الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


اليوم العالمي للديمقراطيا (الجزء الأول)

سعيد هادف
(Said Hadef)

2022 / 9 / 21
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي


الديمقراطيا من الموجة الأولى إلى الخامسة ـــــــــــــــــــــــــــ
في العلوم السياسية، تم النظر إلى الديمقراطيا، في عصرنا، على شكل موجات، وهي طفرات رئيسية عاشتها الديمقراطيا عبر تاريخها. ظهر المصطلح في وقت مبكر من عام 1887، وروّج له عالم السياسة في جامعة هارفارد، صامويل هنتنغتون. وقد ارتبطت موجات الدمقرطة بتحولات مفاجئة في توزيع النفوذ بين القوى العظمى، مما خلق فرصًا وحوافز لإدخال إصلاحات محلية شاملة.
بدأت الموجة الديمقراطية الأولى، 1828-1926 في أوائل القرن التاسع عشر عندما مُنح حق الاقتراع لغالبية الذكور البيض في أمريكا المتحدة. ثم تبعتها فرنسا، وبريطانيا، وكندا، وأستراليا، وإيطاليا، والأرجنتين، وقليل من الدول الأخرى قبل عام 1900. في ذروتها، بعد تفكك الإمبراطوريات الروسية والألمانية والنمساوية والعثمانية عام 1918، شهدت الموجة الأولى 29 مثالا في العالم. بدأ التراجع في عام 1922، عندما وصل بينيتو موسوليني إلى الحكم في إيطاليا. أصاب الانهيار في المقام الأول الديمقراطيات المشكلة حديثًا، والتي لم تستطع الوقوف في وجه الصعود العدواني للحركات السلطوية أو الشمولية الشيوعية التوسعية والفاشية والعسكرية التي رفضت الديمقراطيا بشكل منهجي. وصلت الموجة الأولى إلى الحضيض في عام 1942، عندما انخفض عدد الديمقراطيات في العالم إلى 12 دولة فقط. الموجة الرابعة امتدت من 1989 وحتى 2011 لتبدأ في الانكسار طيلة السنوات العشر الماضية.
مراقبون يتحدثون عن موجة خامسة تلوح من بعيد، تعيش مخاض الولادة في غمار صدام الأنساق الجيوسياسية المترتب عن الحرب الروسية الأوكراينية.
عام 2007، قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاحتفال بيوم 15 سبتمبر باعتباره اليوم العالمي للديمقراطيا، بهدف تعزيز مبادئ الديمقراطيا والتمسك بها، ودعت جميع البلدان الأعضاء والمنظمات للاحتفال بهذا اليوم بطريقة مناسبة تساهم في رفع الوعي العام.
في سبتمبر 1997، تبنى الاتحاد البرلماني الأممي (IPU) الإعلان العالمي للديمقراطيا. ويؤكد هذا الإعلان مبادئ الديمقراطيا وعناصر الحكم الديمقراطي وممارسته والنطاق الأممي للديمقراطيا.
بدأت المؤتمرات الأممية حول الديمقراطيات الجديدة والمستعادة (عملية المؤتمر الأممي للديمقراطيات الجديدة أو المستعادة) في عام 1988 بمبادرة من رئيس الفلبين كورازون أكينو بعد ما يسمى «ثورة القوة الشعبية» السلمية التي أطاحت بديكتاتورية فرديناند ماركوس التي استمرت 20 عامًا. في البداية كان منتدى حكوميًا، تطورت عملية المؤتمر الأممي للديمقراطيات الجديدة أو المستعادة إلى هيكل ثلاثي بمشاركة الحكومات والبرلمانات والمجتمع المدني. المؤتمر السادس (ICNRD-6) الذي عقد في الدوحة، قطر، في عام 2006 عزز الطبيعة الثلاثية للعملية واختتم بإعلان وخطة عمل أعادت التأكيد على المبادئ والقيم الأساسية للديمقراطيا.
ومتابعةً لنتائج المؤتمر الأممي السادس للديمقراطيات الجديدة أو المستعادة، قرر مجلس استشاري شكله رئيس العملية - قطر - الترويج ليوم أممي للديمقراطيا. أخذت قطر زمام المبادرة في صياغة نص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة وعقدت مشاورات مع البلدان الأعضاء في الأمم المتحدة. بناء على اقتراح من الاتحاد البرلماني الأممي، تم اختيار يوم 15 سبتمبر (تاريخ الإعلان العالمي للديمقراطيا) ليكون اليوم الذي يحتفل فيه المجتمع الأممي كل عام باليوم الأممي للديمقراطيا. القرار المعنون «دعم منظومة الأمم المتحدة للجهود التي تبذلها الحكومات لتعزيز وتوطيد الديمقراطيات الجديدة أو المستعادة» (اعتمد بتوافق الآراء في 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.)
حث الاتحاد البرلماني الأممي البرلمانات على الاحتفال باليوم الأممي للديمقراطيا من خلال شكل من أشكال النشاط الخاص، المقرر عقده في 15 سبتمبر أو في أقرب وقت ممكن حسب الظروف. سيكون اليوم فرصة للبرلمانات من أجل:
التأكيد على أهمية الديمقراطيا، وما تنطوي عليه، والتحديات التي تواجهها وكذلك الفرص التي تتيحها، والمسؤولية المركزية التي تتحملها جميع البرلمانات باعتبارها المؤسسة الرئيسية للديمقراطيا.
فحص ومناقشة مدى جودة أداء البرلمان لوظائفه الديمقراطية، ربما على أساس التقييم الذاتي، وتحديد الخطوات التي قد يتخذها لتعزيز فعاليته.
بمناسبة اليوم الأممي الأول للديمقراطيا في 15 سبتمبر 2008، سيعقد الاتحاد البرلماني الأممي حدثًا خاصًا في مجلس النواب في جنيف. البرلمانات القومية مدعوة لتنظيم أنشطتها المتعلقة بالديمقراطيا في ذلك اليوم لتسليط الضوء على دور البرلمان باعتباره حجر الزاوية للديمقراطيا.
في عام 2013، روج الاتحاد البرلماني الأممي لليوم الأممي للديمقراطيا من خلال البرلمانات الأعضاء فيه في 162 بلدا حول العالم. ونتيجة لذلك، أعلن عدد من البرلمانات من جميع أنحاء العالم عن أحداثها التي ستُعقد في 15 سبتمبر أو بالقرب منه.
كان موضوع العام هو «تعزيز الأصوات من أجل الديمقراطيا» وأطلق الاتحاد البرلماني الأممي مسابقة على الإنترنت لسماع وجمع القصص من أبطال الديمقراطيا المحليين الذين تمكنوا من إسماع أصواتهم. كانت هذه القصص لإلهام الناس لاتخاذ إجراءات في مجتمعاتهم.
موضوع اليوم الأممي للديمقراطيا في عام 2014 هو «إشراك الشباب في الديمقراطيا». وقد حث الاتحاد البرلماني الأممي على اتخاذ إجراءات وتغييرات في العقلية إذا كان على الشباب المحبطين والمبعدين في جميع أنحاء العالم أن يشاركوا في صنع القرار السياسي.
يقول الاتحاد البرلماني الأممي إن مشاركة الشباب لها معنى خاص بالنسبة لها وأنه يجري العمل على برنامج لتعزيز مشاركة الشباب والشابات في العملية الديمقراطية، في متابعة للقرار الذي اعتمدته جمعية الاتحاد البرلماني الأممي عام 2010. أعلن الاتحاد البرلماني أنه سينظم المؤتمر العالمي الأول للبرلمانيين الشباب يومي 10 و 11 أكتوبر / تشرين الأول 2014 ودُعيت جميع البرلمانات للحضور.
كان موضوع عام 2015 هو: الفضاء للمجتمع المدني. موضوع عام 2016 هو الديمقراطيا وأجندة 2030 للتنمية المستدامة. موضوع الاحتفال هذا العام هو «الديمقراطية تحت الضغط: حلول لعالم متغير». يتزامن هذا اليوم مع الذكرى السبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو أيضًا فرصة لتسليط الضوء على قيم الحرية واحترام حقوق الإنسان كعناصر أساسية للديمقراطية. كان موضوع يوم الديمقراطية لعام 2019 هو "المشاركة".
تقوم كل دولة تقريبًا بتنفيذ تدابير لمكافحة هذا الوباء. من المهم أيضًا أن تتمسك الدول بسيادة القانون، وتحمي وتحترم المعايير الأممية والمبادئ الأساسية للشرعية، والحق في الوصول إلى العدالة وسبل الانتصاف والإجراءات القانونية الواجبة.
وكانت موضوعة يوم الديمقراطيا العام الماضي 2021 تحت عنوان: "تعزيز المرونة الديمقراطية في مواجهة الأزمات المستقبلية".
يعد المنتدى العالمي للديمقراطيا المباشرة الحديثة لعام 2022 هو المؤتمر العالمي العاشر لحقوق الشعوب الديمقراطية المباشرة. هذا العام، ستعقد قمة الديمقراطيا هذه في الفترة من 21 إلى 25 سبتمبر في لوتسرن (كما يتم تنظيم فعاليات في أماكن أخرى مثل أراو وبرن وأوستر في ذات اليوم)، تزامنا مع اليوم العالمي لسلام.
يتم تنظيم المنتدى من قبل مؤسسة الديمقراطيا السويسرية بالتعاون مع منظمة الديمقراطيا الأممية وشركاء على المستويات المحلية والإقليمية والقومية والأممية منذ عام 2008. وكانت الأماكن حتى الآن: أراو (2008) ، سيول (2009) ، سان فرانسيسكو ( 2010) ، مونتيفيديو (2012) ، تونس (2015) ، سان سيباستيان (2016) ، روما (2018) ، تايشونغ-تايبيه (2019) وعبر الإنترنت (2020).

حول الديمقراطيا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على الرغم من اختلاف أفلاطون وأرسطو حول العديد من النقاط، فقد افترضا أن الديمقراطيا ليست سوى نمط أكثر هشاشة، من ضمن الأنماط السياسية التي يتخيلها البشر. في الواقع، هذا النسق من التنظيم الاجتماعي، كبنية سياسية، هو سيرورة قبل أن يكون قيمة. إنه عامل وازن، لو أن التصورين المؤسسين للديمقراطيا (الحرية والمساواة)، كانا بعيدين عن الكونية. ذلك أن كليهما شكلي وليس فعليا. وهذا يعني أن كليهما يندرج في سيرورة ثقافية وليس في سيرورة طبيعية. لذلك والحالة هذه، نجد المادة الأولى من إعلان حقوق الإنسان لعام 1789 تشير بدقة أن "البشر يولدون ويظلون أحراراً"، مما يستلزم أنهم ليسوا أحراراً على المستوى الكوني. في الواقع، وبمعزل عن الفكرة التي يتبناها الأيكولوجيون، ترى بعض القراءات، أن الطبيعة تسخر من الوضع البشري. لا يهمها أن يكون البشر أحرارًا ومتساوين. وبالتالي ما يسمى القانون الطبيعي ليس في نهاية المطاف سوى قانون تعسفي أكثر ظلما، في كثير من الأحيان، من القانون الذي وضعه البشر أنفسهم.
على مر التاريخ، اقتربت الديمقراطيا باستمرار مما يسمى بالمنفعة المشتركة (bien commun). بالطبع، لم تكن أبداً مثالية، لكن هل يكون الكمال هدفا معقولا إذا ما كان البشر معرضين للخطأ؟ ظلت الديمقراطيا عرضة للتهديد، وحتى تصون الحرية والعدالة يجب أن تكون هي محمية. وعلى أولئك الذين يحطون من قيمتها أن يتذكروا ما يلي: حينما تغيب، تصبح الحياة في المجتمع جحيما ...
عادة ما تجري مناقشة داخل البرلمانات حول "التأصيل الأخلاقي" للحياة السياسية. في الواقع، السؤال الذي يجب طرحه هو: ما الذي يجب القيام به (من الناحية القانونية) حتى يكون السياسيون في النهاية جديرين بمناصبهم؟ هل هذه مشكلة جديدة هنا؟ بالتأكيد لا! وعلى أي حال، دعونا نستمع إلى أرسطو: "وهكذا، لتجنب نهب الأموال العمومية، يجب أن يتم نقلها بحضور جميع المواطنين، ويجب أن يتم تقديم نسخ من الحسابات على مرأى الدوائر والقبائل". وحتى تتم ممارسة القدرة/الحكم بشكل نزيه يجب، بمقتضى القانون، أن يحظى بالشرف الأشخاص الذين يتمتعون بسمعة جيدة. هنا، أرسطو على حق: الإنسان ليس فاضلاً بشكل طبيعي! هو مثل طفل حريص على المتعة وحذر قليلا من الآخرين. الشيء الوحيد الذي يهمه هو إرضاء رغباته حتى لو كانت شهواته ضد الآخرين. وهربا من هذا المصير المؤلم ابتكر البشر القوانين المؤسسة للديمقراطيا. تلك القوانين، التي بدونها سنكون جميعا خاضعين لقانون الأقوى. بدون القوانين، ستبقى الحرية، المساواة والعدالة مجرد أساطير[]. ليست الديمقراطيا مفسدة بطبيعتها، غير أنها، في غياب شروط ومقومات وميكانيزمات، قد تجعل السبيل الى الإفساد متاحا. فهي تتيح لكل من هب ودب إدعاء المعرفة والإمساك بناصية الحكمة.

الديمقراطيا بين أنصارها وأعدائها ــــــــــــــــــ
تتأسس الديمقراطيا على مبدأ الحوار في حل النزاع بدل العنف، والتضامن بدل السيطرة؛ وإن قوة الديمقراطيا تكمن في ارتباطها الجدلي والعضوي بالتجارب الحياتية من جهة ومن جهة أخرى، بجعل هذه التجارب في دائرة التأمل العقلاني الإنساني: فلسفيا، أخلاقيا وقانونيا.
أنصار الديمقراطيا يؤسسون أطروحتهم بناء على أن قدرة الإنسان على أن يكون عادلاً تجعل الديمقراطيا ممكنة، لكن نزوعه للظلم يجعل الديمقراطيا ضرورية، وأن مساوئ الديمقراطيا ونقائصها لا يمكن معالجتها إلا بالمزيد من الديمقراطيا.
الصراع اليوم، بين القوى الديمقراطية والقوى المعادية، أصبح أكثر وضوحا، وبدا جليا منذ العقد الأخير من القرن المنصرم، أن الديمقراطيا أصبحت محل تهديد. فكلما أحرز الديمقراطيون في الغرب نجاحا على صعيد ما، تجد المافيا الغربية تضرب بعض المكاسب الديمقراطية على صعيد آخر.
من وجهة نظر مختلفة، يصف أحدهم الديمقراطيا قائلا: إذا كانت الخراف تسير إلى المذبحة دون أن تقول شيئا، ولا أن تأمل شيئا. فهي على الأقل لا تصوت للجزار الذي يقتلها، ولا للميسور الذي يأكلها. بهذا التمهيد يسخر أوكتاف ميربو(Octave Mirbeau) من الكائن البشري/الناخب بوصفه "أكثر غباء من البهائم، يصوت لجزاره ويختار آكله"، ويزيد من تهكمه، حتى لا نقول احتقاره لهذا الكائن الذي "قام بثورات ليكسب هذا الحق"، حقه في اختيار جلاديه. (كاتب له شهرة أوروبية، وصحفي متخصص في نقد الفنون - 1848/1917).
والديمقراطيا، لدى هربرت سبنسر (Herbert Spencer)، الفيلسوف والاقتصادي المينارشي الانكليزي، مذهب سهل ومثير للاستغراب، لأن (المواطن) موافق في جميع الحالات: سواء قال نعم، أو لا أو كف عن النطق! (1820/1903).
مخطئون أولئك الذين يمارسون السياسة من أجل تغيير العالم. السبب الوحيد الجيد لدخول معترك السياسة هو أن نكنس القدرة (pouvoir) حتى نسمح للعالم بتغيير نفسه. إنها وجهة نظر الأمريكي جيفري تاكر (Jeffrey Tucker) أحد ابرز دعاة الحرية، له عدة مؤلفات ومقالات، مسؤول عن أرضية Liberty.me، نائب سابق لرئيس Ludwig von Mises Institute، وممثل المدرسة النمساوية للاقتصاد. وهو باحث بـ (Mackinac Center for Public Policy).

السياسة بين الللامبالاة والهوس ـــــــــــــــــــــــــ
الديمقراطيا، يقول بيير منديس (Pierre MENDES-France)، لا تقتضي أن تضع دوريا ورقة في صندوق الاقتراع، أن تفوض السلطات إلى منتخب أو أكثر ثم تدخل في اللامبالاة، في الغياب، في صمت مطبق لمدة خمسة أعوام. الديمقراطيا فعل متواصل ينخرط فيه المواطن ليس فقط في شؤون الدولة، بل في شؤون الجهة، شؤون البلدية، شؤون التعاونية، شؤون الجمعية، وشؤون المهنة. بل هي ذلك الحضور اليقظ، لدى الحكومات (أيا كانت مبادئها)، والهيئات المنظمة والموظفين والمنتخبين، إذا لم تكن تستشعر خطر ضغوطات كل أنواع الجماعات، ستكون متروكة لضعفها المحض وسرعان ما تخلي المكان إما لإغراءات تعسفية وإما للروتين والحقوق المكتسبة ... ويضيف، الديمقراطيا لن تكون فعالة إلا إذا كانت موجودة في كل مكان وفي كل وقت.
إذا كان منديس ربَط نجاح الديمقراطيا باليقظة والانخراط المتواصل في الشأن العمومي، فميشال دوبري (Michel DEBRE) حذّر من الهوس السياسي "إن المدينة، الأمة، حيث يناقش عدد كبير من المواطنين السياسة كل يوم تكون قريبة من الخراب"، ويرى أن "مشكلة الفرد أولا هي أن يعيش حياته اليومية". و"أن المواطن الوحيد، الديمقراطي الحقيقي هو الذي يعمل في صمت، يعمل على تقييم حكومة بلاده ويحكم عليها في صمت، وعندما يُدعى في مواعيد منتظمة من أجل التصويت على منتخب مثلا، عندها يُعبّر عن موافقته أو عن رفضه. بعد ذلك، كما هو طبيعي وصحي، يعود إلى انشغالاته الشخصية التي تصنع عظمته، لن يكون ضروريا إلا عن طريقها، ضروريا ليس فقط بالنسبة لكل فرد، بل بالنسبة للمجتمع".

الديمقراطيا: الاسم والمسمى ــــــــــــــــــــــــ
المدافعون عن الديمقراطيا يلحون على تسمية الأشياء بأسمائها، هنا يصرخ أحدهم، سيرج كريستوف (Serge-Christophe KOLM) "نحن ضحايا شطط الكلمات. نسقنا ("الديمقراطيات" الغربية) لا يمكن تسميته بالديمقراطي، لأن هذا يمنع الديمقراطيا الفعلية من التحقق بعد أن سرق منها اسمها.
وإن الذين يدافعون عن ريجيم سياسي بغض النظر عن نوعه، يقول جورج أورويل (George ORWELL)، ولا يفتأون يصفونه بالديمقراطي لن يخشوا من التوقف عن استخدام كلمة الديمقراطيا، مادام ذلك الريجيم يحتمل سوى دلالة واحدة.

السياسة بين براديغمين: في البحث عن مخرج ــــــــــــــــــــــــ
آن الأوان كي تسترجع السياسة معناها النبيل، وأن يعاد النظر في تلك العبارة الشهيرة التي تتهم السياسة ظلما، وتلعنها (لعن الله السياسة)، وآن الأوان أن نبرئها من التهم التي ألصقت بها، وأن نقر بأن أولئك الذين يدّعون أنهم ساسة، هم مجرد منتحلين للسياسة، دجالين ومشعوذين ومنافقين، أخساء وجهلة، لأن السياسة تدبير عقلاني لحل المشاكل وخلق البدائل؛ وإن الأزمات التي عصفت ببعض المجتمعات العربية وتكاد تعصف بما تبقى ستجد حلها حالما نمارس السياسة؛ ذلك أن الكوارث التي ضربت بعض البلدان الناطقة باللسان العربية أو أعاقت تقدمها، إنما هي في الأصل كانت مجرد مشاكل لم تعثر على السياسة التي تعالجها، بل تحولت إلى أزمات جراء الجهل السياسي، ومن ثمة تعاظمت لتتحول إلى كوارث.
ويبدو أنه من الضرورة المعرفية والإجرائية، أن نميز بين النسق السياسي والنسق المنافي للسياسة. فالنسق السياسي كما هو مبين أعلاه يفيد كل تدبير علمي للشأن العمومي داخل فضاء اجتماعي معين لا تقف فيه القرارات السياسية ضد العقل والمصلحة العامة، ولا تتعارض فيه القوانين مع الحقوق ولا تتصادم فيه الثقافة بالطبيعة، وبالتالي فكل نسق لا يحترم هذه المعايير والمبادئ هو نسق مناف للسياسة، وبناء على ذلك فإن الأنساق الشمولية والاستبدادية في ضوء التطور، لا يمكن تصنيفها كأنساق سياسية، بل كطغيان يتلبس بالسياسة، أي كأنساق ثقافية معادية للسياسة.
النسق السياسي، في سياق التطور، هو بالضرورة ديمقراطي، وحالما يتنصل هذا النسق من الديمقراطيا فهو، والحالة هذه، قد فقد مظهره السياسي، وكلما اتسعت المسافة بينه وبين الديمقراطيا أصبح أكثر عداء للسياسة، ومن ثمة انحرف إلى طغيان.
- البراديغما السائدة: أسباب عزوف الشباب عن ممارسة العمل السياسي تتحملها الثقافة السائدة التي تكرسها الحكومات والأحزاب والميديا فضلا عن الثقافتين الدينية والشعبية. إن السياسة من منظور هذه الثقافة مجرد خداع وكذب؛ وهي نظرة تختزلها عبارة شهيرة يرددها كل من هب ودب بوصفها نظرية أو قاعدة علمية: "لعن الله السياسة وساس ويسوس وسائس ومسوس، وكل ما اشتق من السياسة فإنها ما دخلت شيئًا إلا أفسدته" (محمد عبده). فالسياسي، من هذا المنظور، مقرون دوما بالفساد والنفاق والنفعية الشخصية. فكيف ندعو الشباب إلى المشاركة في السياسة في الوقت الذي نلعن فيه السياسة ونصفها بالكذب؟ إن دعوته والحالة هذه إنما هي دعوة إلى ممارسة الكذب والخداع.
إن الشباب حينما يعزف عن المشاركة في التصويت وفي الانخراط بالأحزاب إنما ينأى بنفسه عن ممارسة الكذب والخداع بحثا عن فهم أفضل للحياة ولاسيما للحياة السياسية. وحالما يدرك هذا الشباب المعاني النبيلة التي تنطوي عليها السياسة فلن يتردد في ممارستها بكل ما يملك من طاقة وإرادة وحب.
وفقا لتعريف الأمم المتحدة، يشكل الشباب الفئة التي تتراوح أعمارها بين 15 و24 عاما (حوالي 20٪ من سكان العالم). وبالتالي فإن الجيل الحالي من الشباب هو الأكثر عددا من أي وقت مضى في التّاريخ. وهو الفاعل الأول، فتم ربطه بالسلام والتنمية والديمقراطيا والبيئة. كما تدرك اليونسكو أن الشباب هم مجموعة غير متجانسة في تطور مستمر.
إنه القوة الديموغرافية الهائلة التي تفرض على البلدان والمنظمات الأممية الأخذ بعين الإعتبار القيمة العددية وما تمثله من رصيد طاقي ومعرفي عظيم، وأن تضع على سلم أولوياتها كيفية حسن استغلال هذا المورد البشري وتصريف طاقاته نحو مشاريع العمل والإنتاج الصناعي والمعرفي. ومن أجل ذلك كان لزاما على الدول أن تجعل من الشباب شريكا وقائدا وعنصرا فاعلا في إنجاح برامجها.
وفق معطيات تعود إلى 2015، الشباب الجزائري الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و29 عاما، نسبتهم 30 ٪، في حين تقدر نسبة البطالين حوالي 10٪ أغلبهم إناث (نصر الدين حمودة، مدير بحث ورئيس قسم التنمية البشرية والاقتصاد الاجتماعي). 20٪ من سكان الجزائر تقل أعمارهم عن 10 أعوام (عمر والي، مدير السكان بوزارة الصحة)؛ وحوالي مليون وربع المليون عاطل يبحث عن الشغل، بنسبة تتجاوز 12 ٪ (الديوان الوطني للإحصاء)؛ وهناك نحو 60 ٪ من السكان لا تتجاوز أعمارهم سن العشرين، يعني تعاظم الأعباء في خدمات التعليم، الصحة، الإسكان، الشغل، المواصلات، المرافق الإدارية[].
على الصعيد القانوني، لم ينص المؤسـس الدـستوري الجزائري صراحةً على الحقّ في التمكـين السـياسـي والقـانوني للشباب، غير أنّه، واستقراء لما جاء في الديباجة وفي المواد 29 و31 و32 و50 و63 منه، يتضـح جليا بأن للشاب الجزائري الحقّ في المشاركـة السـياسيـة. ويرى البعض أن إقرار الحقّ في التمكـين السياسـي للشـباب يستوجب على المؤسـس الدـستوري أن يضع الضـمانات والآليات الدـستوريـة الكفيلة بذلك، وعلى المشرع أن يسـن القواعـد القانونيــة الناظمة لهذا الحقّ بما يساهم في وضع الميكانيزمات العمليـة للتطبيق[].
تجمع كل التقارير الإعلامية والسياسية والرسائل الجامعية وجهات الإحصاء على ضعف مشاركة الشباب الجزائري في الحياة السياسية، ورأت أن الإصلاحات والسياسات العامة التي انتهجتها الدولة (عام 2012 ثم عام 2019) لم تكن في المستوى المطلوب، كونها اتسمت بالظرفية بهدف استغلالهم لأغراض انتخابية[]. إن هذه الإحصاءات تؤكد أن شباب الجزائر مازال محصنا ضد الفساد، وأن عزوفه ظاهرة صحية، وهو بمعنى من المعاني يمارس السياسة رفضا لتلك الحقارة التي تنتحل صفة "السياسة". هذا الرفض الذي سلكه الشباب ضد الممارسات الحقيرة التي طالت قطاعا عريضا من الطبقة السياسية، هذا الرفض ترجمه الشباب يوم 22 فبراير 2019 في ثورة سلمية مبهرة جعلت العالم برمته يقف منها موقف إعجاب وتقدير، هذه الثورة التي اشتعلت مبتسمة في ربوع الجزائر كلها أبدعها الشباب فالتحق بها الشعب بكل فئاته وشرائحه، بل وحتى الحزب الحاكم بمنظماته الجماهيرية.
- البراديغما الغائبة: إن التنشئة السياسية، نسق تربوي واجتماعي لا يحث على التثقف والممارسة السياسيين فحسب، بل يؤسس لذلك ويؤطر المجتمع سياسيا، قانونيا وحقوقيا، وبالتالي فإن الدولة التي تهمل التنشئة السياسية أو تستبعدها من فلسفتها إنما هي تؤسس لثقافة الغباء، لقد كان الإغريق يطلقون صفة البليد (Idiot) على الشخص الذي لا يهتم بالشأن العمومي. لقد خرج الشعب الجزائري بكل فئاته منذ 22 فبراير ليحرر "عبقريته" من "الثقافة البليدة" التي اصطنعتها خطابات أيديولوجية رجعية. نزل إلى الفضاء العمومي ليمارس حريته ويتمرن على الاحتجاج السلمي ويبدع الشعارات المعبرة عن مطالبه وتطلعاته. كما شرع الشباب عبر تجمعات حلقية يناقش المستجدات والقرارات، وأصبح أكثر اهتماما بقراءة الدستور الجزائري ودساتير الأمم المتقدمة. لقد شرع فعلا في ممارسة السياسية والتمرن عليها وأصر على رفض كل السلوكات المنافية للسياسة التي طالما عزف عنها، وهو اليوم يواصل مكافحتها وفضح كل المحتالين والجهلة المنتحلين للعمل السياسي ظلما وبهتانا.
فما هي السياسة؟ كما أسلفنا، تحمل كلمة السياسة لدى الإغريق معنى: علوم شؤون المدينة، أي تنظيم المدينة وبالتالي تنظيم الدولة. ونجد ثلاثة معان للسياسة: -المعنى الشامل (Politikos)، ومعناه الحس الحضاري، ويرتبط بتنظيم المجتمع وتطويره؛ معنى أكثر دقة (Plolitea) ويخص الدستور وبالتالي يخص بنية مجتمع معين وطريقة اشتغاله (منهجيا، نظريا وعمليا). السياسة، هنا، تخص ما يرتبط بالمجتمع من الأفعال، والتوازن، وتنميته الداخلية أو الخارجية، وعلاقاته الداخلية وعلاقاته مع مجموعات أخرى. وبالتالي فإن السياسة مبدئيا تتعلق بالحياة الجماعية، بمجموع الفردانيات و/ أومجموع التعدديات . وفي هذا السياق نجد الدراسات السياسية أو العلوم السياسية تتسع لجميع مجالات المجتمع (الاقتصاد والقانون وعلم الاجتماع، الخ)؛ معنى محدود (politike) ويرتبط بممارسة القدرة (Pouvoir). أي، يرتبط بالنضال من أجل الحكم وتمثيلية الشعب. وظلت المدينة الإغريقية مسرحا للتجربة السياسية تنظيرا وممارسة، وكما هو معلوم فقد اشتهرت لدى الدارسين تحت اسم المدينة-الدولة.
المدينة-الدولة مفهوم (عادة ما يرتبط بالحياة الإغريقية). وهو مفهوم ما زال قليل الاستكشاف ويحتاج إلى الدقة حتى يحفز الخيال ويمنح السلطة للمنشآت الأكثر تنوعا وذلك لما تكتسيه المدينة والجهة من أهمية في السياسات الحديثة اللاممركزة. ويتطلب ذلك أن يكون مفهوما بشكل أفضل ويجب أن يكون موضوعا لدراسة منهجية تنطوي على البعد المقارن.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما تداعيات الحظر الأوروبي للنفط الروسي وتسقيف سعره على سوق ا


.. توقيع اتفاق في السودان بين الجيش وقوى معارضة يمهد الطريق لتش




.. السنغال وإنجلترا والمفاجأة الأميركية | #كأس_العالم_2022 | #o


.. إشاعة وفاة بيليه تدفع بمحبيه للتجمهر أمام المستشفى لدعمه |




.. فضيحة تحرج البيت الأبيض! ماسك يكشف تورط الحكومة في حظر التغر