الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الجذور الاقتصادية للإمبريالية الأمريكية - إرنست ماندل

عمرو عاشور

2022 / 9 / 13
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


الجذور الاقتصادية للإمبريالية الأمريكية
إرنست ماندل
ترجمة: عمرو عاشور

بدأت تجليات الإمبريالية الأمريكية في الظهور باكراً في القرن التاسع عشر، في بلدان أميركا اللاتينية، ثم لاحقاً في منطقة المحيط الهادئ (التوسع صوب اليابان، غزو الفلبين). منذ بداية الحرب العالمية الأولى، توسعت الإمبريالية الأمريكية على نطاق عالمي. لذلك، وفي إطار المنافسة الإمبريالية، خرجت الإمبريالية الأمريكية ظافرة من حربين إمبرياليتين. في الواقع، فهي المنتصر الوحيد الذي استفادت قواه العسكرية والاقتصادية من تلك الحروب. كل المتنافسين الرئيسيين اُستنفذوا من كلتا الحربين أو من إحداهما.
ليس من الضروري البحث بالتفصيل عن أسباب تفوق الإمبريالية الأمريكية على منافسيها. الأسباب الرئيسية معروفة: ثراء هائل في المواد الخام، توازن أكبر بين الصناعة والزراعة، أسس جغرافية وديموجرافية أقوى سمحت بالتمتع بمزايا الانتاج الصناعي الضخم، غياب البقايا شبه الإقطاعية والتي سمحت بانتشار رأسمالية أكثر نقاءاً عن باقي البلدان الإمبريالية، إلخ.
مع ذلك، يجب التأكيد على أن صعود الإمبريالية الأمريكية صوب مركز القوة الأولى في العالم يمثل عملية ديالكتيكية تميل خلالها تناقضات بقية العالم إلى التفاقم، حتى في قلب المجتمع الأمريكي. لا تستطيع البرجوازية الإمبريالية الأمريكية الهيمنة على العالم بدون تأكيد هيمنتها في نفس الوقت على كامل العالم الرأسمالي. في هذا الصدد تجابههم قوى مضادة للرأسمالية تنمو عدداً وقوة كل يوم. بسبب تلك الحقيقة، غالباً ما تُساق الإمبريالية الأمريكية في قرارتها بالضرورات السياسية المرتبطة بالدفاع العالمي عن النظام الرأسمالي الدولي، عن ذلك النظام الذي يمكن أن يتعارض في بعض الأحيان مع المصالح التاريخية المحددة للإمبريالية الأمريكية نفسها. يجب فهم مشروع مارشال في ضوء تلك الحقيقة. بعيداً عن كونها أداة لاستغلال أوروبا أو إخضاعها لإرادة واشنطن. تاريخياً، مشروع مارشال كان المرحلة الأولية في إعادة تشكيل قوة مستقلة وذاتية لإمبريالية غرب أوروبا. بمعنى آخر، إعادة خلق قوة منافسة للولايات المتحدة.
ذلك القرار، مع ذلك، لم يكن غير عقلاني. هو يعكس ببساطة الاختيار بين شرين اضطرت الولايات المتحدة لمواجهته مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية: إما المساهمة في انهيار رأسمالية غرب أوروبا، أو السماح بظهور منافس قوي. الإمبريالية الأمريكية اختارت أقل الشرين، وفقاً لمصالحها.
تلك الملاحظات الاستهلالية ضرورية لتجنب الوقوع في النزعة الاقتصاداوية، ولمنع التحليل شديد البساطة للجذور الاقتصادية للإمبريالية الأمريكية.

1-فائض وتصدير رأس المال:-
يظل الجذر الاقتصادي الرئيسي للإمبريالية الأمريكية هو ما عرفه لينين كلاسيكياً عن كامل الحقبة الإمبريالية: وجود، في البلدان الإمبريالية، فائض من رأس المال يُوضع في أجزاء أخرى من العالم بحثاً عن الأرباح الهائلة. التعديل الوحيد الذي يجب أن نضيفه للتعريف اللينيني هو أن فائض رأس المال ذلك، في السياق التاريخي الواقعي للفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، لم يعد يُوجه بشكل حصري، أو رئيسي، صوب البلدان المستعمرة أو شبه المستعمرة، بل أصبح يوجه بشكل متساوي وبنسب متزايدة بين البلدان الإمبريالية الصناعية المتطورة.
هذا الشكل المختلف والمهم من النظرية اللينينية يمكن تفسيره في ضوء العوامل الآتية:-
1-الاختلاف الهام في التكنولوجيا وانتاجية العمل بين الإمبريالية الأمريكية من ناحية، وبين القوى الإمبريالية الأخرى من ناحية أخرى.
2-الاختلاف في القوى العسكرية والسياسية للولايات المتحدة وللقوى الإمبريالية الأخرى، اختلاف أكثر وضوحاً من الصعيد الاقتصادي.
3-عدم الأمان المتزايد الذي يهدد الاستثمارات في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة، والتي يزداد فيها نمو حركات التحرر الثورية.
4-انكماش بقعة الأرض التي يمكن استثمار رأس المال فيها، انكماش راجع بشكل ملحوظ من جراء التخلص من الرأسمالية في مناطق متزايدة من العالم.1
خلال الربع الأخير من ذلك القرن، كانت استثمارات رأس المال الأمريكي موجهة صوب البلدان الإمبريالية الأخرى.
النتائج النهائية لتلك التيارات المختلفة هي أن الفرق بين معدل الربح في الولايات المتحدة وبين ما يمكن أن يجنيه رأس المال الأمريكي (باستغلال مزايا الانتاجية والتي تضمن لها بالتالي أرباح احتكارية مهمة) في البلدان الأخرى كبير بشكل كافي لجعل تصدير رأس المال للبلدان الإمبريالية أكثر جاذبية من الاستثمار في البلدان المتخلفة حيث عدم الأمان المتزايد يُحيد جاذبية معدل ربح أعلى.
يقيناً، باكتشاف رأس المال الأمريكي تدريجياً لمنافذ أخرى في العالم‌2، ستحدث تدريجياً عملية من التوزيع المتساوي وبلوغ الحد الأعلى من انتاجية العمل والتطور التكنولوجي بين الولايات المتحدة والبلدان الإمبريالية الأخرى. تلك العملية ستقلل الفرق في معدل الربح بينهم، وستعيد "تقييم" والنظر للعالم النامي كمنفذ وحيد يمكن الحصول منه على الأرباح الهائلة.
بنفس الطريقة، ستفتح انفراجة نهائية ومطولة بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي إمكانيات -بالرغم من تواضعها الشديد- لاستثمار رأس المال الأمريكي في بلدان ذات أساس اقتصادي اشتراكي، مثل ما حدث بالفعل بواسطة فيات ورينو في حقل السيارات.
ولكن كل إمكانيات الاستثمار تلك لا تغير من الحقيقة الرئيسية أنه خلال الربع الأخير من ذلك القرن اتجهت استثمارات رأس المال الأمريكي بشكل رئيسي صوب البلدان الإمبريالية الأخرى، بدلاً من بقية العالم.
يجب تذكر أن تصدير رأس المال ذلك يلائم ضرورة اقتصادية كامنة في النظام الرأسمالي للاحتكارات. فهو يمثل رداً على خطر مضاعف: انخفاض متوسط معدل الربح الملموس في القلاع الإمبريالية، وتراكم رأس المال الهائل، والذي لا يمكن استثماره في تلك القلاع بدون تهديد متوسط معدل الربح بانخفاض جديد وأكثر شدة.

2-الدور المتزايد للحرب واقتصاد التسليح في الولايات المتحدة.
تراكم فائض رأس المال المتنامي، والذي لا يمكن استثماره بشكل مربح في القطاعات العادية من الاقتصاد لا يشجع فقط تصديره، ولكن يزيد أيضاً من البحث عن قطاعات جديدة للاستثمار حيث سيجني رأس المال متوسط ربح من قطاعات الاقتصاد المُحتكرة بدون تهديد معدل ربح كامل نظام الاحتكار الرأسمالي. انتاج السلاح (وامتداده إلى الفضاء) يشكل "حقل بديل من الاستثمارات غير المسبوقة" (باستعمال عبارة روزا لكسبمورج).
مزايا استعياب رأس المال الاحتكاري في حقل التسليح واضحة. هي لا تقلل من نطاق رأس المال المُستثمر بالفعل في باقي الصناعات. على النقيض، هي تحفز بوضوح انتاج الصناعة الثقيلة وبعض المواد الخام المحددة. هي لا تصبح بديلاً للمنتجات الأخرى. على النقيض، هي تخلق بضاعة مُشتَريها الوحيد هي الدولة، وقيمتها الوحيدة، فيما يتعلق بالاستهلاك، هي تقوية الإمبريالية الأمريكية عالمياً.
في عالم مُقسم إلى معسكرين متناقضين بعمق، فنزع السلاح الفعلي حلم طوباوي.
هي تخلق، بالإضافة لذلك، فوائد جانبية لا يمكن تجاهلها. فهي تسمح بتقليل التقلبات التكهنية بتثبيت جزء هام من الاستثمارات. لذلك، فهي تحمي الاقتصاد الامريكي من تكرار أزمة كارثية مماثلة لأزمة 1929 (بدون القدرة، مع ذلك، على إيقاف الكساد الدوري والذي لا يعد أقل خطورة من متوسط الأزمات التي عرفتها الرأسمالية خلال تاريخها). هي تضمن الربح للاحتكارات في عدد متزايد من القطاعات (معظمهم مرتبط بالدفاع).
الأهمية المتزايدة لانتاج الأسلحة في الاقتصاد الأمريكي راجع في المقام الأول للأهمية التي تكتسبها في توسعة القطاعات، مثل الإلكترونيات، الطائرات، الكيمياء. ينتج عن ذلك اعتماد مزدوج يحفز التوسع الإمبريالي لرأس المال الأمريكي بانتاج استدامة ذاتية مزدوجة:-
1-تكافل بعض مناطق الاحتكارات، وانتاج السلاح في تلك المناطق، ما يطور "مصلحة راسخة" في الإبقاء على، وزيادة انتاج السلاح.
2-تكافل بعض مواقع السلطة في القوات المسلحة، وفي آلة الدولة، ما يعطي لتلك المواقع "مصلحة راسخة" في الإبقاء على، وزيادة الميزانية العسكرية لمستويات فلكية.
هذا التعايش المزدوج أكثر خطورة لأنه يميل لإعادة انتاج نفسه في البلدان الأجنبية، إنشاء القواعد الأمريكية في الخارج، العمليات العسكرية في البلدان الأجنبية، "المساعدات" العسكرية للحكومات "الصديقة" المُهددة ب"الخطر الداخلي" أو ب"اعتداء شيوعي خارجي".
حتى الرئيس السباق أيزنهاور، المحافظ حتى انتهاء فترته الرئاسية، أفصح علناً عن مخاوفه بشأن النمو الهائل للمؤسسة العسكرية الصناعية والسياسية. تلك المؤسسة تعيش وتزدهر بشكل جوهري على الزيادة المتواصلة من انفاق السلاح، وتشترط صراعات دولية لتبرر ذلك التوسع أمام دافع الضرائب الأمريكي.
ومع ذلك، سيكون من العبث تصور أن الدور الهام الذي تلعبه صناعة السلاح في قلب الاقتصاد الأمريكي بكل بساطة نتيجة مناورة مافيا محددة في قلب البرجوازية الأمريكية الضخمة. كامل البرجوازية ملزمة بممارسة سياسات إعادة التسليح الدائمة، لمواجهتها الثورة الدائمة على الصعيد العالمي، والنمو الصناعي والعسكري لبلدان تخلصت بالفعل من الرأسمالية. هدف كل مؤتمر لنزع السلاح ليس فعلياً نزع السلاح، ولكنه محاولة ل"عقلنة مسار التسلح"، لجعلها ملائمة لميزانيات الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي، والتي تُعد، بعد كل شيء، محدودة.
في عالم مُقسم إلى معسكرين متناقضين بعمق، فنزع السلاح الفعلي حلم طوباوي. ما يُعد أكثر طوباوية هو الاعتقاد بأن الإمبريالية يمكن أن تعيد توجيه الستين أو السبعين مليار دولار التي تنفقها سنوياً على انتاج السلاج إلى قطاعات الخدمة العامة، التعليم، الصحة، والمساعدات للبلدان النامية. مثل ذلك التوجيه سيتطلب أولاً تغيير الطبقة البرجوازية، الطبقة المدفوعة بدافع الربح، إلى طبقة تعمل من أجل خير الإنسانية. أي تراكم لرأس المال خارج حقول نزع السلاح سيهدد بشكل سريع استثمار رأس المال "المدني" ومعدل الربح. لن يتحقق ذلك.

3-توريد المواد الخام الاستراتيجية.
على النقيض من معظم منافسيها، تملك الإمبريالية الأمريكية داخل حدودها المواد الخام الضرورية للصناعة الحديثة. حتى في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى مباشرة، ظل استيراد المواد الخام أمراً ثانوياً – المطاط، الحرير، السكر، أو القصدير، اُستبدلت بسهولة بالمواد المُصنعة.
مع ذلك، فالتوسع الهائل للانتاج الصناعي الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية قد غير الموقف. اليوم تضطر الولايات المتحدة لاستيراد كميات متزايدة من المواد الخام الضرورية مثل البترول، خام الحديد، البوكسيت، النحاس، المنجنيز، والنيكل. علاوة على ذلك، فمصادر الولايات المتحدة من تلك المواد الخام تتناقص بشكل متزايد، وبالنسبة لمصادر البترول، فيمكن أن تنضب مع نهاية القرن. تعتمد الولايات المتحدة بالكامل على استيراد الكروم، والكوبالت الضروريين لصناعة الحديد.
بكلمات أخرى، بتأخر الولايات المتحدة ثلاثة أرباع قرن عن منافسيها الرئيسيين، يجب أن تطلق الآن حملة من أجل مصادر جديدة للمواد الخام في العالم. البترول، في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط ونيجيريا. خام الحديد، في أمريكا اللاتينية وغرب أفريقيا. المعادن الأخرى، في كندا وأستراليا وأفريقيا، إلخ. في بحثها عن المواد الخام، لن تتصادم الولايات المتحدة فقط مع حركات التحرير في البلدان المُستعمرة وشبه المُستعمرة، ولكن مع الأمم الإمبريالية الأخرى مثل بريطانيا العظمى، اليابان، فرنسا، غرب ألمانيا، وحتى أسبانيا.
غالباً ما يتضمن الاستيلاء ومصادرة مصادر المواد الخام تلك صراعات سياسية، انقلابات عسكرية وحروب محلية (بشكل ملحوظ في غرب أفريقيا في السنوات الأخيرة). يمكن أن يتضمن الأمر مهمات عسكرية، أو إقامة قواعد عسكرية أمريكية. الحاجة لمصادر جديدة يفسر تشبث الإمبريالية الأمريكية ببلدان مثل فنزويلا والبرازيل لكونهم بالتحديد مصادر توريد المواد الخام الضرورية للصناعات الكبيرة في الولايات المتحدة3.
"في النهاية، لن تحقق الإمبريالية الأمريكية الهيمنة العالمية"

4-التنافس الإمبريالي في قلب العالم الثالث.
بالرغم من ضئالة تصدير رأس المال الأمريكي للبلدان النامية مقارنة بالبلدان الإمبريالية، إلا أنه مع ذلك لم يكن مُنعدماً. عندما يتعلق الأمر ببلدان مهمة مثل إندونيسيا أو البرازيل، أو بلدان ذات إمكانيات هائلة وغير مُستثمرة، مثل الكونغو، فتصدير رأس المال الأمريكي ينتج عنه تدخل متزايد من جانب الإمبريالية الأمريكية في الشئون الداخلية لتلك البلدان شبه المستعمرة. تتطور الصراعات مع القوى الإمبريالية الأخرى، وعلى الأخص مع القوى الاستعمارية السابقة والتي تحل الإمبريالية الأمريكية محلها تدريجياً.
في العشرين عاماً الماضية، أكثر الأمثلة التقليدية والتي حل فيها رأس المال الأمريكي محل رأس المال الاستعماري السابق: استبدال رأس المال الهولندي في إندونيسيا، استبدال رأس المال الفرنسي في المغرب، واستبدال رأس المال البريطاني في إيران. بدون شك، نحن نشهد في الكونغو حالة مماثلة من إحلال رأس المال، بلجيكا في تلك الحالة، بالرغم من أن ذلك الإحلال لم يبرز بشكل واضح في استثمار رأس المال أكثر من إعادة توجيه التجارة الخارجية.
كل ذلك الإحلال الإمبريالي لم يتحقق بالمناورة خلف الكواليس. فقد أنتج صراعات قومية ودولية شديدة، وغالباً ما صاحبته مذابح. من إسقاط مصدق، إلى اغتيال بن بركة، وصعود موبوتو إلى السلطة بانقلاب عسكري، وُصم مسار ذلك الإحلال بالقتل، المؤامرات، والعمليات القمعية والتي بلغ ضحاياها مئات الآلاف.
في النهاية، لن تحقق الإمبريالية الأمريكية الهيمنة العالمية. حلم "القرن الأمريكي" استمر فقط خمس سنوات، من 1945 حتى 1950. لم يُدَمَر ذلك الحلم بتقوية القوى المضادة للإمبريالية على نطاق عالمي فقط، ولكن عن طريق قانون التطور غير المتساوي، والذي يعمل بلا هوادة في قلب العالم الإمبريالي ولا يسمح لأي موقع مُكتَسَب أن يستمر للأبد. بالمقارنة مع فترة 1945-1950، فالمنافسين الرئيسيين للإمبريالية الأمريكية (باستثناء بريطانيا العظمى) قد أصبحوا أقوى، وليس العكس، بالنسبة للإمبريالية الأمريكية. التنافس الإمبريالي أكثر حدة من ذي قبل. لن يصبح هناك إمبريالية عظمى، ولكن صراع مستمر بين القوى الإمبريالية لنقل أرباح السلطة لصالحهم.
مع ذلك، فمعركة التنافس الإمبريالي تحدث في سياق عالمي جديد: خسارة رأس المال لثلثي العالم، التوسع المستمر للقوى الثورية الجديدة والحركات التي تهدد بانتزاع بلدان جديدة من رأس المال. في تلك الظروف، فالتنافس الإمبريالي سيتحول إلى تضامن إمبريالي أمام التهديدات الهامة والتي تؤثر على كامل النظام. أمل ستالين في رؤية حرب إمبريالية جديدة اتضح عبثه (لو تغاضى المرء عن الصراعات المحلية بين بيادق الإمبريالية المختلفة في أفريقيا، قبرص، وأماكن أخرى).

5-الدفاع عن الشروط العامة لتراكم رأس المال.
واحدة من الدوافع الاقتصادية للإمبريالية الأمريكية هي الدفاع عن تراكم رأس المال الأمريكي المُستثمر عند تدهور تلك الظروف أو تعرضها لتهديد. في ضوء ذلك بالتحديد نستطيع أن نفهم الانقلاب العسكري في غواتيمالا، دفاعاً عن استثمارات الشركة المتحدة للفواكه، أو العملية العسكرية في فنزويلا دفاعاً عن شركة كريول للبترول، أو تدخل الاستخبارات الأمريكية في الانقلاب العسكري في البرازيل دفاعاً عن استثمارات شركة الصلب الأمريكية. نفس التدخل في الانقلاب العسكري في اليونان سمح لشركة ليتون الدفاعية بالقيام باستثمارات ضخمة تحت ظروف استثنائية في صالحها.
مع ذلك، سيكون من الخطأ رؤية التدخل الإمبريالي بشكل محدود للغاية، أي مجرد الدفاع عن رأس المال المُستَثمر بالفعل. علاوة على ذلك، فالتدخل الإمبريالي مسألة حفاظ على فرص مستقبلية وتجنب خطر سلسلة من ردود الأفعال، والتي ستهدد مواقع قوية في بلد معينة بأحداث في بلد أخرى.
على سبيل المثال، استثمارات رأس المال الأمريكي المباشرة في جنوب فيتنام متواضعة، ولكن هناك استثمارات مهمة في تايلاند، واستثمارات أكثر أهمية في ماليزيا، إندونيسيا، والهند. بالتدخل عن طريق الحرب في الحرب الأهلية في فيتنام، تحافظ الإمبريالية الأمريكية على المواقع الرأسمالية في البلدان المجاورة، وتحافظ أيضاً على الفرص المستقبلية في الجزء الشرقي من القارة الأسيوية. اليوم، السياسة الإمبريالية سياسة عالمية بلا شك. الدفاع عن رأس المال، بالضرورة، لا يتم في المناطق التي اُستثمر رأس المال فيها، ولكن يحدث في بلدان أخرى، حيث انهيار المواقع الرأسمالية فيها يشكل خطر جسيم على تلك المناطق المدعوة بالقوية.
لذلك، فبتحليل القوى الاقتصادية المحركة والعالمية للإمبريالية الأمريكية نستطيع الوصول لاستنتاج واحد: لكي تكون فعالة، يجب على القوى المضادة للرأسمالية أن تعارض استراتيجية الثورة المضادة للاحتكارات باستراتيجية عالمية مواجهة له.

الهوامش:-
1-أظهر بحث قامت به شركة من الخبراء الاستشاريين في شيكاغو عام 1960م أن 35 احتكار في الولايات المتحدة امتلك صافي معدل ربح وصل إلى 9.2% في الولايات المتحدة، ووصل إلى 14.2% في الخارج.
2-ذهبت استثمارات الشركات الامريكية المباشرة من 7.2 مليار دولار عام 1946م إلى 40.6 مليار دولار عام 1963م ثم إلى 54.5 مليار دولار عام 1966.
3-وفقاً لهاري ماجدوف، زادت الواردات الأمريكية لبعض المواد الخام بالشكل الآتي وفقاً للنسبة المئوية لانتاجهم في الولايات المتحدة:-

1966م 1937م – 1939م
43% 3% خام الحديد
18% -13% النحاس
131% 0% الرصاص
140% 7% الزنك
638% 113% البوكسيت
31% -4% البترول



PDF version: https://drive.google.com/file/d/15118eh5XZ16a9_bhMojgfc0Q1Rep4q51/view?usp=sharing
المقال الأصلي: https://www.marxists.org/archive/mandel/1970/xx/amimp.htm








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بي بي سي نيوز عربي | الأزمة الاقتصادية في مصر تضرب مؤسسات خي


.. كيف يحدّ النظام الرأسمالي من حرية المرأة؟




.. اشتباكات بين الأمن ومتظاهرين بنيويورك في احتجاج على مقتل تاي


.. شاهد: مسيرة للتنديد بالمواجهات بين الشرطة وعصابات مسلحة في ه




.. تجمع المنتفضين الثوريين والمهام الآنية والمستقبلية