الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حوار فى السجن

أحمد فاروق عباس

2022 / 9 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


فى شتاء عام ٢٠٠٦ أو ٢٠٠٧ ذهبت إلى سجن المزرعة ..
وهى ليست مزرعة بالطبع وان حملت نفس الإسم ، بل هو سجن شهير في منطقة طرة جنوب العاصمة ..

ولم يكن ذهابى إلى سجن مزرعة طرة بسبب جريمة قتل أو سرقة مثلا ، بل ذهبت باعتبارى ممثلاً للكلية لامتحان بعض الطلاب المعتقلين من الجماعات الدينية المسلحة .. الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد بالتحديد .
وقد تكرر ذلك لعامين متتاليين ..

كنا نترك تليفوناتنا فى مدخل السجن ونذهب مع اوراقنا إلى داخل السجن المهيب ، وفى مرة دخلت مكتبة السجن ، واستغربت لاتساع المكان وكثرة الكتب ، وتناولت أحد الكتب وكان بالصدفة لأنيس منصور ، ولم أكن من قراءه أو من معجبيه ، ومع ذلك وحتى يحين موعد ذهابنا للطلاب لامتحانهم قرات في كتاب أنيس منصور ، ووجدتها فرصة مناسبة للتعرف علي كاتب لا أحبه .. فى السجن !!

وفي مرة سألت أحد العاملين عن مكان زنزانة أيمن نور - وكنت أيامها متعاطفاً معه - فأشار إلى أحد الحجرات ، وقال لى أنه مقيم هناك ، وأن بجانب حجرته توجد حجرة مرتضى منصور ، وكان مسجونا أيامها لتجاوزه فى حق أحد القضاة كما أتذكر ، ولم يتسنى لي بالطبع التأكد من صحة هذا الكلام ..

كنا نمتحن الطلاب فى قاعة متسعة للغاية ، والطلاب من كل جامعات مصر ، وكنت معتادا على الدخول مع بعضهم فى نقاشات عديدة ، عن أفكارهم وحياتهم وبلدانهم ، وهل غيرت تجربة السجن من نظرتهم للأمور .. وفى الغالب كانت أفكارهم الأصلية مازلت على حالها ..

وأتذكر أن أحدهم ناقشته طويلا ، وكان متمسكا على الرغم من صغر سنه - وربما بسببها - باراءه بصورة غريبة ، وكانت ملامح وجهه صارمة وعابسة طول الوقت ...

وطاف حديثنا بأمور الدين والسياسة والحياة ، وكنت أستغرب أثناء حديثه كيف لشاب فى مقتبل عمره أن يهب حياته لافكار مشكوك في قيمتها ولتنظيمات مشكوك فى حقيقة أمرها ، ولم يكن رؤساءها - أو امراءها - يوما مثالا للعلم أو الإجتهاد أو الحكمة ، وأغلبهم ليست الرعونة وانغلاق العقل هى صفاتهم الوحيدة ..

خرج بعض هؤلاء من السجون عام ٢٠٠٨ وما بعده مع قصة المراجعات التى قيل أنهم أجروها - أو أجراها قادتهم - فى السجون ، وكان بعضهم صادقا ، ولم يكن بعضهم الآخر كذلك ..

ومع يناير ٢٠١١ خرج المتبقى منهم في السجون ، وكان الظن أن حياة الحرية ستجعل منهم أناسا آخرين أقل تطرفا ، ولكن التجربة الجديدة قالت كلمتها .. فليس بين هؤلاء من هو مستعد أن يتراجع عن أفكار اعتنقها منذ ٢٠ أو ٣٠ سنة ..

ورأينا قادة هذه الجماعات وقد إنتقل أغلبهم فجأة من أرضيات السجون الرطبة إلى قاعات الفضائيات المكيفة ، وأصبحوا هم نجومها الجدد ..

ولم يكن فى خطابهم الجديد القديم ما يستحق الالتفات إليه أو التوقف عنده .. نفس التهويمات القديمة ، من أناس فقدوا صلتهم بالواقع والزمن ..

ودارت الدائرة عليهم مرة ثانية بعد سنتين ، ورجع بعضهم إلى السجون الرطبة مرة أخرى ، فى حين كان البعض الآخر أسعد حظا ، ووجد مكانا له فى فنادق الدوحة الفخمة أو فى منتجعات تركيا الجميلة ..

وطالما كنت اسأل نفسى كيف لإنسان أن يبقى بنفس أفكاره عند سن الخامسة عشرة كما فى سن الأربعين كما فى الستين ؟ وبنفس الحدة في الرأى والتعبير عنه ؟!

أن الإنسان تتغير آراءه مع ظهور معطيات جديدة أو معلومات جديدة أو نظرة أكثر رحابة للحياة والأمور ، وذلك ليس عيبا ، بل هو من طبائع الأمور ..

فما فائدة التجارب إذن .. وما فائدة كر السنين والأيام على الإنسان ؟!!
أم أن ذاكرة بعض البشر ذاكرة مسطحة ، تدور عليها الأيام والشهور والسنين بكل ما فيها من متغيرات دون أن تكتسب شيئا أو أن تفهم شيئا ؟!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خالد عمر يوسف: الاتفاق الإطاري خطوة في اتجاه المسار الديمقرا


.. ميقاتي يتمسك بعقد اجتماع الحكومة رغم الانتقادات




.. دعوات بتونس لتأمين الحد الأدنى من احتياجات الدواء | #النافذة


.. عبد الفتاح البرهان: القوى الموقعة على الاتفاق الإطاري ستنشئ




.. مهرجان شعبي في أربيل للعسل والمأكولات الكردية التقليدية التي