الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المجتمعات العربية المراهقة وأزمة التطور

ثائر أبوصالح

2022 / 9 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


قرأت في مواقع التواصل الاجتماعي، أن شخصاً وجّه سؤالاً لعالم الرياضيات الخوارزمي عن قيمة الإنسان فأجاب:
إذا كان الإنسان ذا أخلاق فهوا يساوي "واحداً"، وإذا كان الإنسان ذا جمال فأضف صفراً على يمين الواحد فيصبح عشرة، وإذا كان ذا مال فأضف صفراً آخراً فيصبح مئة، وإذا كان ذا حسب ونسب فأضف صفراً جديداً فيصبح ألف، ولكن أعلم أنه إذا أزلنا العدد "واحد"، أي إذا انعدمت الأخلاق، تصبح قيمة الإنسان ثلاثة أصفار لا قيمة لها.
سواءً صّحت نسبة هذه المقولة للخوارزمي أم لم تصح، يبقى المضمون يعبر بدقة عن حال مجتمعاتنا العربية بشكل عام، والتي تعاني من مرض اعتلال الأخلاق على مستوى الأفراد والمؤسسات، فأصبح الكذب والنفاق فناً، والغش والاحتيال شطارة، ونقض العهود تكتيكاً، ونصب الكمائن مهارة وهكذا.. ان التدني الأخلاقي الذي تعاني منه مجتمعاتنا يفسر لنا السلوك اليومي للأفراد أيضاً، فلماذا وصلنا الى هذا المستوى المتدني من الأداء الاجتماعي؟
ان تطور المجتمعات بتقديري شبيه جداً بتطور الأفراد. فكما أن الانسان يمر بمراحل تطور شرحها علماء النفس على اختلاف مشاربهم ،حتى يصل الى سن النضج، كذلك المجتمعات، وتعتبر فترة المراهقة في مراحل تطور الفرد من أخطر الفترات التي يمر بها الإنسان، فإذا لم يجد المراهق اسرة حاضنة مرنة قادرة على التعاطي معه، فإن النتائج قد تكون خطيرة جداً على المراهق ومسلكه في المستقبل، ولكن إذا وجدت اسرة متفهمة قادرة على التوجيه، والتدخل عند الحاجة بشكل غير مباشر، حتى لا تمس "أنا" المراهق الآخذة بالتشكل، حينها يستطيع المراهق عبور فترة المراهقة بأمان، ويتحول الى انسان بالغ وناضج ليبدأ مسيرة حياة خالية من العقد.
في فترة المراهقة، يضرب المراهق بعرض الحائط بكل القيم والعادات والتقاليد، ويتمرد على الواقع ويتضخم "الأيغو" الفردي وتتكرر عنده جملاً مثل " أنا حر" " لا تهمني قوانينكم" " أنا أفعل ما أريد" " لا أقبل تدخل أحد" والى ما هنالك من هذه الألفاظ المعروفة للجميع، ولكن الأسرة الحاضنة السليمة تقوم بحماية هذا المراهق من نفسه الى حين عبور المرحلة بسلام.
كذلك المجتمعات تمر بما يشبه سن المراهقة، فالتطور المادي، وخصوصاً في زمن العولمة والتأثير المباشر لها على الأفراد والمؤسسات، خصوصاً من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، جعل المجتمعات العربية تبدأ بالتنكر لقيمها وعاداتها وتقاليدها وتبدأ بالتقليد، فيصبح الملبس والمشرب والسيارة والسفر والبذخ هو أساس الحياة، ويتم الاستخفاف بالقيم وبالمعايير الأخلاقية مثل الصدق والتعامل بأمانة مع الناس والابتعاد عن الغش والخداع واحترام الكلمة، فالغاية تبرر الوسيلة. قد يجد المراهق المحظوظ اسرة حاضنة متفهمة تمسك بيده حتى ينضج، ولكن من يحضن هذا المجتمع ويساعده على عبور هذه المراهقة بسلام لينتقل الى مرحلة جديدة من التطور؟
ان أخطر مرحلة في تطور المجتمعات هو الفراغ القيمي والأخلاقي الذي يحدث عندما يتنكر المجتمع لقيمه القديمة قبل أن ينجز تشكيل القيم والمعايير الجديدة، فيصبح بلا قديم يضبطه حتى لو كان متخلفاً، ولا جديداً يدفعه الى الأمام، فيبدأ هذا المجتمع بالتفتت الى هويات متنافرة دينية أو طائفية أو مذهبية أو قومية أو قبلية أو عائلية وتعود هذه المجموعات لتتقوقع في الحاضنات الضيقة البدائية لتحمي نفسها.
عادة، الحاضنة للمجتمعات في فترة المراهقة هي طليعة المثقفين الذين يؤسسون للقيم الجديدة من خلال نقدهم للقديم وتقديم البدائل، فيبدأ الجديد بالولادة في رحم القديم حتى ينضج، فتنفلق القشرة الصلبة ويدخل الجديد الى حيز الوجود ويضمحل القديم ويزول، تماماً مثل الزهرة التي تُلقح وتتحول الى ثمرة. هذه الأفكار الجديدة تبدأ بالتغلغل داخل المجتمعات وتتحول مع الزمن الى رافعة للتغيير والتطور. ولنا في فلاسفة التنوير أمثال جان جاك روسو، وفولتير ومنتسكيو وغيرهم من المبدعين خير مثال للمثقفين الذين اضاءوا الطريق أمام الجمهور، ووجهوا بوصلة تحرك المجتمعات، ووضعوا الأسس المعرفية للمرحلة الجديدة. فقيم الحرية والمساوة وفصل السلطات كانت ثمرة جهد فكري قبل أن تتحول لثورة عارمة قضت على التخلف ونفوذ الكنيسة، وأسست لمرحلة جديدة تعثرت مسيرتها في فترات مختلفة، ولكنها جّدت وتابعت الطريق حتى استطاعت أن تبني الدولة الحديثة في أوروبا.
العالم العربي ليس استثناءً، فكان هناك ثلة من المفكرين العرب الذين بدأوا بنقد القديم وطرح البدائل الجديدة مثل عبد الرحمن الكواكبي وساطع الحصري ورفاعة الطهطاوي، ولعل كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، لعبد الرحمن الكواكبي يعتبر أهم كتاب سياسي - اجتماعي معارض، تمّ تأليفه في تلك المرحلة. ان غالبية المفكرين العرب الذين برزوا لاحقاً ودعوا الى الإصلاح في المجالات المختلفة اصطدموا بمؤسستين: مؤسسة الدولة المستبدة من جهة والمؤسسة الدينية من جهة أخرى. فقد تبنى غالبية رجال النهضة شعارات الثورة الفرنسية المتمثلة بالحرية والعدالة والمساواة، فقد تأثروا بفلاسفة عصر التنوير الذين أسسوا فكرياً للثورة الفرنسية عام 1789.
بعد زوال الاستعمار في سنوات الأربعين والخمسين من القرن الماضي، حاولت بعض الدول العربية الناشئة أن تبني أنظمة برلمانية مثل سوريا ولبنان على سبيل المثال لا الحصر، إلا أن الانقلابات العسكرية والتي أدت الى عسكرة السياسة في العالم العربي حوّل الدول الناشئة مع الزمن الى أنظمة استبداد قضت على روح التغيير من خلال قضائها على أي عمل فكري أو حزبي يدفع بالمجتمعات العربية الى الأمام. فسوريا على سبيل المثال ورغم انقلاب حسني الزعيم ومن بعده اديب الشيشكلي في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات ألا أن الحياة الحزبية والبرلمانية وانتعاش القطاع الصناعي سادت في سنوات الخمسين وكانت تعج بالمثقفين والأحزاب.
فمثلاً وكما تذكر المصادر " كان مع بداية القرن العشرين "في حمص 5,000 عامل في قطاع المنسوجات وحده، واشتهرت المدينة بالمصانع حتى أسماها القنصل البريطاني «مانشستر السورية»، وكانت عشرون باخرة سنويًا تأتي من فرنسا لتنقل تبغ جبال اللاذقية إلى أوروبا والذي اشتهر بجودته، وفتحت فروع لبنوك فرنسية وإنكليزية في سوريا، وكانت البلاد تصدر مختلف أنواع المزروعات والصناعات إلى أوروبا والولايات المتحدة وكانت فرنسا على رأس المستهلكين بنحو ثلث الصادرات. وقد كثرت في تلك المرحلة الأسواق الشعبية كسوق الحميدية وسوق مدحت باشا وخان أسعد باشا وسوق البزورية ولعل آل العظم في سوريا وآل السكاكيني في مصر من أهم العائلات التي لعبت دوراً اقتصادياً وإدارياً كبيراً في مرحلة النهضة العربية". ورافق بداية هذه النهضة الاقتصادية والصناعية في الوطن العربي بداية تشكل نهضة سياسية. الا أن دخول العسكر على المعادلة من جهة، والفكر الديني المتحجر الرافض لروح العصر، وغير القابل للتماشي مع متطلباته، أديا الى انتكاسة مميته، أوصلت الدول العربية والمجتمعات العربية الى ما وصلت اليه اليوم.
ولنا بالتاريخ عبرة، فقد جاءت الوحدة بين سورية ومصر عام 1958تحت ضغط ضباط سوريين ينتمون الى أحزاب قومية مثل حزب البعث، مما أحرج عبد الناصر في حينه والذي طلب التريث، ولكن الإلحاح من قبل هؤلاء الضباط أدى الى صياغة وحدة هشة لم تصمد كثيراً ، فقد غلب عليها الجانب العاطفي المراهق، وكانت الكارثة الكبرى بحل الأحزاب في سوريا ووقف النشاط السياسي والحزبي، وتسلط عبد الحكيم عامر وعبد الحميد السراج على مقدرات الشعب السوري، مما أدى الى الانفصال عام 1961، ثم قاد حزب البعث انقلاباً على الانفصال ووصل الى الحكم عام 1963 مما أدى الى سيطرة العسكر بالكامل على مقدرات الدولة السورية، وارتفاع منسوب العسكرة في قيادة الدولة، لدرجة أن الغالبية العظمى من القادة والمسؤولين كانوا من ضباط الجيش، ثم بدأت انقلابات داخلية داخل حزب البعث وصراع على السلطة، فقام سليم حاطوم بانقلاب على امين الحافظ عام 1966 وخلعه عن السلطة مما مهد الطريق لاحقاً أمام حافظ الأسد، بعد هزيمة حزيران 1967، والذي كان يتبوأ منصب وزير الدفاع آنذاك، للبدء بترتيب أوراق الانقلاب القادم والذي حدث عام 1970 ليقضى قضاءً مبرماً على ما تبقى من طبقة المثقفين الذين تشتتوا في كل انحاء العالم، وقدموا الكثير في بلدانهم الجديدة. هذا الحال ينسحب على غالبية الدول العربية التي سحقت فيها طبقة المثقفين التي كانت يجب أن ترعى عملية التطور المجتمعي.
من الجانب الآخر، لعب التطرف الديني دور الحاكم المستبد على الفكر، فمنعوا كل اجتهاد في الدين من قبل المثقفين، حتى وصل الحال بهؤلاء المتطرفين الى مرحلة تكفير واغتيال كل مثقف تجرأ على نقد الفكر الديني، فقد منعوا على سبيل المثال لا الحصر رواية نجيب محفوظ أولاد حارتنا وحاولوا الاعتداء عليه، وقاموا بتكفير واغتيال فرج فودة عام 1992، وفرضوا على نصر حامد أبو زيد بعد تكفيره مغادرة مصر ليموت لاحقاً في ظروف غامضة، ليقال انه مات نتيجة فيروس أصابه. وفي سوريا تم اغتيال بعض أساتذة الجامعات مثل الدكتور محمد الفاضل والذي لُقِّبَ بعلاّمة القانون ومفخرة سوريا في مجال الحقوق، وكل ذلك من اجل إرهاب المثقفين ومنعهم من اخذ دورهم في النقد وتطوير البدائل، لأنهم اعتبروا ان لا بديل عن الشريعة الإسلامية في بناء وحكم الدول العربية. وفي القرن الواحد والعشرين تم تكفير المفكر الإسلامي المتنور الدكتور محمد شحرور، والذي أراد أن يفسر الإسلام بطريقة عصرية، وحاربوه بكل الوسائل والطرق. أن أخطر حالة ممكن أن يصل اليها أي مجتمع، هو عندما تجتمع مصالح الطغمة الحاكمة مع مصالح المتطرفين، فيجتمعوا على قتل العلماء والمثقفين. وهذا ما حصل في عالمنا العربي.
لذلك، لم تجد المجتمعات العربية حاضنة حقيقية لتمسك بيدها في فترة المراهقة، والتي كان من المفروض أن تتخطاها بمساعدة الفكر العربي المتنور، الذي غاب بفعل فاعل، فكانت النتيجة كارثية على المجتمعات العربية. فقد تشرذمت هذه المجتمعات وتراجعت ودخلت في مناكفات وحروب بين المركبات المختلفة لهذا المجتمع، وعادت الى العصبيات الأولى، وأصبحت إعادة اللحمة الاجتماعية في المستقبل المنظور بحاجة الى عمل مضنٍ وامكانيات خارقة يصعب تخيل حدوثها في المرحلة القادمة القريبة. لا يمكن أن تقوم قائمة لهذه الشعوب الا بزوال الأنظمة المستبدة من جهة، والاستبداد الديني من جهة أخرى، وإطلاق يد المثقفين لإعادة قراءة التاريخ والتراث والدين بطرق عصرية، قادرة على وضع هذه المجتمعات المتخلفة على بداية طريق التطور نحو مستقبل أفضل يسوده العدل والمساوة والحرية مستندة الى منظومة أخلاقية إنسانية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - جلد ذات ليبرالي
Sam ( 2022 / 9 / 23 - 10:02 )
الأنظمة العسكرية ظهرت نتيجة فشل ما يسمى النخب التابعة التي يتغنى بها الليبراليين .. لم تكن تلك النخب الجديدة كالحزب الشيوعي الصيني او الروسي الذين استوعبوا دورهم التاريخي ..و المقالة توحي و كأن الكاتب رجل دين يلقي بالمواعظ الأخلاقية من برجه العاجي للهمج الفقراء الذين بالاسفل .. خطاب يدعو لجلد الذات و يعتقد ان المثقف هو الفانوس السحري ..

اخر الافلام

.. محمد إسلامي: لا توجد مواد نووية غير مصرح بها وهذه الادعاءات


.. محفظتي| رفع أسعار الفائدة الأميركية مرة أخرى


.. تفاعلكم الحلقة كاملة | التهكير سلاح في المظاهرات الإيرانية و




.. بانوراما | معجبة بموسيليني تقترب من رئاسة حكومة إيطاليا.. هل


.. أزمات وكوارث| الصرصور المسعف.. نصف حشرة ونصف روبوت