الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عن جنود أيلول.. وأشياءَ أخرى-4- (مقاطع من هذيانات جندي مُسِنّ.. من بقايا الحربِ العراقيّةِ- الإيرانيّة)

عماد عبد اللطيف سالم

2022 / 9 / 22
الادب والفن


أنا أعودُ دوماً لبغداد..
المطاراتُ تحملُني إليها، والمحطّةُ العالميّةُ في "العَلاوي"، وكراجُ النهضةِ، وطينُ"الدَيرِ"، والسيّدِ "الآمِر"، و"المُساعِد".. والمُقدّم(سليم).
كلّما نزعوا عنّي ثيابَ خوفي عليها، قلتُ.. بغدادُ هذه.. ستبقى مدينتي..
و هاهيَ الآنَ ، قد خَبَت.. واستَكانَت
وأصبحت بائدةً
مثلُ تينِ الحبيباتِ
في بساتينِ الجنود.
*
يقولونَ.. يومٌ لكَ،
و يومٌ علَيك
وأنا ..
كُلُّ الأيامِ عَلَيّ.
كانَ هُناكَ يومٌ واحِدٌ لي
ترَكْتُهُ يتسَكَعُ فوقَ وجهَكِ المُدهِش..
وذهبتُ إلى الحرب.
*
كنتُ غريباً .. أهيمُ على وجهي ، في أرضٍ لم تَكُن لي.
لم تكُن الرائحةُ في "خوزستان"، هي الرائحةُ في (العطيفيّة)..
ولم أكن أستطيعُ البكاءَ على ضفةِ النهرِ، شَوقاً إليها..
لمْ تكُن البساتينُ ذاتَ البساتينِ..
ولَمْ يكُنِ"الكارونُ".. دجلة.
*
في معركة "البسَيتين"
كانت المُدرّعاتُ البُنيّةُ اللونِ تأتي من ساحة المعركة، إلى حيث تنتظِرها "وحداتُ الميدانِ الطبيّةِ"، وجثث الجنود تتدَلّى منها.. كالعناقيد.
كانوا ينزعونَ "قُرصَ الهويّةِ" عن كلّ جثّةٍ، ويضعونَ الجنود الميّتينَ في كيس"اللحم الهنديّ" الأبيض.. الكيس الذي كانَ يُذكّرُ الجنودَ الأحياءَ، بلحمِ "قُصْعتِهِم"، سيّءِ السمعة ..ويُعيدونَ لَصقَ القُرصِ على الكيسِ، و يلقونَ بهِ في الشاحناتِ المُبَرّدَة لـ "شركة تسويق اللحوم العامة"، و يرسلونهُ الى مستودعات (الشعيبة).. هُناك.. حيثُ تصطَفُّ العائلاتُ المذهولةُ، لاستلامِ أبناءها.
*
من باب معسكر "الشِعيبَة"، تفوحُ رائحةُ الموتِ الى كلّ البصرة.
تجتمعُ الأمّهاتُ عند البابِ الرئيسِ..
بينما أحدهم يقرأُ أسماء الأبناءِ المُمَدَدّينَ في المخازنِ، من قائمةٍ طويلة :
عبد الله أحمد؟ تصيحُ أُمٌّ من (أبو الخصيب): نعم .
عبيد علي عبيد؟ تصيحُ أُمٌّ من(التنّومّةِ): نعم .
دِلْشاد كريم؟ تصيحُ أُمٌّ من (السُليمانيّةِ): نعم .
عشرة أسماء.. تصيحُ عشرُ أمّهاتٍ من (الناصريّةِ).. لاغيرها هي "الناصريّةِ": نعم .. نعم .. نعم.
*
في كلّ المُدنِ ..
كانَ "تاكسي الروليت"، يستديرُ من الشارعِ العامِ نحو الزقاقِ الفرعيِّ ، حامِلاً على سقف "التويوتا –كراون".. "تابوتَ الروليتِ"، الملفوفِ بالعَلَمِ الوطنيّ.
كلّ أمهات الجنود واقفاتٌ عند أبوابِ البيوتِ، يُوَلوِلنَ: يبوووو.. بوجوهٍ شاحبةٍ كالرماد.. في انتظار أن يستَقِّرَ "تاكسي الروليت" عند بابِ الحظِّ "المُصَخَّم".
"تاكسي الروليت"، بسائقهِ اليابسِ من الخوف، و" المأمورُ" المذعورُ الذي يجلسُ إلى جانبه.. يجتازُ بيوت الزقاقِ ببطءٍ.. بيتاً بعد بيت.. وكلّ النساء يَنحَبنَ: يبوووو .
تقفُ "السيّارةُ – الروليتُ" عند أحدِ الأبوابِ ، فـ "تَعيطُ" جميعُ النساءِ المذهولاتِ: يبوووو.
اُمٌّ واحدةٌ فقط، تقولُ لـ "تابوتِ الروليت": ها يابَه.. جيت؟
ويصبحُ فؤادها فارغاً..
كفؤادِ أمّ موسى .
*
كلما قالوا هي الحربُ.. قلتُ: أبي.
الحربُ.. أبي .
هو الذي يمنحها الطَعمَ والرائحة
ويجعلها إرثي الوحيد
و يودِعُها عِندَ أُمّي.
*
بغدادُ تنأى.. و "شرقُ البصرةِ" يقتَرِب.. و نخلُ المُعسكَرِ ساكِت.. و(عبيد علي عبيد)، ماتَ في "الطاهريّ"، ولم يُعُد إلى (التَنّومَةِ) أبداً.. و(خَشّان اكَمير اشْمَيس) لم يعد يراني وأنا أقرأُ الكتبَ في سَخامِ الحروبِ الرديئة.. و(رجاء انهيِّب زعيبِل)،ما يزالُ يُدخِّنُ التِبغَ الأسودَ، بطريقةٍ "تلْجَعُ المِعدَةَ".. كما كانَ يُفَضِّل.
كلُّ هذا، ولَم يُطفيءُ الجُندُ بعد..على سفحِ "كورَكَ"..
أعشابَ روحي.
*
لا أعرفُ ما الذي تفعله الآلهةُ في الحروب المُشينة؟
ربُمّا لا شيءَ.. لا شيء ..
سوى أنّها تجعلُ الآباءَ يَسقُطونَ من"عِذقِ"العائلةِ قبلَ الأوان.. قبل الأوان ..
و يتركونَ الأبناءَ يصعدونَ نخلَ الجَمَراتِ.. قبل الأوان .. قبل الأوان ..
ويكتبونَ قبل الأوان..
عن الحروبِ التي توقِدُها الآلهة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تميز بنمط غنائي خاص.. رحيل الفنان ذياب مشهور عن عمر ناهز 76


.. الممثل اللبناني بديع أبو شقرا يتحدث لـ-الحرة- عن شغفه المستم


.. عبير.. فنانة تشكيلية لبنانية تروي تجربتها مع زيارة الطبيب ا




.. تتويج -زنقة كونتاكت- بالجائزة الكبرى للمهرجان الوطني للفيلم


.. تحية من -صباح العربية- للفنان الراحل هشام سليم.. ترك بصمة لا