الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خيبة أمل أوروبا ما بعد الحقبة السوفييتية: قراءة في كتاب جون فيفر (ما بعد الصدمة: رحلة في قلب أحلام أوروبا الشرقية المكسورة)

محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)

2022 / 9 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


ترجمة: محمود الصباغ
ما زلت أستطيع استعادة إحدى ذكرياتي الأولى حين كنت على ظهر والدي أثناء أحد الاحتجاجات المناهضة الحكومة. كنت -على ما أذكر- في الثالثة من عمري، وكان والدي يعلمني شعارات غنائية يقارن فيها رئيسنا الذي فرضه الاتحاد السوفيتي بتنين من حكاية شعبية محلية. كانت تلك هي المرة الأولى لي التي أجد فيها نفسي وسط حشد كبير، حيث كنا نقف أمام دار البلدية، ونردد، جميعاً، ذات العبارة. كنا هناك، أنا وأبي وشقيقيه وابن عمه. والآن، بعد أكثر من خمسة وعشرين عاماً على تلك الحادثة، لم يعد ممكناً رؤية أولئك الأشخاص الأربعة في نفس التجمع. ويعود السبب، في جزء منه، إلى المسافة الجغرافية: ابن عم والدي سائق حافلة في دبلن، ونادراً ما يتصل؛ ويقضي أحد إخوته الكثير من وقته، بما في ذلك العطلات الرئيسية، في إيطاليا. لكن جزءً كبيراً من هذا الانقسام الجديد إنما يعود لسبب إيديولوجي أيضاً: فبعد سنوات من تعريف أنفسهم ببساطة على أنهم مناهضون للشيوعية، وضع الأخوان رهاناتهم على برامج سياسية ناشئة مختلفة تماماً. لقد أصبح والدي ليبرالياً وسطياً وانحرف شقيقاه إلى اليمين. شقيقه المقيم في إيطاليا تحول إلى تكنوقراط ليبرالي. أما الآخر فهو يدعم الحركة الشعبوية ذات الميول الفاشية التي فازت في انتخاباتنا الأخيرة. لقد أصبحت أعياد الميلاد صعبة هذه الأيام.. هكذا قال لي والدي.. وأضاف: "ليس هناك ما يكفي من الطقس للحديث عنه".
بعد العام 1989، وعبر سنوات طويلة من إعادة الإعمار السياسي والاقتصادي، فقد الأوروبيون الشرقيون الكثير من الأوهام التي نسجوها حول أنفسهم. كان أحدها أن الغرب سوف يرفع من سويتنا الاقتصادية بما يشبه خطة مارشال. وهم آخر فقدناه تمثل في اتفاقنا، جميعاً، على رغبتنا في نيل الديمقراطية الرأسمالية وتعلمها في المقام الأول. وثالث هذه الأوهام، ولعله الأكثر أساساً وأهمية من بينها، كان يتعلق بفهمنا لما يمكن تسميته اتخاذ أو تبني نزاع ما حول أي من الأنظمة الغربية علينا أن نتبنى. لقد امتلكت معظم عائلات أوروبا الشرقية، مثلما هو حال أسرتي، تاريخها الجزئي الخاص بالتصدعات الاجتماعية التي نتجت عن هذه التحولات غير المتوقعة وغير المخطط لها تماماً. يحاول الروائي والصحفي والباحث السياسي جون فيفر في كتابه "ما بعد الصدمة"، عرض هذه القصص من مسافة متوسطة: أي من وجهة نظر أوسع من وجهة نظر المشارك، وإن كانت أيضاً أقل خيالية من وجهة نظر المؤرخ المحترف. من خلال المقابلات مع الأوروبيين الشرقيين من جميع مناحي الحياة -سياسيين ونشطاء وأكاديميين وعاملين من ذوي الياقات الزرقاء وموظفين ومديري إيكيا Ikea- يجمعهم معاً تاريخاً عاطفياً وثقافياً لما بعد الشيوعية. يقدم كتاب "ما بعد الصدمة" لقارئه رؤية بانورامية حول الأوهام والآمال التي فسرت من خلالها المجتمعات ما بعد الشيوعية مؤخراً تحولاتها المستمرة. لقد دخلت مصطلحات مثل "النيوليبرالية" و "الغرب" وحتى "التحول" إلى الخطاب العام في أوروبا الشرقية دون توضيحها ومناقشتها بشكل مناسب. ويسمي أحد من قابلتهم فيفر يسمي آراء مواطنيه حول إصلاح السوق بـ"الكذبة الكبيرة Big Lie"؛ ويعترف آخر "لم أكن أعرف شيئاً عن الاقتصاد، عن العلاج بالصدمة". وقد وجد فيفر، في حالات عدم الوضوح هذه وفي الآمال التي تغذت في غير محلها، بذور التفاوتات الاقتصادية الحالية في أوروبا الشرقية وانحرافها السياسي المستمر نحو اليمين.
ما بعد الصدمة هو تكملة لـ "موجات الصدمة Shock Waves"، الذي نشره فيفر قبل نحو خمسة وعشرين عاماً. سافر فيفر في العام 1988 إلى وارسو كصحفي شاب للكتابة عن القمع الشيوعي في أوروبا الشرقية. لكن خطته تلك فشلت بعد بضعة أشهر من وصوله. وبعد موجة الاضطرابات السياسية التي عجز الاتحاد السوفييتي عن مقاومتها، بدأت دول أوروبا الشرقية في استعادة استقلالها السياسي. صُدم فيفر بالثورات السياسية التي كانت تدور حوله. ربما بسبب هذا، وجد نفسه متناغماً تماماً مع الدهشة والالتباسات المماثلة التي أظهرها من هم حوله.
تضاعفت أهمية كتاب "موجات الصدمة" كتشخيص سياسي وكتاب ثقافي تمهيدي، وهو الذي كتبه فيفر أساساً للقراء الغربيين. فقد سعى الكتاب، في أحد مستوياته، إلى أن يشرح للقراء الغربيين السياق الأوسع للأحداث التاريخية التي شهدها الكاتب. مع العديد من الفصول التمهيدية الضخمة، تليها أقسام فردية مخصصة لتشيكوسلوفاكيا، وبولندا، وبلغاريا، والمجر، وألمانيا الشرقية، ورومانيا، ويوغوسلافيا، يمكن لكتاب "موجات الصدمة" أن يقرأ، بدوره، كما لو أنه تقاطعات صحفية مطولة ودليل سفر. ويمكن أن نقرأ كما يلي، كيف يبدأ أحد الفصول كمثال مميز لمثل هذا الأسلوب الهجين (في الحي البرليني الشرقي ذي البيوت عالية الإيجار، ليس بعيداً عن فندق غراند هوتيل.. أنشأ منسقو ثورة ألمانيا الشرقية "بيت الديمقراطية House for Democracy "). كما سعى كتاب "موجات الصدمة"، بما هو أهم من ذلك وبما أكثر فائدة للداخل والخارج على حد سواء، إلى توثيق الصعوبة العاطفية والمعرفية المذهلة للتحولات السياسية والاجتماعية التي كانت تمر بها أوروبا الشرقية. لقد كان يطفو على السطح، مشهداً سياسياً واجتماعياً شديد الأمل شبه يوتوبي، استعرضه فيفر في "موجات الصدمة". فظهرت أحزاب سياسية جديدة بقيادة الشباب الذين انضم إليهم فيفر في مناظراتهم ومباريات كرة القدم التي كانوا يمارسوها في فترات ما بعد الظهيرة. كما ظهرت الصحف المتطورة غير الخاضعة للرقابة، وسرعان ما بدأت صفحاتها في إبراز مفكرين وقادة جدد طموحين. كان الأشخاص الذين تحدث إليهم فيفر يحلمون بالسفر إلى الخارج، والحصول على تعليم أفضل، والمساواة مع بقية أوروبا. في بعض الأحيان، كان فيفر يكرر حماس من يقابلهم، واصفاً بروكسل والاتحاد الأوروبي بـ "المستقبل المشرق" للمنطقة. لكن في أغلب الأحيان، كان يشعر بالقلق. فقد كتب: "أوروبا الشرقية خارجة بشكل غريب عن المرحلة.. يشبه الليبراليون في أوروبا الشرقية جون ستيوارت ميل أكثر من مايكل دوكاكيس. وكان المحافظون يقفون في منطقة أقرب إلى جي. كي. تشيسترتون من رونالد ريغان ". ومما يثير القلق أن الأشخاص الذين وصفهم فيفر لم يكونوا على دراية كاملة بعدم التزامن هذا ، أو حقيقة أن الإصلاحات الاقتصادية التي بدأوا في إجرائها كانت متأخرة ومتسرعة على نحو متناقض. كان فيفر واثقاً من أن هذه الإصلاحات ستترك العديد من الأشخاص الذين لا يزالون يتوقون إلى النجوم الذين تمت مقابلتهم.
يوثق كتاب "ما بعد الصدمة" المستقبل الذي سعى فيفر مع الأشخاص الذين قابلهم للتنبؤ به في كتاب "موجات الصدمة" Shock Waves. ويتحدث النصف الأول من الكتاب عن العديد من العواقب المؤسفة لما بعد الشيوعية في المنطقة. ويسلط النصف الثاني الضوء على العناصر الإيجابية الأقل تكراراً والأكثر غموضاً. وينتظم هذا الكتاب الجديد حول فئات غامضة، ويصعب التنقل فيه مقارنة بسابقه، كما أن الحجج والأفكار الرئيسية لكل قسم ليست واضحة دائماً. ومع ذلك، فهو كتاب مستفز أكثر من الناحية المفاهيمية ، وذلك بسبب انفتاحه جزئياً. ونظراً لأن فيفر يصرح على الدوام بصعوبة الحكم على جوانب إصلاحات المنطقة التي أدت إلى الانقسام الاجتماعي والاقتصادي الحالي، فإن يتوجب علينا أن نأخذ في اعتبارنا بدقة التفسيرات المتناقضة التي قدمها من قابلهم لماضيهم القريب. علاوة على ذلك، بدلاً من رؤية أوروبا الغربية على أنها المنقذ والمعلم لجيرانها الشرقيين، يصور فيفر المنطقتين على أنهما أقران في حالة نقاش مستمر وضروري حول الأزمات السياسية الحالية في قارتهم بأكملها. يبحث فيفر عن أدلة قد تقدمها أوروبا الشرقية حول لماذا تبدو أوروبا قريبة بشكل عام من البلقنة أكثر من أي وقت مضى، رغم مضي عقود من التعاون والتفاؤل. تتعلق عناوين الموضوعات الشاملة لكتاب "ما بعد الصدمة" بالإهمال والتخلي. يلاحظ فيكرا غانتشيفا، أحد محاوري فيفر البلغاريين، بشكل مؤثر أنه "منذ عشرين عاماً، كنت ضحية للتأثير الغربي". لم يمنح الغرب أوروبا الشرقية ذات القدر من الدعم الذي وعد به. لم تفعل نخب أوروبا الشرقية، بدورها، ما يكفي للفئات الاجتماعية المحرومة في بلدانهم، حتى عندما أقاموا مواقعهم الحضرية المفضلة. وكما يلاحظ فيفر: "يمكنك وضع خط سير رحلة إلى عواصم أوروبا الشرقية من شأنه أن يترك لك انطباعاً بأن المنطقة قد ردمت بالفعل الفجوة مع الغرب." لكن مثل هذه النظرة المحدودة قد تفشل في تضمين أصوات ووجهات نظر الأشخاص الذين خلفتها هذه الإصلاحات التي تبنت العديد منهم في البداية كما نأمل بحماس. يصف ذلك فيفر بالقول، مجازاً، "تاريخ أوروبا الشرقية بعد العام 1989 أشبه بقطار يغادر المحطة"، حيث يجعل هذا القطار يبدو وكأنه مكافئ حقيقي لفيلم "كاسحة الجليدـ Snowpiercer" (2013)، الفيلم الذي يحمل على متنه آخر من بقي من البشر سكان الأرض، بعد الكارثة الناتجة عن الفشل في وقف الاحتباس الحراري، ينقل القطار هؤلاء في رحلة على مسار حول الكرة الأرضية ورغم أنه يسير بسرعة واحدة وفي نفس الاتجاه، إلا أنه مقسم إلى درجات، فالدرجات الأولى العلى تقل الأغنياء، وأصحاب الثراء الشديد، في حيت يتكدس الفقراء في الدرجات الدنيا، الذين سوف يثورون لاحقاً ضد ركاب الدرجات الأولى. من وجهة نظر فيفر، تميل الإصلاحات الاقتصادية في أوروبا الشرقية منذ العام 1990 إلى ترسيخ عدم المساواة الطبقية، بدلاً من الحد منها، مما أدى إلى إثارة الاستياء الجماعي والإحباط. ويصف آدم يانيشيك هذه الأنماط في بولندا كما يلي: "عندما حدثت التغييرات وانهارت الشركات، كان المزارعون هم على وجه التحديد هم الذين عانوا أكثر من غيرهم.. وفي وقت لاحق، كان من الواضح من الذي يفتح الأمور هنا: إنهم العديد من رواد المدينة الذين لديهم رأس مال ". ويضيف: "الحقيقة هي أن الاتحاد الأوروبي يطالب بشدة". في مقابل الإعانات الموعودة، فإنه يجبر مزارعي أوروبا الشرقية على الاستثمار للقيام بتعديلات ضخمة توافق المعايير الغربية ومستويات المنافسة الأعلى.
لا ينكر كتاب "ما بعد الصدمة" على أوروبا الشرقية بعضاً من قصص نجاحها، والتي ينفصل بعضها عن هذه الأنماط النموذجية. يصف فيفر، على سبيل المثال، أكاديمياً كان يعاني من الفقر سابقاً، وسرعان ما تمت ترقيته في شركة إيكيا ليستلم منصباً إدارياً عالياً ، والعديد من أعضاء المعارضة السابقين الذين أصبحوا مفكرين وسياسيين عاميين بارزين. ومع ذلك، فإن معظم الروايات التي يرويها فيفر نبدو أكثر قتامة. لقد تركز خوفه الأكبر حول سطحية التحول المفترض في أوروبا الشرقية، بل اعتبره تحولاً رجعياً في بعض النواحي. ويميل الأشخاص الذين يعملون بشكل جيد في أوروبا الشرقية هذه الأيام إلى الانتماء إلى النخبة المثقفة منذ البداية. ويعلق فيفر على ذلك بمرارة قائلاً: "ليس من المستغرب أن أولئك الذين نظموا التغييرات في العام 1989 قاموا بصته تحولات استفادت منها فئة منهم، سواء كانوا مسؤولين حزبيين سابقين استفادوا من الخصخصة الداخلية أو كانوا منشقين سابقين عملوا في الوزارات الحكومية الجديدة". وعلى النقيض من ذلك، فإن أولئك الذين ليس لديهم روابط النخبة هذه لديهم فرصة ضئيلة للوصول إلى المناصب والموارد الناشئة في بلدانهم. في الواقع، لقد أصبحوا أكثر عرضة للتحيزات الإثنية والجندرية القديمة التي كان من المفترض أن تقضي عليها كل من الشيوعية والرأسمالية. ويروي فيفر، في الفصل الافتتاحي، قصة ناشط نقابي تشيكي سابق أصبح عاملاً مهاجراً في كنتاكي لأنه لم يتمكن من العثور على عمل في وطنه. وفي أقسام أخرى، يصف اندفاع ما بعد الشيوعية للعنف والتحيز ضد السكان الغجر في بلغاريا ورومانيا ("كان أطفالهم يذهبون إلى فصول منفصلة"، كما يقول أحد المراقبين)؛ ورد الفعل المخيب للآمال ضد النسوية وحقوق مجتمع الميم LGBTQ في بولندا؛ والقوانين القمعية والعنصرية التي حرمت آلاف الأشخاص من جنسيتهم السلوفينية (حدث ذلك "بدون أساس قانوني ودون أي قرار إداري"، يروي أحد النشطاء ، "حتى بدون أي إخطار لهم، بمجرد شطبهم من سجل المقيمين الدائمين في سلوفينيا"). ومن النادر، بين هذه القوى المعادية، أن نرى بعض التقدم الواضح الذي حدده فيفر -مثل الصعود غير المتوقع لصحفي من الغجر إلى مكانة بارزة على التلفزيون الوطني الروماني- حيث تبدو هذه حالة محفوفة بالمخاطر.
.....
إن أوصاف فيفر لهذه التطورات لا تسفر بسهولة عن توصيات تتعلق بالسياسة. لكنها تلقي الضوء على التوترات المشحونة عاطفياً المتأصلة في العلاقات السياسية والاجتماعية في أوروبا الشرقية. واجهت أورويا الشرقية ما بعد الشيوعية، من منظور كتاب "ما بعد الصدمة"، مشكلتين رئيسيتين: واحدة معرفية والأخرى عاطفية، كان من الصعب معالجتهما لكونهما غير معترف بهما ولا أحد يقر بهما بشكل عام. كانت أولى هذه المشاكل هي العملية الشاقة لتعلم كيفية العيش في ظل الاستقلال السياسي المكتسب حديثاً. لم يعد من الممكن الآن تعريف مثل هذا الاستقلال الذاتي بمصطلحات سلبية فقط، من خلال معارضة الحكومة السوفيتية الاستبدادية. في قراءة فيفر، لم ترق نخب أوروبا الشرقية إلى مستوى هذا التحدي. لقد وضعوا سياسات بلدانهم الجديدة على عجل وضيق للغاية، واستبدلوا الموقف الدوغمائي المناهض للشيوعية بموقف شديد الوضوح والتأييد للنزعة الليبرالية. وكما تقول رينا غافريلوفا بأسى: "لم يهتم [الليبراليون] قط بما يشعر به الناس، أو برسالتنا، أو خياراتنا". سرعان ما تحول حديث النيوليبراليين عن التقدم إلى واجهة تخفي خلفها الخلافات السياسية التي لم يتم حلها أو حتى غير المفصلة. أعلن الليبراليون أنفسهم أنهم صُدموا من الصعوبات الاقتصادية التي واجهتها بلدانهم، ومن هذه الاتهامات بالنخبوية ويعترف أحدهم مدركاً ذلك بصدق وألم: "عندما أدركتُ أن غالبية الناس لم يفكروا كما فكرت أنا، كان ذلك بمثابة صفعة كبيرة لي". لقد خلقت الدوغمائية الليبرالية لهذه النخب مشكلة ثانية، يصفها فيفر بأنها كراهية ثقافية شديدة للذات. كانت إحدى النتائج المباشرة لسقوط الشيوعية هي الرفض الشامل للثقافات الاجتماعية والسياسية المحلية -أو الشعور، على أقل تقدير، بأن مثل هذا الإصلاح الثقافي كان شرطاً أساسياً ضرورياً لتحقيق الازدهار الاقتصادي على النمط الغربي. قال غانتشيفا لفيفر: "لقد أحببت كل شيء غربي وكرهت كل شيء بلغاري، وأدرك الآن أن هذا لم يكن عليه أن يحدث". عندما فشلت أوروبا الشرقية -على الرغم من الحدة الواسعة لمثل هذه المشاعر- في الانضمام فعلياً إلى أوروبا الغربية بأن تكون متساوية معها بكل شيء، استقرت الأمور عند موقف يعبر عن الاستياء والتهميش لمقلد ثقافي وسياسي غير كامل. وأدت هذه المشاعر بعدم الملاءمة إلى تفاقم الفجوات المتزايدة بين المناطق الحضرية والريفية الأكثر كوسوموبوليتانية. وقد غذت هذه الميول المقلدة غير المرضية والمتضاربة داخلياً النزعة القومية المتزايدة وكراهية الأجانب في المنطقة، لاسيما بعد العام 2008 على وجه الخصوص في خضم الانكماش الاقتصادي العالمي الذي وضع المشروع النيوليبرالي موضع تساؤل،.
تعتبر هذه الفجوات العميقة، بالنسبة لفيفر، مفيدة للإشارة إلى أكثر من كونها مجرد تشخيصات محلية، إذ تضح -هذه الفجوات-ـ بل وتنذر، بخسارة الأوروبيين العامة للمجتمع القومي وكذلك المجتمع عبر القومي. دخل كتاب " ما بعد الصدمة" إلى الصحافة بعد فترة وجيزة من تصويت سكان المملكة المتحدة لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وكان لهذا التصويت تأثير كبير على سردية فيفر. لقد شعر فيفر بالخشية من أن النزعة القومية المتصاعدة في جميع أنحاء أوروبا الشرقية منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين -والتي قادت بولندا مؤخراً إلى تقييد حرية التعبير حول تورط مواطنيها في الهولوكوست- قد أصابت القارة بأكملها. تضيع أوروبا التي يصورها فيفر في دورات من اللوم المتبادل الذي يلقيه أعضاء الكتلة السوفيتية السابقة على جيرانهم الغربيين، ومن قبل شعبويي أوروبا الشرقية الذين يلومون الليبراليين، ومن قبل الأجيال الشابة التي تلقي لومها على الأجيال الأكبر، ومن قبل السكان المحليين المفترضين على الأشخاص الذين تم تصنيفهم على أنهم مهاجرون أو غرباء. وحيث يقوم فيفر بعمله شمالاً وجنوباً بين بحر البلطيق والبحر الأبيض المتوسط، لا يستطيع أن يجد في أي مكان في هذه المناطق يمنحه شعوراً بالثقة في مختلف المجموعات الاجتماعية والدول القومية لتمتد لبعضها البعض أي شيء يشبه التعاطف. "بهامش ضئيل، تحدى استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عدم رجوع التكامل الأوروبي. من المثير للقلق أن نتذكر أنه في وقت من الأوقات بدت يوغوسلافيا أيضاً صلبة"، كما يعلق فيفر، في أحد اقتراحاته العديدة بأن تفكك الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى اضطرابات سياسية عنيفة لا تقل عن تلك التي قطعت ما كان في السابق بلقاناً مزدهراً.
طيب.. ما هي البدائل التي تمتلكها أوروبا، إذن، عن الليبرالية الجديدة المحفوفة بالمخاطر الملوثة بالمصلحة الذاتية الطبقية والخوف من الآخرين؟
بالنسبة لفيفر، لا يمكن القول بأن النظام السوفيتي الذي خلفته أوروبا الشرقية وراءها هو الحل بالتأكيد. وفي الواقع، يصر فيفر في العديد من المواضع في الكتاب، على القول بأن القومية الطائفية التي وجدها منتشرة بكثرة الآن في جميع أنحاء أوروبا الشرقية قد تعززت بهدوء من خلال سنوات سابقة تحت الحكم السوفيتي. يقول فيفر: "كانت الشيوعية، من الناحية النظرية، نقيضا للنزعة القومية. لقد تخيلت مجتمعاً يقوده العمال متجاوزاً كل الحدود الوطنية والقومية. لكن في الممارسة العملية، كانت الشيوعية والقومية مرتبطتان ارتباطاً وثيقاً للغاية ". وعلى الرغم من هذ الموقف، مازالت الآمال التي يعرب عنها فيفر تحمل الصبغة الحمراء. تتمثل المثالية الضمنية لفيفر في مزيج محير من النزعة الكوزموبوليتية cosmopolitanism و النزعة التشاركية communitarianism التي يتعايش فيها الاستقلال الذاتي الفردي والرعاية المتبادلة المتسقة بطريقة ما، داخل وعبر الحدود الوطنية. ويتم تعريف هذا النموذج بشكل ضمني من خلال التضامن الجاد والمنفتح الذي أعلنته أوروبا الغربية والشرقية تجاه بعضهما البعض، وتجاه جميع المجموعات السكانية، في العام 1989. ومازال فيفر، بعد ثلاثين عاماً، يصر على أننا بحاجة إلى العودة إلى تلك السنة، ليس فقط بالارتياح للنزاعات التي تم حلها أخيراً ، ولكن أيضاً بجهد متجدد من النوايا الحسنة والرعاية المتبادلة -والتفكير المتجدد حول نوع النظام السياسي الذي يمكن أن يحقق مثل هذه الغايات الإيثارية مع الاستمرار في الالتزام باستقلالية مواطني النظم السياسية واستقلالهم الذاتي . يجب أن نحاول استعادة مسار للخروج من الحرب الباردة الذي ليس بالضرورة أن يكون فقط مساراً نيوليبرالياً، بل يمكن أن يشمل أيضاً عمليات تبادل المواد والأفكار مزدوجة الاتجاه وعابرة للقارات. لا يقدم كتاب "ما بعد الصدمة" إجابات عن الشكل الذي من الممكن أن يبدو عليه مثل هذا النظام السياسي، وما إذا كانت هذه النوايا الحسنة والرعاية يمكن أن تتعايش على المستويين المحلي والدولي. غير أن قراءته، تجعلنا مدركين، بشكل مؤثر، لطبيعة الإلحاح المتمثل في البحث عن إجابات لتلك الأسئلة السابقة، وقابليتها للتطبيق ليس في أوروبا فحسب، بل وفي الولايات المتحدة الممزقة التي تبحث عن نفسها بذات القدر.
العنوان الأصلي: The Disillusionment of Post-Soviet Europe
الكاتب: Marta Figlerowicz
المصدر:https://bostonreview.net/articles/marta-figlerowicz-figlerowicz/








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أعمال فنية من المخلفات البلاستيكية | يوروماكس


.. تصاعد الاشتباكات في جنوب وشرقي أوكرانيا وسط تبادل للاتهامات


.. علي الطعاني: قرار ناسا بتأجيل إطلاق رحلة- أرتميس 1- صائب وصح




.. أهالي يافا يحتجون ضد سياسة التهجير الإسرائيلية


.. زيلنسكي للروس: لقد أطلقتم على التعبئة الإجرامية اسم -التعبئة