الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


رواية للفتيان جزيرة الحور

طلال حسن عبد الرحمن

2022 / 9 / 15
الادب والفن


رواية للفتيان





جزيرة الحور







طلال حسن



شخصيات الرواية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ ابانوغاك

2 ـ سِدنا

3 ـ بينيا













" 1 "
ــــــــــــــــــ
عاد الصياد ابانوغاك من الصيد ، كما يأتي في غالب الأحيان ، قبيل غروب الشمس ، فسحب قاربه المصنوع من جلد الكاريبو على رمال الشاطىء ، بعيداً بعض الشيء عن ماء البحر، واتجه إلى بيته القريب ، وقد حمل في سلته ما اصطاده من السمك .
ومن بعيد ، لمح ابنته الحورية الصغيرة بينيا ، تجلس عند باب البيت ، لكنها وعلى غير عادتها ، تطلعت نحوه صامتة ، ولم تجرِ إليه وقد غمرها الفرح ، وتحمل عنه سلة السمك ، الذي اصطاده من البحر .
أهي متعبة حوريته الصغيرة ، أم مريضة ، أم .. ؟ من يدري ، ربما دلال البنيات الحلوات ، وفي هذه الحالة ، فمن حق حلوته الحورية الصغيرة بينيا أن تتدلل ، فلمن يليق الدلال إن لم يكن لمثلها ، عينان زرقاوان ، وشعر ذهبي ، وبشرة في بياض الثلج .
واقترب ابانوغاك من حوريته الصغيرة ، حاملاً سلة السمك ، وتباطأ في سيره ، متظاهراً بالتعب الشديد ، وهو يقول : حوريتي الصغيرة ، ساعديني .
ولسبب لا يعرفه ، تقدمت منه بفتور ، وأخذت منه سلة السمك ، وحملتها بشيء من الصعوبة ، وسارت معه إلى داخل البيت ، ووضعتها جانباً ، ونظر ابانوغاك إليها ، وقال : حوريتي ..
وقاطعته الحورية الصغيرة ، دون أن تلتفت إليه وقالت : دعني أنظف السمك اليوم وحدي .
لم يرتح ابانوغاك لنبرة الحزن التي في صوتها ، واحتج قائلاً برفق : لا يا حوريتي ، أنتِ مازلتِ صغيرة ، على مثل هذا العمل .
وردت الحورية الصغيرة قائلة : كلا ، لم أعد صغيرة ، لقد تجاوزت الخامسة من عمري .
ومدّ ابانوغاك يده ، ومسد على شعرها الذهب ، وقال : اكبري يا حوريتي ، وسأترك تنظيف السمك لكِ ، وكذلك إعداده للطعام أيضاً .
ولاذت الحورية الصغيرة بالصمت ، فأخذ ابانوغاك السمك إلى الخارج ، ونظفه قرب شاطىء البحر ، ثم شوى بعضه على نار الموقد ، ووضعه على السفرة ، وهتف بالحورية الصغيرة : هيا يا حوريتي ، لابد أنكِ جائعة مثلي ، تعالي نأكل .
وجلست الحورية الصغيرة كالعادة قبالته ، لكنها على غير العادة ، لم تمد يدها إلى الطعام ، ودس ابانوغاك لقمة في فمه ، وقال متلذذاً : آه ما أطيب هذه الطعام ، مدي يدكِ الحلوة ، وتذوقيه .
وبدل أن تمدّ الحورية الصغيرة يدها ، وتتذوق الطعام ، رفعت عينيها الزرقاوين الجميلتين إليه ، وقالت بصوت لم يسمعه منها من قبل : أبي ، أخبرني ..
وانتبه ابانوغاك إلى نبرة في صوتها ، لم يسمعها فيه من قبل ، فتظاهر بالمرح ، وقال : سأخبرك بكل ما قالته لي السمكة حين اصطدتها ، كلي أولاً .
وقالت الحورية الصغيرة بشيء من المرارة : أرجو أن تكون قد حدثتك عن أمي ..
ولاذ ابانوغاك بالصمت ، وقد تباطأ في مضغ اللقمة في فمه ، فتابعت الحورية الصغيرة قائلة : لكل الأطفال الذين أعرفهم أمهات يحببنهم ويرعينهم و ..
وصمتت لحظة ، ثم تساءلت : من هي أمي ؟
وتوقف ابانوغاك عن تناول الطعام ، ورمق الحورية بنظرة سريعة ، ثم نهض ، وهو يقول : تناولي طعامكِ ، أنتِ صغيرة ، وبحاجة إلى الطعام .
وفتح الباب ، ومضى نحو شاطىء البحر القريب من البيت ، وجلس على الرمال محدقاً في القمر ، وهو يخرج من أعمق البحر ، والماء يقطر منه ، وتناهى إليه وقع أقدام خفيفة على الرمال ، إنها حوريته الصغيرة ، لم يلتفت إليها ، وأحس بها تجلس إلى جانبه ، ثمّ تمد يدها الصغيرة ، وتلمس ذراعه ، وتقول : بابا ..
ومدّ ابانوغاك يده ، وربت على يدها الصغيرة ، وردّ عليها قائلاً : نعم ، يا حوريتي .
وتابعت الحورية الصغيرة قائلة : مرت ببيتنا هذا اليوم ، عند منتصف النهار ، امرأة عجوز ، لم أرها يوماً في الجوار ، وكنت جالسة بالباب ..
والتفت ابانوغاك إليها ، وحدق فيها على ضوء القمر ، دون أن يتفوه بكلمة واحدة ، فتابعت الحورية الصغيرة قائلة : فاقتربت مني ، وحدقت فيّ ، ثم قالت ، أنتِ لا تشبهين أحداً من أهل القرية ، عيناك زرقاوان ، وشعرك كالذهب ، وبشرتك ببياض الثلج ، لابدّ أنكِ لستِ من هذا العالم الذي أعرفه .
وحدقت الحورية الصغيرة في ابانوغاك ، ثم قالت : أنا لا أشبهك ، يا بابا ، وأنت تشبه أهل القرية تماما .
فقال ابانوغاك : إنني واحد منهم .
فتساءلت الحورية الصغيرة : أنا مختلفة ، لماذا ؟
ولاذ ابانوغاك بالصمت ، فتابعت الحورية الصغيرة قائلة : تلك العجوز ، قالت لي ، قبل أن تختفي فجأة كما ظهرت : يبدو أن أمكِ من أعماق البحر .
ونهض ابانوغاك ، وأخذ بيد الحورية الصغيرة ، وقال : الوقت متأخر ، وحان وقت النوم ، لنعد إلى الكوخ .
ونهضت الحورية الصغيرة ، ومضت مع أبيها إلى البيت ، وأوت إلى فراشها ، وسرعان ما استغرقت في النوم ، لكن ابانوغاك لم ينم ، وكان هناك ما يشغله .
ماذا عليه أن يفعل ؟
هل يكتم الحقيقة عن حوريته الصغيرة ؟
ولكن إلى متى ؟
إنها الآن صغيرة ، ومع ذاك بدأت تتساءل ..
لكنها ستكبر ، مع مرور الزمن ، وستلح على أن تعرف الحقيقة ، حقيقة أمها ..
أهي تشبه نساء القرية ، أم أنها مختلفة عنهن ، و لماذا هي بهذا الشكل ؟
ثم إذا أراد أن يقول لها الحقيقة ، فماذا يقول لها ؟
وماذا يكتم عنها ؟
وحوريته مازالت صغيرة ، لم تتجاوز الخامسة من عمرها ، يا للحيرة ، و .. واستغرق في النوم .








" 2 "
ــــــــــــــــــ
تراءت لابانوغاك جدته العجوز ، وتذكر حكاياتها الجميلة ، التي كانت تحكيها له بصوتها المتميز الرقيق ، رغم أنها كانت قد تجاوزت التسعين من عمرها .
وذات يوم ، جلس إلى جانب جدته ، وقال لها : جدتي ، أرجوكِ ، احكي لي عن حور البحر .
وابتسمت الجدة ، ومدت يدها الشائخة ، وربتت على رأسه الكث الشعر ، وقالت : بنيّ ابانوغاك ، أنت مازلت صغيراً على مثل هذه الحوريات .
ومال ابانوغاك على جدته ، وقال بصوت أشبه بالهمس : ماما تقول لي ، عندما أطلب منها أن تحدثني عن حوريات البحر ، إن الحوريات خرافة ، لا وجود لها إلا في حكايات جدتك .
ونظرت الجدة إليه بعينيها السوداوين الشائختين ، وقالت بصوتها الشائخ : دعكَ من أمكِ ، يا ابانوغاك ، حوريات البحر موجودات ، وقد تصادف واحدة منهن ، ذات يوم ، وسترى كم هنّ جميلات .
وقد رأى ابانوغاك إحدى الحوريات فعلاً ، ولكن بعد أن كبر ، وناهز العشرين من العمر ، وكانت جدته العجوز قد رحلت ، ورحل بعدها أبواه ، وطوال هذه الفترة ، لم ينسَ حكايات جدته عن حور البحر، وكانت حاضرة معه في أحلامه ، كما وصفتها له جدته ، ليلاً ونهاراً .
وأرق ابانوغاك ذات ليلة مقمرة ، ولم يشأ أن يبقى متمدداً في فراشه ، فخرج من البيت ، وسار حتى الشاطىء ، حيث مركبه المصنوع من جلد الكاريبو ، وعلى ضوء القمر ، لاحت له من بعيد الجزيرة الصغيرة ، التي أسمتها جدته جزيرة الحور .
وابتسم ابانوغاك بشيء من الحنان ، حين تذكر أمه ، وهي ترد على ما قالته جدته عن الجزيرة الصغيرة بقولها : هذه من خرافات جدتك ، وهي في الحقيقة جزيرة الفقمات وليست جزيرة الحور .
ومن أعماقه انبثق صوت ، لم يعرفه تماماً ، أهو صوت جدته ، أم صوت أمه ، أم صوت حورية من حوريات الجزيرة الصغيرة ؟
ومهما يكن من أمر ، فقد وجد ابانوغاك نفسه يدفع قاربه إلى البحر ، ويجذف بهمة ، متوجهاً إلى الجزيرة الصغيرة ، التي أسمتها جدته جزيرة الحور .
ووصل بقاربه الجزيرة الصغيرة ، وسحب القارب قليلاً فوق رمال الشاطىء ، ووقف يتأمل الجزيرة على ضوء القمر ، أهي جزيرة الفقمات ، كما قالت أمه ، أم كما قالت جدته ، جزيرة الحور ؟
وسار ابانوغاك متوغلاً في الجزيرة ، وعيناه المتشوقتان تبحثان عن حورية من الحوريات التي تحدثت عنها جدته ، وبدأ حماسه يفتر ، فليس فوق الجزيرة الصغيرة غير الرمال والصخور ، وأمواج البحر ، تلطم أطرافها من جميع الجهات .
وتوقف محبطاً ، وهمّ بالذهاب إلى القارب ، والعودة به إلى البيت ، حين وقعت عيناه على جلد أشبه بجلد سمكة كبيرة ، واقترب من الجلد الملقى على الصخور ، وحدق فيه ملياً ، وقد ظنه أول الأمر سمكة كبيرة ، ألقتها أمواج البحر على الصخور ، أو أنها هاربة من قرش ضخم ، أو من حوت الاوركا القاتل .
وحانت منه نظرة إلى الشاطىء القريب ، ووقف مذهولاً ، وقلبه يخفق بشدة ، فعلى ضوء القمر ، رأى ما يشبه فتاة شابة ، مستلقية على الرمال ، وكأنها مستغرقة في نوم عميق .
وفكر أنها ربما حورية من الحوريات ، اللاتي حدثته جدته عنهن ، حسناً ، فليمازح هذه الحورية ، حتى لو كان هذا المزاح ثقيلاً بعض الشيء ، فمدّ يده بسرعة ، والتقط الجلد ، وأسرع به إلى قاربه ، ومن ثم انطلق يجذف مبتعداً عن الجزيرة .
وحالما وصل إلى البيت ، فتح خزانة أمه القديمة ، التي كانت تضع فيها ثيابها وحاجياتها ، وأزاح بعض الثياب ، ووضع جلد الحورية فيها ، وأغلق الخزانة ، ثم أوى إلى فراشه ، وسرعان ما استغرق في نوم عميق .
وقبيل الفجر بقليل ، أفاق ابانوغاك على باب البيت يُطرق ، ففتح عينيه اللتين يثقلهما النعاس ، وفكر أنه ربما كان يحلم ، فمن يمكن أن يطرق بابه ، في هذا الوقت من الليل .
لكن الباب طُرق مرة أخرى ، الأمر إذن ليس حلماً وإنما حقيقة ، يا للإزعاج ، من يدري ، لعل الأمر خطير ، فتحامل على نفسه ، ونهض من الفراش ، ومضى مترنحاً إلى الباب ، ومدّ يده وفتحه ، و ..
وتوقف مذهولاً ، حين رأى أمامه الحورية ، كما رآها متمددة على الشاطىء ، أم أنه يحلم ؟ وحدق فيها ملياً ، ثم تساءل : من أنتِ ؟
وحدقت الحورية فيه بعينيها الزرقاوين الجميلتين ، وقالت : أنا .. سِدنا ..
وتمتم ابانوغاك مذهولاً : سِدنا !
فقالت الحورية بصوت متعب للغاية ، وهي تتأمله : أعطني جلدي ؟
وتمتم ثانية ، ولعله نسي الأمر كله : أي جلد ؟
فردت الحورية ، وهي مازالت تتأمله ، وهي تكاد تتهاوى على الأرض : رأيتك تأخذه على ضوء القمر ، حين كنت متمددة على الرمال .
وتأوهت الحورية ، وهي تترنح ، وتكاد تتهاوى على الأرض ، فمدّ ابانوغاك يديه ، وأسندها وهو يقول : يبدو أنك متعبة جداً ، ادخلي عندي حتى ترتاحي .
ودخلت الحورية ، وهي تستند على ابانوغاك ، وقالت بصوتها المتعب : أردت أن آخذ جلدي ، وأعود إلى الأعماق ، لابد أن أبي وأمي قلقان عليّ الآن جداً ، آه يا للبرد ، لقد بقيت طويلاً في العراء .
وقادها ابانوغاك إلى فراشه ، ومددها فيه برفق شديد ، ثم دثرها بفراشه الدافىء ، وقال : سأشعل النار في الموقد ، وستدفأ الغرفة تماماً .
وأغمضت الحورية عينيها الزرقاوين الجميلتين ، فقال لها ابانوغاك : نامي قليلاً ، وسترتاحين .











" 3 "
ـــــــــــــــــــ
أفاقت الحورية سِدنا ، صباح اليوم التالي ، ورآها ابانوغاك تفتح عينيها الزرقاوين الجميلتين ، وترنو بهما إليه ، وتقول بصوت عذب : طاب صباحكَ .
فاعتدل قليلاً ، وقال : طاب صباحكِ .
وصمت لحظة ، ثم نهض من مكانه ، وهو يقول : لابدّ أنكِ جائعة الآن ، لقد أعددتُ لك طعاماً لذيذاً ، كانت أمي تعده لي ، كلما تريد أن ترضيني .
لم تلتفت سِدنا إلى دعوته ، واعتدلت في الفراش ، وقالت : أريد أن تعطيني جلدي .
ولاذ ابانوغاك بالصمت لحظة ، ثم ردّ عليها قائلاً : كلي أولاً ، وارتاحي بعض الوقت ، ولكِ أن تطمئني ، جلدك في مكان أمين ، وسأعيده إليكِ .
وأبعدت سِدنا الفراش عنها ، وهبت ناهضة من مكانها ، وقالت : لا أريد أن آكل ، أعطني جلدي .
واقترب ابانوغاك من الخزانة ، وقال لسِدنا : وضعته في مكان أمين ، في هذه الخزانة ، وهي خزانة أمي ، لأحفظه لك من العبث .
وتطلعت سِدنا إليه ، وقالت : لو كان الأمر كذلك ، ما أخذته دون علمي .
وغالب ابانوغاك ابتسامته ، وقال : في الحقيقة ، أردت أن أراك من مسافة قريبة .
وردت سِدنا قائلة : كدت تمرضني ، عدا قلق والداي بسبب غيابي ، الذي لا يعرفون له سبباً .
ولاذ ابانوغاك بالصمت لحظة ، ثم نظر إليها ، وقال : إنني آسف ، سامحيني .
وقالت سِدنا : أعطني جلدي .
وفتح ابانوغاك الخزانة ، وأبعد بعض الثياب القديمة ، ثم أخرج الجلد ، وهو يقول : ها هو جلدكِ ، كلي أولاً ، ثم خذي جلدك ، ولكِ أن تفعلي ما تريدين .
ومدتِ سِدنا يدها ، وتناولت الجلد ، ثم نظرت إلى ابانوغاك ، وقالت : سآخذ جلدي ، وأذهب إلى تلك الجزيرة الصغيرة ، ومن هناك أغوص إلى وطني ، عليّ أن أطمئن أمي وأبي في أسرع وقت ممكن .
ونظر ابانوغاك إليها ، وقال : هذا حقك ..
واتجه نحو الباب ، وأضاف قائلاً : تعالي أقلك بقاربي ، إلى الجزيرة الصغيرة ، التي كنت فيها .
لم تنبس سِدنا بكلمة ، ولم يغير هذا من ضيقها ، ففتح ابانوغاك الباب ، وخرج من البيت ، ومضى نحو القارب ، فسارت سِدنا في أثره صامتة ، وقال ابانوغاك دون أن يلتفت إليها : كنت أتمنى في الحقيقة ، لو تبقين يوماً أو عدة أيام ..
والتفت إليها ، وحدق فيها ، ثم تابع قائلاً : كنت سأعرفكِ بحياتنا ، وسبل عيشنا ، وكنت سترين فتيات في عمرك ، وتعرفين حياتهن وآمالهن .
وردت سِدنا باقتضاب : أنت تنسى أنني لا أنتمي إلى عالمكم ، وأنني من عالم الأعماق .
ووصل ابانوغاك إلى الشاطىء ، فدفع القارب إلى البحر ، وأمسكه بيده والأمواج تراقصه ، وقال لها : تفضلي ، اصعدي يا سِدنا .
وصعدت سِدنا إلى القارب ، فصعد ابانوغاك في أثرها ، واتخذ مكانه فيه ، وأمسك المجذافين ، وراح يجذف متجهاً بالقارب نحو جزيرة الحور .
ونظرت سِدنا إلى ابانوغاك ، وراحت تتأمله صامتة ، ثم قالت بنبرة هادئة : أنت تسير ببطء .
ونظر ابانوغاك أيها ، وابتسم لها ، وقال : أنت في الحقيقة .. محقة .
وبنفس النبرة الهادئة ، قالت سِدنا ، وهي مازالت تتأمله بعينيها الزرقاوين الجميلتين : أنت متعمد في هذا ، لا تقل لي إنك متعب .
وابتسم ابانوغاك ثانية ، وقال : لا ، لن أقول ذلك ، أنا لست متعباً .
وصمت لحظة ، ثم أضاف قائلاً : إنني أحاول إبقاءك معي ، أطول مدة ممكنة .
ونهضت سِدنا واقفة في القارب ، وقالت : مهما يكن ، فقد وصلنا الجزيرة ، حيث كنت البارحة متمددة على الشاطىء ، في ضوء القمر .
وتوقف ابانوغاك بالقارب ، وتطلع إليها ، وقال : لن أنسى هذه اللحظات التي بقيتِ فيها معي أبداً ، إنها ستعيش معي حتى النهاية ، وليتها تدوم .
ونظرت سِدنا إلى البحر ، وبدا وكأنها تأثرت بعض الشيء من كلامه ، وغاصت بعينيها الزرقاوين الجميلتين إلى أعماقه ، وقالت : نحن لا ننتمي إلى عالم واحد ، إن عالمينا مختلفان .
وتنهد ابانوغاك ، وتمتم قائلاً : للأسف . .
وصمت ابانوغاك لحظة ، ثم قال : لو تعلمين ، إنني أحلم بكِ ، منذ طفولتي ، عندما كانت جدتي العجوز تحدثني عن الحوريات .
والتفتت سِدنا ، ونظرت إلى الجزيرة ، كأنما كانت تقاوم مشاعر داهمتها ، ولا تريد أن تؤثر فيها ، وقالت : من هناك أخذت جلدي ، وذهبت به إلى بيتك .
ونظر ابانوغاك إليها ، وقال : لكني لم أنكره ، ولم أحاول إخفاءه عنكِ ، وقد أعدته لكِ صباح اليوم ، حالما طلبتيه مني .
وردت سٍدنا بنبرة هادئة : نغم ، وقد عاملتني معاملة طيبة ، ووضعتني في فراشك ..
ونظرت إليه بعينيها الزرقاوين الجميلتين ، وقالت له : مهما يكن ، فأنا أشكرك يا ..
وقال ابانوغاك : اسمي ابانوغاك .
وقالت ثنية : أشكرك ، يل ابانوغاك .
وابتسم ابانوغاك لها ، وقال محاولاً تمالك نفسه : بل أنا أشكرك ، فقد أتحت لي الفرصة لأن أرى أجمل حورية ، من حوريات الأعماق .
ونظرت سِدنا ثانية إلى البحر ، وقالت : آن لي أن أذهب ، يا ابانوغاك ، وداعاً .
ثم قفزت من القارب إلى البحر ، وغاصت إلى الأعماق المعتمة ، وقبل أن تختفي فيها ، تمتم ابانوغاك بنبرة دامعة : وداعاً .











" 4 "
ــــــــــــــــــــ
عاد ابانوغاك إلى بيته ، وقد كاد النهار أن ينتصف ، وجذف قاربه ببطء شديد ، فوق مياه البحر الهادئة ، بعد أن ودع الحورية سِناد ، التي غاصت إلى عالمها الغامض ، الذي في الأعماق .
وحين وصل الشاطىء القريب من بيته ، نزل من القارب ، وسحبه بعيداً عن الماء ، وأقبل عليه جروه ، الذي يذكره بأمه ، التي اختطفها ذات ليلة عاصفة ذئب شرس ، وفتك بها في الغابة .
وتركه ابانوغاك ينبح ، ويبصبص بذيله الكث ، كما يريد ، لكنه لم يلتفت إليه ، ولم يُعره أي اهتمام ، ودخل إلى البيت ، وأغلق الباب وراءه ، والجرو الصغير ينبح ، وكأنه يناديه ، ويتوسل إليه .
وبدل أن يشعر ابانوغاك ببعض الراحة ، وقد وصل إلى بيته ، ازداد ضيقه وحزنه ، وخاصة عندما وقع نظره المتعب ، على فراشه المبعثر ، الذي نامت فيه الحورية سِدنا طوال ليلة أمس ، ولعل رائحتها المميزة مازالت في ثناياه ، تذكره بها .
وأبعد نظره عن الفراش المبعثر ، ليقع هذه المرة على الطعام ، الذي أعده لها ، لعلها تأكل معه ، أو تأكل منه وحدها ، لكنها لم تمدّ يدها إليه ، وتأكل منه لقمة واحدة ، رغم أنه يعرف أنها كانت جائعة .
وتناهى إليه من الخارج ، صوت جروه ينبح منادياً له ، لابد أنه جائع ، فأخذ بعضاً من الطعام ، وجلس بباب البيت ، يأكل منه بدون شهية ، ويلقي بعضه إلى جروه الصغير ، الذي كان يقف أمامه فرحاً ، وهو يبصبص بذيله الكث ، ويتلقف ما يرميه إليه من الطعام .
وطوال ذلك اليوم ، لم يفكر ابانوغاك ، أن يذهب إلى الصيد في البحر ، رغم أن ما بقي عنده من الطعام ، ربما لا يكفيه إلى يوم غد ، هذا إذا أراد أن يأكل عند منتصف النهار ، أو بعد غروب الشمس ، وهذا ما لم يفكر فيه ابانوغاك لحظة واحدة .
وبعد منتصف النهار ، أراد أن يخرج من البيت ، ويتجول بين بيوت القرية ، أو يقوم بزيارة أحد الأقارب أو الأصدقاء ، ويقضي بعض الوقت معهم ، لكنه بدل ذلك كله ، ارتمى فوق الفراش ، الذي نامت فيه ليلة البارحة الحورية سِدنا ، وقد أغمض عينيه المتعبتين ، وسرعان ما استغرق في نوم عميق .
وأفاق ابانوغاك ، وقد حلّ الظلام ، إنه الليل ، وقد نام ساعات طويلة ، فنهض من فراشه متكاسلاً ، وخرج من البيت ، فاستقبله جروه بنباح فرح ، وهو يبصبص بذيله الكث ، لكنه لم يلتفت إليه ، ومضى نحو الشاطىء ، حيث قاربه يجثم على الرمال ، ولحق به الجرو ، وهو مازال ينبح ، فالتفت إليه ، دون أن يتوقف ، وأشار بيده ، ثمّ قال له : اذهب ، واجلس قرب الباب .
وتوقف الجرو في مكانه حزيناً ، وقد نكس ذيله الكث ، ثم استدار ببطء ، ومضى محبطاً ، وقد صمت تماماً وجلس على مقربة من باب البيت ، وهو يتابع ابانوغاك بعينين منكسرتين حزينتين .
وجلس ابانوغاك على رمال الشاطىء ، والأمواج تزحف إليه بين حين وآخر ، وتوشك أن تلمس قدميه ، وتنهد بحزن عميق ، حين تراءت له الحورية سِدنا ، وهي تقف عند الفجر تقريباُ بباب بيته ، وكادت عيناه تدمعان ، وصوتها يتردد في سمعه : وداعاً .
ولِمَ وداعاً ، يا سِدنا ؟
لِمَ وداعاً بهذه السرعة ؟
الحياة قصيرة ، وعمر الشباب أقصر ، أقصر حتى أكثر من الربيع ، في هذه البقاع الشديدة البرودة من العالم ، هذا ما كانت تقوله جدته العجوز ، ويا لها من امرأة عظيمة ، لم يرَ من تشبهها ، أو تماثلها في فكرها ، طوال سني عمره القاحل .
وتراءت له جدته ، من بين الأمواج ، التي يضيؤها القمر بنوره الشاحب ، تنظر إليه بعينيها الشائختين المحبتين ، فقال لها : جدتي ، لقد كدت أحصل على الحورية ، التي طالما تحدثتِ عنها ، لكنها سرعان ما مضت عائدة إلى الأعماق ، وقالت لي ، وداعاً .
وكأن هذا الخبر ، الذي سمعتهّ الجدة العجوز منه ، لم يسرّها مطلقاً ، فغاصت هي الأخرى إلى الأعماق ، وتلاشت شيئاً فشيئاً حتى اختفت تماماً .
ونهض ابانوغاك من مكانه ، واتجه نحو البيت ، ومن بعيد نهض الجرو متردداً ، ونبح كأنه يختبر ردّ فعله ، لكنه عاد إلى مكانه محبطاً ، عندما لم يلتفت إليه ابانوغاك ، ولاذ بالصمت حزيناً ، حتى أوشك ابانوغاك على الدخول إلى البيت .
وتوقف ابانوغاك عند الباب ، عندما سمع جروه ينبح بصوت غاضب مرتفع ، فاستدار نحوه وإذا به يرى واحداً من أصحابه ، يريد الاقتراب منه ، وهو يحمل إناء فيه قطعة من اللحم .
فنهر ابانوغاك قائلاً : كفى أيها الأحمق ، كفى ، عد إلى مكانك ، إنه جارنا .
وتوقف الجرو عن النباح ، واستدار ببطء ، ثم عاد إلى مكانه ، ونظر الرجل إليه مبتسماً ، والإناء بين يديه ، وقال بلهجة مازحة : جروك مازال صغيراً ، يا ابانوغاك ، لكن لا بأس ، إنه جرو قوي و شجاع ، وسيعرف الجيران مع الزمن .
وتقدم ابانوغاك منه ، وقال مرحباً : أهلاً ، أهلاً ومرحباً بجاري العزيز ، كنت أجلس على رمال الشاطىء ، أتأمل القمر .
وضحك الرجل ، وقال : تزوج ، يا ابانوغاك ، ولن تحتاج أن تجلس على الشاطىء لتتأمل القمر ، بل ستجلس في بيتك تتأمل قمرك الدافىء .
وابتسم ابانوغاك مدارياً حرجه ، ونظر إلى قطعة اللحم ، التي يحملها صاحبه ، وقال : يبدو لي أنكم اصطدتم فقمة ضخمة هذا اليوم .
فقدم صاحبه قطعة اللحم ، وقال : لا ، هذا ليس لحم فقمة ، وإنما لحم قرش .
وأخذ ابانوغاك قطعة اللحم ، وقال : أشكرك .
وضحك صاحبه ثانية ، وقال ، وهو يمضي مبتعداً : تزوج ، وستطبخ لك زوجتك ، ومهما كان طبخها ، ستقول كما نقول نحن المتزوجون المدجنون ، آه كم هو لذيذ هذا الطعام .







" 5 "
ـــــــــــــــــــ
عند حوالي منتصف الليل ، والقمر يطل بدراً من سماء صافية مليئة بالنجوم ، أفاق ابانوغاك على باب بيته يُطرق ، ولا يدري لماذا ذكره هذا الطرق ، بطرق الحورية سِدنا ، قبيل فجر أمس الأول ، عندما جاءته إلى البيت ، وهي شبه منهارة .
وأنصت ابانوغاك ملياً ، فهذا التقارب بين طرق الليلة وذاك الطرق ، ربما ليس عبثاً ، و .. من يدري ، لعل الأمر كله حلم ، فالحورية سِدنا غاصت إلى الأعمق ، وقالت وداعاً ، و ..
وطرق باب البيت مرة أخرى ، يا للعجب ، إنها نفس طرقات الحورية سِدنا ، وهو لا يمكن أن يكون نائماً يحلم ، أم أنه في حلم داخل حلم يتمناه دون جدوى ، ومهما يكن فقد تحامل على نفسه ، ونهض من فراشه الدافىء ، ومضى مترنحاً إلى الباب ، وفتحه .
وشهق ابانوغاك مشدوهاً ، وقلبه يخفق بشدة ، هذا حلم ، حلم مستحيل ، لا يمكن أن يحدث إلا داخل حلم ، وفتح عينيه يحدق جيداً ، إنها الحورية سِدنا نفسها ، مرتدية جلدها الشبيه بجلد السمكة ، كلا ، لابدّ أنه يحلم ، لقد مضت بإرادتها ، وقالت له .. وداعاً .
وسمعها تتمتم : ابانوغاك ..
وشهق قائلاً : سِدنا !
وابتسمت الحورية له ، وقالت : نعم ، سِدنا .
وظلّ ابانوغاك جامداً في مكانه ، فقالت الحورية سِدنا ، وهي تدخل من الليل : يبدو أنك لن تقول لي ، ادخلي ، لا عليك ، أنا سأدخل ، فهذا بيتي .
وصمتت لحظة ، ثم خاطبت ابانوغاك قائلة ، دون أن تلتفت إليه : أغلق الباب .
وعلى الفور ، مدّ ابانوغاك يده ، وأغلق الباب ، وكأنه يخشى أن تختفي من أمامه ، والتفت إليها ، وقال بصوت متحشرج : لكنكِ قلتِ .. وداعاً .
وتطلعت الحورية سِدنا إليه ، ثم قالت بصوت هادىء لم يعهده منها من قبل : هذا خطأ مني ، يا ابنوغاك ، والعودة عن الخطأ فضيلة ، فالزوجة العاقلة المحبة ، لا تقول لزوجها وداعاً أبداً .
وتمتم ابانوغاك مذهولاً : زوجها .. !
فقالت الحورية سِدنا : هذا ما قالته لي أمي ، عندما عدتُ إلى الأعماق ، ورويت لها كلّ ما جرى بيني وبينك ، وهي مثل جدتك العجوز ، امرأة حكيمة ، وأنا أصغر أبنائها وبناتها ، وأحبهم إليها ، وأكثرهم دلالاً .
ولاذ ابانوغاك بالصمت ، وقد غمره الذهول ، وبدا للحورية سِدنا ، أنه لم يفهم ما قالته تماماً ، فتابعت قائلة بنفس الصوت الهادىء الصابر : لم أعد إليك بإرادتي فقط ، فقد قالت لي أمي ، عودي إلى زوجكِ .
وصمتت الحورية سِدنا لحظة ، وابانوغاك يحدق فيها وهو مازال مذهولاً ، ثم تابعت قائلة : ما دمتِ قد نمت في فراشه ليلة واحدة ، فأنت زوجته ، والزوجة يجب أن تكون إلى جانب زوجها ، مهما كانت الظروف ، هذا ما قالته لي أمي ، وأنا أحترم جداً كلّ ما تقوله أمي ، وأعمل به ، هذه هي عاداتنا وتقاليدنا .
وصمتت ثانية ، ثم قالت وكأنها تحاور أمها : لكنه ، يا أمي ، وقاطعتني أمي قائلة ، أنتما زوجان ، أنتِ زوجته ، وهو زوجكِ ، إلا إذا لم يوافق زوجك على استمرار هذا الزواج لسبب ما .
ولاذ ابتوغاك بالصمت حائراً ، أمام نظراتها المتسائلة المنتظرة ، فقالت الحورية سِدنا : قل شيئاً ، يا ابانوغاك ، فأنا الآن عندك ، وبين يديك ، ويجب أن أعرف موقفك مني ، فأنا ..
وابتسم ابانوغاك مرتبكاً ، ثم أشار إلى قطعة اللحم ، التي أهداها له صاحبه في أول الليل ، وقال : إذا كنتِ جائعة ، يا سِدنا ، سأطبخ لك قطعة اللحم هذه .
وحدقت الحورية سِدنا في قطعة اللحم ، ثم رفعت عينيها الزرقاوين الجميلتين ، ونظرت إلى ابانوغاك وقالت مترددة متوجسة : أخشى أن تكون قطعة اللحم هذه ، يا ابانوغاك من لحم الفقمة .
وردّ ابانوغاك قائلاً : كلا ..
وتساءلت الحورية سِدنا : أكيد ؟
فردّ ابانوغاك قائلاً : طبعاً .
ونظرت الحورية سِدنا إليه ، ثم قالت : لحم الفقمة محرم عندنا ، في عالم الأعماق ، نأكل كلَ أنواع اللحوم البحرية عدا لحم الفقمة .
ونظر ابانوغالك إليها متسائلاً ، فقالت الحورية سِدنا : تقول أمي ، نحن من أصول سلالات الفقمات ، التي انقرضت منذ آلاف السنين ، ولهذا فنحن نحرم قتلها ، أو تناول لحومها ، مهما كانت الظروف .
ومدّ ابانوغاك يده ، وأخذ قطعة اللحم ، وأدناها من الحورية سِدنا ، وقال لها : قطعة اللحم هذه ليست من لحم الفقمة ، وإنما من لحم القرش .
وأبعدت الحورية سِدنا نظرها عن قطعة اللحم ، ونظرت إلى الفراش ، وهي تكاد تتثاءب ، وقالت : مهما يكن ، الوقت متأخر ، وأنا متعبة جداً ، وأريد أن أنام .
وتململ ابانوغاك مرتبكاً ، وقبل أن يتفوه بكلمة ، تمددت الحورية سِدنا في الفراش ، وتدثرت بالغطاء ، وهي ترنو إليه بعينيها الزرقاوين الجميلتين ، وقالت : تعال نم أنت أيضاً ، فالصبح مازال بعيداً .
وتراجع ابانوغاك بصورة لا إرادية ، وهو يتمتم : لا .. لا .. نامي أنتِ ، لقد نمت الليلة مبكراً ، وأخذت كفايتي من النوم ، نامي أنت وارتاحي .
وأغمضت الحورية سِدنا عينيها ، وقالت : كما تشاء ، سأنام الآن ، وإذا نعستَ ، فيمكنك أن تنام ، إن الفراش واسع جداً ، ويتسع لأكثر من واحد .
وراح ابانوغاك يحدق فيها مذهولاً ، لكنه في أعماقه كان فرحاً جداً ، وأمام عينيه المذهولتين الفرحتين ، أغمضت الحورية سِدنا عينيها الزرقاوين الجميلتين ، وسرعان ما راحت تغط في نوم عميق .













" 6 "
ــــــــــــــــــــ
أفاقت الحورية سِدنا ، صباح اليوم التالي ، في وقت مبكر ، واعتدلت في فراشها ، وقد فتحت عينيها الزرقاوين الجميلتين ، وابتسمت بحنان ، حين رأت ابانوغاك ، متكوماً على نفسه ، في طرف الفراش ، وقد تدثر بغطاء خفيف ، لا يكاد يقي من البرد .
فنهضت بهدوء ، ودثرته بالغطاء الدافىء ، الذي كانت تتدثر به ، ثم نظرت إليه مبتسمة ، وقالت في نفسها : المسكين ، ترك لي دثاره الدافىء ، ونام هنا في طرف الفراش ، بهذا الدثار الخفيف .
واستدارت منصرفة بهدوء ، إلى إعداد طعام الفطور ، من قطعة لحم القرش ، التي أهداها له صاحبه ، يوم أمس في أول الليل .
وعلى روائح البهارات المنعشة ، التي ذكرته بأمه ، أفاق ابانوغاك من النوم ، وقد زايله البرد ، الذي كان يشعر به ، قبل أن تدثره سِدنا بالدثار الدافىء ، وعرف السبب ، حين رأى الدثار الدافىء فوق دثاره الخفيف القديم .
وتناهت إليه حركة خافتة داخل البيت ، فاعتدل في فراشه ، ونظر حوله ، وإذا الحورية سِدنا ، تجلس أمام الموقد ، والنار تستعر فيه ، وهي تعد الطعام .
وأزاح ابانوغاك الدثارين عنه ، وهبّ ناهضاً ، ويبدو أن الحورية سِدنا شعرت به ، فالتفتت إليه ، وقالت مبتسمة : طاب صباحك ، يا ابانوغاك .
وحدق ابانوغاك فيها متسائلاً : ماذا تفعلين ؟
واتسعت ابتسامة الحورية سِدنا ، وهي تنظر إليه بعينيها الزرقاوين الجميلتين ، وردت قائلة : أظن أنني قلتُ ، طاب صباحك ، يا ابانوغاك .
فابتسم ابانوغاك مرتبكاً ، وقال : طاب صباحك ..
وصمت لحظة ، ثم قال : لقد أيقظتني هذه الروائح الذكية ، التي تثير الشهية إلى الطعام ، والتي لم أشمها ، إلا عندما كانت أمي على قيد الحياة .
وأشارت الحورية سِدنا ، إلى مجموعة من الأواني الصغيرة ، التي كانت لأمه ، وقالت : تقول أمي ، وهي طباخة ماهرة ، الطعام لا يكون لذيذاً إلا بالبهارات .
وبنبرة يشوبها بعض الحزن ، قال ابانوغاك : هذه بهارات أمي ، وكان أبي يحبها كثيراً .
وتساءلت الحورية سِدنا مازحة ، وهي تغالب ابتسامتها : كان يُحب البهارات أم ..
وردّ ابانوغاك مبتسماً : كلاهما .
والتفتت الحورية سِدنا إلى الطعام ، وراحت تقلبه ، وهي تقول : وهذا ما ستراه في طعامك منذ الآن ، فالزوجة الناجحة المحبة ، تعرف كيف تسعد زوجها ، هذا ما قالته لي أمي قبل أن أعود إليك ، آه أمي .
ولاذ ابانوغاك بالصمت ، وقد غمرته الفرحة ، فتابعت الحورية سِدنا قائلة : اجلس إلى السفرة ، الطعام سيجهز خلال بضعة دقائق .
وجلس ابانوغاك إلى السفرة ، وروائح البهارات المشهية تملأ أنفه ، وسرعان ما صبت الحورية سِدنا الطعام في طبقين ، وضعت أحدهما أمام ابانوغاك ، ووضعت الآخر قبالته ، وجلست مبتسمة ، وهي تقول : هيا ، تذوق طعامي ، وستعرف أنني طباخة ماهرة .
وتذوق ابانوغاك الطعام ، ثم رفع عينيه ، ونظر إلى الحورية سِدنا ، وعيناها الزرقاوان الجميلتان تتطلعان إليه ، منتظرة رأيه ، فهزّ رأسه ، وقال : آه ما ألذّ هذا الطعام ، لن أشبع من تناوله هذا اليوم .
وابتسمت الحورية سِدنا ، وقالت متسائلة : هذا اليوم فقط ، يا ابانوغاك ؟
فقال ابانوغاك مبتسماً : وكلّ يوم ، بل العمر كله .
وارتفع من الخارج نباح الجرو ، وكأنه شمّ رائحة الطعام ، فراح يطالب بحصته فيه ، ورفع ابانوغاك رأسه ينصت إليه ، وهمّ أن يتكلم ، لكن الحورية سِدنا سبقته قائلة : حصته موجودة ، فليطمئن .
وانهمك ابانوغاك بتناول طعامه متلذذاً ، فرمقته الحورية سِدنا بنظرة خاطفة ، وهي تأكل ، وقالت : حين أفقت صباح اليوم ، رأيتك تنام في طرف الفراش .
وتوقف ابانوغاك عن تناول الطعام ، لكنه لم يرفع عينيه إليها ، وقال : ليلة البارحة ، عندما أتيت ، كنت متعبة جداً ، وأردتك أن تنامي مرتاحة .
ورفعت الحورية سِدنا عينيها الزرقاوين الجميلتين إليه ، وقالت : لكن هذا الفراش ليس لي وحدي ، كما أنه ليس لك وحدك ، إنه لنا نحن الاثنان .
ومرة ثانية ، لم يرفع عينيه ، وينظر إليها ، وقد لاذ بالصمت ، فتابعت الحورية سِدنا قائلة : لو رأتني أمي ، نائمة وحدي في الفراش ، وأنت تنام بعيداً ، وفي دثار خفيف ، لقرعتني و ..
وصمتت الحورية سِدن ، فرفع ابانوغاك عينيه إليها ، وقال : ولو رأتني أمي ، لربما لم ترضَ عني ، الفراش فعلاً ليس لأحدنا فقط .
وبعد أن فرغا من تناول طعام الفطور ، أخذت الحورية سِدنا بقايا الطعام ، وخرجت بها من البيت ، وقدمتها للجرو الصغير ، الذي راح يلتهم الطعام ، وهو يبصبص بذيله الكث فرحاً .
وحين عادت الحورية سِدنا إلى البيت ، والإناء فارغ في يدها ، رأت ابانوغاك يتأهب للخروج ، فتوقفت قبالته ، وعيناها الزرقاوان الجميلتان تلتمعان ، وقالت : إلى أين أنت ذاهب ، يا ابانوغاك ؟
وغاص ابانوغاك في عينيها الزرقاوين الجميلتين ، وقال : اليوم تناولنا في الإفطار لحم قرش ، من صنع حوريتي ، ومن صنعها أيضاً سنتعشى لحم سمك لذيذ ، سأذهب الآن ، وأصطاده من البحر .
وتملك الحماس الحورية سِدنا ، فقالت : دعني أرافقك ، يا ابانوغاك ، فأنا صيادة سمك ماهرة .
وابتسم ابانوغاك لها ، وقال بصوت رقيق : الصيد عندنا للرجال فقط ، أما المرأة فلها عالم البيت كله ، من طبخ ، وتنظيف ، وخياطة الثياب ، و .. إنجاب الأطفال .
وتمتمت الحورية سِدنا ، بصوت غامض ، يشوبه بعض الخوف والحزن : الأطفال .. آه .
ومال ابانوغاك عليه ، وقال : أريد طفلاً منكِ .
ولاذت الحورية سِدنا بالصمت ، فاتجه ابانوغاك إلى الخارج ، فقالت الحورية سِدنا بصوت لا يكاد يُسمع : الطفل حلم كبير ، لكن هذا الحلم قد يكون .. كابوساً .. يرافق المرء مدى الحياة .





" 7 "
ـــــــــــــــــــ
مرت أيام وأسابيع وأشهر ، وابانوغاك يراقب الحورية سِدنا ، وينتظر منها كلمة ، تدخل الأمل والفرحة إلى قلبه المتعطش للمزيد من الفرح ، لكن الكلمة المثيرة للفرح ظلت مؤجلة ، وانتظاره طال ربما أكثر مما ينبغي ، أو هذا ما كان يشعر به .
وجاءت اللحظة المنتظرة ، ربما تأخرت قليلاً ، لكنها جاءت ، وجاء معها الأمل والفرح الغامر ، كانت العاصفة الثلجية تعوي في الخارج ، لتعوِ بقدر ما تشاء ، فالحورية سِدنا تجلس عند الموقد ، الذي تستعر فيه النيران ، وإلى جانبها يجلس ابانوغاك .
ونظرت الحورية سِدنا إلى ابانوغاك ، وهي تحاول أن تكتم ابتسامتها الفرحة ، وقالت : يبدو أنك تشعر بالبرد الشديد ، يا ابانوغاك .
ورغم شعوره بالبرد ، ردّ ابانوغاك عليها قائلاً : لن أشعر بالبرد ، رغم العاصفة الثلجية ، التي تعوي في الخارج منذ الصباح ، مادمتِ إلى جانبي .
واقتربت الحورية سِدنا منه ، وقالت وهي تغالب ابتسامتها الفرحة : سأسألك سؤالاً ، ينسيك العاصفة الثلجية ، حتى لو كنت في وسطها .
وحدق ابانوغاك فيها متشوقاً ، وقال : يا له من سؤال ، يبعث على الدفء الشديد ، اسألي ، أنت تشوقينني ، هيا اسألي ، يا حوريتي .
ومالت الحورية سِدنا عليه ، وسألته قائلة : لو خيرت الآن ، بين مولود طفل أو طفلة ، يمكن أن يهل بعد حوالي تسعة أشهر ، فماذا تختار ؟
وشهق ابانوغاك دفئاً وفرحاً ، وهتف متسائلاً : سِدنا .. حوريتي .. أتعنين أنكِ ؟
وردت الحورية سِدنا قائلة ، والفرحة تتراقص في عينيها ، وفوق شفتيها الورديتين : نعم ، أعني ما فهمته .
ومدّ يديه المتلهفتين الفرحتين ، وأخذ الحورية سِدنا إلى صدره ، وهو يقول : طفل أو طفلة ، لا فرق عندي ، المهم إذا كانت طفلة ، أن تكون تشبهكِ .
ووضعت الحورية سِدنا رأسها ، المكلل بتاج من الشعر الذهبي ، على صدره ، الذي يخفق في أعماقه قلب تغمره الأفراح ، ولاذت بالصمت .
وخيل إليه ، في لحظة ما ، أنه سمعها تتنهد بشيء من الحزن ، لكنه بالتأكيد لم يسمعها ، وهي تقول في نفسها ، أرجو أن لا تتحقق نبوءة أمي .
ومرت الأيام سريعة ، رغم البرد ، والعواصف الثلجية ، وأحياناً شحة الطعام ، وخلال هذه المدة ، كان ابانوغاك يتوغل بقاربه في البحر ، ويصطاد ما يتيسر له من الأسماك ، التي تحب تناولها الحورية سِدنا .
وكان يتجنب المرور بجزيرة الحور ، حيث تتواجد الفقمات عادة ، إنه في أعماقه يتمنى أن يصطاد فقمة ، فهو مغرم بلحمها منذ البداية ، لكن ما العمل ، وحوريته سِدنا ، تحرم أكلها ، بل ولا تريده أن يصطادها ، لأي سبب من الأسباب ؟
وفي الليل ، يجلس ابانوغاك قرب الموقد ، الذي تستعر فيه النار ، وتشيع الدفء في جوانب البيت كلها ، وإلى جانبه تجلس حوريته سِدنا ، يحدثها عن حياته ، حين كان أبواه على قيد الحياة ، ومن جهتها ، كانت الحورية سِدنا ، تحدثه بدورها عن حياتها في الأعماق ، وعن أمها وأبيها ، وتبتسم حين تتحدث عن مشاحناتهما ، وخاصة عندما تقدم بهما العمر .
وذات ليلة هادئة ، تمددت الحورية سِدنا إلى جانب ابانوغاك ، وقد اقترب الشهر التاسع الموعود ، لكنها كانت على غير المتوقع صامتة ، تغشي عينيها الزرقاوين الجميلتين ، سحابة من الحزن والخوف ، ورمقها ابانوغاك بنظرة سريعة ، وقال بنبرة مازحة : يبدو أنكِ خائفة من اليوم الموعود ، يا سِدنا .
فابتسمت ابتسامة حاولت أن تمسح عنها إمارات الحزن ، وقالت : نعم ، إنني خائفة من هذا اليوم .
فمدّ ابانوغاك يده نحوها ، وراح يربت برفق على شعرها الذهبي ، وقال : هذا طبيعي على ما أعتقد ، إنه مولودكِ الأول .
فلاذت الحورية سِدنا بالصمت لحظة ، ثم قالت غريب : لا ، أنا خائفة من شيء آخر ، قالته لي أمي ، قبل أن آتي إليك تلك الليلة .
وصمتت الحورية سِدنا ، وانتظر ابانوغاك أن تتابع كلامها ، لعله يعرف على الأقل ما قالته لها أمها ، قبل أن تأني إليه تلك الليلة ، لكن دون جدوى ، ونظر إليها ، وإذا هي تغط في نوم عميق .
وفي اليوم التالي ، خرج ابانوغاك لصيد السمك في البحر ، دون أن يشير إلى الحديث ، الذي دار بينهما الليلة الماضية ، وإن كان ذلك الحديث ، لم يفارق ذهنه طول النهار .
وحتى عندما عاد من الصيد ، قبل غروب الشمس ، وقد اصطاد عدة سمكات ، لم يتفوه بكلمة مع حوريته سِدنا ، حول هذا الموضوع ، وترك الأمر لها ، ولم يعرف ما قالته لها أمها إلى النهاية .
وذات صباح ، وقد مرّ على حديثهما الأخير عدة أيام ، خرج ابانوغاك إلى البحر كالعادة ، وعاد مع غروب الشمس ، وقد اصطاد عدة سمكات ، من النوع الذي تحبه حوريته سِدنا ، ودفع الباب ، وهو يهتف : حوريتي .. سِدنا .. تعالي .
وعلى غير العادة ، لم تردّ حوريته سِدنا عليه ، وبالتالي لم تسرع إليه ، وتأخذ الأسماك منه ، فراح يتلفت حوله ، ويناديها قائلاً : سِدنا ، أين أنتِ ؟
وبدل أن يسمع حوريته سِدنا ترد عليه ، جاءه صوت بكاء طفل حديث الولادة ، ونظر إلى مصدر الصوت ، وإذا بمولود ملفوف بأقمطة ، أعدتها له منذ أشهر الحورية سِدنا ، وخفق قلبه فرحاً ، ولكن قلقاً أيضاً ، فها هي فرحته .. المولود ، لكن أين الحورية سِدنا ؟
وترك ابانوغاك المولود يبكي في الأقمطة ، ومضى إلى الخارج ، يبحث عن الحورية سِدنا ، فلعلها خرجت من البيت لسبب من الأسباب ، فيراها هنا أو هناك ، وتوقف يتلفت حوله ، وصراخ المولود يأتيه من الداخل ، لا فائدة ، لقد اختفت الحورية سِدنا ، وتركت له الفرحة التي وعدته بها ، لكنها انتزعت منه السعادة التي عرفها بحضورها في بيته ، طوال فترة وجودها .






" 8 "
ـــــــــــــــــــ
وصلت أولى إشعاعات شمس الصباح ، إلى ابانوغاك متسللة إليه ، عبر الكوة الصغيرة ، فاعتدل في فراشه ، ونظر إلى فراش الحورية الصغيرة ، التي عادة ما تكون في مثل هذا الوقت ، مستغرقة في نوم عميق ، وهتف بها بنبرة هامسة منغمة : حوريتي الصغيرة ، بينيا ، أفيقي ، لقد أفاقت الشمس .
لكن حوريته الصغيرة .. بينيا ، وعلى غير العادة ، لم تردّ ، ولم يأتِه منها ردّها الصباحيّ الدائم : أوه .. دعني ، يا بابا ، لا شأن لي بالشمس ، لتفق كما تشاء ، إنني لم أشبع من النوم بعد .
ونهض ابانوغاك من فراشه ، وهو يهتف بنفس النبرة المنغمة : انتهى الليل ، وجاء النهار ، وسأعد لي ولحوريتي الصغير بينيا ، ألذّ طعام في العالم ، لا تأكل منه غير الحوريات الصغيرات .
وأعد ابانوغاك الطعام ، على النار التي أشعلها في الموقد ، ثم انحنى على فراش الحورية الصغيرة ، وهو يقول : الطعام يحييكِ ، حوريتي الصغيرة بيتيا ، ويقول لك ، سأبرد ، وأفقد طعمي اللذيذ ، إذا لم تنهض الحورية الصغيرة بينيا ، وتأكل مني فوراً .
لم تنهض الحورية الصغيرة بينيا ، بل ولم تتململ وتتذمر ، على عادتها كلّ يوم ، فمدّ ابانوغاك يديه ، ليرفعها من فراشها وهو يقول : سآتي .. سآتي إليك .. وانتزعك من النوم ، الذي لا يريد أن يفلتكِ ، وآخذك عنوة إلى الطعام ، الذي تحبينه ..
وأزاح ابانوغاك الفراش قليلاً ، ليمد يديه كالعادة ، وينتزعها من النوم ، لكن .. الحورية الصغيرة بينيا ، لم تكن موجودة في مكانها ، وخفق قلبه خوفاً وقلقاً ، عجباً ، أين هي ؟ أين الحورية الصغيرة بينيا ؟
وتلفت حوله ، وقد استبد به القلق ، الحورية الصغيرة بينيا ، هي ابنة الحورية سِدنا ، وكما اختفت سِدنا فجأة ، فقد تختفي حوريته الصغيرة .. بينيا أيضاً ، وبذلك تحل الكارثة ، وأي كارثة ، يا للويل .
وهبّ من مكانه ، متلفتاً حوله وقلبه يخفق بشدة ، إنها ليست في الداخل ، قد تكون في مكان ما خارج البيت ، هذا إذا كانت لم تختفِ ، وأسرع إلى الخارج ، وتوقف متلفتاً حوله ، وهتف : بينيا .. بينيا .. بينيا .
وكفّ ابانوغاك عن الهتاف ، حين لمح آثار قدميها الصغيرتان ، متجهة إلى البحر ، فجرى مسرعاً في أثر قدميها ، وقلبه يخفق بشدة ، لكنه هدأ قليلاً ، حين رأى حوريته الصغيرة بينيا تجلس على الشاطىء ، جامدة لا تبدر منها أية حركة .
وتقدم ابانوغاك منها ، وقلبه يخفق بهدوء واطمئنان ، وجلس إلى جانبها ، دون أن يتفوه بكلمة واحدة ، فالتفتت إليه ، وقالت : بابا ..
ونظر ابانوغاك إليها ، متوغلاً في عينيها الزرقاوين الجميلتين ، فتابعت بينيا قائلة : لا أظنّ أنك تناولت طعام الإفطار ، يا بابا ..
فردّ ابانوغاك قائلاً بصوت هادىء : أنت تعرفين ، يا حوريتي الصغيرة بينيا ، أنني لن أتناول الطعام ، مهما كنت جائعاً ، إلا وأنتِ معي .
ولاذت الحورية الصغيرة بالصمت لحظة ، ثم نظرت إليه بعينيها الزرقاوين الجميلتين ، وقالت وكأنها تنظر إلى أعماق بعيدة : بابا ..
وردّ عليها ابانوغاك قائلاً : نعم ، حبيبتي .
وتابعت الحورية الصغيرة قائلة ، وعيناها مازالتا تنظران إلى الأعماق البعيدة : ليلة أمس ، ربما حوالي الفجر ، رأيتُ ماما في المنام .
وابتسم ابانوغاك لها ، رغم تأثره الشديد ، وقال بصوت راح يفقد هدوءه : لكنكِ ، يا حبيبتي بينيا ، أنتِ لم تري ماما من قبل .
فقالت الحورية الصغيرة : أنت قلت لي مراراً ، أنني أشبهها في كل شيء ، لها نفس عيني الزرقاوين ، والبشرة التي بلون الثلج ، والشعر الذهبي ، أليست هذه ماما التي حدثتني عنها ؟
وهزّ ابانوغاك رأسه ، وقال : نعم ، إنها هي .
فقالت الحورية الصغيرة :هذا ما رأيته في المنام .
ولاذ ابانوغاك بالصمت ، ولم يردّ عليها بكلمة واحدة ، فنظرت الحورية الصغيرة إلى البعيد ، وتابعت قائلة في صوت حالم : قلتُ لها ، ماما ، إنني أنتظركِ ، فقالت لي ، لا عليكِ يا بينيا ، لن يطول انتظاركِ .
وصمتت الحورية الصغيرة بينيا ، وبدا لابانوغاك وكأنها تنتظر ، فنهض من مكانه ، وقال : هيا يا حوريتي الصغيرة ، لابد أن أتناول طعام الإفطار معكِ الآن ، لقد حان أوان ذهابي إلى الصيد .
ونهضت الحورية الصغيرة ، وسارت إلى جانب أبيها ، وقالت بصوت هادىء : سأتناول طعام الإفطار معك ، يا بابا ، لكن بشرط .
وابتسم ابانوغاك لها ، وقال : حسناً ، اشرطي .
ورفعت الحورية الصغيرة عينيها إليه ، دون أن تتوقف ، وتابعت قائلة : الشرط هو ..
وصمتت لحظة ، وقالت : لا تقل لا ..
وابتسم ابانوغاك لها ، وقال : لن أقول لا ، حسناً ، ما هو شرطكِ ؟ قوليه ، وسترين أنني لن أقول لا .
فقالت الحورية الصغيرة : شرطي أن تأخذني بقاربك هذا اليوم ، لأصطاد السمك معك من البحر ، هذا شرطي ، لقد وعدتني ، فلا تقل لا .
وتوقف ابانوغاك ، وردّ عليها قائلاً : ولكنكِ أنتِ بنت صغيرة ، يا حوريتي ، وأنا أخاف عليكِ ، إنه البحر ، وأمواجه أحياناً تكون عالية ، و ..
وتوقفت الحورية الصغيرة بدورها ، وقالت : لا عليك ، يا بابا ، لن أخاف مادمتُ معك .
وهزّ ابانوغاك رأسه ، وقال : كلا ، لا أستطيع .
فعقدت الحورية يديها فوق صدرها ، وقالت بعناد : اذهب إذن ، يا بابا ، وتناول طعام الإفطار وحدك ، ثم اذهب إلى الصيد .
وأطرق ابانوغاك مفكراً ، ثم اندفع نحو الحورية الصغيرة ، وأخذها بين يديه القويتين ، ومضى بها نحو البيت ، وهو يقول : آه منكِ ، أنتِ تعرفين ، أنني لا أستطيع تناول الطعام وحدي ..
وقالت الحورية الصغيرة : أنت تعرف شرطي .
وردّ ابانوغاك قائلاً : نعم ، أعرفه .
وقالت الحورية الصغيرة متسائلة : عدني أولاً .
فردّ ابانوغاك ، وهو يدخل بها البيت : أعدكِ ، وأنا كما تعلمين ، أفي بوعدي دائماً .


" 9 "
ــــــــــــــــــ
أعدّ ابانوغاك طعام الإفطار ، وجلس إلى السفرة ، فجلست الحورية الصغيرة قبالته ، وأخذت قطعة من الطعام ، ووضعتها في فمها ، ثم نظرت إلى أبيها ، وقالت : لقد وعدتني .
وضحك ابانوغاك ، وقال : وأنا عند وعدي .
وراحت الحورية تأكل بحماس حتى شبعت ، ثمّ نهضت ، وقالت : لقد شبعت ، هيا حان وقت الصيد .
وترك ابانوغاك الطعام ، ربما قبل أن يشبع ، ونهض بدوره ، وأخذ شبكة الصيد ، وسبقته الحورية الصغيرة إلى السلة ، فاختطفتها من أمامه ، وقالت : دعِ السلة لي ، أنا سأحملها ، وسأملؤها بالسمك .
ومضى ابانوغاك إلى الخارج ، وأغلق باب البيت ، بعد أن لحقت به الحورية الصغيرة ، والسلة بين يديها ، وسار نحو قاربه ، فلحقت الحورية الصغيرة به ، وقالت : سترى ، يا بابا ، كم سنصطاد اليوم من السمك ، وستتوسل بي لأخرج معك غداً وفي كلّ يوم .
ودفع ابانوغاك القارب إلى البحر ، وهتف بحوريته الصغيرة قائلاً : هيا يا حوريتي ، اصعدي إلى القارب ، ولنبدأ رحلة اليوم ، وسنرى ما سنصطاد .
وركضت الحورية الصغيرة بينيا ، وسلة السمك بين يديها ، وصعدت إلى القارب ، وصعد ابانوغاك في أثرها ، واتخذ مكانه من القارب ، وراح يجذف ، ونظرت الحورية الصغيرة إليه ، وقالت ضاحكة ، إذا تعبت ، يا بابا ، سأجذف بدلاً منك .
وضحك ابانوغاك فرحاً ، وقال : سأدربك على التجذيف أيضاً ، وأجعل منكِ مجذفة بارعة .
وهتفت الحورية الصغيرة : وعد !
فردّ ابانوغتك : نعم ، وعد ، وسأفي به قريباً .
وهبت الحورية الصغيرة من مكانها ، ووقفت وسط المركب ، وهتفت بأعلى صوتها : ماما ، تعالي بسرعة ، سأكون صيادة سمك ماهرة .
وتوقف ابانوغاك بالقارب في عرض البحر ، ولاحت الجزيرة الصغيرة من بعيد ، وتطلعت الحورية الصغيرة إليها ملياً ، ثمّ تساءلت : تلك الجزيرة الصغيرة ، ما اسمها ، يا بابا ؟
وتطلع ابنوغاك إلى حيث تنظر حوريته الصغيرة ، فخفق قلبه بشدة ، فقد ذكرته تلك الجزيرة بحوريته الجميلة ، وردّ قائلاً : تلك الجزيرة اسمها ، يا حوريتي بينيا .. جزيرة الحور .
وابتسمت الحورية الصغيرة ، وقالت : تلك جزيرتي إذن ، عليكَ أن تأخذني إليها يوماً ، يا بابا ، أريد أن أراها ، وأتجول في أرجائها .
ونظر ابانوغاك إليها ، وقال : حسناً ، يا حوريتي ، سآخذك يوماً إليها ، ونتجول فيها أنا وأنتِ .
وتنهدت الحورية الصغيرة ، وهي مازالت تتطلع إلى الجزيرة الصغيرة ، وقالت : آه ليت هذا اليوم قريب ، إنني حورية ، ومن حقي أن أتجول في جزيرتي .
وأمسك ابانوغاك شبكة الصيد ، وتأهب لإلقائها في البحر ، وهو ينظر إلى الحورية الصغيرة ، وهتف بها : حوريتي ، تهيئي ، حان وقت صيد السمك .
وأمسكت الحورية الصغيرة بالسلة ، وقالت : هيا ، ارمِ الشبكة ، لابدّ أن نملأ هذه السلة بالسمك .
ورمى بانوغاك الشبكة ، وراقبها ومعه الحورية الصغيرة ، وهي تغوص في الماء ، وراح ينتظر ، وهو يقول : والآن سنسحب الشبكة ، ونرى ما فيها .
وسحب بانوغاك الشبكة بهدوء ، وراحت الحورية تراقبها ، وهي تخرج من الماء شيئاً فشيئاً ، وتنهدت متضايقة محبطة ، حين خرجت الشبكة بكاملها ، وهي خالية تماماً من الأسماك .
وأمسك ابانوغاك بالشبكة ، ورمق الحورية الصغيرة بنظرة خاطفة ، ثم قال : آه يبدو أن السمك قد رآكِ ، وخاف منك ، فلاذ بالفرار .
وهتفت الحورية الصغيرة غاضبة : تباً للسمك ، بابا ، ارمِ الشبكة ثانية ، لن يفلتوا منّا .
ورمى ابانوغاك الشبكة ثانية وثالثة وعاشرة ، لكن النتيجة كانت واحدة ، لا أسماك في الشبكة ، وبعد منتصف النهار ، تظاهر ابانوغاك بالتعب ، وقال لحوريته الصغيرة : بينيا ، حوريتي ، يبدو أننا لن نصطاد اليوم شيئاً من السمك .
وصمت لحظة أمام نظرتها المحبطة الحزينة ، ثم تابع قائلاً : حوريتي الصغيرة ، هذا يحصل أحياناً ، لا عليكِ ، سنأتي غداً ..
وصاحت الحورية الصغيرة : كلا ..
وتابع ابانوغاك قائلاً : بنيتي ، لدينا ما نأكله اليوم ، سنأتي غداً ، أنا وأنت ، في وقت مبكر ، ونفاجىء السمك ، ونصطاد الكثير منه .
وضربت الحورية القارب بقدمها ، وقالت بإصرار : لن أعود اليوم من البحر ، دون أن أصطاد ولو سمكة واحدة ، بابا هذا يومي الأول .
ولاذ ابانوغاك بالصمت لحظة ، ثم نظر إلى حوريته الصغيرة ، وقال : لكن الأسماك ..
وقاطعته الحورية الصغيرة قائلة : ارمِ الشبكة إلى البحر مرة أخرى ، يا بابا .
وتنهد ابانوغاك ، متظاهراً بالتعب الشديد ، وقال : إنني متعب جداً ، يا حوريتي .
ونظرت الحورية الصغيرة إليه ، وقد هدأت قليلاً ، ثم قالت : حسناً ، ارمها للمرة الأخيرة .
وتحامل ابانوغاك على نفسه ، متظاهراً بالتعب الشديد ، ورفع شبكة الصيد ، وبكل ما لديه من قوة ، رماها إلى الماء ، وراقبتها الحورية الصغيرة ، وهي تختفي شيئاً فشيئاً في أعماق البحر .
وانتظرت الحورية الصغيرة متلهفة ، وابانوغاك ينظر إليها بطرف عينيه ، ثم قال لها : لن أسحب الشبكة من البحر ، حتى تأمرينني بذلك .
ورمقته الحورية الصغيرة بنظرة سريعة ، ثم نظرت إلى الأعماق ، حيث غاصت الشبكة ، وقالت : لن نتعجل هذه المرة ، لننتظر بعض الوقت .
ولم ينتظر ابانوغاك طويلاً ، فقد هتفت به الحورية الصغيرة سريعاً قائلة : اسحب الشبكة ، الآن .
وعلى الفور ، سحب ابانوغاك الشبكة ، من أعماق البحر ، وفجأة وثبت الحورية الصغيرة ، وهي تصيح فرحة : باب ، انظر ، سمكة ، سمكة كبيرة .


" 10 "
ـــــــــــــــــــــ
عاد ابانوغاك وحوريته الصغيرة بينيا ، بالقارب من حيث أتيا ، ومعهما السمكة التي اصطاداها ، بالرمية الأخيرة للشبكة في البحر .
وحين وصلا إلى الشاطىء ، نزل ابانوغاك من القارب ، وأنزل حوريته الصغيرة بينيا ، ثم سحب القارب بعيداً عن الماء ، كما يفعل دائماً .
وأخذ السمكة من القارب ، وهمّ أن يمضي بها إلى البيت ، فاقتربت الحورية الصغيرة منه ، وأخذت السمكة ، وقالت : بابا ، اذهب أنت إلى البيت ، سأنظف أنا السمكة هنا ، ثم ألحق بك إلى الداخل .
وتوقف ابانوغاك مندهشاً ، وابتسامة فرحة تبرق فوق شفتيه ، وقال : حوريتي ، أنت مازلتِ صغيرة على مثل هذه الأعمال .
فتطلعت الحورية الصغيرة إليه ، بعينيها الزرقاوين الجميلتين ، وردت قائلة : لقد ساعدتك هنا ، في تنظيف السمك أكثر من مرة ، ثمّ إن هذه السمكة من صيدي ، ولن ينظفها أحد غيري .
وهزّ ابانوغاك رأسه ضاحكاً ، واتجه إلى البيت ، وهو يقول : حسناً سأسبقك إلى داخل البيت ، وأشعل النار في الموقد ، لكي نشوي أنا وأنتِ هذه السمكة .
والتمعت عينا الحورية الصغيرة بالفرح ، وقالت بصوت مرتفع : سأتعلم كيف تشوى الأسماك ، وعندئذ ستكون هذه مهمتي أنا في البيت .
واقترب ابانوغاك من باب البيت ، وهو يغالب ابتسامته ، مما قالته الحورية الصغيرة بينيا ، وتوقف على مقربة من الباب ، وقد اختفت ابتسامته من فوق شفتيه ، فقد بلغت أنفه ، رائحة يعرفها جيداً ، يا للعجب .
أهو يحلم ؟ هذه رائحة كعك ، كانت تخبزه حوريته سِدنا ، وقد أعجبه هذا الكعك جداً ، وقد قالت له ، عندما خبزته له للمرة الأولى ، هذا الكعك كانت تخبزه أمي ، وكان أبي يحبه جداً .
وهنا اندفع إليه جروه الصغير ، ويبدو أنه كان نائماً في مكان قريب ، وراح ينبح فرحاً ، ويبصبص بذيله الكث ، فنهره ابانوغاك قائلاً بصوت خافت ، مشيراً له أن يمضي : صه أيها الأحمق ، اذهب بعيداً .
وصمت الجرو الصغير ، وقد نكس ذيله الكث ، وعاد من حيث أتى ، والتفت ابانوغاك إلى باب بيته ، الذي تتسرب منه ، على ما يبدو ، رائحة الكعك ، أيعقل هذا ، أم أنّ الأمر مجرد وهم .
واقترب ابانوغاك من الباب ، مستنشقاً رائحة الكعك الشهي ، المتسرب من الداخل ، ودفعه بهدوء ، وتقدم إلى الداخل ، وكلَ حواسه مستنفرة ، وتوقف مذهولا ، حين وجد نفسه وجهاً لوجه مع الحورية سِدنا .
وابتسمت له الحورية سِدنا ، وقالت : ابانوغاك ، أعرف أنك لم تذق هذا الكعك ، الذي تحب أكله كثيراً ، منذ فترة طويلة ، طويلة جداً .
ووقف ابانوغاك جامداً ، دون أن يتفوه بكلمة ، فمدت الحورية الصغيرة يدها إليه بكعكة ، مازالت روح النار تسري في ذراتها ، وقالت : تذوقها ، وسترى أنها نفس الكعك الذي كنت أخبزه لك .
وتحرك ابانوغاك ، ومدّ يده ، وعيناه لا تفارقان عينيها الزرقاوين الجميلتين ، وأخذ الكعكة منها ، ورفعها إلى فمه بهدوء ، وقضم قطعة صغيرة منها ، فابتسمت له الحورية سِدنا ، وقالت : أرأيت ؟ إنه نفس الكعك .
وهزّ ابانوغاك رأسه ، وتمتم : نعم ، إنه نفس الكعك ، والحقيقة .. إنه ألذّ .
ولاذ ابانوغاك بالصمت ، وهو مازال يحدق في عينيها ، فاقتربت الحورية منه ، وتمتمت : ابانوغاك ..
ومن غير أن يحول ابانوغاك عينيه عنها ، قال : لا أعرف بالضبط ، لماذا اختفيت ، يا سِدنا ، وتركت لي حوريتي الصغيرة .
ودمعت عينا الحورية سِدنا ، لكنها لم تحر جواباً ، فتابع ابانوغاك قائلاً : طالما فكرت ، وأنتِ بعيدة عني ، وعن ابنتنا بينيا ، أن ما قالته لك أمك ، قبل أن تأتـي إليَ للمرة الأولى ، كان هو السبب .
وسالت دمعتان من عيني الحورية سِدنا ، لكنها لم تتفوه بكلمة واحدة ، وابانوغاك مازال يحدق فيها ، فتساءل بصوت خافت : أهذا هو السبب ؟
وهزت الحورية رأسها ، ثم قالت ، دون أن تمسح الدموع عن وجنتيها : نعم .
وتساءل ابانوغاك : ماذا قالت لكِ أمكِ ؟
فنظرت الحورية سِدنا إليه من خلال دموعها ، وقالت : حثتني أمي على العودة إليك ، وقد قالت لي ، أنتِ فيك شيء من الإنسان ..
وصمتت لحظة ، ثم تابعت قائلة : لكني أخشى ، أنك إذا حملتِ ، ووضعت مولوداً ، أن تضعي معه ، بعيداً عنكِ ، هذا الجزء من الإنسان .
وهنا دُفع الباب ، وهلت الحورية الصغيرة ، والسمكة بين يديها الصغيرتين ، وهي تهتف فرحة : بابا ، نظفت السمكة ، هيا نضعها في ..
وصمتت الحورية الصغيرة ، وقد تعلقت عيناها الزرقاوان الجميلتان بالحورية سِدنا ، وسقطت السمكة من بين يديها ، وهي تتمتم : ماما..
وردت الحورية سِدنا مذهولة : نعم ، ماما .
والتمعت عينا الحورية الصغيرة ، وقالت : عرفتُ أنكِ ستأتين اليوم ، فقد رأيتك ليلة البارحة في المنام ، وناديتكِ صباح اليوم ، فأتيتِ ..
وأسرعت الحورية سِدنا إليها ، وقد مدت يديها ، واحتضنت الحورية الصغيرة ، وهي تقول بصوت دامع : لقد سمعتكِ من الأعماق ، فأتيت .
ومدت الحورية الصغيرة يديها ، وطوقت بهما عنق الحورية سِدنا ، وهي تقول بلهفة : ماما .. ابقي معنا هنا .. ولا تتركيني وحدي .
وراحت الحورية سِدنا ، تقبل وجنتيها وشعرها الذهبي ، وتنظر إلى ابانوغاك ، الذي يقف دامع العينين ، وهي تقول : لن أتركك ، يا حوريتي الصغيرة ، ولن أترك بابا أيضاً ، مهما كانت الظروف .


5 / 7 / 2021








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. LBCI News- في الرياض... ليلة تكريمية للفنان السعودي الراحل ط


.. الفنان السوري باسم ياخور يعلن وفاة والده




.. رسالة من الفنانة #وعد إلى جمهورها في لبنان خلال حفل #ليلة_صو


.. الفنانة #يارا برسالة إلى مشاهدي الـLBCI خلال حفل #ليلة_صوت_ا




.. على طريقة فيلم كده رضا.. محمد وأحمد توأم أبطال في الرياضة وت