الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العربي باطما كاتب الالم

شوقية عروق منصور

2022 / 9 / 19
الادب والفن


العربي باطما كاتب الألم
أحياناً تقرأ كتاباً وما أن تنتهي من قرأته حتى ترجعه إلى مكانه بطريقة روتينية ، ولكن هناك بعض الكتب تتشبث بك ، تمسك اصابعك وتدفعك للكتابة عنه أو تصرخ في وجهك وتقول لك اخرج كلماتي من بين السطور والصفحات الباردة ودعني أحيا قليلاً تحت وهج الضوء .
لا أعرف لماذا تشبث بي كتاب " الألم " للكاتب والشاعر المغربي " العربي باطما " الذي أيضاً كان مطرباً في فرقة غنائية تدعى فرقة " ناس الغيوان " التي نالت شهرتها في سنوات السبعينات وأحدثت ثورة غنائية في وجه الظلم والفقر والمعاناة لذلك سرعان ما انتشرت في الأوساط المجتمعية كانتشار النار في الهشيم فأصبحت أشبه ما يكون بالظاهرة .. ظاهرة " الغيوانية " . وبالإضافة لذلك " العربي باطما " أحد الباحثين في موضوع التراث المغربي ، وقد جاء الاسم باطما من " بطمة " وهي نوع من الأشجار وقد كانت هذه الشجرة قد ضربت جذورها قبالة بيت يقع بقرية " أولاد بوزيري " في الشاوية ، فاختار رب هذا البيت اسم الشجرة تيمناً بها لقباً للعائلة .
اختار الأب " رحال " اطلاق اسم " العربي " على طفله الذي ولد عام 1948 ، وسرعان ما أصبح " ينادونه في المدرسة " العربي باطما " .
أحب " العربي " التراث الشعبي وكان يكتب وينشر ويزور القرى النائية لكي يبحث عن الأغاني القديمة ويعيدها الى الحياة المغربية ، و يسافر إلى الخارج ويلتقي مع الفنانين والمبدعين ، عدا عن الحفلات التي تُقام له من قبل الجاليات المغربية والعربية ، أيضاً كتب الزجل وله كتاب " حسام همام " في ثلاثة أجزاء ولم يمهله الموت لإتمام الجزء الثالث بينما الجزأين الأولين فقط كانا يتضمنان أكثر من 17 ألف بيت زجل .
في أحد الأيام شعر " العربي " بوجع وألم في الحنجرة ، وبعد الكشف عليه من قبل الأطباء ، قرروا أن الحل الوحيد لهذا الوجع والألم إجراء عملية جراحية ، تجرى له في إحدى العيادات الليلية ( ركبنا السيارة ، وتوجهنا إلى المستشفى ، والساعة لم تتجاوز السادسة صباحاً ، وكان موعد العملية على الساعة الثامنة صباحاً ، ولما وصلنا وجدنا الممرض المكلف بالجراحة الليلية على علم بقدومنا ، فأدخلنا إلى الجناح الخاص بالذين سيحرى لهم العمليات .. كتاب الألم ص 17 )
إلا أن الوضع كان سيئاً ، وليس كما قال الأطباء في البداية ، هذا الألم العابر البسيط سرعان ما يزول ، وكانت بداية رحلة الألم والعذاب ، والتواجد طوال الوقت في المستشفيات للعلاج ، وبهذا التواجد بدأت أحلامه الكبيرة تتقلص وتختفي ( في الليل زارني الطبيب ، وسألني عن حالتي الصحية ، وقال لي بأن العملية كانت صعبة ، وكانت عكس تخميناته ، فهو كان يظن بأن لا يوجد إلا ذلك الكيس ، لكنه لما قلع الكيس وجد سلسلة مرتبطة بعضها ببعض من الرقبة إلى تحت الإبط ، وأنه لولا عطف الله ، وإسراعي بالعملية لكانت يدي ستنشل .. ص 35 )
وأخذ " العربي باطما " يتأمل ليس فقط حالته الصحية ، بل وجد أن هذا العالم الجديد جدير بالملاحظة ، ويتهم الوزرات بالتراخي والإهمال ، وأصبحت قضية العناية بهذه الفئة من المرضى أهم من كل شيء ، لكن لا أحد يسمع ( كان هنالك فتيات مريضات بأورام الحنجرة ، أو الثدي أو الأذن أو الأنف ، فتيات في مقتبل العمر ، وصبيات صغيرات ونساء ، وعجائز أشرفن على سن اليأس ، أطفال وشيوخ وشباب ، الكل في طابق طويل ومستطيل ، في آخره يقع مكتب الطبيب ..ص41)
بدلاً من إحياء الحفلات والندوات الأدبية والفنية ، والظهور في المهرجانات الفنية والحصول على الجوائز ، و المعجبين والمعجبات يلاحقون أخباره ونشاطاته ، أخذ يتذكر أيامه السابقة ، ويتواصل مع الأصدقاء من خلال القراءة عن المرض ومضاعفاته ، وأصبح يصغي للمرضى المتواجدين معه في المستشفى ( سمعت بهذا المرض الذي أصبت به لما رأيت المرأة ، وقالت أمي إنه المرض الخبيث ، وسمعت أسمه للمرة الثانية ، لكن هاته المرة أسمعه باسم " الكُونصيره " وهي كلمة مأخوذة عن التسمية الفرنسية .
- عندك الكونصير "
- أواه .. ما هذا ؟
ماذا قالت هاته المرأة ؟
تلفنت لعمر السيد ، وأخبرته بما قالت الفتاة ، لكن رده لم يقنعني ، فلقد قال لي :
- إنه مرض العباقرة .. والمفكرون الكبار هم الذين يصابون ويموتون بالسرطان ..ص76)
وتطول رحلة العلاج ، وتصبح الأدوية والاشعة ووجوه الأطباء جزءاً من حياته التي تذوب ، وتتوقف مسيرته الأدبية والفنية ، ويبدأ العد التنازلي لأيامه ( الليل طويل ، طويل جداً ، ظلامه ثقيل جداً ، أشعة القمر التي تتسرب من نافذة الغرفة كأنها شبح يقف على رأسي منتظراً خروج روحي . وهذا الصمت الذي كنت أحبه ، لقد غدا يعذبني ، وأشعر به عدواً يتربص بي ... ص 132 )
بدأت رحلة المرض في لحظة لم يستعد لها الكاتب " العربي باطما " نفسياً وعقلياً.
في البداية كان عدم التصديق ورفض العلاج ، وأعلنها بصراحة أنه سيترك المرض يفتك بجسده و أراد الانتقام من المرض قائلاً بأنه سيأخذه معه إلى القبر، حتى يدفنه معه ، وبهذا يكون الانتقام الرجولي ( فلأترك مرضي في جسدي ، ليرافقني إلى القبر ، فعلى الأقل أكون قد انتقمت منه ، وأخذته معي في رحيلنا المجهول ...ص17 )
الأب يختلف عن الأبن ، والد " العربي باطما" واجه الكيس – الدرن - الذي وجده في ظهره بسخرية وعالجه بطريقة شعبية ، ولم يتذمر ويصرخ ويبكي ( وجد أبي كيسين في ظهره ، أرهما لي ، فقلت له لا بد من الذهاب عند الطبيب ، وكان أبي يكره هذا .. قال لي سنذهب غداً إن شاء الله ، وبيت عزمي على أخذه في الغد وفي الصباح لما ذهبت الى غرفته قال لي بأنه قد شفي من ذلك ، وأنه أجرى العملية لنفسه ، كيف كان ذلك " الأمر كان سهلاً بالنسبة لي ، مع شيء من الصبر وشراء ربع كيلو " جير " ونصف بصلة حمراء ، تضع البصل فوق الكيس ، ثم نضع فوقها الجير ، فيكون البصل بحر الصديد ، ويفتح الكيس والجير يعين البصل في الحرارة التي تفتح الجلد لخروج الصديد .. أو السائل الموجود في الكيس .. ص 19)
رحلة المرض جعلت " العربي " يرى الحياة من زاوية ثانية ، ليست زاوية الرفاهية والحياة الصاخبة المليئة بالمغريات ، بل الآن يشعر أن المريض له حياة ثانية ، حياة خاصة بألمه وأدويته وعالمه المخيف المليء بالصمت ، فالمرض يمنح المريض صورة بأنه أصبح لا شيء ، دون فائدة يعيش على الهامش ، حتى أن " العربي باطما " أصبح يتعلق بأي شيء يذكره بأنه ما زال يعيش في المجتمع الإنساني ( هو ضحية لحظات مقلقة ، ولحظات فرحة ، وإنه ضحية الحرمان من أشياء ، كان يقوم بها وسعيت عليه ، فالحرمان يوحي للمريض بأنه صار شيئاً هامشياً ، ليس مثله كمثل الناس ، وأنه صار يعيش في خانة بعيدة عن ما يعيشه غيره ، لهذا فهو يتشبث ويتعلق بكل شيء يوحي له بأنه ما يزال يعيش وسط المجتمع الإنساني حتى وأن كان حرام ..ص45)
شقيق " العربي " و رفيقه السنوسي اعتبرا التدخين - حيث كان العربي يدخن السجائر بشراهة _ سبباً من أسباب المرض ، لذلك كان يجن جنونهم عندما يدخن ( كان أخي والسنوسي ينظران إلي وقد استبد بهما القلق ، فاشتريتها ، ثم إرضاء لخاطرهما أخرجت منها عدة سجائر ، ورميت الباقي في بركة مائية ، فقلت أعد هذه العلبة سأترك التدخين ..ص 55)
كره " العربي باطما " الأماكن الضيقة وإلى حد الاختناق ، لذلك خلال رحلة المرض كان يخاف من رحلة الاختناق ، ويموت بسببه ( لقد عشت حياتي أخاف الاختناق ، واتذكر بأني كتبت نصاً قصصياً عن الاختناق ونشرته في جريدة " العلم " نعم .. عشت طيلة حياتي لما أرى السمكة ، وقد أخرجها الصياد من البحر ، فتموت مختنقة أقول في نفسي بأن هذه ميتة سيئة .. ص 69)
لقد كتب " العربي باطما " كتاب الألم في ظرف زمني لا يتعدى الأسبوع ، وقد نشر بعد وفاته في الدار البيضاء في 7 شباط 1997 . مع العلم أن الجزء الأول الذي كان عنوانه " الرحيل " قد صدر آخر أيام " العربي باطما " ..
شوقية عروق منصور - فلسطين








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. محمد عبد الوهاب يرفع دعوي قضائية ضد الفنان محمد فوزي لمنعه م


.. رحيل الممثلة الأمريكية كيرستى آلى.. ورسالة مؤثرة من جون تراف




.. سوريون ينتقدون فيلم -السباحتان-.. صحفية لبنانية: الفيلم أغفل


.. جوجل تحتفل بميلاد الفنان الكويتى عبد الحسين عبد الرضا وتغير




.. فرقة عراقية تعيد إحياء التراث الموسيقي للبصرة بعروض في الشوا