الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المدرس.. لا يصمد سر قصة

كاظم حسن سعيد

2022 / 9 / 23
الادب والفن


انتشر بسرعة البرق ولم يبق احد الا وتعاطف وتأسف .. ــ منزل الاستاذ يوسف تهاوى بعد منتصف الليل ومرت بلا خسائر , فلم يصب احد منهم ....ــ
ولكنها لا تنتهي ... تلك ايام سجائر المزبن ..الاردأ والارخص ..قوت المفلسين من فلاحين وبقالين وضائعين وسجناء .. لم يتوقع احد انها ستعود رغم نبوءة الشاعر النواب : ..استدعاه صاحبه هاني الى محله ليتفهم منه ما يستطيع من نظرية انشتاين النسبية .. (اعذرني ان تلكأت فقد مر يوم لم ادخن .. الجيب مصفر ).. وكانت تنتشر امامه على منضدة خشبية شبه عرجاء انواع من علب السجائر منها المزبن .. تجاور مواد عطاريات صبت بعضها بانجانات واخرى بكراتين او صفائح صغيرة ..كان باب المحل من قضبان متوازية يعبث بها الجرذان ليلا وكان هاني يستر السلع ويضع الزرنيخ .. لكنه ستر لا يمنع وسم لا ينفع ..
كن يتجمهرن امام المرايا ولا يبيع واحدة منها حتى فضح السر صديق له متمرس مبتسما ( هن فقط ينظرن , او يعدلن زينتهن )..
ــ امامك ولك علب السجائر .. انه محلك يا استاذ
ــ لالا .. فليس معي نقود
ــ هدية لك فلا تهم ..
ـــ لالا ... لا اقدر على ذلك
ـــ اعتبرها دينا
ــ لالا يصعب علي التسديد
ــ سجائر المزبن رخيصة.. فخذ شدة
ــ لالالا...
مرت مراهقة جميلة يبين من تحت عباءتها شعر خفيف اسود ناعم..وقالت لهاني بروح محطمة : (صبغ الشعر الذي اشتريته منك قبل ايام زاد من تساقط شعري )
...اكمل محاضرته وودعه ....
تعبر جسر السراجي فتقطع دربا ترابيا طويلا متعرجا على اليسار ..من لم يتمرس مثل اهالي ابي الخصيب يرى بان الشارع لا نهاية له ..يضيق ويتسع يتعرج ويستقيم ..وتصادف شجرة احترقت تنحني على نهر وقد تبرعمت من جديد .. صغارا عراة يلعبون لعبة الحرب او السباق .. وقد يتسلقون النخل بحثا عن الاعشاش ..رجالا اشداء يحملون كارات السعف المتيبسة , بيوت قصب وطين وطابوق , اسيجة لا تستر من اغصان اشجار وطين, قناطر من جذوع نخل او خشب , نساء يحملن شدات الحشيش او جللا على الرؤوس يتلفعن بالعباءات ..عشرات على دراجات هوائية .. اسماكا مجففة معلقة ,ابلاما تتكدس قرب ضفة نهر .. صبايا يغطسن في الانهار باثوابهن .. دافعي عربات باعة او عتالين , اقفاص بلابل علقت على جذوع النخيل تحت ظل عثوق الذهب .. ظلالا وافرة تدعوك لتستريح من مطاردة الشمس اللاهبة .. وتمشي وتمشي حتى تصادف منزلا من الطين منزويا من ثلاثة غرف يظهر من الشقوق بعض القش واثار طلع التلقيح والزواحف وقطع الرغيف المتيبس ..سدرتان تتصدران وشجرة رمان احيطت بفلكة من التراب ..ىفي ذات المكان الذي كانت ام يوسف تضع فيه مهدا من جريد النخيل وتهزه بحبل علق به في الايام الشتوية المشمسة.. (عدوك عليل وساكن الجول ) .. كأنها تحذر ولدها البكر يوسف من عدو محتمل .. وهي تصنع الحصران والزبلان والمكانس من الخوص ..او تحوك ليف الحمام ..فيما يسقي زوجها الزرع بالمنزاح ..وقد تبقى هناك حتى أذان الظهر ..في الاعدادية كتب يوسف مئات الرسائل التي لم تصل لجمانة .. كان خجله جدارا يتضخم ليلة بعد اخرى ... يرسم الاف المشاريع ليبوح لها وتمحوها اشعة الشمس ..
ــ كيف هم الطلاب ؟
ــ الغريب هم ليس مهملين وحسب بل ارى انهم لا يستوعبون ايضا ..وهم ليس طلابا مثل ايام زمان ... انهم لون من القردة الوقحين .. ادرسهم ليكونوا لصوصا في الاسواق .اما ارخميدس فلا احد يشتريه بفلس ..يتكلم الان مرتديا دشداشة قرب صاحبة دكان صغير ...ونظر الى عينيه الزرقاوين وبياض بشرته ووجهه المستدير وشعره المجعد ..كان طلبة المتوسطة يستمتعون وهم يطلقون لقبا الصقوه به <الاستاذ بيوتفل >..وفسر احدهم سبب التسمية (لانه يشبه الرجل الانكليزي )..انها كارثة ان تعيش الزمنين : ازدهار التربية والتعليم وعهد تهالكهما ..بعد سقوط النظام تحسن الراتب وازيل المعلم عن عرشه واناقته وايمانه بالاجيال ...لم يعد مهتما كما مدرس العلوم الاقدم البدين حين قال <كنا قبل عقود نرى ان بناء الوطن يمر على اكتافنا ) بل كما قال المدرس الاخر المعتق وهو يسخر (ان نصف لصوص الاسواق هم من طلابي )..قال لهاني يوما (المنهج بحاجة لعشر سنوات ليستقر وهم كل عام يضعون منهجا جديدا ) واضاف <تصور في نصف السنة يسألني طالب ,, ما هي نظرية فيثاغورس ... وقد شرحتها لهم مدة اسبوعين ...ان البعض لا يعرف من الكتاب الا العنوان )..
يتحسر متذكرا ايام الجامعة .. يوم تخرجه ..يوم اول محاضرة له في اعدادية اوراس .. معطرا , برباط منسجم مع لون القاط والحذاء الذي لمعه بعناية .. وقد حمل قطعة قماش ليزيل منه الاتربة بعدما تخطى دربهم التراب الاطول ووصل الشارع الرئيس ..لم تكن اكتافه قد تهدلت ولا انحنى ظهره ولا اطرق .. ولم يضعف بصره ..كان قد تلقى ردا من جمانة قبل يومين في رسالة كتبت بقلم جاف ..وجدها في عش طير مهاجر .. خطفها قبل ان يعبث بها المطر .. عصر الجمعة .. قرأها وهو يدخن خلسة تحت شجرة البمبر .. مرت على تلك السطور ثلاثون سنة .. انجبت جمانة اربعة اولاد وثلاث بنات وبدات تهرم ... لكنها لم تشخ بذاكرته ..ولم يتزوج .. رغم انهما لم ينفردا لحظة واحدة ..
بعد عودته من الدوام ساله هاني وقد لمحه في السوق :
ــ اراك تعود ؟
ــ لاشتري سندويش فهم لم يتركوا لي طعاما ..
ــ كيف يومك
ــ أي يوم .. لقد نشبت برقبتي
كان ثلاثة من الطلاب بعدما طردهم من الصف .. عثروا على قطة رضيعة ورموها عليه من الشباك ..وهم يصيحون <كيتي .. بيوتفل >..
ــ ( وبعد ان تخلصت منها اخذ الطلاب في الرحلات الخلفية يئنون دون ان يفتحوا افواههم ,وحين وصلت لهم اخذ الطلاب من خلفي يئنون وانتهى درس (كيف تطفو السفن ) بالانين والمسخرة .. انهم حقا قردة ..) .
كان المدرس يوسف يهم بالذهاب فقد ختم محاضرته وقت دخول صاحبه الاستاذ هاني بيت ابو شافي .. واتت فتاتهم الوحيدة هبة ترتدي حجابا ونفنوفا اسودين بكتاب قواعد اللغة العربية للصف الثاني المتوسط ..الغرفة دافئة وانيقة ومعطرة .. لملمت كتاب الفيزياء والملزمة والدفتر واغلقت على قوانين الجاذبية وتهيأت للمفعول المطلق وجمع المذكر السالم .. امها تتشح بشال ابيض .. قرب سجادة رسمت عليها الكعبة ومسبحة سوداء وقران..ولانها بيضاء فقد شعت تحت الضوء الساطع ..الام تدرك ان هاني لا يستفز فكانت تغرز كلمات جارحة بودية عالية ..وتقول <لو حكم العلماء لعم الفساد > .. ربما كانت تشير الى حكام ايران وشيوخهم .. فلقد انخرط زوجها في الحزب وآمن باطروحاته.. وكانت الحرب العراقية الايرانية قد مضى عليها سنوات وتحولت اشد ضراوة حتى قال هرم فاسق :(تذكر كتب التاريخ بان سيمر يوم يكون فيه النائم اكثر من القائم ) .. تناست ام هبة او تحاول ان تتناسى بانها استدعت في عمر الاربعين والخمسين مراهقين مزودين بالغباء والجمال والتفاهة ليعبثوا بها .. وكانت تتقن اللعبة .. فتعاشرهم بسرية محكمة .. الا ان الاحياء الشعبية لا يصمد فيها سر ...
ــ هل يدرسونك كما الان ؟
ــ لا
ــ ان الاستاذ هاني مدرس قدير ومن عائلة نظيفة .. قال ابوها :
ربما يتناسى هو الاخر ذلك اليوم .. فقد خاطبه (من لا يؤمن بمباديء الحزب فهو بن زنا .. لان الحزب اعطى هباته للجميع )... سيمسك بصورة الامام علي مرتعشا يوم الانتفاضة التي شملت اغلب المحافظات قبل ان تسحق .. ورن الرصاص بكل شارع (وين وين .. وين تروح ــ والشعب الثائر مجروح ).. كان ابو هبة يستغيث امام باب منزله (دخيلك يا علي ).. وتم استهداف اعضاء الحزب .. فقد مر محمود وزمرته من زقاق لاخر يمسكون الرشاشات والمسدسات هاتفين (طللعوا.. طلللعوا .. اين انتم يا رفاق .. اليوم نقتص منكم )..وقد اجهز احد المتحمسين على ضابط تجنيد بريء برتبة مقدم لحظة مر يحمل رتبته في عجلته الخاصة ..لقد زحف البعض للتصفية والاستيلاء على التقارير السرية في دوائر الحزب والامن في صراخ وهتافات وتجمهروا يحملون العصي والقاذفات والسيوف والرشاشات , فيما هجم البعض ليحطموا ابواب المدارس ليجعلوها حطبا .. ويفرهدون ما صادفهم ..حتى ان جيران الاستاذ يوسف الوسخين الحفاة استولوا على كيسين كبيرين من النقود من احد البنوك .
تبرع الناس واستدعوا بنّشاء وساهموا في اعادة تاهيل المنزل .. واستاجروا للاستاذ منزلا مكث فيه شهرين ..
من يكشف السر ..اين كان يتسرب راتبه .. اختان مرتجتان مرضتا فزهقتا والاخرى مصابة بكآبة , تقطع الشارع تكلم نفسها بهذيان وصوت مرتفع ..فتاة في الثلاثين بلا روح ولا وجه ولا حياة , عباءة سوداء احمرت مغبرة من الشمس والوسخ تجوب الازقة , وجودها لون من الابتلاء , وعقوبة لاخيها ,تطارد القطط طيلة الليل وقد تصرخ بلا سبب ..او تقضي النهار تحاور الاشباح .. او تتعشى معهم ..حتى قال يوسف يوما لصاحبه هاني : (اتمنى ان اكون في طائرة مروحية واقصد غابة وارى مفترسات جائعة وارمي عائلتي لها , فردا فردا )..
هناك قرب بيتهم في اقصى السراجي .. يقضي ثلاث مرات في الشهر لمدة ساعات مع ارملة جارة قديمة .. فتكت بها الفواجع ...في محيط معمق من السرية والحذر ..... على بعد مئتي متر من مهد الجريد والرمانة والسدرتين حيث قضى طفولته يتسلق الى بساتين العنب ويصطاد بالصنارة الاسماك الوفيرة ..حافيا في دشداشة رقعت بقطعة من غير لونها ..هناك حيث ينزوي مع كتابه ايام الاعدادية تحت ظلال السعف على ضفة النهر ..حيث نجا من الحصبة بعد اصابة وتخطته الكوليرا ..واستغرق عشر سنين حتى امسكت انامل جمانة برسالته واجابته بعد خمسة اشهر في العش ..هناك ..قتل لصوص اباه وماتت امه كمدا بعده بعامين .. وقد بح صوتها وهي تتوسل (يوسف تزوج وانجب ودعنا نفرح بك ونرى طفلك )..
بعد ان تهدم منزله في ليلة عاصفة واعيد بناؤه اختفى من الطرقات يوسف .. انه حجر متصلب مر في الحياة , تناساه الجميع .. من يتشجع ليطرق بيت مدرس متقاعد مفلس مصاب بخمسة امراض , لا يتقن التاقلم ولا النفاق ..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تميز بنمط غنائي خاص.. رحيل الفنان ذياب مشهور عن عمر ناهز 76


.. الممثل اللبناني بديع أبو شقرا يتحدث لـ-الحرة- عن شغفه المستم


.. عبير.. فنانة تشكيلية لبنانية تروي تجربتها مع زيارة الطبيب ا




.. تتويج -زنقة كونتاكت- بالجائزة الكبرى للمهرجان الوطني للفيلم


.. تحية من -صباح العربية- للفنان الراحل هشام سليم.. ترك بصمة لا