الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عن الجامعة والعنف الطلابي وأسبابه الحقيقية

مصطفى بن صالح

2022 / 9 / 6
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي


ولأن الحركة الطلابية بطبيعتها شبابية، وبالتالي دينامية وحماسية في قراراتها ومواقفها وردود أفعالها.. فهي معرّضة دائما للتوتر بسبب من خلافاتها وصراعاتها الداخلية بين مكوناتها وفصائلها السياسية، خلال النضال ضد المخططات التخريبية وضد برامج النظام التعليمية والتصفوية المهددة باستمرار لمستقبل الطلبة ولحقهم في تعليم جيّد وجامعة ديمقراطية من جميع جوانبها.. وإذا أضفنا لهذا الواقع بعض الصراعات الهامشية بين الطلبة أنفسهم، لأسباب سلوكية مرتبطة بالهوية أو الانتماء الاثني، أو المجالي والجغرافي.. تكون دوافعها في الأغلب تحرشية أو تنمّرية أو هما معا، لتتخذ منحى دمويا تناحريا وخيم العواقب.. يصبح من واجبنا بالتالي كمناضلين ديمقراطيين هو المساهمة في الحدّ من هذه الظاهرة عبر إشاعة الديمقراطية على أوسع مجال. ودون هذا الأسلوب لن نتمكن من استئصال الظاهرة نهائيا، لأنها في الأصل النـّتاج الطبيعي لغياب الديمقراطية لينمحي معها الحق في الاختلاف وحرية التعبير والتفكير والاعتقاد..الخ إذ لا عهد للفصائل الطلابية الحالية بالديمقراطية، ولم تتمرس قط على ممارستها داخل هياكلها الداخلية والخاصة، دون أن ننسى حقيقة الفاعلين الجدد وسط الساحة الجامعية الذين لا يعترفون بالنقاش والحوار الديمقراطي، بل وينكرونه كأسلوب لحل الخلافات الطلابية ولتدبير النضال والمعارك.. وأعني بهم القوى والتيارات الطلابية الظلامية إضافة لبعض الأنوية الفاشية والعنصرية وسط الحركة الأمازيغية وحركة الطلبة الصحراويين.
فمن هذا الباب يتوجب علينا الانطلاق في النقاش حتى لا نتيه ونضّل الطريق.. أحد الرفاق "القاعديين" أو هكذا ادعى، والعهدة على الراوي.. تقدم بقراءته الخاصة لتجربة النضال الطلابي خلال المرحلة المعاصرة، أي منذ ستينيات القرن الماضي إلى الآن. في محاولة منه لنقاش الظاهرة والحد منها، عبر اقتراحه وتأكيده على حلـّه الحزبي والسحري المتمثل في "اجتماع كل الفصائل لتضع الحد للعنف".! وهي قراءة مفيدة في بعض جوانبها، تعرّف الطلبة بتاريخ الحركة الطلابية، وبتاريخ الاتحاد إوطم، وبمعاركه الجريئة من أجل تحقيق المطالب المادية والمعنوية لجماهير الطلاب، ومن أجل الدفاع عن الحريات الديمقراطية، وصيانة حرمة الجامعة، وإطلاق سراح الطلبة المعتقلين، وإيقاف المتابعات في حق المناضلين والمناضلات، الشيء الذي بوّأه مكانة رفيعة ومحترمة وسط الحركة التقدمية المغربية لسنوات وأجيال، ليس بسبب دفاعه عن الجامعة وعن الحق في التعليم المجاني والجيد.. وفقط، بل وكذلك دفاعا عن الحرية وعن كرامة المواطنين المغاربة، وعن الديمقراطية وعن قوت المغاربة وحقهم في الشغل وفي ما يضمن الحد الأدنى لعيشهم..الخ
الرفيق الذي نعت نفسه بـ"الأوطامي القاعدي" تقدم بمقاله هذا الذي يستحق التفاعل والنقد وتصحيح بعض المعطيات، والذي سننخرط فيه بكل تواضع، وبعيدا عن أية أستاذية تفسد النقاش حول هذه الظاهرة، وحول سبل التقليل من تأثيراتها السلبية والخطيرة، لأنها تقف صراحة وبوضوح حجرة عثرة في طريق وحدة الحركة الطلابية وفي سعيها لاسترجاع اتحادها ومنظمتها إوطم.. حيث يكفي أن يفتخر المرء بانتمائه لهذا الاتحاد، وبكونه مناضلا إوطميا متشبعا بمبادئه التقدمية والديمقراطية والجماهيرية.. أما وأن يضيف لنفسه لقب "القاعدي" فذلك نقاش آخر، يرتبط بالتصور، والبرنامج النضالي، والرؤية التنظيمية لإعادة بناء الاتحاد لحمايته من التسلط والبيروقراطية، وللتجسيد الفعلي والعملي للصّفة "القاعدية" ولهذا الارتباط الجماهيري الذي لا بد منه.. "فالرفيق" لم يعبر سوى على وجهة نظر حزب "النهج الديمقراطي"، بوعي أو بدونه، لإعادة تشكيل الكيان الطلابي بطريقة هلامية، لا تراعي التاريخ، والتضحيات، والمبادئ، والهوية التقدمية والديمقراطية للاتحاد.. وهي إشارات كان لا بد منها قبل الانطلاق صوب مهمتنا المعلنة.
1- بداية هذا التفاعل، لا بد أن تنطلق من تصحيح بعض التواريخ والمعطيات التي لا نتمنى أن تكون مقصودة.. حتى يبقى المقال صالح للأرشيف والأرشفة.. حيث لا يمكن الخطأ أو الجهل بتاريخ أهم انتفاضة تلاميذية وطلابية وشعبية خلال بداية المد التحرري المغربي، وإعلان المعارضة الصريحة للنظام القائم، ولاختياراته اللاشعبية واللاديمقراطية واللاوطنية.. انتفاضة 22/23 مارس 1965 المجيدة، التي زعزعت عن حق، كيان النظام، ووثرت قراراته وإجراءاته القمعية الشرسة، والتي لم تتأخر عن مواجهة المنتفضين بالحديد والنار والبطش والتقتيل، الذي أسفر عن سقوط العشرات من الشهداء والمئات من الجرحى والمعتقلين والمفقودين.. وباتخاذ بعض الإجراءات السياسية، كإعلان حالة الطوارئ، وحل البرلمان والتضييق على الحريات..الخ

2- فعلى إثر هذه الانتفاضة وفي سياقها أثناء التحضير لها، تفجر النقاش وسط الشباب الطلبة والتلاميذ متسائلين عن المغرب الذي يريدونه، وعن حال حركة التحرر المغربية، وعن مدى أهليتها لقيادة التغيير والإشراف على جميع محطاته، منتقدين حالة التدهور والانبطاح الذي سارت عليه مكوناتها الأساسية. وبالموازاة مع هذا النقاش انتشرت الخلايا وتفرّخت ببعض المدن المهمة كالبيضاء وفاس ومراكش لمعالجة هذا التدهور وآثاره على العمل النضالي والسياسي التقدمي في بلدنا، على أرضية جديدة، فكرية وسياسية وتنظيمية.. مهدّت الطريق لبناء منظمات الحركة الماركسية والإعلان عن ولادتها الرسمية يوم 23 مارس 1970 بالنسبة للمنظمة التي سمّت نفسها تمجيدا لهذه الانتفاضة، ثم ولادة المنظمة الثانية منظمة "إلى الأمام" التي لا تختلف عن الأولى في العديد من الجوانب المرجعية والسياسية والتنظيمية، إلاّ فيما ندر.. بتاريخ 30 غشت من نفس السنة.
هاته المنظمتان اللتان وجدت لنفسها قاعدة طلابية مهمة ومهيأة لدعمها، ومساندتها، وتبني مواقفها، وانتقاداتها للسياسة التعليمية من جهة، وللتدبير والبيروقراطي والانتظاري لأشغال الاتحاد الذي كان يقوده حينها الحزبين الإصلاحيين، حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والحزب الشيوعي المغربي، مما استلزم التنسيق ووحدة النضال وسط جبهة طلابية مكافحة، غزت الساحة الطلابية وتقدمت لانتخابات الأجهزة التمثيلية المحلية، أي التعاضديات ومجالس القاطنين، ولانتداب المؤتمرين باسم "الجبهة الموحدة للطلبة القاعديين" لتكتسح الساحة وتحصد الأصوات بدون منافس يذكر.. وهو الشيء الذي مكنها من تسيير الاتحاد وتدبير أشغال مؤتمره الثالث عشر في توجهاته العامة، والمشاركة كأقلية في أشغال المؤتمر الرابع عشر، ثم السيطرة والاكتساح الفعلي والتاريخي خلال أشغال المؤتمر الوطني الخامس عشر، الذي يعد بمثابة القفزة النوعية في تاريخ الاتحاد والحركة الطلابية المغربية ككل.
3- ومن حيث الصياغة الأدبية، ومن حيث الأمانة، كان لا بد، تسمية الأشياء، كما الفصائل والتيارات والاتجاهات، بأسمائها دون إضافة أو مبالغة.. وكان يضيف الرفيق بحماس شديد، الصفة الثورية لهذه "الجبهة" كحكم قيمة خاص بتقديره، وتقييمه للنضال الطلابي ولموقع الحركة الطلابية في الصراع والنضال من أجل التغيير.. فتلك بداية الانزلاق والتهور، فالرفيق "الأوطمي" أشار لأشياء عديدة مرتبطة بالأوضاع السياسية عامة، وأهمل في المقابل ما يخص الطلبة في نضالهم ومعاركهم من أجل تحسين أوضاع وسير العملية التعليمية، وما يخص النضال من أجل تحقيق تعليم شعبي ديمقراطي علماني وموحد، الذي تبنـّته "الجبهة" ليس كتيار سياسي صرف، مقطوع الأواصر وبعيد عن محيطه ومنشئه، بل كتيار طلابي تقدمي مشبع بالوحدة والديمقراطية، والكفاح الجبهوي المشترك مع عموم المكونات السياسية والنقابية والجمعوية.. المناضلة من أجل هذا الغرض. فالجبهويون تقدميون، وانتهى الأمر.. والعهدة عليهم، وهم من سموا أنفسهم بهذا الاسم واللقب.
حيث يلزمنا في إطار هذه المساهمة البسيطة ليس تصحيح المعطيات والتواريخ وفقط، بل إعطاء الرأي حول بعض المواقف والتصورات عن الحركة الطلابية المغربية، وعن الصراع الذي لازمها من أجل تطوير نضالها.. وهو صراع في شكله ومضمونه ديمقراطي نسبي، لم يذهب قط للحد أو للحاجة "لخوض النضالات ضد طلبة القوى الإصلاحية" كما ادعى الرفيق "الأوطمي"، بدليل ما تقدم به المؤتمر الوطني الخامس عشر نفسه، عبر خطته، ودعوته لعموم القوى الديمقراطية والتقدمية، السياسية والنقابية والجمعوية، لتشكيل جبهة وطنية عريضة للنضال من أجل التغيير.
4- ومن الإجحاف مرة أخرى أن يستمر، وبشكل مقصود، طمس مجهود الحركة الاتحادية ويسارها الشبابي، في السبق لتشكيل الحركة الماركسية ووضع لبناتها الأولى عشية الانتفاضة الشعبية بتاريخ 23 مارس 65. لقد تشكلت المنظمة الأولى وفاءا لهذا التاريخ وهذه الذكرى بعد نقاش واسع وعميق وسط الطلائع الشبابية، التلاميذية والطلابية، وسط الوداديات واتحاد الطلبة إوطم والجمعيات الثقافية ونوادي المسرح والسينما.. لم ينخرط في صلبه ومعمعانه الشباب الشيوعي إلا بعد تردد طويل، لم يحسمه ويسرّع من خطواته سوى المنزلقات السياسية الخطيرة والمواقف المذلة التي أقدم عليها الحزب الشيوعي في تعاطيه مع القضية الفلسطينية، والقبول بمشروع روجرز سنة 69.!
5- بعد المنع القانوني للمنظمة الطلابية إوطم بتاريخ 24 يناير 1973، وفي ظروف سياسية احتدت فيها النضالات الطلابية والعمالية والفلاحية.. واحتدت فيها كذلك الصراعات من أجل افتكاك السلطة، وصلت لحد التخطيط للانقلابات والثورة المسلحة، التي فشلت جميعها في السيطرة على مقاليد الحكم.. كان طبيعيا أن تتوائم الحركة الطلابية مع الشروط الجديدة للعمل والنضال، وبأن تعمل على تشكيل مجالس طلابية سرية تؤطر وتنظم نضالات الجماهير الطلابية، وفق ما أشار عليه المؤتمر الوطني الخامس عشر كمكسب تنظيمي مهم، حيث لم يكن هدفها بالبات والمطلق هو "استرجاع قيادة المنظمة من العناصر البيروقراطية الإصلاحية" لأن قيادة المنظمة أو أغلبها كان قابعا وراء القضبان، جراء حملة الاعتقالات الشرسة التي استهدفت منظمات اليسار الثوري والاتجاهات التي ارتبطت به أو تعاطفت معه في الوسط الطلابي الأوطمي.. أما عمليا فقد تحمل مسؤولية تنظيم وتأطير وقيادة النضال الطلابي المناضلون الديمقراطيون من بقايا التنظيمات ومن عموم الطلائع الطلابية المتعاطفة أو المستقلة.
6- وخلال هذه الفترة بالذات، حدث وأن تقدم النظام بمشروع لـ"لإصلاح الجامعي"، ظاهره إداري لكن جوهره استئصالي في محاولة لمنع وشطب إوطم نهائيا من الوجود، ومن الذاكرة الطلابية والتنظيمية.. حيث تحملت هذه المجالس مسؤولية الصد والرفض لهذا المخطط التصفوي، الذي اقترح تشكيل مجالس للكليات تمثل الطلبة فيها عبر تعاضديات إدارية لا علاقة لها بالنضال وبمشاكل الطلاب ومنظمتهم إوطم.
وبعد نضال طلابي عنيد كلف الحركة الطلابية العديد من التضحيات في شكل اختطافات واعتقالات واغتيالات حتى.. انتصرت الجماهير الطلابية وتمكنت من إسقاط "إصلاح 76" بصفة نهائية ولا رجعة فيها.. فمن هذه التجربة التنظيمية برزت وتبلورت فكرة المجالس القاعدية التي كانت بداية مجالس للمناضلين الملتزمين الذين يتوفرون على وعي سياسي وفكري وتنظيمي، قبل أن تتطور التجربة وتمتد لصفوف الجماهير الطلابية العريضة وليتفجر الصراع حول الهيكلة وشكلها واتجاهها مباشرة بعد رفع الحظر عن المنظمة إوطم في نونبر 1978، حين احتد النقاش حول الشكل التنظيمي الملائم لتمثيل الطلبة ولخارطة طريقه، حيث كان الصراع، وهو صراع ديمقراطي على أية حال في شكله وجوهره، بالرغم من بعض التجاوزات التي كانت تقع بين الفينة والأخرى، بين التصور الديمقراطي القاعدي والتصور البيروقراطي المشكل من الحلف الثلاثي، كما كان يسمى وقتذاك، والذي كان يضم إلى جانب طلبة الاتحاد الاشتراكي الفصيل الأساسي وسط هذا الحلف، طلبة حزب التقدم والاشتراكية ثم الطلبة الديمقراطيون الذين هم عبارة عما تبقى من منظمة 23 مارس والمتعاطفين مع توجهها الجديد، المتحلق حول جريدة أنوال حينها.. والذين كانوا يقترحون تمثيلية الطلبة من خلال أجهزة فوقية في شكل تعاضديات مقطوعة الأواصر مع الطلبة ومع مجالسهم التمثيلية التي ظلت شكلية واستشارية، عديمة التأثير مثلها مثل تلك الأشكال التي سادت خلال التجارب السابقة، أي المؤتمرات التاسع والعاشر، وما بعده إلى حدود الرابع عشر، وباستثناء الثالث عشر والخامس عشر الديمقراطيين، المتميزين بإعطائهم صلاحيات واسعة لمجالس المناضلين المحلية ولمجالس التنسيق الوطنية، في عملية التأطير والتنظيم، وفي اتخاذ القرارات المصيرية التي تهم مستقبل ومصير الطلبة.. وفي المقابل دافع التيار الطلابي القاعدي عن هذا التراث التنظيمي الديمقراطي والجماهيري، وعمل على صيانته، ونادى بتطويره انسجاما مع التطور الكمي الهائل لطلبة الكليات ولقاطني الأحياء الجامعية، واستعدادا لمقاومة الهجومات القمعية التي كانت تشنها بين الفينة والأخرى القوات القمعية والاستخبارتية.. حماية لحرمة الفضاءات الجامعية من هذا الدنس. حيث أقنع مناضلو ومناضلات التيار جماهير الطلاب بهذا الشكل التنظيمي وهذه الطريقة التمثيلية، التي عاكست التعاضديات البيروقراطية، مرتكزة على البدء بانتخاب اللجان التمثيلية وسط أصغر وحدة دراسية، أي من داخل قاعات الدروس التوجيهية أو التطبيقية، ليتشكل بعدها مجلس الطلبة ولينتخب من وسطه مكتب تنفيذي، يشارك في جميع النقاشات مثله مثل جميع أعضاء المجلس الذي له لوحده صلاحية اتخاذ القرارات الصغيرة والكبيرة التي تهم الجماهير الطلابية ومصيرها، دون الحاجة للوائح التي كانت مدخلا وثقبا أفشت من خلاله التوجهات البيروقراطية سمومها وعدواها وسط جميع الكيانات أي بمن فيها تلك التي ما زالت الان تتشدق بـ"القاعدية" و"الديمقراطية"..!
7- وكيفما كان الحال وتوسيعا للفائدة ولكي لا يتخذ التاريخ والتجربة القاعدية طابعا اسطوريا، انتصر التصور القاعدي واتخذه جمهور الطلاب داخل الأغلبية الساحقة من الكليات والجامعات والأحياء الجامعية وسط هذه الصراعات الطلابية المحمومة بين التصور الديمقراطي القاعدي الذي تبنته الأغلبية الساحقة من الجماهير الطلابية بدعم من المناضلين والفعاليات الديمقراطية وبقايا التنظيمات اليسارية الماركسية، في مقابل التصور البيروقراطي الذي لم يخفي رغبته واستراتيجيته، للهيمنة ولجم النضال الطلابي والتحكم في قراراته بما يمس باستقلاليته وحريته.
فعلى هذا الأساس، وبالإضافة للتعاطف الكبير الذي لقيته قرارات ومواقف المؤتمر الوطني الخامس عشر في صفوف هذا التيار الديمقراطي العريض، التأم الرفاق وتكتلوا دفاعا عن هذا الإرث وعن هذا الشكل التنظيمي الجديد الذي ظلّ محفورا في أصلهم وذاكرتهم وتطلعاتهم، وسط مجال النضال الجماهيري.. بدءا بمهمة التحضير للمؤتمر السادس عشر الذي ألزمهم بخوض الانتخابات الطلابية بناءا على لوائح محددة، خلال ظروف مباغتة ومتسرّعة قرّرها الحلف الحزبي البيروقراطي بدون وجه حق، وبدون أية صفة تنظيمية قانونية، تبيح لهم اتخاذ قرار الدعوة لانعقاد المؤتمر، وكأن هذه الأحزاب هي من تمثل شرعية الاتحاد.! والحال أن قيادة المنظمة، وكما هو معروف عند جميع الطلاب، تقبع في السجن أو تعيش في المنفى.
فرئيس المنظمة يعيش في المنفى لحظتذاك، بعد ثلاثة سنوات قضاها في السجن وداخل مخافر التعذيب السرية، ونائبه رهن الاعتقال بمعية صنـّاع المجالس القاعدية السرية الذين أشرفوا على الإطاحة بمخطط "الإصلاح الجامعي".. بالإضافة لبعض القياديين الأخرين الذين هم رهن الاعتقال وبعض من أعضاء اللجنة الإدارية الذين هم في سراح طلقاء.. لم يستشرهم أحد من هؤلاء ممن استحوذوا على القرار الطلابي وكُلفوا بإنجاز مؤتمر متوافق مع مخططات الدولة في المرحلة وما يرتبط بها من شعارات عن "المسلسل الديمقراطي" و"الإجماع الوطني" و"الجبهة الداخلية" و"الوحدة الترابية"..الخ ولم يراعوا قط الوضع الذاتي الطلابي جراء سنوات المنع وما تركته من نقص في التعبئة، بالإضافة للتوسع الذي عرفه المجال الجامعي والذي عرف تشييد جامعتين جديدتين الأولى بمراكش والثانية بوجدة.
8- وكتصحيح انعقد المؤتمر السادس عشر صيف سنة 1979 بكية العلوم بالرباط وليس بالبيضاء، "مؤتمر الردّة والتراجع" كما سماه "الرفاق القاعديون".. إذ وبالرغم من معارضة الأغلبية لانعقاده وفي ظل هكذا شروط، قبل الرفاق بالهزيمة على مضض وفي جعبتهم تقييمين اثنين لهذا المؤتمر وخطتين للتعامل مع نتائجه.. إذ بدأ التشكيك في عملية رفع الحظر من أصلها، وهو الشيء الذي دفع ببعض الرفاق لاعتبار العملية خدعة وهدية مسمومة وجب الحذر منها، ومن تداعياتها المجسدة في قرارات المؤتمر ونتائجه السياسية والتنظيمية، حيث أشاروا على الرفاق بالمزيد من الصمود والنضال إلى حين إطلاق سراح ما تبقى من مناضلي ومسؤولي إوطم رهن الاعتقال وعودة الرئيس من المنفى لأرض الوطن للإشراف على مؤتمر شرعي وقانوني.. إلى جانب هذا الموقف الذي مثل الأقلية في صفوف الطلبة القاعديين برز موقف ثاني كان له الصدى الواسع والقبول وسط الصفوف، وهو الذي اعتبر رفع الحظر مكسبا نضاليا جاء نتيجة لنضالات الحركة الطلابية وتضحياتها في الميدان، خصوصا بعد المعركة الناجحة التي نسفت "الإصلاح الجامعي".. بمعنى أن العملية تعد مكسبا ديمقراطيا وجب الإشادة به، وتعميقه، عبر تحمل المسؤولية وسط المؤتمر وعبر المشاركة في بناء الهياكل التنظيمية والتمثيلية، حفاظا على الاتحاد. ليتم الاتفاق بشكل ديمقراطي بين الرفاق على الموقف الثاني الذي انصاع له الجميع، أقلية وأغلبية، دون انشقاق، وليحصل بعدها الاكتساح الجماهيري، وحصد الأصوات، ونيل الأغلبية الساحقة في انتخابات الأجهزة التحتية، تعاضديات ومجالس القاطنين، مما قوى اللائحة فعليا وطور من أفكارها ومواقفها وبرنامجها النضالي وسط الساحة الجامعية.
لقد تمكن الرفاق القاعديون وعبر هذه الجرأة وهذه المرونة من الانتصار على البيروقراطية وكسر شوكتها، عبر هذا الاكتساح الجماهيري والتاريخي الذي مكنهم من إفراغ قرارات المؤتمر التنظيمية من مضمونها البيروقراطي، والانتقال بالحركة الطلابية لميدان الفعل والنضال وخوض المعارك بحماس من أجل تحقيق المطالب المادية والمعنوية لجمهور الطلبة والحفاظ على مكتسباتها الديمقراطية والمعنوية.
لقد كانت هذه هي الانطلاقة الفعلية لهذا التيار الطلابي المناضل والذي قاد مجمل النضال الطلابي لمدة تزيد عن الأربعين سنة بما لزمته هذه القيادة من تضحيات جسيمة وصلت لحد التصفية لأطره ومناضليه وسط السجون، وساحات الجامعات، وبالأزقة الضيقة والمظلمة، بل وأحيانا في واضحة النهار وسط الشارع العام.. بالرغم من مآله الآن والذي تحوّل لتيارات عديدة أهملت في مجملها، وبشكل كبير الأوضاع الطلابية المتردية ومطالب الطلاب الملموسة المادية والمعنوية سواء بسواء.. مكرسة تحركاتها للحروب الإيديولوجية والعرقية والإثنية بعيدا عن مهمة إعادة بناء الاتحاد والتشبث بمبادئه وبهويته التقديمة والديمقراطية والجماهيرية.. وفاءا لهذا التاريخ ولجميع من ضحّى أو ساهم في بناء التجربة القاعدية.
فما يجب الانتباه له، أو الاعتراف به على الأصح، خلال مثل هذه التقاييم السطحية، هو أن تشكيل هذا التيار المكافح لم يكن بقرار من أي كان، أو بتخطيط من أية جهة كانت.. وكذلك الشأن، فلم يكن بروزه عفويا كما ادعى البعض، بل كان تمرة تلاقح وتفاعل مجموعة من الآراء والأفكار والاتجاهات الديمقراطية والتقدمية الطلابية، التي لم تخفي تعاطفها مع تجربة المؤتمر الوطني الخامس عشر، وبقيت مخلصة لاختياراته وتصوراته، ولم تتخلف عن المطالبة بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين بمن فيهم مسؤولي ومناضلي إوطم، الذين لاقوا الصمت والإنكار من طرف قيادة المؤتمر السادس عشر.
وعلى هذا اقتصر برنامجه النضالي، الذي لم يتم تطويره إلا بعد العديد من النقاشات واللقاءات وسط الرفاق قبل وبعد المؤتمر، وتعزيز صفوفه بمناضلي المعاهد والمدارس، وبشكل خاص مناضلي المدرسة المحمدية للمهندسين المرتبطين إلى حدّ ما بوجهة نظر منظمة "إلى الأمام" في مجال النضال الطلابي والقاعدي الذين كان لهم الأثر الكبير والملموس.
9- انعقد المؤتمر السابع عشر بالمدرسة المحمدية للمهندسين خلال شتنبر 1981، أو شطره الأول على الأصح، قبل إغلاق المدرسة في وجه المؤتمرين، ليقصدوا مقر الاتحاد لاستكمال أشغال المؤتمر. حيث كان جدير بالرفيق "القاعدي" أن يتناول في توطئته، الظرفية السياسية التي انعقد فيها المؤتمر، والتي كان لها الأثر الكبير على سير أشغاله وقراراته التنظيمية والمستقبلية.. ولم يشر "الرفيق" كذلك لأهم حدث عرفه هذا المؤتمر وأربك أشغاله، وهو قرار انسحاب لائحة طلبة الاتحاد الاشتراكي ـ أنصار الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ـ من قاعة المؤتمر، رفضا منهم لوجود لائحة ثانية باسم الحزب نفسه وهي لائحة رفاق الشهداء مهدي وعمر.. والحال أن هذا الانشقاق الحزبي أصبح معروفا لدى العام والخاص، أي وسط جميع الطلاب الذين عايشوا وعاينوا عملية الانتخابات، وما يرافقها من دعاية وحملة انتخابية، ونقاشات وصراعات سياسية ومذهبية.. تؤكد أن الحزب أصبح ممثلا بلائحتين تشارك كلتيهما في العملية الانتخابية وتحت إشراف اللجنة التنفيذية التي ضمت حينها أغلبية اتحادية تمثل أنصار الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.
انسحب الاتحاديون بناءا على هذا التبرير الواهي، ورافقتهم في الانسحاب ثلة من أجود العناصر القاعدية التي رفضت هي الاخرى بأن يمر المؤتمر من دون الاتحاد الاشتراكي.. حيث كانت صفعة حقيقية للقاعديين الذين أعدّوا للمؤتمر بروح وحدوية وأملهم أن تتشكل قيادة وحدوية على أرضية حد أدنى للدفع بسفينة الاتحاد إلى الأمام.. فالظروف التي عاشتها البلاد وقتذاك مباشرة بعد الانتفاضة الشعبية المجيدة خلال العشرين من يونيو بالبيضاء والرباط وسلا وتمارة والمحمدية.. ردّا على الزيادات المهولة في الأسعار، ترتب عنها قمع وبطش وإطلاق الرصاص الحي في صدور المتظاهرين، صاحبته حملة واسعة من الاعتقالات والمتابعات في صفوف الجماهير المناضلة. وعلى هذا الأساس ذهب الرفاق بتحليلهم وتقديرهم أن حزب الاتحاد لن يتخلى عن هذه الواجهة النضالية التي سيوفرها له حتما اتحاد الطلبة إوطم، خصوصا بعد تقييد نشاط الحزب والنقابة بالاعتقالات والمتابعات وحصار المقرات.. ولم يخطر لهم على بال أن الاتحاد الاشتراكي سيرفض عرضهم بتشكيل قيادة وحدوية تفي بمهام النضال الطلابي وتساعده، بالإضافة لهذا، على فكّ الحصار عن الحزب ورفع تظلمه والاستمرار في مناوشاته ضد الحكم وتمرير مواقفه..الخ
وبعد سلسلة من النقاشات والحوارات والتنسيقات، المراطونية وسط مقر المنظمة بهدف تجاوز هذا المأزق الذي تسبب فيه هذا الانسحاب، والخروج بقيادة جماعية تضم اللوائح الأربعة المتبقية.. وعكس هذا الطموح عجز المؤتمرون عن التوصل لتوافق سياسي وتنظيمي يضمن الحفاظ على الهياكل التنظيمية للاتحاد بما يساهم في استمراريته وحضوره النضالي في الساحة الطلابية وفي الشارع جنبا إلى جنب القوى التقدمية والديمقراطية.. بسبب من التماطل والتمطيط والابتزاز الذي تعرض له القاعديون من طرف الأقليات التمثيلية والتي لا يتعدى حضورها عشرة في المائة من وزن المؤتمرين القاعديين، والتي بدت لها الفرصة سانحة للاستيلاء على القيادة الوطنية للاتحاد.. وأصبحت جميعها بما فيها الحليف المغشوش وغير الموثوق ـ رفاق الشهداء ـ متأهبة للانقضاض على الاتحاد عبر المطالبة بالأغلبية في اللجنة التنفيذية واللجنة الإدارية، أو رفع الأشغال والترتيب لمؤتمر استثنائي فوق العادة، في وقت لاحق.. فكان التأجيل الذي قبلت به الأغلبية الساحقة من الطلبة القاعديين، وعلى مضض، وبقي ساري المفعول إلى الآن لحظة كتابة هذا الملاحظات.
10- نتائج هذا التأجيل، الذي هو بمثابة فشل، كانت وخيمة على الاتحاد وعلى النضال الطلابي وعلى مكتسبات الجماهير الطلابية المادية والمعنوية والتنظيمية والديمقراطية..الخ بالنظر لما كان ينتظر جماهير الطلاب والشعب المغربي من مخططات جهنمية كان على رأسها "برنامج التقويم الهيكلي" المشؤوم، والذي حصد كما هو معلوم العديد من المكتسبات الطلابية والاجتماعية، بدءا بتقليص منحة الطلبة للنصف أو الثلث بالنسبة لبعض المدارس والمعاهد، ومنعها عن البعض، والتملص من قانون الخدمة المدنية وإغلاق العديد من مراكز التكوين الخاصة بالمعلمين والأساتذة والممرضين والتقنيين في مجالات شتى.. والشروع الممنهج في خوصصة عموم القطاعات والمؤسسات ذات الارتباط بالخدمة العمومية والاجتماعية في مجال التعليم والصحة والسكن والشغل..الخ
بالإضافة للهجوم على الحريات والعصف بـ"المسلسل الديمقراطي" وما يرتبط به من وعود وشعارات، كان نصيب الجامعة منها، وابتداءا من شهر نونبر 1981، زرع أجهزة استخباراتية علنية بالقلب منها، لاقت الرفض والمناهضة، ثم المواجهة العنيفة دفاعا عن حرمة الجامعة.. نجم عنها بالطبع وانسجاما مع طبيعة النظام القائم اعتقالات وخطف الغالبية الساحقة من مناضلي ومسؤولي إوطم بكل من الرباط والبيضاء ومراكش وفاس ووجدة.. بمن فيهم ما تبقى من المناضلين أعضاء اللجنة التنفيذية، قـُدموا جميعهم للمحاكمات وصدرت في حقهم أحكاما جائرة وصلت لثلاثة وأربعة سنوات.. بالإضافة للقرار الذي بموجبه تمت عسكرة المدرسة المحمدية للمهندسين باعتبارها قلعة للنضال الطلابي القاعدي، حيث منع النضال عبر استئصال الاتحاد ومنع أجهزته ومسحها من الوجود نهائيا وإلى الآن.
11- فهكذا تم التسلسل في الأحداث وتداعياتها، وهكذا وجبت الإشارة لأهم المعطيات وأدقها حسب وجهة نظرنا المتواضعة.. لأن الخلافات والصراعات وسط النهج الديمقراطي القاعدي برزت لحظة التهيئ للمؤتمر الوطني السابع عشر من أجل الحسم في اسم اللائحة وفي توقيت المؤتمر وفي البرنامج والخطة والتحالفات..الخ ولم يتوفق الرفاق في توحيد اللائحة تحت اسم واحد واستمر تعدد الأسماء، أي الطلبة القاعديون، والطلبة القاعديون التقدميون، والطلبة التقدميون، وطلبة الوحدة والنضال ثم طلبة المبادرة الجماهيرية.. التي مُثلت قواعدها بالمؤتمر الوطني السابع عشر، وهي حساسيات لم يكن لها نفس التصور لتدبير المؤتمر وما يلزمه من حد أدنى وتحالفات وتنازلات، ارتباطا بتطوير النضال الطلابي في جميع الحالات، أي بما فيها حالة المنع المحتملة بعد انفراط عقد "المسلسل الديمقراطي" المرتب بين النظام وقوى المعارضة الشرعية الممثلة في الاتحاد، حيث أصبحت الساحة الجامعية عرضة للتضييق وكتم الأنفاس ابتداءا من نونبر 1981 بجامعات محدودة الرباط وفاس والبيضاء، ليعم القمع ما تبقى من جامعات، وليشمل كذلك الجامعة بكل من مراكش ووجدة خلال السنة الموالية.
12- وبصدد وحدة النهج وما تهدده من انشقاقات خرجت للعلن متفجرة ومفتوحة للرأي العام الطلابي والوطني، تجاوزت بكثير الخلافات التي تكلمنا عنها والتي عاشها النهج قبل انعقاد المؤتمر وإبّانه.. كأن ذلك خلال السنة الدراسية 82/83 والتي تميزت بعودة النضال الطلابي للواجهة واحتدام الصراع ضد مخطط "إصلاح التعليم"، وبدرجة أولى ضد نظام الامتحانات الجديد المرتبط به، والذي ألغى عمليا نظام الدورتين، جوان وشتنبر، معوضا إيّاها بامتحانات جزئية على طول السنة، لا تترك للطالب الوقت الكافي للبحث والاستيعاب والتحضير.. إجراءات تصفوية وطبقية مفضوحة حوّلت الطلبة ومنذ ذلك الوقت لماكينات لإجراءات الامتحانات واقتناص النقط، بغض النظر عن المستوى الذي لم يعد مقبولا أو معترفا به لدى جميع الجامعات الأجنبية.
خلال هذه السنة بالذات، وارتباطا بمهام مواجهة نظام الامتحانات هذا، انشق عن النهج تيار طلابي تحلق حول زعيمه الفقيد عبد الحق بنيس، الذي كان مرشحا لاستلام رئاسة الاتحاد خلال المؤتمر الفاشل.. مناضل ضحّى وعانى من الاعتقالات خلال المرحلة التلاميذية بداية السبعينات، وبعدها وهو طالب، حيث كان ضمن المجموعة التي هندست للمجالس السرية القاعدية، وتعرض للحجز والاعتقال لمدة ثلاثة سنوات بسجن مكناس.. انشق التيار بسبب من أطروحته "الوحدوية" ومن خطه النضالي الانتظاري الذي رفض مواجهة بنود الإصلاح ومقاطعة الامتحانات، مقامرا باستقلالية النهج ومغامرا بخططه غير المحسوبة عبر مساومة غير مبررة طالبت بالحريات النقابية مقابل القبول بنظام الامتحانات وعدم مقاطعتها.! وهو التيار الذي سمّي حينها بتيار "البنيسيين" أو تيار "7 فبراير" ارتباطا بتاريخ الامتحان الجزئي بكلية العلوم بالرباط لسنة 82/83.
13- الانشقاق الثاني ارتبط بالتهيئ للمؤتمر الاستثنائي فوق العادة، بعد عودة الانتعاش للنضال الطلابي وهزم الحظر العملي للمنظمة إوطم، التي باشرت معاركها، وجددت هياكلها وسط غالبية المواقع الجامعية.. حيث كان يلزم الرفاق القاعديين الإعداد الجيد والخطة الجيدة ترقبا لجميع الاحتمالات.. خصوصا وأن الرفاق ممثلي لائحة "الطلبة الديمقراطيون" ولائحة "رفاق الشهداء" بادروا وراسلوا الفصيل القاعدي مقدمين نظرتهم وتصورهم لتجاوز أزمة الاتحاد. وكأهم خطوة في هذا الاتجاه، كانت الندوة المقامة بمعهد الإحصاء، والتي اقترح خلالها الرفاق "الطلبة الديمقراطيون" خارطة طريق تساعد على إنجاح المؤتمر الاستثنائي.. كانت الخطة المقترحة والتي سميت حينها بـ"ندوة الأطر" تضم جميع الفصائل ويكون الغرض منها الاتفاق والتوافق القبلي حول التمثيلية وشكلها، وحول المواقف والمقررات وسائر الأمور المتعلقة بأوضاع الحركة الطلابية وبرنامجها النضالي حتى.
فلم يكن النقاش أبدا حول التنظيم كما ادّعى الرفيق أي "بين أنصار التشبث بالتنظيم والرافضين له"، وطرحه بهذه الطريقة مجرد هراء بليد ومفضوح، اعتدى صراحة على الحقيقة الموضوعية.. لأنه حاول أن يقدم الصراع بطريقة مخالفة لحقيقته، لأن الرفاق القاعديين كانوا حينها مستعدين كل الاستعداد لإنجاح المؤتمر الاستثنائي بروح وحدوية ديمقراطية تشرك جميع الفصائل في قيادة الاتحاد كل حسب وزنه وفعاليته.. وهو عكس ما ذهب له بعض الرفاق الذين استهتروا بقرارات النهج الديمقراطية والمسؤولة.
فأصل الخلاف ارتبط حقيقة بقضية الاستقلال التنظيمي للفصيل الطلابي القاعدي، الذي أصبح عرضة للتأثيرات والخلافات التي كانت تعرفها منظمات اليسار الماركسي أو ما تبقى منها. وخلال هذه الفترة بالذات تطورت هياكل النهج، وأصبحت قراراته مسؤولة، ومضبوطة، وملزمة لجميع مناضليه.. وأصبح التنظيم قويا متماسكا ومقاوما لجميع الاختراقات والهجومات البوليسية، ولم تؤثر على مسيرته النضالية أي من المضايقات والمتابعات والاختطافات والمحاكمات، التي قدرت خلال هذه الفترة بالعشرات وأكثر.. لم تنل من عزمه وصموده، ولا من مقاومته باعتباره القوة الضاربة المداومة في الميدان الطلابي.
وعكس ما ذهب إليه "الرفيق" في تقييمه، تقدم الرفاق القاعديون بخطوات كبيرة في نقاشاتهم حول الخطة الناجعة لتدبير المؤتمر، وأجروا لقاءات عديدة مع ممثلي الفصيلين المذكورين، آخذين بعين الاعتبار ومستفيدين من أخطاء المؤتمر الوطني السابع عشر.. الشيء الذي عاكس على ما يبدو وطموحات وأهداف الرفاق في منظمة "إلى الأمام" التي كانت تعيش تجربة إعادة البناء، وما رافقها من مراجعة وانحراف وتنازلات في شتى النقط والميادين.. ليسارعوا بتقديم وجهة نظرهم وقراءتهم للمرحلة، وما تستوجب من خطوات، بشكل مستقل عن النهج، وفي تجاوز صريح لقنواته التنظيمية، التي عمل النهج على تطويرها وتصليب عودها، حتى أصبحت مكسبا تنظيميا ونضاليا لمصلحة الطلبة وعموم الشعب الكادح والمحروم.
كانت هذه الوجهة نظر هي ما أصبح يطلق عليه اسم "الكراس" الذي برز كوثيقة طلابية وبرنامجية، نازعت النهج الديمقراطي القاعدي في استقلاليته التنظيمية والبرنامجية.. بحيث حاولت الدفع به لتقديم تنازلات مجانية للأطراف السياسية، لم تراعي قط تضحيات النهج على الساحة الطلابية، وجهده المبذول للخروج من الأزمة التي عاشها الاتحاد بعد فشل مؤتمره الأخير.
في جانب آخر لم يتوانى الرفاق أنصار الوثيقة عن نسبها زورا للقاعديين واعتبارها من صلب أدبياتهم.. والمخجل في العملية هو التوظيف البئيس للمعركة السجنية التي انخرطت فيها إحدى مجموعات المعتقلين السياسيين ـ مجموعة مراكش انتفاضة 84 ـ والتي ضمت في صفوفها بالإضافة للعديد من المناضلين التلاميذ وبعض المحامين والمستخدمين والتجار.. العديد من الطلبة القاعديين.. حيث اتخذت معركتهم ومعاناتهم وتضحياتهم.. ذريعة لهذه الوثيقة التي ادّعت التعريف بمعركتهم وبنضالات عائلاتهم ورفاقهم وأصدقائهم..الخ ومن أبشع صور التوظيف الانتهازي لمعركة هؤلاء الرفاق المعتقلين هو الإشادة الزور بموقف الشهيد مصطفى بلهواري وسط قاعة المؤتمر والذي تشبث حينها بضرورة تحمل المسؤولية في قيادة إوطم، حتى لو انسحبت جميع الأطراف واللوائح الطلابية.. وهو عكس ما ذهب إليه الرفاق القاعديون، وعكس ما اتخذته الوثيقة من مواقف وبرنامج قمة في التنازل والانبطاح.. عبر الدعوة لمؤتمر استثنائي بدون شروط، ورمي المسؤولية لما تبقى من القيادة الكسيحة، والتراجع المفضوح عن البناء القاعدي الضروري لهيكلة الاتحاد هيكلة قاعدية، تساعده على النضال والصمود والحفاظ على المكتسبات..الخ
وللإشارة فالمجموعة ـ مجموعة معتقلي انتفاضة مراكش 84 ـ عبارة عن ثلة من المناضلين الذين كان لهم ارتباط إلى هذا الحد أو ذاك، بالتنظيم المباشر وغير المباشر، بانتفاضة مراكش الشعبية بداية يناير 84.. مناضلين من اتجاهات وفئات عدة ومتنوعة، وإن كانت الأغلبية من الطلبة القاعديين، فقد كان إلى جانبهم رفاق طلبة وتلاميذ من "رفاق الشهداء" ومحامي من "منظمة العمل الديمقراطي الشعبي" ونقابي رئيس فرع نقابة التجار الصغار من المنظمة نفسها.. انخرطت أغلبيتهم الساحقة في معركة سجنية كان الهدف منها تحسين أوضاعهم، عبر تمكينهم من الزيارة المباشرة لذويهم وأصدقائهم ورفاقهم، ومن الإطلاع على الأخبار والجرائد والمجلات، والحصول على جهاز راديو، ثم السماح لهم بمتابعة الدراسة التي تم منعها رسميا وبقرار رسمي من الملك بأن حرم انتقاما جميع المعتقلين السياسيين داخل السجون المغربية من متابعة دراستهم ابتداءا من هذه السنة.. انخرط الرفاق في المجموعة في إضراب عن الطعام لا محدود صيف سنة 84، سـُخرت له جميع الإمكانيات القمعية من ضرب وعزل وتنكيل وضغط عبر الأمهات، بغرض ثني الرفاق على توقيف الإضراب.. ليتوقف فعلا بعد 62 يوما خلف ورائه شهيدين بوبكر الدريدي ومصطفى بلهواري، بالإضافة لعاهات مستديمة طالت مجموعة من الرفاق البيكاري، نارداح، سايف، لقدور. ما زالوا يعانون من تداعياتها لحد الآن.. حيث كان اللازم والمبدئي التعريف بهذه المعركة ومساندة الرفاق وعائلاتهم في محنتهم هذه، لكن بطريقة أخرى، طريقة مغايرة لأسلوب "رفاق الكراس" الذين لم يخجلوا من إطلاق صيحتهم الكاذبة والمنافقة "لقد صدق الشهيد مصطفى حين انتفض وأعرب عن موقفه بضرورة تحمل المسؤولية في قيادة المنظمة إوطم ولو لوحدهم..".!
فالادعاء بأن الخلاف تأسس على "من يتشبث بالتنظيم ضد من يعارضه" هو تزوير للوقائع والتاريخ، على اعتبار أن من عارضوا هذه الوثيقة ظلوا في قلب المسؤولية الإوطمية، وتقدموا للانتخابات في نفس السنة وبعدها، وقادوا المعارك وسهروا على تنظيم الأسابيع والأيام الثقافية بأغلب الجامعات، مخلصين لمبادئهم القاعدية ولهويتهم التقدمية بحفاظهم على نفس التصور والأسلوب علاقة بالاتحاد وبمقرراته التنظيمية الرسمية، التي تطالبهم بالالتزام بها، وكذلك بالعمل الدائم على إفراغها من مضمونها البيروقراطي، عبر توسيع صلاحية مجالس الطلبة، وتحصين عملها عبر تشكيل اللجان الوظيفية المتنوعة، وتمكينها من المساهمة في التأطير وقيادة النضالات واتخاذ القرارات الحاسمة المتعلقة بالطلبة وبمصيرهم ومصير الجامعة والاتحاد إوطم..الخ
14- احتد الصراع ووقع الطلاق، وانسحب "أنصار الكراس" من النهج الديمقراطي القاعدي لكيلا نقول طردوا من صفوفه متجهين إلى الهامش مراهنين على الفصائل البيروقراطية التي استقبلتهم بالأحضان، وعلى نفس مواقفها وشعاراتها وخطتها لاسترجاع إوطم وإعادة بنائه، وأولوياتها في الدعوة لعقد مؤتمر استثنائي للمنظمة إوطم.. عكس التيار الجارف والذي كان ساري المفعول، ينظم ويؤطر ويقود المعارك وينشط حلقات النقاش الفكرية والسياسية بمعية الجماهير الطلابية وطلائعها الضاربة.. لقد عمل الرفاق بحق وبكل مسؤولية وتفاني لا حد له محافظين على الاستمرارية التنظيمية للاتحاد وعلى وضع النهج القيادي وسط الساحة الطلابية، دون تردد أو تراجع عن المواقف والمبادئ والتراث النضالي لحركة الطلبة القاعديين، عكس "الكراسيين" الذين تنازلوا عن كل شيء إلاّ الاسم والارتباط بالاسم وبتاريخ الاسم وبتضحيات الرفاق الذين ضحوا من أجل هذا الاسم، عبر التماهي مع الجميع والذوبان وسط الجميع.!

15- نفس الشيء وقع فيه "الرفيق" علاقة بـ"الطلبة القاعديين التقدميين" الذين لم يتنازلوا عن استقلالية تجربتهم النسبية وسط حركة الطلبة القاعديين، ولم يغيروا الاسم الذي ارتبط بلائحتهم الانتخابية منذ سنة 78/79.. إذ لم يبذل الرفيق أي عناء في البحث والتقصي في تاريخ هذه الحركة الغنية والمناضلة التي هي حركة الطلبة القاعديين.. حتى يطلع على شيء اسمه "الكلمة الممانعة" وهي مجلة حائطية ناطقة باسم هذا المكون القاعدي الذي تميز بأدائه النضالي وبخطابه الفكري والسياسي، وبإسهاماته الثقافية والفنية التي أغنت الساحة داخل وخارج الجامعة.. مما ضمن له التواجد والاستمرارية النضالية في الميدان ولحدود الآن والساعة.

16- مع بداية سنة 86 التي ترافقت ببروز تيار جديد من صفوف حركة الطلبة القاعديين، تقدم ببرنامج للحركة الطلابية اعتبره مرحليا وظل على هذه الحال ولحدود الآن، ناهض من خلال شعاراته البيروقراطية دون أن يجسد ذلك في ممارساته اليومية، وادعى مواجهته "ما يمكن مواجهته" من مخطط الإصلاح، والعمل على رفع الحظر العملي عن المنظمة إوطم.. ويمكن القول أن الحالة التنظيمية للحركة الطلابية تدهورت شيئا فشيئا بداية من هذا العهد، حيث فتح باب الصراع على مصراعيه بين مجموع الفصائل التي تبنت العمل الوحدوي وجسدته في صيغة توافقية وعبر اللجان الانتقالية الإوطمية، من جهة ضد بعض الأصوات من أنصار "البرنامج المرحلي" الذين عارضوا تمثيلية الفصائل البيروقراطية، بطريقة غريبة وجديدة على الاتحاد وقوانينه وأعرافه، وشككوا في مصداقية اللجان الانتقالية التي نجحت نسبيا في تنظيم وتأطير العديد من المعارك الطلابية المتعلقة بتحسين الأوضاع الدراسية وبتوقيت وجدولة الامتحانات التي تعرضت بين الفينة والأخرى للمقاطعة والتأجيل.. دون أن ننسى الإشراف على إحدى المظاهرات الطلابية الضخمة تضامنا مع نضالات الشعب الفلسطيني بالرغم من منعها مباشرة من رئيس الدولة وعبر خطابه الرسمي الذي منع فيه جميع أشكال التضامن مع الشعب الفلسطيني.. لم تتأخر خلالها قوات القمع عن الضرب والجرح وملاحقة الطلبة في شوارع فاس وحي الليدو.. مقتحمة الحي الجامعي ومخلفة العديد من الجرحى والمعتقلين.. وسقوط الشهيدة زوبيدة والشهيد عادل الأجراوي وسط هذه الأحداث.
17- ومع توالي الأحداث وتطور النقاشات حول موضوع الهيكلة والمنظور الأكثر ديمقراطية، تلاشى المنظور القاعدي من الساحة نهائيا وانحصرت الأطروحات بين المؤيدين للقيادة الوحدوية الانتقالية وبين المعارضين الرافضين والمحتجين الذين لم يتوصلوا لأية صيغة تنظيمية بديلة تجسد مناهضتهم للبيروقراطية.. ويمكن القول أن هذه اللجان بهذا الشكل التوافقي فتحت "باب جهنم" على الحركة الطلابية وفصائلها التقدمية، بأن طمّع هذا الأسلوب الفصائل الرجعية والظلامية لنيل حصتها من تمثيلية الطلبة، في ضرب صارخ للمبادئ وللهوية التقدمية والديمقراطية للاتحاد.. الشيء الذي أجـّج الأوضاع وفتح الباب للعنف والتكفير والإرهاب.. بساحات الجامعة خلـّف ومنذ هذا العهد حملات للعنف والعنف المضاد، والعديد من الإصابات الخطيرة في صفوف الطلبة، لتتطور الأمور للاختطافات والاغتيالات التي استهدفت بشكل خاص ومقصود المناضلين التقدميين، وضمنهم الشهيد المعطي بوملي ثم الشهيد بن عيسى، وآخرون.
إذ يمكن اعتبار هذه المرحلة هي نهاية إوطم الإطار، إوطم الاتحاد، إوطم التنظيم.. بعد أن تعمّقت الأزمة واستحالت الهيكلة بناءا على القواعد والمبادئ التاريخية الأربعة، ولم تعد فكرة الاتحاد تستهوي أي فصيل من الفصائل، وأصبحت الأسابيع الثقافية تنظم باسم كل فصيل على حدة، وكثرت التيارات والمجموعات، وانتقل الصراع من مرحلة الحوار والنقاش حول أمور طلابية تهم التدبير اليومي لملفات ومطالب الطلبة، إلى أمور فكرية وسياسية ومذهبية متعلقة أساسا بأوضاع وحال حركة التحرر المغربية، ومشروع التغيير وطبيعته، والأداة الثورية اللازمة لهذا التغيير.. وتنوعت اللوائح والأسماء، وكثر التباهي والمزايدات بأن أصبحنا نسمع عن "الطلبة الثوريون" و"الطلبة الماويون".. دون أن نسمع شيئا عن الطلبة الأوطميين.!
وخلال هذه الفترة بالذات دخل الاتحاد مرحلة الاضمحلال الفعلي وانسحب لمصلحة هذه التيارات، والتيارات الأخرى التي حاولت السطو على هياكله وتراثه عبر محاولتها الدنيئة لتغيير هويته ومبادئه الأربعة الثابتة، باسم "الطلبة الإسلاميين" و"الطلبة الأمازيغيين" و"الطلبة الصحراويين"..الخ الذين أعلنوا استقلالهم، وشيّدوا هياكلا لحركتهم، ونظموا أسابيعهم التعبوية باسم اتحاد غريب عن الاتحاد إوطم، الذي ضم في أصله الجميع، وقبـِل بالتنوع والاختلاف والصراع الديمقراطي، بناءا على مبادئ أعلن عنها وطوّرها عبر تاريخه النضالي، ومن خلال مؤتمراته أصبحنا منذ هذا التاريخ نسمع، نسبة لادعاءات بعض الفرق والتيارات عن أن برنامجها هو برنامج الحركة الطلابية واتحادها إوطم، مختزلة الحركة كلها في ذاتها ومغلقة باب التنوع والاختلاف، ومخوّنة جميع الأصوات المعارضة وجميع الآراء التي لا تتناغم مع أفكارها وتوجهاتها.. ومن أجل ضمان السيادة والهيمنة والانتشار الواسع لهذه التيارات كان لا بد من الضبط والعنف وإخراس الأصوات.. لتتحول الساحة الجامعية لحلبة تعتمد العنف والقمع بأبشع صوره ووسائله، عنف منظم ومسلح أزهق الأرواح وخلف العاهات وهجـّر الطلبة عن جامعاتهم ومدنهم الجامعية، ومنعهم من متابعة دراستهم باسم "النضال" و"الالتزام" و"عدم الانحراف" عن الخط السليم والسديد.! إضافة لأمور أخرى متعلقة بالعقيدة أو الانتماء الإيديولوجي أو العرقي أو الثقافي..الخ
18- تبقى الأوضاع وبالرغم من هذه العوائق والتشوهات التي لحقت بالحركة الطلابية، وأضعفت مقاومتها للمخططات الطبقية وللإجراءات التصفوية المستهدفة للجامعة ولجودة التعليم ولحق أبناء الشعب المغربي الكادح والمحروم، في متابعة دراستهم الجامعية.. فما زال النضال قائما مستمرا، وإن كان ضعيفا ومحدودا.. نضال تنقصه القيادات والكفاءات ذات الخبرة، والحنكة، والجرأة على الحوار والتنسيق والتفاعل.. بين عموم المكونات التقدمية والديمقراطية الملتزمة بمبادئ الاتحاد والمخلصة لتاريخه وتضحياته وشهداءه.. قيادات قادرة على تنظيم الطاقات الإوطمية وتجميعها داخل مجالس النضال، بهدف التخطيط للمعارك ومقاومة الأوضاع المختلة، والدفاع عن مطالب الطلبة وحماية المكتسبات من الضياع والتلاشي.. قيادات ملزمة بالشروع فورا في هيكلة الاتحاد هيكلة ديمقراطية تسمح لجميع التقدميين بالانتماء إلى صفوفه، بغض النظر عن قناعاتهم السياسية وعن نظرتهم للتغيير، جذريون أو إصلاحيون لا يهم، ما يهم هو الرفض والمعارضة للأوضاع الطلابية والجامعية الحالية المناقضة لطموحات الطلبة عامة.. وبالتالي فلا مجال للنبش في قناعات وهوية أي كان من الطلبة، أو استنطاقه حول مدى طهارة ماركسيته وخلوها من التزييف والمراجعة والتزوير.. فليست إوطم مدرسة للشيوعية وللنضال الاشتراكي، إوطم كانت وما زالت مدرسة متفردة ورائدة في النضال الديمقراطي والجماهيري الغير منعزل عمّا يعيشه الفقراء والمحرومين المغاربة.. وهو الشيء الذي يجد التأكيد عليه وأخذه بالحسبان، أما الانحياز لطبقة اجتماعية محددة، والالتزام بفكرها وفلسفتها ومشروعها المجتمعي، فليس من مهام الحركة الطلابية بتاتا.. من جهة أخرى لا يسمح للحركة الطلابية بأن تشوش أو تمنع أبناء الطبقة العاملة ومثقفيها الثوريين بالجامعة من نشر أفكارهم التحررية والدعاية للمشروع الاشتراكي باعتباره المشروع الوحيد المؤهل لإخراج ولإنقاذ المجتمع المغربي من الفقر والتخلف والاستغلال والاستبداد..الخ
وبناءا على هذا التصور وهذه المبادئ، فلا بد كذلك أن تراعي جماهيرية الاتحاد الذي يجب أن يسمح بالانتماء لعموم الطلبة الجامعيين وأن يسمح لهم وتتاح لهم الفرصة في تفجير ابداعاتهم وثقافتهم الموازية في جميع المجالات الفنية والثقافية في المسرح، والسينما، والرواية، والقصة القصيرة، والرياضة، والرحلات السياحية والترفيهية..الخ دون إلزامهم بالانتماء لأي من التيارات الناشطة في صفوف الحركة الطلابية واتحادها إوطم.. على أن تبقى الهوية التقدمية مبدءا ثابتة للاتحاد، وخطا أحمرا، وسدّا منيعا في وجه القوى الرجعية المتربصة بهياكله.. ليبقى النقاش السياسي والصراع الفكري بين مختلف الأفكار والتوجهات مفتوحا دائما وغير ملزما لعموم الطلبة وسط هياكل المنظمة الرسمية، يعني من حق الطلبة أو البعض منهم التنظيم الحر لندوات سياسية وفكرية حول "الوضع السياسي الراهن" وحول "واقع الحريات الديمقراطية بالمغرب" "حول مهام التغيير ببلادنا" و"مستلزمات الثورة الاشتراكية المنشودة" و"الحزب الثوري" و"الماركسية اللينينية" و"حزب الطبقة العاملة المستقل"..الخ بتأشيرة رسمية من الجهاز المشرف على أنشطة الطلاب بالكلية أو الحي الجامعي.. فهي مواضيع تستحق كلها النقاش والبحث وإبداء الرأي وسط ساحات الجامعة وقاعاتها ومدرجاتها، دون أن يكون لها تأثير سلبي على أنشطة الطلبة الرسمية، والتي يجب أن تقتصر في جانبها الأهم على أوضاع الاتحاد التنظيمية، وعلى نضال الحركة الطلابية، وعلى أزمة التعليم والجامعة، وعلى دور الحركة الطلابية في النضال من أجل التغيير، وعن حال الحريات الديمقراطية، ووضع المرأة وسط المجتمع المغربي، وتطورات الأوضاع في المنطقة العربية، وحال القضية الفلسطينية قضيتنا الوطنية الأولى..الخ
بهذه المنهجية وعبرها نكون تجنبنا الخلط والتلفيق والتضبيب، وسنتمكن لا محالة في الشروع لبناء اتحاد مخلص لمبادئه وهويته وتاريخه.. اتحاد غير الحزب أو المنظمة السياسية التي يلزمها وضوحا سياسيا يمثل خطـّها وينظم ممارستها في الميدان، بمرجعية فكرية وأسلوب خاص في العمل، ورهانات فئوية أو طبقية للوصول لأهدافه.. فالاتحاد لا ينبني على الارتباك والخلط والعشوائية، الاتحاد موجود في التاريخ والذاكرة، ولا مجال لاختراعه أو صناعة على المقاس الفكري والسياسي، الاتحاد المنشود تبنيه وتشييده الطلائع الطلابية المخلصة لهذا التاريخ وهذه المعلمة التنظيمية التي قاومت القمع والمنع والاجتثاث، وحققت المطالب وصانت المكاسب الطلابية دون هوادة أو انبطاح.. فلا تبنيه أبدا النوايا الطيبة أو الحسنة التي يمكن أن تجنبه العنف في أية مرحلة من مراحل النضال.. فالعنف لا تكنسه سوى الديمقراطية، فهي نقيضه العملي والتربوي، وإذا لم تحظى وتشبع اللبنات الأولى للتنظيم بنفحة ديمقراطية، تسمح بتفاعل الأفكار وتلاقحها وتصارعها بين مختلف التيارات وفي القلب من التيار نفسه، فلا أمل في الحد من العنف أو التقليل منه حتى.. فالإرث الإوطمي خلـّف لنا فضاءا ديمقراطيا يستحق أن نفتخر به ونحميه من الاختفاء والتلاشي، اسمه مجلس المناضلين، فضاء تطوعي وجب بعثه وإحياؤه، قد يلائم الأوضاع الطلابية الحالية، وقد يساعد المناضلين على التكوين والتكوين الذاتي، وكسب الخبرة والاحتكاك مع باقي المناضلين حاملي أفكار أخرى قد تكون مناقضة ومعارضة لرأي الأغلبية، ممّا يؤهلهم لتحمل المسؤولية في تنظيم الحركة وتسيير دفتها داخل المجلس ووسط موقع ما.
فعمل النشطاء الطلبة من مناضلي الاتحاد، يبتدأ، حسب وجهة نظرنا من لحظة التسجيل بالجامعة واستقبال الطلبة الجدد، والإشراف على تسجيلهم، وحل مشاكلهم مع الإدارة.. حتى يقتنع الطالب الجديد بأن هناك من يهتم به، ويرشده، ويمثله أمام الإدارة، ويدافع على مصالحه. هذا العمل في جوهره عمل نضالي يلزمه الاقتناع والأداء المبدئي الجيد، حتى لا يحس الطالب الجديد بأنه "إحسانا ومعروفا" أو رشوة أو مصيدة، بهدف الاستقطاب أو المنافسة مع "متربصين آخرين".. فإنجازه بالطريقة المثلى وجب أن يترافق بحملة توعوية وتعريف بالاتحاد، وبمبادئ الاتحاد، وبواجب التضامن والتعاضد بين عموم الطلبة، لنيل المطالب والحفاظ على المكاسب.. دون إغفال للمحطات المهمة في تاريخه وتضحياته وشهداءه.. كما يلزم المناضلين المؤطرين لهذه الدماء الجديدة، الإشارة لأوضاع التعليم والجامعة وما يحيط بها من مخاطر ومخططات طبقية، تهدد مستقبل التعليم الجامعي وآفاقه في التحصيل والاستقرار الاجتماعي، بعيدا عن البطالة وعن المهن الترقيعية المؤقتة.. الخ هذا العمل الذي يجب كذلك أن يراعي مستوى الطلبة الجدد الذين يجهلون في غالبيتهم معنى الاتحاد والحق في التنظيم والتمثيلية والحوار مع الإدارة والمطالبة بتحسين الأوضاع..الخ والحال أن هؤلاء قدموا مباشرة من الفضاء التلاميذي حيث اختفى التنظيم التلاميذي من ساحة الصراع إلاّ نادرا خلال بعض الهبات المؤقتة والخاطفة..
فمن هذه النقطة وهذه المهمة تبدأ عملية البناء والهيكلة، وهي عملية منظمة في حدّ ذاتها، لا تنطلق بشكل عشوائي كله تردد، وتراخي، وغياب، وانعدام المحاسبة.. بل يستلزم الجدية وتعميم التكلفة بعد اجتماع يشرف عليه مجلس المناضلين يوضح خلاله طبيعة المهمة ويوزع التكلفات المتنوعة.. بدءا من الحضور الميداني اليومي إلى الكلية للشروع في تنفيذ التكلفات.. وحين تنتهي عملية التسجيل ويحس الطالب الجديد بأن هناك مناضلون اهتموا به، وبأن هناك اتحاد يدافع على عموم الطلبة ويعمل على حل مشاكلهم وتقوية التضامن في صفوفهم.. لن يتأخر بعدها عن جميع أنشطته وخطواته النضالية، وسيصبح لا محالة ذاك الدم الجديد المتدفق في شرايين الاتحاد منظما، ومؤطرا، ومحرضا، وقائدا للنضال وفي يده مشعل ينير الطريق ويتابع الدرب والمسير.
19- أما اللجوء لهذه الوصفات بغرض حصر العنف أو وضع حدّ نهائي له، فتبدو بهذه الصيغة "بريئة" أو أنها صادرة عن شخص "طيب" غريب عن الجامعة، وعن ساحاتها ومشاكلها، أو أنه يستبلدنا "لغرض في نفس يعقوب" خصوصا في هذه الظرفية المتميزة، والتي شهدت خلالها الجامعة بعض الانتعاش والنشاط الطلابي والنضالي.. وهو ما يثير الشك والريبة حول الهدف الحقيقي وراء إشارة موضوع العنف بين الطلبة. والعنف في نظرنا أنواع وأشكال، أسبابه مختلفة ومتنوعة، يتمازج فيها ما هو ذاتي بما هو سياسي وفكري وإثني وعقدي وتنظيمي..الخ لا يخص الجامعة لوحدها بل تعرفه، وإن بدرجة أقل، أغلبية المنظمات الجماهيرية. فأن تجتمع "كل الفصائل" لهذا الغرض، وهذا هو ما يهمّك حقيقة، هو أن يجتمع "الكل" وكفانا شر القتال، يهمك التطبيع والمصافحة والعناق، مع صناع العنف الحقيقيين وسط الجامعة بغض النظر عن المبادئ والمواقف والتاريخ والشهداء.. إذ لا مكان للاتجاهات الرجعية والظلامية وسط هذا "الكل"، محلها وموقعها على الهامش في تعارض وتناقض مع الحركة الطلابية التقدمية، التي يلزم فصائلها بالاجتهاد والمثابرة لمعالجة هذه الظاهرة والحد منها.
فالاجتماع لن يحل شيئا، لسبب بسيط هو تشبع جميع المكونات والفعاليات بثقافة السيطرة، والهيمنة، وسدادة الرأي، وأحقية القيادة..الخ فهي بالتالي فصائل فقيرة من الناحية الديمقراطية، فصائل تنقصها شيم القبول والاعتراف بمن يخالفها الرأي وينتقدها، فصائل عاجزة عن الحوار والنقاش الهادئ حول مشاكل بسيطة تعرقل عملها.. فالفصائل التي تهمنا في هكذا اجتماعات "لا تسعى لخدمة النظام وأذنابه" ولا يوجد في صفوفنا مثل هذه العينات.
بمعنى أصح وأوضح نحذر "الرفيق القاعدي" من الصيد في الماء العكر وألاّ يساهم بصب الزيت على النار، وفي هذه الظرفية بالذات، التي عرفت بعض المناوشات المحدودة بمواقع سلوان ومارتيل والقنيطرة والتي لا تدعو لاجتماع "كل الفصائل" مقارنة بما يستهدف الجامعة وطلابها من مخططات تستهدف إبادتها نهائيا.
فما اقترحناه في سياق هذه الملاحظات سيكون له الدور الكبير في معالجة مشاكل الحركة الطلابية التقدمية، بتوفير الإطار التنظيمي للنقاش والحوار والتفاعل بين جميع المكونات المرتبطة بالاتحاد وبتاريخ الاتحاد وبمبادئ الاتحاد.. سيرا على خطة البناء والهيكلة ووضع اللبنات الأولى لها، بمعنى أن المعني الحقيقي بهذا الاجتماع لمعالجة مشاكل الحركة الطلابية الحقيقية، مشاكل أكبر بكثير من هذه المناوشات، هو الفصائل التقدمية، أعمدة الاتحاد وركائزه التي يجب أن تنفتح على مختلف الفعاليات والحساسيات الإثنية والثقافية الملتزمة بمبادئ الاتحاد وبتاريخه النضالي وتراثه.. بمعنى أن القوى الرجعية والظلامية واللبرالية، مشطوبة من هذا الاجتماع وغير معنية به، حتى تستقيم إوطميتنا وقاعديتنا ومبادئنا غير القابلة للطمس أو التحريف.

يونيو 2022








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خالد عمر يوسف: الاتفاق الإطاري خطوة في اتجاه المسار الديمقرا


.. ميقاتي يتمسك بعقد اجتماع الحكومة رغم الانتقادات




.. دعوات بتونس لتأمين الحد الأدنى من احتياجات الدواء | #النافذة


.. عبد الفتاح البرهان: القوى الموقعة على الاتفاق الإطاري ستنشئ




.. مهرجان شعبي في أربيل للعسل والمأكولات الكردية التقليدية التي