الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التصحر في العراق والموقف الشخصي والحزبي

عباس منعثر
شاعر وكاتب مسرحي عراقي

(Abbas Amnathar)

2022 / 9 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


عندما يتعرّض أيّ بلد في العالم لتهديد وطني شامل، تتوحد القوى السياسية عادةً حتى الجهات المتباينة التوجهات تماماً، وعادةً ما يُضرب المثال في ذلك بإسرائيل حين يتهدد وجودها ظرف ما، فيختار ساستها أقل المواقف ضرراً على الدولة وإن كان فيه بعض الضرر الشخصي أو الحزبي. كذلك، يندر أن تستغل القوى الوطنية في الدول الديمقراطية أيّ شأن من هذا القبيل في المماحكات السياسية والتنافس الانتخابي، لأنه خطر قد يؤدي إلى خسارة الأطراف جميعها عندما تحاول المتاجرة بالأزمات.

اعتماداً على هذا الفرض النظري، ما موقف القوى السياسية العراقية في قضية التصحر التي يمرّ بها العراق وشحّة المياه بسبب الموقف التركي والإيراني؟

عندما يُطرح موضوع التصحر في العراق لا تجد اهتماماً يستحقه ولا يمكن إرجاع السبب إلى محدودية النظر وحده؛ بل لوقوف المبادئ الشخصية كحاجز في طريق أي موقف وطني، لأنّ ذلك يمسّ إحدى الثوابت الراسخة في الذات.

في الوسط الشيعي، ما أن يُذكر التصحر في جمعٍ من الداعمين لإيران فإنهم سيردون بالسخرية من الموضوع أو سيهاجمون تركيا لأنها قطعت حصّة العراق من نهري دجلة والفرات، مع التغاضي التام عن تقارير وزارة الموارد المائية العراقية بشأن أثر إيران السلبي بالتعامل مع الروافد الفرعية التي قامت بتحويل مجراها إلى الداخل الإيراني حتى قبل الوصول إلى الحدود العراقية مثل نهر الكارون.

في الوسط السنّي، طرح الموضوع نفسه سيجعل البوصلة تتجه بالضد من ايران من دون إشارة إلى تركيا إلا على استحياء.

لن تعثر على الرّخام النفيس بين الجمهور الموالي لإيران وذلك الموالي لتركيا. فما يحصل أنّ العراقي يرتدي أحد القناعين إما الإيراني الصرف أو التركي الصرف، بل إنه أحياناً يتجاوز موقف الإيراني والتركي، فيبدو ملكياً أكثر من الملك.

فأين يكمن الإشكال؟

على المستوى السياسي، فإنّ الزعماء الشيعة الذين لا يخفون صلاتهم بإيران وقوة الروابط الخاصة بالعقيدة والتسليح والمرجعية الدينية، لا ينظرون إلى موضوع الماء كحقّ دولة عند دولة أخرى لأنهم يفكرون من خلال الامتداد لا الانفصال حتى بعد أن تقلّدوا مسئولية دولة جديدة هي العراق وتجاوزوا صفة المعارض المستوطن التي كانوها سابقاً. أيّ أنّ هذه الجهات ترى أن العراق امتداد لمشروع إيران المتأسس على ما يُسمى بالإسلام المحمدي الصحيح. وبذلك، يكون الخير عند الولي الفقيه أولى من هدره عند أعداء الله، فهو قضية دينية أو عقائدية. وطبقاً لهذه المنطلقات، فمن الأفضل بقاء مياه الأنهر الإيرانية في أراضيها، بدل أنْ تذهب إلى الخليج حيث يستهلكها الوهابي، فالإيراني يشترك معنا على الأقل بكونه من أتباع ابن بنت رسول الله.

قد تجد سبب عدم مطالبة الشيعي من حلفائه الإيرانيين كي ينفذوا المعاهدات الدولية بخصوص تقاسم الضرر المائي أو تزويد العراق بحصصه المائية، خاصة أنّ العراق في موقف محرج ويجب على الإيرانيين أن يتساهلوا في هذا الملف، لوجدت أن السرّ يكمن في خوف السياسي العراقي في حالة انزعاج الإيرانيين منه من أن يُحرم زيارة الإمام الاثني عشري موسى الرضا في مدينة مشهد. هكذا، فالرّباط الطائفي والنزوع الذاتي أقوى من مصالح الدّولة وخصوصيتها، بل هو متقدم بكثير، وفي حال تتصادم المصلحة الوطنية مع التوجهات الطائفية، فالأخيرة تتغلّب على الأولى.

والأمر مختلف قليلاً عند السياسي السّني في تعامله مع الموضوع. قد يتخذ شبه موقف ضد ما تفعله إيران في الملف المائي، لكنّه غير قادر على اتخاذ الموقف نفسه تجاه تركيا. فما هو سرّ التباين في الموقف؟ لا يمكن اعتبار الطائفية وحدها عند السني العراقي هي مركز التحرّك، بل يتقدم عليها أحياناً كثيرة الحسّ التجاري. فالكل يعلم إنّ أيّ موقف مع تركيا قد يؤدي إلى غضب الوالي العثماني مما يعرّض استثمارات السياسي السني في تركيا إلى الخطر. كما إنّه لن يجعل تركيا ملاذاً محتملاً له في حالة غضب الحليف الشيعي كما حصل لعشرات من السياسيين الهاربين إلى تركيا. يعزز هذا الموقف أنّ أردوغان يتصرف كالخليفة الإسلامي القادر على دعم أيّ زعامة سنية في العراق، أو هو قادر على تحطيم أيّ زعامة مناهضة، ولذا يُتقى شرّه.

والأمر نفسه يصدق على السياسيين الشيعة. هم يعلمون تماماً أنّ أيّ غضب إيراني قد يؤدي إلى هلاك مفاجئ أو اختفاء قسري من الطبقة السياسية. وقصة باقر جبر صولاغ خير مثال على ذلك. فهو بعد خدمة كبيرة لإيران أيام كان وزيراً للداخلية بحيث يقبّل سليماني جبينه امتناناً، لكنه في موقف معين حينما أغضبَ الوالي الفارسي، دَفَعَ الثمن مباشرةً. أدلى صولاغ بتصريحات فاضحة فيما يخص عمار الحكيم، وتحدث طويلاً عن فساد نوري المالكي وتكلم عن أسرار لا ينبغي ظهورها مثل حديثه عن مراسلات عمار الحكيم لخامنئي بشأن الانشقاق عن المجلس الأعلى. وبوصول الخلافات الى درجة كبيرة تدخل سليماني الذي قال لمبعوث صولاغ (حيدر العامري) في جلسة المفاوضات لحل الأزمة: ((إذا لم يتوقف صولاغ عن الكلام بالفضائيات ونشر الفضائح، إحنا راح نخليه يكعد بالبيت ويصير مدون فيسبوك فقط)). صولاغ الذي كان يُمثل الطماطم بالنسبة إلى المقبلات في الوزارات العراقية بحيث يحتل عشرات المناصب؛ يُركن جانباً حينما خرج عن الطريق وأغضب إيران التي لا تسمح باحتمالية التفكك الشيعي، فكانت النتيجة أن قعد في بيته رغم شخصيته وتاريخه النضالي. وفي الوقت الذي كان فيه صولاغ ملح طعام الوزارات اختفى فجأةً عن المائدة بعد تحذير سليماني. ولا يُستبعد أن يكون الأمر نفسه قد حصل مع حالات كثيرة من ظهور وتواري الساسة العراقيين ليس أولهم عز الدين سليم ولا آخرهم محمد باقر الحكيم أو أحمد الجلبي. فالجلبي، مثل غيره، يثير ما حدث له أكثر من علامة استفهام بعد ليالٍ تلفزيونية صريحة تكلّم من خلالها عن الفساد المالي للأحزاب السياسية، وما كان منه إلا أن أصيب بالجلطة في الليلة التالية رغم أنه بدا بكامل صحته في آخر لقاءٍ تلفزيوني سبق وفاته.

سياسياً، لكل حزب أو كتلة أسبابها في تجاهل قضية التصحر، تبعاً للمصلحة الشخصية والحزبية، لكن ما يُسبب الحيرة هو موقف الإنسان العادي البسيط الذي يساندك تماماً لو طرحت اسم تركيا كمضطهِد ومستغِل للماء العراقي، بينما لن تجد الحماس نفسه في الموقف لتجاوزات إيران، والعكس بالعكس.

في موقف رجل الشارع نرى أثر العقيدة أكثر من الفائدة الشخصية المباشرة. فالمرء الذي يخفف من أثر الأشياء ويقيّمها حسب مذهب الفاعل لا يعدو كونه آلة جوفاء يسوقها العمى. إنه نتاج فكر الأحزاب السياسية المنافق والتي حققت نجاحاً مبهراً في تشكيله كمواطن طائفي بصرف النظر عن حقوقه وحقوق بلده. فالحالة لا يتم نقدها أو النظر إليها كحالة خاصة بالبلد ولا يتم اتخاذ الموقف المضاد منها اعتماداً على أثرها عليّه كفرد؛ بل يذهب في مجاهيل الأسئلة السخيفة عن ماهية رؤيته للماضي وهل هو مقبول عند السلف الصالح أو مرفوض منهم، ثمّ تظهر التبريرات التي قد تصل إلى قمّة الغرابة حين يتحدّث –بدل مطالبة الدولتين بإعطاء العراق استحقاقه الطبيعي- عن ضرورة قيام الحكومة بإنشاء محطات تحلية لماء البحر المالحة، وهي مشاريع ضخمة وصعبة التحقيق، أو يركن إلى الاحتساب إلى الله وانتظار فرجه أو إلى الصمت المريب.

لم يقم أي شخص أو أي جهة ممن ذكرنا أعلاه بالنظر إلى الوجه السلبي الخطير للتصحر على الاقتصاد أو على الفلاح أو الأهوار أو الثروة الحيوانية، ولم يكن الدخل القومي هو أساس النقاش؛ بل أن الجدل سيذهب إلى أنّك كمواطن لم تستفد من أموال النفط الهائلة، فهل تريد الاستفادة من الماء؟ أي بجعل الموضوع ساذجاً أو ممكن الحل، لهدف أن لا يصيب جهة ولائه المصلحي أو المذهبي بسوء. بمعنى أن يُناقش الموضوع من جميع الزوايا التافهة إلا من الزاوية الصحيحة أو الوطنية بحيث تتساوى تركيا وايران في اللامسئولية؛ وتخرجان حتى من دائرة الملامة والاتهام.

إنّ مضار التصحر على العراق جدية وفادحة، تُهدد 70% من الأراضي، بما معناه ان وجود الدولة كله معرّض لخطر الزوال والموت بعد جيل أو جيلين من لحظة كتابة هذه السطور؛ غير أننا ككائنات طائفية سعيدون وراضون بالموت فداءً للمذاهب حتى لو كان ذلك على حساب حياتنا وطموحاتنا ووطننا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ريم.. ريادة الأعمال التي فتحت صفحة جديدة في حياة شابة إمارات


.. بيونغ يانغ تطلق صاروخا باليستيا قبيل مناورات بين كوريا الجنو


.. رحلة أرتميس 1 للفضاء.. مهمة مؤجلة




.. لماذا تلوح روسيا بالأسلحة النووية التكتيكية؟


.. ما هي الأسلحة النووية التكتيكية؟