والطلابية وبقايا المقاومة وجيش التحرير.. في هذا الإطار السياسي الجماهيري، معلنا عن استقلاله السياسي عن النظام، وعن معارضته للقصر ولمخططاته الطبقية التي تسعى جاهدة لتثبيت الاستعمار الجديد وصيانة مصالحه الإدارية والاقتصادية والعسكرية..الخ
على هذا الاساس نمت المعارضة وتطورت الى حين استنفادها لإمكانياتها التنظيمية، ولأفكارها وشعاراتها وبرامجها.. تاركة المجال مفتوحا للخيار الجذري البديل وللأفكار الاشتراكية الأصيلة. حيث كان لابد من حدث اجتماعي مزلزل يفيض الكأس ويطرح الثورة الاجتماعية على جدول الأعمال.. حدث من وزن انتفاضه 22/23 مارس المجيدة، التي ردّت بقوة على محاولة النظام الجديد، نظام التبعية والعمالة للاستعمار والمخططات الإمبريالية، الزحف على المكتسبات الاجتماعية وإقبار جميع التطلعات الساعية للتقدم والتطور وكسب المزيد من الحريات، بحيث سارع الزمن للالتفاف عن مشروع المدرسة الوطنية عبر الوقوف ضد تعميم التعليم والتمدرس وحماية مجانيته..الخ بحيث كان هذا المطلب الشعبي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، محوّلة الانتفاضة البيضاوية أساسا، من احتجاج تلاميذي ضد قرار وزاري سعى حينها للحد من انتشار التعليم ومن تعميمه وتطويره، ليشمل المزيد من أبناء الفقراء من الأوساط الشعبية بالمدن والقرى.. إلى انتفاضة شعبية التحم فيها التلاميذ والآباء بجماهير الشعب في البيضاء في العديد من المدن المغربية، في معركة جماهيرية هدّدت بالملموس أركان النظام، طالبت خلالها الجماهير المنتفضة بالجمهورية الشعبية، الديمقراطية والعادلة.
على إثر هذه الانتفاضة الشعبية المجيدة، التي خلفّت ضحايا كثر من الشهداء والمعتقلين والجرحى بالرصاص الحي، لم تتوانى الطلائع الشبابية عن تنظيم نفسها وعن طرح الأسئلة الضرورية لتطوير الفعل السياسي التقدمي، حيث كان لابد من البحث عن الأدوات التنظيمية اللائقة والقادرة على تأطير النضال الجماهيري للمشي به إلى أبعد مدى، بعيدا عن القوى الانتظارية والمترددة، الاصلاحية والتحريفية، الممثلة في حزبي الاتحاد والشيوعي المغربي.
وفي هذا السياق برزت وتطوّرت تنظيمات الحركة الماركسية اللينينية المغربية منبهرة بحركة اليسار الجديد بأوروبا الغربية بانتصارات حركة التحرر الوطنية بكل من الفيتنام وكوبا..الخ ومتأثرة بصراعات الحركة الشيوعية العالمية، بل ومنحازة بشكل كلي للقطب الصيني ولاختياراته الفكرية والسياسية.. في هذا الإطار ووفقه تشبعت الحركة بهذه الافكار الثورية الجديدة وعملت على تشكيل أداة ثورية تسهر على إنجاز ثورة وطنية ديمقراطية شعبية عبر الانخراط في حرب شعبية طويلة الأمد تكون أهدافها بناء الجمهورية الديمقراطية المستقلة عن الإمبريالية استقلالا تاما، والشروع في توطيد تنمية اجتماعية تحمي مصالح الطبقات الشعبية المغربية وتوسع من مجال الديمقراطية والحريات، وتسارع بإصلاح زراعي يطوّر الفلاحة ويحمي مصالح الفلاحين الصغار عبر الحد من المِلكية وتطوير التعاونيات ومصادرة أراضي كبار الملاك..الخ في مواكبة تامة لبرنامج التصنيع والتحديث والتأميم، الذي لا بد وأن تحظى به الصناعة والفلاحة وجميع مشاريع البناء والتشييد.
كانت هذه أهم مواقف وشعارات اليسار الجديد المشكـّل على إثر هذه الانتفاضة المارسية وفي سياقها، وهو اليسار الذي انتسب منذ ولادته للماركسية ولأطروحتها اللينينية في التنظيم والاختيارات التكتيكية.. والعهدة على الراوي وعلى فتوة تجربته وطراوة عظمه.. وهو في الحقيقة محض ادعاء، وليس إلاّ، وجب علينا وعلى جميع الرفاق وسط الحركة الثورية توضيح مدى صحة هذا الادعاء، حتى تستقيم الشعارات ويحصل التقويم وتصقل الخطط ومشاريع البناء، لتنسجم مع الأطروحة الاشتراكية العمالية المنشودة.

طبيعة الأداة الثورية من منظورنا
فطبيعي جدا، ومن وجهة نظرنا الماركسية، أن الثورة مستحيلة في بلدنا دون وضع ثوري ملموس، أي بالرغم من درجة البؤس المتفاقمة، والفقر المستشري وسط الجماهير الشعبية الكادحة والمحرومة.. فلا بد أن يُصاحب هذه الأوضاع المتردّية مدّ نضالي قوي، وقادر على تطوير وعيها السياسي والتنظيمي، بفرز طلائعها الحازمة، لإحداث التغيير الذاتي التاريخي واللازم، تغيير يضع التنظيم على جدول الأعمال، تنظيم الجماهير الشعبية المحرومة وتنظيم الطبقة العاملة باعتبارها الطبقة الأكثر ثورية والأكثر تأهيل لقيادة الجماهير نحو التغيير والبناء الاشتراكي.
فعلى مرّ السنين، أي بعد خيبة الأمل التي دشـّنها انتصار معاهدة إكس ليبان الخيانية واستحواذ الملكية على مقاليد السلطة تكريسا للتبعية، والارتماء المطلق في أحضان الإمبريالية كخطوة لابد منها لوقف الزحف التحرري في منطقة شمال إفريقيا.. ظلت هذه الأداة الضرورية والحاسمة عرضة للنقاش والصراع والبحث، بدون هوادة.. وما يهمنا أساسا في هذا النقاش هو إبراز دور الماركسيين المغاربة في هذا المجال، حيث ما زال البحث جاريا والمحاولات حثيثة ومتنوعة، دون أن تسفر أو تتوفق في فرز تنظيم ثوري في مستوى نضالات وتضحيات الجماهير الشعبية الثائرة.
فالحاجة ملحّة الآن، لتشكيل منظمة ثورية لها من الكفاءة والحنكة ما يكفي، منظمة قادرة على لمّ شمل اليسار الثوري حتى ينجح في مهمته التأطرية والقيادية لنضالات الجماهير في المعامل والمصانع والشركات والمناجم والضيعات والشوارع..الخ ومن أجل هذه المهمة وبعد التحديد السديد لطبيعة هذه المنظمة المطلوبة، من كافة الجوانب والالتزامات الفكرية والسياسية، التكتيكية والاستراتيجية.. يلزمنا حينها "وضع خطة عملية محددة لمنظمة يجري تشكيلها من كل النواحي" وحين نركز على الماركسيين، وعلى دورهم الحاسم في مهمة البناء، بناء الأداة الثورية، فلأن الماركسية كنظرية اشتراكية ثورية، اعتبرت هذه المهمة ضرورية لتحقيق التغيير المنشود.. ودون هذا البناء وتطوير هذه الأداة لتصبح حزبا جماهيريا يتوفر على طلائعه وقواعده الضاربة في أي مكان سيتعطل التغيير، وستستمر السيطرة والاستبداد والقمع والغلاء والبطالة والاستغلال..الخ لكن بالرغم من ملحاحية هذه المهمة الحاسمة، فلكل من الثوريين المغاربة رأيه في الموضوع.. آراء مختلفة حول طبيعة هذه الأداة، وحول طبيعة الثورة المنشودة، وحول نوعية الحلفاء في سياق هذه الثورة وفي جميع مراحلها..الخ

عن رفاق الطريق ولكن..
فالثورة المغربية محتاجة لجهد جميع الثوريين الصادقين والغير مترددين، محتاجة لرفاق طريق مؤمنين بالتغيير وواثقين في قدرات الجماهير وقوتها الضاربة، الطبقة العاملة.. وهو الشيء الذي يلزمنا بتمتين العلاقات مع الرفاق ومع عموم مكونات الحركة الثورية قصد التنسيق في أعمالنا وخططنا ضد العدو المشترك، وتنظيم وتأطير مختلف النضالات الجماهيرية. فهناك تمايز بيننا كتيار ماكسي ثوري وبين مجموع القوى الثورية المنحدرة من الحركة الماركسية اللينينية، التي أصبحت عبارة عن مجموعات صغيرة مشاكسة لا يربطها بالماركسية سوى الجانب الفكري والفلسفي ولا غير.. فما الذي يميزنا حقيقة عن باقي الثوريين المغاربة؟
إننا نقف كليا على أرضية نظرية ماركس: فهي التي حولت للمرة الأولى الاشتراكية من طوباوية إلى علم، وأرست هذا العلم على أسس ثابتة ورسمت الطريق الذي ينبغي السير فيه مع تطوير هذا العلم باستمرار ومع دراسته وتعميقه بجميع تفاصيله. وقد كشفت كنه الاقتصاد الرأسمالي المعاصر، إذ أوضحت بأي نحو يَستر استئجار العامل، شراء قوة العمل، استعباد الفلاحين من أبناء الشعب غير المالك من قبل حفنة من الرأسماليين، مالكي الأراضي والمصانع والمناجم وخلافها، وبيّنت كيف يتجه كل تطور الرأسمالية المعاصرة إلى زحزحة الإنتاج الصغير من قبل الإنتاج الكبير، ويخلق الظروف والشروط التي تجعل من الممكن والضروري بناء المجتمع على أساس اشتراكي.
وعلمتنا أن نرى وراء ستار العادات المتأصلة والدسائس السياسية والقوانين العويصة والتعاليم المعقدة قصدا وعمدا، النضال الطبقي، النضال بين مختلف أصناف الطبقات المالكة وبين سواد غير المالكين. وأوضحت مهمة الحزب الاشتراكي الحقيقية، "إن هذه المهمة لا تقوم في اختلاق المشاريع لإعادة بناء المجتمع، ولا في وعظ الرأسماليين وأذنابهم بتحسين أوضاع العمال، ولا في حبك المؤامرات، بل في تنظيم نضال البروليتاريا الطبقي وقيادة هذا النضال الذي هدفه النهائي هو ظفر البروليتاريا بالسلطة السياسية وتنظيم المجتمع الاشتراكي".
هذا ما يميزنا بالفعل عن باقي الفرق والتيارات الثورية المغربية التي تسعى للمساهمة في توفير هذه الأداة، التي لا نراها في هذه المرحلة سوى المنظمة الثورية الماركسية التي ستكد وتجتهد في عملها الثوري والفكري والسياسي الميداني، ارتباطا بالجماهير وبنضالاتها العمالية والشعبية حتى قيام الحزب ووقوفه على أرضية جماهيرية صلبة.
فمفهوم الأداة والحزب من منظور مجمل القوى اليسارية المغربية ليس هو نفسه عند الماركسيين، وعليه تختلف الشعارات والبرامج والتحالفات والتكتيكات، والاستراتيجيات حتى.. لأن الحزب الذي نطمح لبنائه تطويرا للمنظمة الثورية حزب اشتراكي عمالي واضح في منطلقاته وأهدافه وتكوينه، يعني ليس ذلك الذي يضم في صفوفه "إلى جانب الطلائع العمالية المناضلة والواعية، طلائع الفلاحين الفقراء والمعدمين وعموم الكادحين والكادحات، وكذا المثقفين الثوريين" حسب وصفة أحد زعماء حزب "النهج الديمقراطي" الذي يسعى جاهدا للاستفراد ببناء هذا الحزب.
وللتوضيح أكثر فنحن نسعى كماركسيين اشتراكيين مؤمنين أشد الإيمان بخط الثورة الاشتراكية باعتبارها الحل الوحيد والأمثل لتغيير واقع الكادحين خلال هذه المرحلة من انهيار الرأسمالية.. وباعتبارنا تيارا ثوريا عماليا فنحن لا نخفي رهاننا على الطبقة العاملة باعتبارها طليعة الكفاح من أجل إسقاط الرأسمالية والقضاء عليها. هذا الموقع المتقدم والطليعي الذي كسبته الطبقة العاملة بناءا على تحليل علمي للاقتصاد الرأسمالي، وليس بناءا على درجة الفقر والبؤس والمعاناة التي تعيشها بسبب من هذا الاقتصاد ونمط الإنتاج الرأسمالي ككل، كما ادعى ذلك الرفيق "الأمين".
فمن أجل هذه الثورة التي ننشدها ونتطلع للمساهمة فيها يلزمنا أكثر من غيرنا توفير منظمة ثورية ماركسية يكون هدفها المضي قدما لأجل بناء حزب الطبقة العاملة المستقل لضمان انتصار الثورة الاشتراكية وحماية مصالح الجماهير الشعبية الكادحة والمحرومة. فبدون هذا الحزب الجماهيري، الحزب الذي يتوفر على قوة جماهيرية حاسمة، حزب له قواعده الضاربة وسط النقابات والجمعيات والنوادي المختلفة والمتنوعة.. لن يتحقق التغيير ولن يُكتب للثورة النجاح والانتصار على الرأسمالية، إنه الحزب المناضل والقائد لجميع النضالات الجماهيرية، يحرّض وينظم ويرفع باستمرار من وعي الجماهير لأنه "ولّى زمن الهجمات المفاجئة، وزمن الثورات التي تقوم بها أقلية واعية ضئيلة تترأس الجماهير غير واعية. وحيث المقصود تحويل النظام الاجتماعي تحويلا تاما، ينبغي على الجماهير بالذات أن تشترك في هذا، ينبغي عليها بالذات أن تدرك الهدف الذي يدور النضال من أجله، الهدف الذي تهرق دماءها وتضحي بحياتها من أجله". إنه الحزب العمالي الاشتراكي، الممثل الفعلي لمصالح البروليتاريا وجميع عناصر الشعب الفقيرة والكادحة والمحرومة.. في مدننا وأريافنا، حزب مسلح بقوته الجماهيرية وببرنامجه وعزيمته.
فالحزب كما المنظمة، يجب أن يتوفر على برنامج واضح يشرح فيه جميع ما يريد ويصبو إليه، وكل ما يناضل في سبيله، حتى يتسنـّى لجميع الأعضاء والمتعاطفين والطلائع العمالية والشعبية المؤيدة للخطوات النضالية للحزب.. أن تستوعبه وتدافع عنه.. حزب عمالي ببرنامج للجماهير الشعبية الكادحة.
فهدفنا من النضال كاشتراكيين، اليوم وغدا، هو الإطاحة بالنظام والقضاء عليه، ليس بسبب جبروته واستبداده وفقط، بل بسبب من كونه نظام رأسمالي تبعي يحمي مصالحه الطبقية بدرجة أولى، أي مصالح البرجوازية ومصالح كبار الملاكين وسائر البيروقراطيين والقادة العسكريين والسماسرة وأخطبوط الريع..الخ ويحمي كذلك مصالح الشركات العملاقة متعددة الجنسيات والعابرة للقارات ومصالح صناديق المال والتمويل الإمبريالية.. لذا يلزم الحزب أن يشرح هذا ويوضحه للجميع وبدرجة أولى للجماهير العمالية التي من واجبها أن تفهم وتستوعب مصدر وأسباب الحرمان الذي تعيشه ويعيشه الشعب الكادح برمّته، ومن الطبقة أو الطبقات المسؤولة عليه.
يجب على الحزب أن يوضح للجماهير الشعبية الكادحة والمحرومة أسباب البطالة والغلاء والفقر والتهميش والحـﯖرة..الخ يجب على الحزب أن يشرح للجماهير خطته في العمل وأسلوبه في النضال حتى تتوفر له النظرة الشاملة للتغيير، أي للهدم وإعادة البناء على أسس جديدة.. وأن يعي جيدا الفئات الاجتماعية المعنية فعلا بالتغيير. ويجب على الحزب أن يكون صادقا، مبدئيا وواضحا في مشروعه وتحالفاته من أجل إنجاحه "إذ هناك المشعوذون الاجتماعيون من كل شاكلة وطراز. الذين كانوا يزعمون أنهم بمساعدة مختلف وصفاتهم السحرية وعلاجاتهم المرقعة، سيقضون على جميع أصناف البؤس الاجتماعي دون إلحاق أدنى ضرر بالرأسمال والربح".. التحالفات التي يجب أن تبقى منسجمة مع المشروع المجتمعي الذي يتطلع له الحزب ويسعى لتشييده، مجتمع بدون استغلال وبدون مِلكية فردية أو خاصة. إذ لن يكون من معنى لثورة اجتماعية يسعى الحزب للمشاركة في معمعانها وقيادتها دون الحسم في هذه النقطة المهمة والمرتبطة بالمجتمع البديل وبموقف جميع القوى السياسية المعارضة من مِلكية وسائل الإنتاج، التي يجب أن تصبح عامة، في نظر الحزب، بيد الطبقة العاملة، حتى يتسنى لها القضاء نهائيا على جميع أسباب الفقر والحرمان والتمييز والاستغلال الطبقي.
فحزبنا يختلف عن جميع الأحزاب اللبرالية، الصريحة منها والمتسترة، إذ لا يجب خلط الرايات على هذا المستوى، فلا يخفى على أي من المناضلين اليساريين والتقدميين أن هناك بيننا ووسطنا من يدافع، بصورة أو أخرى عن الملكية والتملك والربح والعمل المأجور بصفته "حق من حقوق الإنسان".! الشيء الذي يتعارض تماما مع المبادئ الماركسية والاشتراكية، التي أعلنت منذ ولادتها الحرب على هذه العبودية المأجورة، فمجرد التغاضي عن وجودها وتأجيل معركة الحسم ضدها، يعني بوضوح الدعوة لاستمرار الرأسمالية في الوجود، يعني استمرار البؤس والفقر والحرمان والاستغلال والنهب وغلاء المعيشة والبطالة.. في قلب المجتمع. فمن أجل القضاء النهائي على هذه الحرمانات لا بد من خوض معارك طبقية على جميع الجبهات السياسية والطبقية دون تمييع، معارك تستهدف الطبقة البرجوازية وجميع حلفائها، معارك لن تنتهي ولن تضع أوزارها إلا بمصادرة أملاك البرجوازية والملاك العقاريين الكبار وملاك المناجم والضيعات الفلاحية الكبرى وبواخر الصيد في أعالي البحار..الخ فلا حياد إذن في هذه النقطة، ولا تنازل في المعركة من أجل القضاء النهائي على الملكية الفردية والخاصة.. إنه المبدأ الذي لا يجب التفريط فيه مهما بدا متطرفا لبعض ضيقي الأفق المترددين وغير الحازمين، الذين لا يجدون من مبرر سوى مراعاة الحد الأدنى ومصالح الحلفاء المناصرين للثورة، خصوصا المالكين الصغار من الحرفيين ومالكي الأراض.. الذين تحتاجهم الثورة كدعامة اجتماعية لا بد منها.. لكن وبالرغم من هذه الضرورة، فالثورة الاشتراكية قادرة على التغلب على مشاكل من هذا الصنف والحجم، لأنها ثورة المستقبل التي ستستفيد لا محالة من أخطاء تجارب البناء المتشددة التي رفضت التنازلات والمساومات والمواطآت..الخ
إذ لا سبيل للتقدم في البناء الاشتراكي حجرة على حجرة سوى خوض المعركة بشكل تدريجي وديمقراطي من أجل حل مثل هذه التناقضات الموجودة طبيعيا وسط الشعب وداخل المجتمع.. لأن المعركة من أجل كسب هاته الفئات لمصلحة البناء الاشتراكي طويلة ومعقدة، عكس الفئات الاجتماعية الأخرى التي لا تملك شيئا والتي لا تحتاج سوى التشغيل والتأطير والتنظيم والتثقيف.. الذي من المفروض أن تشرف عليه السلطة الجديدة وحزبها الثوري الاشتراكي.
فالحزب يعي جيدا نسبة العمال وسط الكادحين، وهي نسبة ضعيفة بدون شك، كما هو الحال داخل جميع البلدان الرأسمالية والصناعية لكن هذا لا يمنع الطبقة العاملة من تقلدها مكانة الطليعة والقيادة لعموم الجماهير الشعبية من أجل تحررها وانتصارها في معركتها ضد الرأسمال.. ومن أجل القضاء النهائي على الرأسمال، حيث يجب الحذر والاحتياط من ذوي الملكية الصغار المنتشرين بشكل كبير في المدن والأرياف الذين سيشكلون عائقا في وجه تطور الاشتراكية.
وقوة الطبقة العاملة لا نجد لها تفسير فيما تسوقه التحريفية من تبريرات وانزلاقات التي تتكلم عن "الطبقة العاملة باعتبارها الفئة الاجتماعية الأكثر عرضة للاستغلال.." فليست الطبقة العاملة، وليس الفئة كما عرّفها "الأمين"، هي الأكثر عرضة للاستغلال داخل المجتمع الرأسمالي ومجتمعنا المغربي بالذات، إذ هناك فئات أخرى تعاني الأسوأ، فئات اجتماعية موجودة على الهامش وفي قاع المجتمع، فئات تعيش على الصدقات والنشل والدعارة والمخدرات والبلطجة.. وهناك إلى جانبها شغيلة مياومة وتجار الرصيف، بالكاد يوفرون دخلا لهم لا يسمن ولا يغني من جوع.
فأهلية الطبقة العاملة لقيادة النضال ضد الرأسمالية ترتبط بوضعية هذه الطبقة وسط النظام الرأسمالي فهي وليدته وحفارة قبره في المستقبل القريب.. قوتها التي تتميز بها عن دون الفئات الاجتماعية ضحية الرأسمال، إنها تتحكم في عصب الاقتصاد وتتوفر على قدرات تنظيمية هائلة كسبتها من مدرسة الحياة والعمل التراتبي المنضبط خلال اشتغالها اليومي بالمعامل والمصانع والمناجم والشركات.. انضباط يسهل العمل ويربي المنتجين على التضامن والتعاون والعمل الجماعي.. وبالإضافة لهذا وذاك فالطبقة العاملة تمتلك أقوى سلاح يهدد باستمرار وجود الرأسمالية ألا وهو سلاح الإضراب الاقتصادي والسياسي الذي يمكنه في أية لحظة أن يعلن عن انهيار الرأسمالية.. فعلاقة الطبقة العاملة بالثورة ليست هي نفسها التي تربط جميع الكادحين والمحرومين بهذا الأمل العظيم، لأنها الطبقة الوحيدة التي لن تخسر شيئا في معمعان هذه الثورة المنشودة، بل لن تخسر سوى أغلالها وآهاتها، وستكسب في المقابل عالما جديدا يوفر الحرية والديمقراطية وينتفي فيه الاستغلال والاستبداد والملكية الفردية والخاصة..الخ
فعلى هذا الأساس والتحليل تتحمل الطبقة العاملة مسؤولية قيادة النضالات الشعبية جميعها من أجل بلوغ الهدف النهائي المتمثل في الإطاحة بالرأسمالية وبناء الاشتراكية على أنقاضها.. الشيء الذي يتطلب من جميع الاشتراكيين المغاربة تقييم جدّي لمجموع تجارب البناء التي سقطت في غفلة من الجميع.. فبخصوص هذه النقطة بالذات، النقطة المرتبطة بملكية الأرض وببناء التعاونيات الفلاحية، وبتعزيز الاقتصاد الاشتراكي وسط ضيعات الإنتاج المصادرة تصطدم الثورة بالعديد من الحلول السهلة والشعبوية الملخصة في شعار "توزيع الأراضي على الفلاحين الصغار.." وكفى المؤمنين شر القتال.. وهو انزلاق فكري، سياسي وتدبيري.. إذ يجب أن يتحلى الحزب بنوع من الانسجام المبدئي والصدق مع الجماهير المعنية بالتغيير وألاّ يساير النظريات والحلول الفاشلة والمجربة في كذا بلدان تصوّرت تحرير الأرض عبر توزيعها على الفلاحين عملا بمبدأ "الأرض لمن يحرثها" إلى غير ذلك من الإجراءات الطبقية المناوئة لخطة البناء الاشتراكي وتعزيز الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج. إنه اللغط المفضوح اللغط البرجوازي الصغير ذو الأصول الفوضوية البرودونية، حامي الملكية الصغيرة المستميت، الذي لا يفهم في الديالكتيك إلاّ ما يناسبه، ولا يؤمن بتطوير الأوضاع والمراحل، بأن لا يعي حقيقة الثورات وما يحدث في سياقها "إن الثورة، كل ثورة، تتلخص في تحول في مواقع الطبقات" وليس هناك من جدوى من ثورية أن يتراجع الحزب عن هويته الاشتراكية المناهضة للملكية الفردية والخاصة إرضاءا للمالكين الصغار وهو الشيء الذي لم يتجرء على اقتراحه أي من الشيوعيين الأقحاح داخل بلدانهم التي كانت فلاحية بامتياز بنسبة وصلت في بعضها للثمانين والتسعين بالمائة.! فحسب وجهة نظرنا، وبفعل تطور النضال والصراع الديمقراطي وسط الجمهورية الاشتراكية سيتخلى العديد من المالكين الصغار عن رؤيتهم المناوئة والأنانية ليساهموا بكل حرية، ودون عنف أو إجبار، في ملحمة البناء الاشتراكي العظيم، وسيصبح المطلوب هو تأميم الأرض وليس توزيعها على الفلاحين.!
وإذا نجحنا كمناضلين ثوريين، مثقفين وطلائع عمالية، في بناء الحزب المنشود، الذي سيتقدم بخطاه الثابتة في مسلسل الثورة الطويل والواسع، عبر تدبيره الدائم للاحتجاجات والإضرابات والانتفاضات الشعبية، فمن المؤكد أن يحدث النصر العظيم ويتحرر الشعب المغربي من ربقة هذا النظام العميل.. ستتمكن الجماهير الشعبية من الإطاحة بالنظام القائم لتبني غدا أفضل، مشرقا ومفعما بالأمل، منفتحا على العمل البناء الخالي من جميع أشكال الاستغلال والتمييز الطبقي والجنسي والعرقي والثقافي..الخ
حينها، أي بعد توفر الحزب الثوري الاشتراكي، وهو الشيء الذي لن يكون سهلا، بل سيحتاج لعمل مضني ونقاش جاد وسط الحركة الثورية المغربية المؤمنة بالأفق الاشتراكي، والمقتنعة بضرورة التنظيم.. لا بد بعدها من الإعداد للانتفاضة العمالية والشعبية الحاسمة. هذه الانتفاضة التي يلزمها إن أرادت النجاح "ألا تعتمد على مؤامرة أو على حزب بل على الطبقة الطليعية. تلك هي النقطة الأولى. ينبغي للانتفاضة أن تعتمد على النهوض الثوري عند الشعب، تلك هي النقطة الثانية. ينبغي على الانتفاضة أن تعتمد على انعطاف حاسم في تاريخ الثورة الصاعدة، حين يبلغ نشاط الصفوف المتقدمة من الشعب ذروته، حين تبلغ الترددات في صفوف الأعداء، وفي صفوف أصدقاء الثورة الحائرين، غير الحازمين أشدها. تلك هي النقطة الثالثة. فالماركسية تمتاز على البلانكية لأنها تصوغ هذه الشروط الثلاثة بالذات عند طرحها مسألة الانتفاضة".
فالتغيير الثوري والطبقي ليس شعارا نحلم بتحقيقه وفقط، أو نتغنى به باستمرار وكيفما كانت الظروف، بل هو قناعة، ومبادئ، وتصور، وفلسفة تنظيمية، وبرنامج، وممارسة يومية، ونقد ذاتي، ومراجعة وتصحيح..الخ وإذا غابت الطبقة الطليعية غاب المشروع إلى حين.. ولن تنوب عن الطبقة المؤهلة علميا وتاريخيا، أي من الطبقات المعارضة الأخرى ـ البرجوازية الصغيرة ـ أمام الحاجة لحزب الطبقة العاملة المستقل. وبهذا بشـّرت النصوص ضدا على جميع ألوان الدجل البرجوازي الصغير، الذي يقبل بها حينا ويرفضها أحيانا أخرى.! إنها الانتهازية في أبشع صورها.
فالواقع المغربي بحاجة لنظرية ثورية تنير الطريق لطبقاته المقهورة والمسحوقة، نظرية لها كامل القدرة على الإجابة على جميع إشكالاته وتعقيداته.. هو في حاجة للنظرية الماركسية كمنهج وكأداة علمية للتحليل، بعيدة إلى حد ما، عن أرضيات وخطط عمل الستينات والسبعينات التي كانت مجملها أرضيات للعمل الثوري البرجوازي الصغير، المراهن تارة على الشبيبة التعليمية كطليعة تكتيكية للنضال الثوري، وتارة أخرى على الجماهير الفلاحية وحرب الشعب الطويلة الأمد بناءا على تحليل مهزوز لا سند علمي له، اعتبر المغرب بلد فلاحي بامتياز مثله مثل الصين أو البلد الروسي.! وبالتالي فنحن في حاجة ماسة للبحث والتدقيق، عوض التشدق بالماركسية واللينينية التي أصبح البعض يستعملها عند الحاجة فقط، يستعملها لقصف الخصوم وليس للتحليل كمرجعية وسند وكتجربة ناجحة في بناء الذات والثورة والتشييد الاشتراكي.. يجب التدقيق، وبالوضوح اللازم، لهويتنا ومرجعيتنا، دون تبختر أو مزايدة على بعضنا البعض، ودون الحاجة للشرح الممل لعقيدتنا الماركسية، بمعنى أنه آن الأوان لطرح السؤال المفتاح، ماذا نريد كثوريين مغاربة في هذه اللحظة بالذات؟

حول طبيعة الثورة المغربية ارتباطا بطبيعة الحزب الثوري المنشود
فإن كان لا بد، فلا بأس من التذكير بانتمائنا للحركة الماركسية اللينينية المغربية التي نعتز بها ونقدر تضحيات أطرها من أجل تحرر الشعب المغربي من نظام القهر والاستبداد والاستعباد.. بحيث نمثل الخط البروليتاري.. المناضل من أجل الثورة الاشتراكية، وسط هذه الحركة التي تطورت وتوسعت لتضم في صفوفها تيارات ثورية عديدة، وبولاءات فكرية وسياسية مختلفة ستالينية وماوية وتروتسكية وماركسية لينينية.. يصعب تجميعها في منظمة ثورية واحدة موحدة.
فعدا التروتسكيين الذين يتبنون صراحة التغيير الاشتراكي لكن بطرقهم الخاصة المتعددة والمتنوعة، بحيث لم يسلم أنصار هذا التيار من الانشقاقات ـ أربع مجموعات بالمغرب ـ التي تعكس حالة الصراع التي تعيشها قيادتهم وأمميتهم الرابعة.. نجد بجانبهم أنصار البرنامج المرحلي للثورة، الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية.. الذين انتهى بهم الأمر إلى التشيع والتفتت، شعوب وقبائل، ورثوا جميعهم أرضيات الستينات والسبعينات بمفاهيمها وتحليلاتها ومواقفها وشعاراتها وبرامجها حتى..الخ واستقروا هناك.!
لنبدأ من نقطة الخلاف الأولى داخل الحركة وهي حول الاشتراكية العلمية المعاصرة بوصفها نظرية الطبقة العاملة وبرنامجها في جميع البلدان المتمدنة في العالم، التي نتبناها ونعتمدها كمنهج للعمل والبحث والتحليل والنقد.. في إطار من المبادئ العامة والفلسفية المادية، "هي التي دلّت البروليتاريا على الطريق الواجب سلوكه للخروج من العبودية الفكرية".
فانتماؤنا الأول والأخير، وبكل وضوح، للاشتراكية العلمية، "فنحن جماعة نزدري إخفاء أفكارنا وأهدافنا. وننادي علانية بأن لا سبيل لنيل أهدافنا إلاّ عبر تدمير النظام القائم تدميرا عنيفا. فلترتعد فرائص الطبقات الحاكمة أمام الثورة الشيوعية" هذه النظرية التي برزت للوجود بعد أن رأى المجتمع الرأسمالي النور، وبعد أن تبددت وعوده عن الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.. لتتحول إلى عكس هذه الشعارات، إلى استغلال وحرمان وقمع واضطهاد وبطالة وتجويع.. مفضوح ومضطرد للطبقة العاملة ولعموم الشغيلة والكادحين، حينها برزت مجموعة من النظريات الاشتراكية التي انتقدت النظام الاقتصادي الرأسمالي ونادت بتغييره واستبداله بنظام أحسن وأفضل يضمن الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة، بدون أن تنجح في تجسيد هذه الأفكار والشعارات على أرض الواقع، لتبقى مجرد نظريات حالمة وخيالية. وضمن هذه النظريات وعلى العكس منها برز مذهب ماركس وانجلز الذي توفق في تفسير عبودية العمل المأجور وفي النبش عن الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة التي تشكل أساسا للنظام الرأسمالي، بل وأكثر من هذا نجح في اكتشاف قوانين تطور الرأسمالية وفي الكشف عن القوة الاجتماعية، أي الطبقة العاملة منتجة فائض القيمة، القادرة فعلا على قيادة النضال من أجل التغيير وبناء المجتمع الاشتراكي البديل. "من بين جميع الطبقات الخصيمة للبرجوازية حاليا، البروليتاريا هي الطبقة الوحيدة الثورية حقا. فالطبقات الأخرى تنهار وتندثر أمام الصناعة الكبيرة، أما البروليتاريا فهي، بالعكس، منتوجها الأصيل. أما أعضاء الطبقات الوسطى، الصناعي الصغير، التاجر الصغير، الحرفي والفلاح، فهم جميعا يحاربون البرجوازية إنقاذا لوجودهم كطبقات وسطى، من الزوال. فالطبقات الوسطى إذن ليست ثورية بل محافظة، لا بل رجعية لأنها تسعى لجعل عجلة التاريخ تدور إلى الوراء.. وهي لا تكون، عندما تكون، ثورية إلاّ إذا كانت قاب قوسين أو أدنى من الانتقال إلى البروليتاريا. وهي حينذاك تدافع عن مصالحها المقبلة لا عن مصالحها الراهنة، وتترك موقعها الفكري لتنتقل إلى موقع البروليتاريا الفكري. أما البروليتاريا الرثة، هذه العفونة المستسلمة لمصيرها المنحدرة من أكثر طبقات المجتمع القديم وضاعة، فهي تنجرّ إلى الحركة وراء ثورة بروليتارية، إلا أن ظروف حياتها تجعلها أكثر استعدادا لبيع نفسها خدمة للمناورات الرجعية".
من هذا المنطلق وعلى هذا الأساس نختلف مع أغلبية تيارات الحركة الماركسية التي ترفض أو تعادي الاشتراكية علنا، كمذهب وكأفق تحرري استراتيجي، بل تؤجلها إلى حين تحقيق الثورة البرجوازية الديمقراطية التي لا بد منها للمرور للمرحلة الاشتراكية، وهو الشيء الذي نرفضه ونعارضه بسبب من تداخل وتظافر المراحل والمهام التي عجـّلت بمطلب التغيير الاشتراكي دون انتظارية.. وهو الشيء الذي دفع بنا للاختلاف والابتعاد عنهم تعبيرا منا على الاختلاف البيّن في أساليبهم التكتيكية والعملية التي تضفي على حركتهم الكثير من الشعبوية الرفضوية التي أسقطت بعضهم في الانتهازية الصريحة.. إلاّ أن هذا الابتعاد لا يعني عدم التنسيق والاشتراك معا في تقوية الاتحادات والإطارات الجماهيرية والشبه جماهيرية، فهم كيفما كان الحال يظلون رفاق الدرب والطريق بالرغم من جميع الخلافات التي تظل ثانوية في آخر المطاف.
بالنسبة لأداة التغيير الثورية نجد نفس الشيء، فطبيعة الثورة المنشودة وجدت لها أداة للتغيير على مقاسها، حزب ينقصه الوضوح والالتزام الطبقي، حزب لعموم الكادحين والطبقات الشعبية المعارضة بما يميزونه عن حزب الطبقة العاملة المستقل فكريا سياسيا وتنظيميا عن الفئات والطبقات الشعبية الأخرى المعنية كذلك بالثورة والتغيير، بل يذهبون لحد تمييعه وتشويه مهامه كما الشأن بالنسبة للنقابة العمالية التي لا تعدو في نظرهم سوى أداة لتلطيف شروط الاستغلال وفقط.. لم تعد في نظرهم أداة أساسية في النضال المباشر ضد الرأسمال يجب أن يتم تطويرها ودمجها في النضال السياسي والاجتماعي إلى جانب الحزب العمالي الثوري في المعركة الشاملة "من أجل تحرير الملايين من الشغيلة المضطهدين تحريرا عاما".. "ونظرا للاتجاه الواضح لدى الجماهير العمالية الواسعة للدخول في النقابات، ونظرا للطابع الثوري موضوعيا للنضال الذي تخوضه تلك الجماهير بالرغم من البيروقراطية المهنية، من المهم أن ينضم شيوعيو جميع البلدان إلى النقابات ويعملوا على جعلها أجهزة واعية للنضال من أجل إسقاط النظام الرأسمالي وانتصار الشيوعية" عسى أن نتعلم من اللينينية ونصوصها المخلصة للماركسية ونبتعد عن التمجيد السخيف للعديد من الانحرافات والتحريفات على أنها تجديد مخلص للماركسية ولجوهرها الحي.!
فمهما كثرت المسميات فهي تبقى جميعها مخلصة لذاك الإرث السبعيني بأفكاره وبرنامجه ومبادئه ورجالاته.. مسميات رسخها المؤسسون، المنبهرون حينها بالثورة الصينية وبأفكارها وإنجازاتها إلى جانب انتصارات شعوب الشرق في فيتنام وكمبودجيا واللاوس، وانتصارات شعوب أمريكا اللاتينية وبالأخص الثورة الكوبية المظفرة.. على اعتبار أن الحركة ومنذ تشكلها اتجهت أساسا للشبيبة التعليمية مراهنة على دورها الطليعي في الصراع من أجل السلطة، بحيث اعتبرتها طليعة تكتيكية وقنطرة للعبور نحو الطبقة العاملة وعموم الجماهير الشعبية الكادحة والفقيرة.. إذ وبالرغم من تراجع جميع مكونات الحركة عن هذا التصور بقي عالقا بتلابيب الحركة عموما ولم تتخلص منه في ممارستها.. إذ بقيت أغلب مكونات الحركة تعتمد في استقطابها على نفس القاعدة من داخل الجامعات ومعاهد التكوين، بعيدا عن المعامل والمصانع ومواقع الإنتاج.. أي بعيدا عن الطبقة العاملة التي عليها الرهان لقيادة مشروع التغيير وبناء المجتمع الاشتراكي المنشود.
لقد اتجهت الحركة منذ تأسيسها للاتجاه الخاطئ ولم تعر أي اعتبار للطبقة العاملة التي اعتبرتها الماركسية بأنها الطليعة الحقيقية التي لا غنى عنها، للأسباب التي أوضحناها سابقا.. فعوض هذا الارتباط والتفاني في تشكيل وتقوية النقابات وحركات الإضراب ولجان الأحياء الشعبية في المدن والقرى.. اتجه الرفاق للبحث في تجارب حرب العصابات والثورة الشعبية طويلة الأمد والكفاح المسلح في البراري والمدن..الخ من خلال قفزة بهلوانية عن شروط وظروف الثورات والحروب التي يستشهدون بها، والتي ساهمت في انتصار الشعب الصيني على الاستعمار الياباني، وانتصار الشعب الفيتنامي على الاستعمار الفرنسي ثم الأمريكي.. في تجاهل تام لما تميزت به حركة التحرر في البلدين وهو توفرها على قيادة شيوعية متمثلة في الحزب الشيوعي قائد ومنظم جميع النضالات في البلدين.. هذين الحزبين تشكلا وتكونا وسط الطبقة العاملة وارتباطا بالنقابات قبل أن تفرض عليهما الظروف خوض هذه الحروب التي لا مفر منها كشكل من أشكال الصراع الذي وحّد جميع الوطنيين في البلدين والتجربتين، الشيء الذي أملى على القيادتين البحث عن أوسع جبهة لمقاومة الاستعمار وإنهاء وجوده.. وهو عكس الوضع في بلادنا حينها، إذ وخلال هذا الحين بالذات الذي تستحيل فيه هكذا اختيارات. انغمس الرفاق في كذا نقاشات وتنظيرات.. إذ لا مفر من أسلوب الإضراب العام والانتفاضة الشعبية والعصيان المدني المسلح وفق المنظور اللينيني الذي يشترط القيادة الحزبية الثورية، العمالية والاشتراكية، التي لا يتناقض برنامجها مع مصالح الطبقة العاملة ومع مصالح عموم الجماهير الشعبية الكادحة، التواقة للتغيير والحرية والديمقراطية. وعلى هذا الأساس والمبدأ فالحزب الذي نطمح للمساهمة في بناءه، حزب يراعي أهم التراكمات التي وفّرتها الحركة العمالية الشيوعية عبر العالم، وبشكل خاص التجربة اللينينية، علاقة بالبناء والتنظيم، وسط الاشتراكيين المغاربة. وهو عكس الحركة الثورية المغربية التي تدّعي وتتفاخر بانحيازها للينينية، لكن سرعان ما تصطدم بالعكس حين تمحص أفكارها وخطاباتها وخططها في البناء، إذ تجدها متحفظة من برنامج الثورة الاشتراكية خلال المرحلة الحالية ومعارضة لخطة بناء الحزب استفادة من هذه التراكمات، بدءا من تجربة عصبة الشيوعيين الألمان التي قادها ماركس ورفيقه إنجلز والتي طوّرها فيما بعد البلاشفة بقيادة لينين قائد الثورة البروليتارية الروسية. فجميع هذه التيارات تعتبر نفسها نصيرة للتصور اللينيني وخطته في البناء ونسج التحالفات وصياغة البرامج والتكتيكات..الخ دون أن نجد لهذا التصريح انعكاسا في الواقع، حيث يتم التنكر لمجمل الإرث العمالي بتجاهل وثيقته التأسيسية "البيان الشيوعي" والتخلي النهائي عن الرسالة التاريخية للطبقة العاملة وعن مهمة بناء الحزب الطبقة المستقل، التي لحقها التشويه والتزييف من زعماء التحريفية الذين حوّلوا الطبقة العاملة لمجرد كومبارس وسط هذا المشروع الذي يضم في صفوفه إلى جانب العمال والعاملات "طلائع الفلاحين الفقراء والمعدمين وعموم الكادحين والكادحات.."!! فما كان من دهاقنة التحريفية، الحراس القدماء، ورفعا لأي إحراج وانقادا لماء الوجه والتغطية عن فضيحتهم الفكرية.. إلاّ أن يفسروا استقلالية الطبقة العاملة خلال المشروع التنظيمي على أنها استقلالية عن البرجوازية! وهو قرار حكيم وسديد حين تخطط لبناء حزب معارض وعدو للبرجوازية وفي نفس الوقت استقلالا عنها.. عسى أن نجد تفسيرا للعبة "الثلاث ورقات" هذه في سوق النظرية والاجتهاد! وكأن هناك وسط الاشتراكيين المغاربة من يهدف لبناء حزب الطبقة العاملة مع وإلى جانب البرجوازية وليس ضدها وضد حلفائها من الأغنياء والملاكين..الخ في حين أن الاستقلال الذي سطـّره وحث عليه "البيان" هو استقلال عن الفئات الثورية الأخرى التي لها مصلحة في التغيير، وهي بكل وضوح الأغلبية الساحقة من فئات الطبقة البرجوازية الصغيرة، أو كما سماها "البيان" البرجوازية المتوسطة.. فمعركة الثورة والتغيير الاجتماعي، معركة في عمقها ضد البرجوازية وضد جميع حلفائها.. إذ من الطبيعي أن يعجز المرء عن تحديد أعداء الثورة إذا ارتبك في تحديد المعنيين بها ومن الطبيعي أن ينتابه هذا الخلط وهذا الحول في التحليل، لأن الطبقات الاجتماعية الشعبية المعنية بالتغيير والتي عليها الرهان بالنسبة للماركسيين وكما ذكـّرنا وسنظل نعيد ونذكـّر، هي الطبقة العاملة عماد الثورة الآن وحاميتها في المستقبل، إضافة للأغلبية الساحقة من الفئات البرجوازية الصغيرة وجزء هام مما يعرف بالبروليتاريا الرثة، وعدا هذا يتشكل بوضوح طابور أعداء الثورة والتغيير، طابور الثورة المضادة المكون من حفنة من أغنياء البلاد البرجوازيين والملاكين وخدامهم الأوفياء، الذين لا هم لهم سوى الاستغلال والنهب وتعميق التبعية وترهيب الجماهير الشعبية الرافضة لاختياراتهم ولسياساتهم الطبقية.
فإذا كان لا بد من تصحيح الأخطاء والكف عن مثل هذه الانزلاقات الفكرية التي لا تحتاج العناد والتبرير والمزايدة، فيكفي الرجوع للأدبيات الماركسية الأساسية والأصيلة، ليفهم المرء ما معنى أن يكون اشتراكيا شيوعيا، وليفهم دوافع الشيوعيين الألمان لتأسيس عصبتهم بمعية الطلائع العمالية الواعية، ولمساهمتهم في تأسيس الأممية العمالية في بناء الأحزاب الشيوعية القطرية أو الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية كما كانت تسمي نفسها آنذاك.. حيث كان النضال في منطلقه وأهدافه موجها ضد الرأسمالية وطبقتها البرجوازية وجميع حلفائها، قبل أن تطفو على السطح التكتيكات اللينينية الخاصة بالبلد الروسي وبمسار الثورة الروسية، والذي كان يعاني بوضوح من التخلف الاقتصادي والصناعي، الشيء الذي ألزم الشيوعيين الروس بنهج خطة لحدب عموم الثوريين الروس بمن فيهم ممثلي البرجوازية الثورية التي كانت تعاني من تسلط وتجبر الإقطاع وعرقلته للتطور الرأسمالي بالبلاد.. حينها طالب الجميع بالجمهورية والحرية والديمقراطية والانتخابات الحرة..الخ
هذه الخطة بالذات تحولت بفعل دهاقنة التأويل والتزوير، فقهاء التفسير، إلى وثيقة عبور لتأكيد على مصداقيتهم، بعد أن حولوا الخطة من خطة تكتيكية عابرة، ومرتبطة بظروف وشروط محددة، لا يمكن تعميمها أو الأخذ بها في جميع البلدان.. بحيث حارب لينين نفسه واضع الخطة ومبدعها هذا التوجه وكل من يمعن في الأخذ به، معتبرا جميع من يغالي في تبنيه وينادي بتحويل الخطة إلى إستراتيجية، بأنه شبيه بالحيوانات المنقرضة التي يفترض الحفاظ عليها وسط أقفاص بالمتاحف.!
ففي الكثير من الحالات ومناسبات النقاش والصراع الفكري يستنجد دهاقنة التحريفية بهذه الموضوعة، موضوعة الثورة الوطنية الديمقراطية، التي هي في الأصل ثورة برجوازية لا غبار عليها، ولسبب بسيط هو أن الثورة في حينها لم تطالب بإسقاط الرأسمالية، بل دعـّمتها وطالبت بتوسيع نطاقها ونشاطها وبالعمل على تيسير انتشارها.. كانت الظرفية الروسية تساعد على هذا وتدعمه وتتبناه بناءا على تحليل علمي ملموس، عكس ما نراه ونسمع به في بلدنا المغرب، في ظل الهجوم الشرس الذي يتعرض له فقراؤه من ضرب لقوتهم اليومي، ومن حرمانهم لأبسط الحقوق الاجتماعية في مجال التعليم والصحة والشغل والسكن..الخ وفي ظل غياب كلي للحريات الديمقراطية، بعد أن تمادى النظام وأجهزته القمعية، في تغوله والتكشير عن أنيابه، مستغلا ظرفية الحجر الصحي المرتبط بوباء كورونا، ومستفيدا كذلك من التراجعات الخطيرة التي عرفتها الممارسة الديمقراطية في البلاد الأوروبية والأمريكية، باعتبارها مرجعيته ومثاله المقدس، الذي ما فتئ يتباهى به في مجال المقارنة.. ليصبح من العيب إذن أن يكتفي الثوريون المغاربة بمطلب الجمهورية وبمطالب الحريات الديمقراطية البرجوازية، دون ربط هذه المطالب بالسلطة السياسية لمصلحة الطبقة العاملة وخدمة لمصالح عموم الكادحين وللمشروع الثوري الاشتراكي.
فثورتنا المغربية ثورة اجتماعية اشتراكية تستدعي بوضوح الاستيلاء على السلطة السياسية والقضاء على النظام الرأسمالي قصد الشروع فورا في البناء الاشتراكي، بدءا بمصادرة أملاك القصر والبرجوازية وكبار الملاك والجنرالات..الخ ثم الشروع في هيكلة المؤسسات الاقتصادية الكبيرة والمتوسطة الحجم، في إطار من التسيير الذاتي والتأميم، وبالموازاة ستعرف البادية المغربية ثورة زراعية غير مسبوقة تنظم الإنتاج وتحدد الملكية وتشجع على تكوين التعاونيات والانخراط في صفوفها، اعتمادا على مجالس العمال الزراعيين وبتنسيق رفاقي وديمقراطي مع فلاحي التعاونيات الصغار.. حيث لا مجال لتمثيل بقايا البرجوازية وكبار الملاكين في أية هيئة أو مسؤولية، فالبرجوازية إذن، وجميع حلفائها من الملاك مشطوبون وممنوعون من تمثيلهم داخل المؤسسات الديمقراطية الجديدة سواء في المدن أو البوادي، مجالس تشرف على الإدارة والتسيير والتدبير وأوراش بناء السفن وبواخر الصيد..الخ معززة بمجالس الأحياء الشعبية وممثلي تعاونيات الصناعات اليدوية والحرفية..الخ في حذر تام ووفق خطة محكمة يضعها ويشرف على تنفيذها حزب الطبقة العاملة المتحكم في زمام الأمور، حتى لا يزيغ البناء عن أهدافه في البناء الاشتراكي المتطور. فهدف المرحلة سيكون إذن، هو تكريس انتصار الاشتراكية والقضاء على الرأسمالية، وهي مهمة يصعب إنجازها بدون متاعب أو أخطاء وعراقيل، إذ يجب على الطبقة العاملة وحزبها المظفر الانتباه لخطورة الإنتاج الصغير الذي يلزمه خطة مدروسة ومحكمة لتحقيق انطفاءه التدريجي والطويل الأمد، عوض منعه أو حصاره، فالمعركة معركة ديمقراطية من قلب الشعب المنتج، تحسم بالنقاش والمرافقة والإقناع، ولا تحتاج للمنع والقمع، كما هو الحال بالنسبة لبقايا البرجوازية وحلفائها الملاكين وجميع قوى الثورة المضادة وعملاء الإمبريالية المخربين.
ولا ننسى أن هناك تبريرات أخرى يستلها التحريفيون للتشكيك في ملحاحية الثورة الاشتراكية ولدعم في المقابل برنامجهم المرحلي، برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية البرجوازي، بناءا على أن تطور المجتمعات ومنها مجتمعنا المغربي، يقتضي وبالضرورة المرور من هذه المرحلة التي هي الكفيلة لتأسيس الجمهورية الديمقراطية وفتح الباب لتشكيل مجلس تأسيسي يناقش ويصادق على دستور ديمقراطي ينظم الحياة ويضمن الحريات ويشرف على سير الانتخابات ويحميها من التزوير والتلاعبات..الخ
هؤلاء الرفاق يعتبرون هذه المرحلة ضرورية وثابتة، لأنها من صلب الإبداع والاجتهاد اللينيني، الذي ليس في الحقيقة سوى ادعاء وافتراء على الرفيق لينين نفسه الذي كان أول من حذر من التشبث الأعمى بهذا التكتيك مشيرا على المغرمين به بالتخلف عن الركب ونعتهم صراحة "بالبلاشفة النادرين ومصنفات البلاشفة القدماء". وقد تسائل مسترسلا "فهل نستطيع أن نسلم بصحة الرأي القائل أن المرحلة الرأسمالية من التطور الاقتصادي أمر لا مفر منه بالنسبة لجميع الشعوب المتأخرة التي في سبيلها إلى التحرر، والتي نلمس لديها حركة تقدمية، نجيب على هذا السؤال بالنفي". هكذا صرّح الزعيم خلال إحدى مؤتمرات الأممية الشيوعية إجابة عن السؤال الذي عجز التحريفيون الإجابة عنه.
وبعد هذا التوضيح الكافي والشافي، يصبح من الخطأ، كل الخطأ، الافتراض بأن مرحلة التطور الرأسمالي، مرحلة لا مناص منها بالنسبة للشعوب المتأخرة، كنوع من التبرير للانتظارية والتردد عن المهام الاشتراكية. فهذه الاستشهادات نعتمدها كلينينيين أقحاح ونحن نعلم مسبقا درجة السعر التي ستصيب جماعة التحريفيين المزوّرين، الذين لن يترددوا عن نعتنا بالأرثودوكس حفظة النصوص، والحال أن معركتنا الفكرية هذه، مفتوحة بين الأرثودوكس اللينينيين في مواجهة الأرثودوكس الستالينيين ممن حولوا الخطة المؤقتة لثورة 1905 الروسية إلى وصفة دائمة صالحة لجميع الشعوب الذين هم في الحاجة للحرية والديمقراطية وتطوير الرأسمالية ببلدانهم، ولسنا طبعا منهم.
مبرر آخر تعتمده التحريفية المشككة في قدرات الطبقة العاملة وأهليتها لقيادة التغيير، مما ينسف رسالتها التاريخية التي أوصى بها "البيان الشيوعي"، مرتبط بنسبة العمال وسط الكادحين والمحرومين والمهمشين..الخ وهو مبرر مردود عليه لا يصمد أمام معطيات التحليل العلمية وأمام التوجيهات والدروس اللينينية وقد فنـّد الزعيم لينين في أكثر من مناسبة هذه المزاعم، مؤكدا على مكمن القوة لدى الطبقة العاملة خلال الصراع من أجل السلطة "فقوتها في أي بلد من البلدان الرأسمالية ـ والحال أن بلدنا المغرب بلد رأسمالي بدون شك تبعي للمراكز الرأسمالية المتقدمة والإمبريالية، بمعنى أنه يسبح داخل محيط رأسمالي تعيش وسطه الطبقة العاملة أبشع ظروف الاستغلال ـ أكبر بكثير من نسبة البروليتاريا وسط السكان كلهم ذلك لأن البروليتاريا تقود اقتصاديا مركز وأعصاب مجمل جهاز الاقتصاد الرأسمالي" زيادة على امتلاكها لقوة التنظيم والانضباط التي تتربي عليه باستمرار داخل ورشات العمل، وانفرادها باستحواذها على أمضى سلاح خلال المعركة ضد الرأسمالية وجميع المالكين البرجوازيين، الا وهو الإضراب عن العمل.
"فالبروليتاريا حتى ولو كانت أقلية بالنسبة للشعب فإنها قادرة على قلب البرجوازية واكتساب الحلفاء القادمين من الجماهير نصف البروليتارية والبرجوازية الصغيرة" وهو رد لينيني مناسب ومبدئي على جميع المشككين في أهلية الطبقة العاملة وقدرتها على قيادة عموم الجماهير الشعبية الكادحة، من قصيري النظر الذين لا تتعدى نظرتهم للتغيير وصفة سنة 1905 وظروف تطور المجتمع الروسي حينها، بوصفه بلد متخلف من الناحية الصناعية، حوالي 80% من سكانه فلاحون، طبقته البرجوازية ضعيفة ومحاصرة ومقموعة، متطلعة للثورة ولتحسين مكانتها واوضاعها داخل المجتمع.
فالتصور الماركسي لبناء الأداة الثورية يختلف عن جميع هاته الترهات التي ملأت الدنيا ضجيجا من أجل مهمة بناء "حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين" الذي يختلف جذريا عن حزب الطبقة العاملة المستقل كما وضع أسسه ومبادئه "البيان".
والحال أن الشكل المقترح من أنصار "حزب الكادحين" يتعدّى الحزب الطبقي للجبهة الطبقية والتي تتضمن في صفوفها العمال والفلاحين وسائر الفئات البرجوازية الصغيرة، من شغيلة وموظفين وتجار ومنتجين صغار..الخ فما هكذا تصور الماركسيون حزبهم، وليس بفضله سنتوصل لحل الأزمة التنظيمية التي تعيشها الحركة الثورية المغربية.
بمعنى أن الاختلاف قائم وبيّن بين مكونات الحركة الثورية المغربية، بالنظر للتباين الحاصل على مستوى التصورات التي تملي على كل منها نهج خطة معينة لتدبير العمل الثوري خلال هذه المرحلة والمراحل القادمة. فعمليا نخوض الصراع ضد جميع الاتجاهات الشعبوية المشككة في قدرات الطبقة العاملة على بناء الأداة الثورية وقيادة الجماهير الشعبية الكادحة من أجل إنجاز التغيير الاشتراكي المنشود، حيث يلزم الطبقة العاملة التوفر على حزبها المستقل عن جماهير البرجوازية الصغرى، حزب تكون له القدرة على جلب جميع القوى الطبقية والفئات المعارضة للنظام الرأسمالي ولحكمه القائم على القمع والنهب والاستغلال..الخ للنضال بدون تردد أو هوادة من أجل إنجاح الثورة الاشتراكية الذي نعتبره برنامجا للجماهير الشعبية ومن أجل الجماهير الشعبية.
هذه الاتجاهات التي لا تكتفي بالتشكيك في أطروحتنا الاشتراكية وفي تصورنا لبناء الحزب الثوري، بل لا نلمس عندها بديل يذكر، أو مقنع إلى حدّ ما في مجال التنظيم وهيكلة الذات وما يرتبط بها من لجان وإطارات وجمعيات ونوادي..الخ يمكن أن تعزز من وجودها وسط ساحة الصراع الطبقي.. فعدا حزب "النهج الديمقراطي" الذي يسارع الزمن من اجل كسب الشرعية الثانية في تاريخه، عبر عقد مؤتمره الوطني الخامس، الذي يعيش نوعا من الحصار والتضييق على مسار أشغاله، فباقي المجموعات الثورية الأخرى لا تشكك في المشروع وفي خلفياته الفكرية والسياسية، لأنها تعتمده وتتبناه صراحة.. فهي تنتقد زعيم الأطروحة حزب "النهج الديمقراطي" في البعض من مواقفه السياسية وممارسته الميدانية وتحالفاته المفتوحة على بعض القوى الظلامية المعادية للثورة الاشتراكية وللفكر الاشتراكي التحرري.. لكنها لا تنبس ببنت شفة عن تخلف هذا البرنامج المرحلي، برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية عن مهام المرحلة، والذي ما زال يتغنى دعاته بشعاراته وبمهام بناء الجمهورية.. والحال أن أغلب هذه المجموعات غير منسجمة في ممارساتها مع مستلزمات هذه الثورة، برفضها القاطع لمبدأ التحالفات وبناء الجبهات الطبقية على النموذج الستاليني "إن على الشيوعيين أن ينتقلوا من سياسة الجبهة الوطنية الواحدة إلى سياسة الكتلة الثورية للعمال والبرجوازية الصغيرة. وتستطيع الكتلة أن تأخذ في مثل هذه البلدان شكل حزب وحيد، حزب عمالي وفلاحي على غرار الكيومنتانغ" وهو كلام وتوجيه من ستالين المتعارض مع تصور لينين للتحالفات "ليس من الممكن في أي حال من الأحوال اعتبار تحالف البروليتاريا والطبقة الفلاحية كاندماج طبقتين مختلفتين أو حزبين للبروليتاريا والفلاحين. وليس فقط الاندماج، بل أن مجرد الاتفاق الدائم سيكون ضارا بحزب الطبقة العمالية، وسيضعف النضال الديمقراطي الثوري" لسبب بسيط هو "أن طبقة الفلاحين، بوصفها طبقة مالكي الأرض، ستضطلع في هذا النضال بنفس دور الخيانة والتذبذب الذي تضطلع به الآن البرجوازية في النضال من أجل الديمقراطية. وإذا نسي المرء هذا الأمر، فكأنه ينسى الاشتراكية ويخدع نفسه بنفسه، ويخدع الآخرين حول مهمات البروليتاريا ومصالحها الحقيقية." بل نراها عاجزة كليا عن اتخاذ المبادرات وخوض النضال بشكل منظم وحازم إلى جانب النقابات والتنسيقيات بمختلف المحطات التي تدعو لها الحركة التقديمة والديمقراطية في الساحة، إذ تجدها في الغالب على الهامش، تنتقد الجميع، الثوريين والإصلاحيين، وترفض المشاركة في الاحتجاجات الجماهيرية وتحت مبررات بئيسة مرتبطة أساسا بمشاركة بعض الأطراف المعادية، الشوفينية والظلامية، في احتجاج ما أو معركة ما.
وهو عكس ما ذهب إليه حزب "النهج الديمقراطي" الذي استثمر كثيرا في هذه الأطروحة، مجربا الكثير من الأساليب والنظريات في حقل التنظيم ارتباطا بتصوره للثورة وما يستلزمه من تحالفات وتنسيقات وجبهات، لحد التمييع وفقدان البوصلة، كما هو الشأن بالنسبة لخطواته الانبطاحية لمصلحة القوى المعادية للتغيير والحرية والديمقراطية.. التي يعرفها جميع الديمقراطيين والتقدميين الأحرار بأنها قوى ظلامية وإجرامية، لم تتوانى عن التخطيط، والإشراف وتطبيق حكم الإعدام في حق المناضلين التقدميين وسط الجامعة، دون ان تقدم، على الأقل، الاعتذار أو النقد الذاتي عن مثل هاته الممارسات الفاشية.
فالحزب المذكور جرّب وما زال يجرب، وخلال مختلف التجارب التي خاضها، تراه يقدم التنازلات تلو الأخرى في مجال النظرية والسياسة والتنظيم، بل لا يلمح إلا لماما للاستراتيجية الثورية الاشتراكية، التي لم تعد بالنسبة له أفقا وحيدا ومؤكدا خلال هذه المرحلة الإمبريالية التي اعتبرها من زمان الرفيق لينين بأنها عشية الثورة الاشتراكية، التي من واجبنا الإعداد لها، بكل العدة والعتاد، اللازمين.. لهذا لم ينجح الحزب في تطوير تجربته التنظيمية، سواء السرية أو العلنية، بحيث بقي التنظيم عاجزا عن اختراق صفوف الطبقة العاملة والارتباط بطلائعها، وبقي مكتفيا بقواعده من المتعلمين والموظفين والمهندسين والأساتذة الجامعيين وبعض الطلبة، دون تفعيل لنقده الذاتي عن نظرية "الشبيبة التعليمية طليعة تكتيكية" المتناقضة مع إستراتيجية الارتباط بالطبقة العاملة مباشرة والنظرية الاشتراكية للتغيير.
لقد أدى التنظيم الثمن غاليا، ولم يستوعب الدرس بالمرة، وظل ملتصقا بهاته الفئة المتعلمة الغامضة الآفاق، الشيء الذي أجبره على الانسجام والتكيف مع طموحاتها وآمالها في الوصول إلى مجتمع ديمقراطي لبرالي يختفي فيه "المخزن" وجناحه المافيوزي المتشدد، ليبقى الحال على ما هو عليه، أي دون المساس بالرأسمالية ومصالحها.! ويبدو أن هذا العجز ساهم إلى حدّ ما في "تطوير" تصور الحزب للتنظيم وبناء الأداء الثورية، الذي أصبح متشبثا بصيغة "حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين" في تناقض صارخ مع التصور الماركسي لبناء الحزب.. إنها محاولة للتغطية والتبرير لهذا الغياب المفضوح، أي غياب العمال والعاملات عن هياكل التنظيم، وهي معضلة تعاني منها مجمل فصائل الحركة الثورية المغربية مما يقتضي معالجتها فورا دون إبطاء.
إذ كان حريا بالرفاق في "النهج الديمقراطي" الاتجاه نحو اليسار، ونحو عموم التقدميين والديمقراطيين لفتح النقاش الجدّي والديمقراطي حول هذه المهمة، لتتقدم حركتنا التحررية إلى الأمام، عوض السباحة ضد التيّار التقدمي والتحرري، الصادق.. لقد أصبحت هذه المهمة عند رفاقنا وكأنها رغبة ذاتية تحتاج للإرادة والعزم، فقط، عند مجموعة من أشابه "البلاشفة القدماء" استدعت وسطهم حالة من الهياج والبروبكاندا وسط نفس القواعد الحزبية المحدودة والغريبة عن الطبقة العاملة، وكأن الأمر يتعلق بتشكيل جمعية حقوقية أو تنسيقية لمناهضة الغلاء أو لنصرة القضية الفلسطينية..الخ
فحسب فهمنا المتواضع، وتفاعلا مع النقاش حول هذه المهمة، الذي يفترض فيه أن يكون مع ماركسيين حقيقيين لا يقللون من صعوبة هذه المهمة التي فشل في إنجازها اليسار، بالرغم من تضحياته الجسيمة والمتتالية من ستينيات القرن الماضي إلى الآن. فنحن لسنا بصدد تشكيل جمعية أو تنسيقية نضالية في مجال من المجالات، الشيء الذي لا نبخسه ولا نقلل من قيمته، بل نعمل على تقويته يوميا وفي أي مكان، ارتباطا بقضايا وهموم الجماهير الشعبية.. نحن بصدد تشكيل إطار تنظيمي نوعي إطار يضع أمام أعينه مهمة الثورة والتغيير برجالاتها وطلائعها ومثقفيها المحترفين، التي لا بد من التخطيط الجيد والواعي لها.. ثورة اجتماعية تستهدف السلطة والإطاحة بالنظام كنظام سياسي واقتصادي.. ثورة اجتماعية تعتمد من بدايتها إلى نهايتها على محترفين ثوريين بكل ما في الكلمة من معنى، مرتبطين أشد الارتباط بالقواعد العمالية، والنقابات، واللجن الشعبية في الأحياء والبوادي..الخ ثورة تتبنـّى التغيير وحسمه لمصلحة الجماهير الشعبية ولخدمة أهداف الثورة الاشتراكية.. وبالتالي فأسلوب وطريقة بناء هذه الأداة لا تتناسب مع أحزاب اختارت أسلوب الشرعية والعلنية في العمل السياسي المباشر. إذ من باب الهراء والهزء أن ينخرط المناضل في هكذا أساليب تثقل الكاهل وتبدد الجهود في هكذا مناوشات تقوم بها جماعة من المناضلين المعدودين على رؤوس الأصابع، يحاصرون حينا ويمنعون من التظاهر ويعنفون في غالب الأحيان، دون أن يستفيدوا من الأساليب التنظيمية الماركسية والعمالية، ودون أن يجهدوا النفس ويبدعوا ويبتكروا ويقاوموا حماية للفكرة الثورية من الضرر والاجتثاث.. فحالة الحركة الثورية المغربية من وجهة نظرنا تستدعي المزيد من النقاش، تعميقا للتفاعل والبحث عن الحد الأدنى المشترك، لتحقيق التقارب التنظيمي والتجميع.. إذ لا بد من تشكيل منظمة ثورية موحدة، يكون هدفها وضع اللبنات الأساسية لقيام حزب ثوري من أجل التغيير الاشتراكي، جنبا إلى جنب عموم الفقراء والكادحين والمحرومين.. وهي مهام ليست بالسهلة أو الهيـّنة كما تبدو على الورق، فهي مهام نضالية معقدة تتطلب الحزم والعزم، وكثير من المبدئية والممارسة والاجتهاد، وتتطلب كذلك التواضع والجرأة على اختراق المواقع العمالية والجماهيرية.. إذ لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نعوض أو ننوب عن الطبقة العاملة في إنجاز مهامها، فمهما بلغت تضحياتنا من أجل القضية الاشتراكية كمناضلين ثوريين، لأننا نؤمن أشد الإيمان بأن التحرر العمالي هو من صنع العمال أنفسهم.. فلا بد من الإسهام والحضور الفعلي، الميداني والحاسم، للطبقة العاملة، فبدونها لن يكتب للثورة النجاح، وإذا حدث وأن قامت ثورة مغربية بدون الطبقة العاملة أو الأغلبية منها، فلن نقضي بتاتا على الاستغلال والاستبداد والنهب والانصياع للإمبريالية، بل سيترك القائمون عليها الباب مفتوحا للإنتاج الحر، ممّا يسهل العودة السريعة للرأسمالية بشكل أكثر وحشية وهمجية من السابق.. لذا تتطلب ثورتنا أيضا الكثير من الصبر لإقناع الجماهير العمالية والشعبية الغير عمالية، بهذا المشروع، المشروع التحرري البديل والخالي من الاستغلال والتمييز والطبقات.. وهي مهام في نظرنا، لا تقبل التسرع أو المزايدة أو البطولية الخرقاء.. لأنها في عمقها مهام نضالية واضحة وبعيدة عن الانتظارية ولا تقبل بالنقد الهدّام والمحبط للكفاءات الثورية.. فكثير من الانتقادات المتبادلة والرائجة في ساحة النضال الثوري، لا تصل لمبتغاها الإيجابي بسبب من الأساليب التي تعتمدها والتي تحجبها أو تحرفها عن الطريق السديد.. فحذار من الأخطاء والأخطاء المتكررة والانزلاقات.. فمعركتنا معركة مصيرية وطبقية إلى أقصى حد.
بهذا الشكل والطريقة، نكون قدمنا نظرتنا لأمور البناء، نظرة من المؤكد أنها تحتمل الصواب كما تحتمل الخطأ أو النقصان.. لأن الأمور نسبية بطبيعتها، أمور تتعلق بالمجال النضالي الاجتماعي الذي راكم خلاله المناضلون العديد من التجارب المختلفة.. وفي هذا الإطار ارتبطنا وأيدنا بدون تحفظ التصور اللينيني في مجال البناء والتنظيم والبرنامج النضالي ومجمل التكتيكات الملائمة لهذه المرحلة، أي المرحلة الإمبريالية باعتبارها قمة الأزمة الرأسمالية وعشية الثورة الاشتراكية التي لا بد من التحضير لها بكل الحزم والمبدئية والاجتهاد.

ماي 2022








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما مصير العلاقات العراقية الكويتية؟ | المسائية


.. هل ألغى النظام الإيراني شرطة الأخلاق؟ • فرانس 24 / FRANCE 24




.. الجزائر والأردن.. اتفاق على تعزيز التعاون | #النافذة_المغارب


.. ليبيا.. بحث عن حل سياسي مع استمرار تفلت الميليشيات | #النافذ




.. رئيس الإمارات وأمير قطر يبحثان العلاقات الثنائية والتطورات ا