الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أين يوجد موقف الدولة الصحيح من الدين ؟

أحمد فاروق عباس

2022 / 9 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


بغض النظر عن عن الجوانب الروحية في الدين ، فهو مكون اجتماعى مهم ، وأصبح فى زماننا الأداة الأهم للعبث به واستخدامه دوليا في سياسات الدول الكبرى للوصول إلى ما تريد من أهداف ..

وللدين فوائد عملية كبيرة للدولة واستقراراها ، ومنها أنه أداة مهمة للتماسك الاجتماعى ، ومن هنا تمسك الدول حتى الكبرى والمتقدمة منها به ، بل وتشجيعه ..

ومن هنا أيضا كان حرص الدول - كدولة بغض النظر عن أشخاص الحاكمين - على ضبط إيقاع وحركة الدين فى المجتمع ، فمن ناحية هو مهم لبقاء اللحُمة والتماسك الاجتماعى ، ومن ناحية أخرى هناك الخوف من الجنوح سواء بالتعصب والتطرف أو بالتمييع وضياع المكانة ..

واصبحت بالتالى حركة الدولة فيما يخص الدين كمن يمشى على خيط رفيع ومشدود ، الوقوع الى هذه الناحية أو تلك سيؤدى إلى مشاكل لا تنتهى ..

فمضار التعصب والتطرف على الدولة واضحة لا لبس فيها ، ويظن كثير من الناس أن أضرار التعصب والتطرف هو أنه يؤدى إلى القتل والإرهاب ، وهو صحيح ، ولكن هو أهون الشرور فى رأيي ، فالضرر الأكبر من التعصب هو أنه يقسم المجتمع نفسياً ووجدانياً ووطنياً إلى كتل متباعدة ، لا تلبث أن تتحول إلى كتل متخاصمة ، ومع ضعف الدولة تتحول فوراً إلى كتل متقاتلة ..

الناحية الأخرى المقابلة والمضادة لزيادة جرعة التعصب والتطرف الدينى في المجتمع هى تمييع الدين وضياع مكانته في النفوس ، وذلك له وسائل شتى :

١ - تشجيع الاتجاهات الغريبة فى الفكر الدينى ، وخلق مجموعات تمشى وراءها ، والادعاء والسبب دائما موجود : الحداثة ، التقدم ، رفض الجمود ... الخ .
٢ - ضرب أسس العقيدة تحت عنوان حرية الرأى والتعبير ، والأديان كلها بنيان كامل إذا تم العبث بأسسها تحت لافتة التحديث أدى ذلك إلى فتح باب للجدل لن ينتهى إلا بفتن كبرى ، خصوصا ونحن نعيش عصراً نفوس الناس وعقولها فيه مستثارة بطبيعتها ، وجاهزة للانفلات عند أول شرارة ..

٣ - فتح الباب لظهور طوائف مخالفة داخل نفس الدين لم يكن لها وجود من قبل فى دولة ما ، مقدمة لحدوث شقاق دينى في الدولة ، كالمطالبة بفتح المجال أمام إيران ( فى ظرف تحولت إيران فيه إلى دولة دينية ذات إيديولوجية سياسية توسعية ) للعمل في مصر ، وزيادة انتشار المذهب الشيعي والحسينيات ، كمقدمة لزيادة شقاق دينى له فى المستقبل اثاره على تصدع الدولة نفسها ، إلا لو استخدمت الدولة قدر هائل من العنف الذى سيؤدى - فى النهاية - أيضا مهما بلغت شدته إلى تصدع فى بنيان الدول ..

الغريب أن التقارب بين مصر وإيران أيام رئاسة محمد مرسى وزيارة مرسى لإيران وزيارة نجاد لمصر ومجيئه إلى الأزهر وزيارة قاسم سليماني السرية لمصر فى يناير ٢٠١٣ ، وفتح باب السياحة - ومنها أو أهمها السياحة الدينية - بين البلدين لم يجد أى اعتراض غربى !!

والمفروض أن إيران في عرف الغرب دولة مارقة وحصارها واجب ، بل على العكس قوبل الأمر بترحيب غربى مريب !!

٤ - ومن أمثلة خلق صور للتعدد الدينى بصورة اصطناعية كمقدمة لحدوث شقاق في الدولة ، تشجيع إنتشار البهائية في مصر - وهى مذهب دينى نشأ في القرن ١٩ بواسطة رجل هندى مدعوم من الإمبراطورية البريطانية التى حكمت الهند وقتها ، وقد حظرت البهائية في مصر فى الستينات - وقد تجددت المطالبة الغريبة بفتح المجال أمامها في العقد الأول من القرن ٢١ مع مقدم المشاريع الأمريكية لتغيير الشرق الأوسط ..

وارتفعت الأصوات وقتها تنادى بالحرية الدينية وإلغاء خانة الدين من البطاقة الشخصية ، ولم يكن عدد البهائيين في مصر يزيد وقتها عن ٢٠٠ شخص فى دولة سكانها عشرات الملايين ، وكان الغطاء السياسى وقتها انسانيا ، ينادى بضرورة النظر إلى الإنسان كإنسان بغض النظر عن أى شئ آخر ..
وهو موقف يمكن مناقشته لو جاء طبيعيا ومتسقا مع تطور الأفكار الطبيعى داخل مجتمع ما ، ولكن جاء - كالعادة - متسقا مع خطط دولية لها أهداف معينة وتستخدم لها وسائل جديدة وذكية ..

المهم أن المطلوب هو عدم ترك الدين للتطور الطبيعى للأفكار مع اختلاف الأزمنة وتباين الاجتهادات ، ولكن اعتراض كل ذلك والتدخل بصورة صناعية لتفتيت الدين من داخله بالتعصب المؤدى للعنف أو بالتمييع المؤدى إلى ضياع المكانة ..

وفهم الظرف الدولى الذى تجرى فيه تلك العمليات شديد الأهمية لفهم طبيعة تلك القضية ..

١ - فنحن في عصر أصبحت الأديان فيه فى مرمى النار ، وبدلا من دورها الطبيعى والمعهود كوسيلة للتقارب الإنسانى والتماسك الاجتماعى وزيادة اللحُمة داخل الدول ، أصبحت الأديان أداة للفرقة والاختلاف ، ثم أداة للتخاصم والتشاحن ثم أداة للتقاتل وضياع الأمم !!

٢ - هناك جهد دولى واضح ولا تخطأه العين لتشجيع الاتجاهات المتعصبة داخل الأديان ، يقابله تشجيع الاتجاهات المناقضة التى تذهب إلى الطعن في الجذور ولا تراعى الحساسيات المعتادة فى مناقشة تلك الأمور ، والنتيجة هى زيادة حدة التوتر الدينى والاجتماعى داخل البلاد إلى درجة الغليان ..

وقد أخذ ذلك الدعم الدولى - للطرفين - صورا متعددة منها الدعم الفكرى والثقافى ومنها الدعم المادى والاعلامى ومنها الدعم السياسى والدبلوماسي وأحيانا الدعم بالسلاح لمن يريد حمل السلاح !!

لذا فقد تحول كلا الطرفين ( المؤيد للتعصب أو المنادى بالتمييع ) إلى وقود لمعارك تنهك الدول فى وقت لديها ما يكفيها وزيادة من تحديات لا تنتهى !!
والأهم - والأغرب - أنه لا يفيد قضية الطرفين : سواء المتعصب والمتطرف الذى يظن أنه ينصر دينه ، أو المنادى بالتجديد والتحديث الذى يظن أنه يخلص الدين وينقيه مما لحق به !!

قضية الدين يجب أن تناقش بحرص ومسئولية ، وقبلهما بفهم للظروف الجديدة التى تعيش فى ظلها الأديان ، وكيف يراد لها أن تتحول فى تلك العصور الجديدة ..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خالد عمر يوسف: الاتفاق الإطاري خطوة في اتجاه المسار الديمقرا


.. ميقاتي يتمسك بعقد اجتماع الحكومة رغم الانتقادات




.. دعوات بتونس لتأمين الحد الأدنى من احتياجات الدواء | #النافذة


.. عبد الفتاح البرهان: القوى الموقعة على الاتفاق الإطاري ستنشئ




.. مهرجان شعبي في أربيل للعسل والمأكولات الكردية التقليدية التي