الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جوردون كريج

فاضل خليل

2022 / 10 / 6
الادب والفن


المخرج وعمله
كان يؤكد في عمله كمخرج على وحدة روح العرض المتأتية من اكتمال عناصر العرض المسرحي ، وتأدية وظائفها في خلق انسجام فني وفكري خلاق واعتبر ..
" تلك الوحدة هي الامر الحيوي الوحيد لكل الاثار الفنية " (1، ص182) .
ولا يمكن ان تتحــقق مثــل هـــذه الوحـــدة المثالية الا عنــدما ..
" يكـــون المخــــرج هو راســــم الديكــــور للمســرحية ومصممـها
وواضــــــح تصـــميـــم ملابســــها ومنفــــــذ اضـــاءتها ومبتكـــرها
حتى تتـــــركز كل هـــــذه الاعـــــمال الفنيـــــة في رأس واحـــــــــد
يقودها هو ايضاً الى الوحدة الفنية المكتملة " (6، ص27) .
فيطالب بديكتاتورية الفنان الشامل والجامح ، الذي تكتمل عنده الرؤية الفلسفية للعمل وصورته كي يتحقق الانسجام بين الافكار والاشكال لتصبح نتاج عقل واحد منسجم ، ولكي يكون مثل هذا العقل الإخراجي متمكن من ادواته فلا بد ان يكون ...
" ذلك الرجل الذي يستطيع التوفيق بين جميع المواهب ، الرجل
الذي كان ممثلاً يوماً ما ، وكان مصمم مناظر وواضـع أزياء ..
الرجــل الذي يفـــهم الاضــــاءة المســرحية ، وتكــــــوين الرقــص ،
وروح الايقـــــــــاع ، الـرجــــل الذي بإمكانه تدريب الممثليــن على
ادوارهم " (5، ص223) .
وعليه ان يفكر في ادواته لا لأنه يعرفها فقط ، بل لأنه طبقها عملياً وعرف امكاناته الحقيقية في التعبير عن أفكاره ورؤاه الاخراجية ، انه يعايش هذه الادوات ليفجر امكاناتها في التعبير وليس الاستعمال ، لان المخرج ...
" بتفكيـــــره هــــــــو ، يستطيـــع انجـــاز ذلك العمـــــــل الذي تــركـــه
الشاعــــــــر في صــــــورة غيــــــر تامة من الناحيــة المســرحـية " (5 ، ص224) .
هذا الهاجس الكبير دفعه للمطالبة بتحقيق اعمالاً مسرحية اشبه بالأحلام ، لضخامة تكاليفها الانتاجية ومشاعريتها ، وهذا ما حدا بالمخرج الروسي ستانسلافسكي ان يقول عنه ، عندما قام بإخراج مسرحية (هاملت) لحساب " مسرح موسكو الفني " من أن ...
" الإخـــــــــراج بدا متــرفا ، شـديــد الفخــــــامة ، ظاهــــــــر التكلف
بدرجـة كبيــــرة مســـرفة في الغلـــو ، بحــيث كان جـماله يبـــــهر
عيون المتفرجيـــــن ويخــفي عنـهم الممثليــــن في سناء ابهته " (4، ص 405) .
ان كريج كان يبغي تحقيق افكاره واصلاحاته الثورية – في المسرح – من خلال معمارية المسرح ومناظره عبر فلسفته الجمالية التي اراد فيها إلغاء الممثل والنص ، وتوصل الى اشكال مبالغ فيها في عصره لكنها كانت قريبة من تحقيق افكاره الكونية والشمولية الكبيرة .
لقد اباح للمخرج الحرية المطلقة في التعبير عن ذاته واسلوبه الفني ، لأن " المخرج في نظره كان فناناً خارقاً يهيمن على الجميع بما فيهم المؤلف " (2، ص 203) .
لذا كان تصرفه منسجماً مع تصوره عن دور المخرج ، والذي يريد ان يخرج اخراجاً صادقاً عليه ان ينطلق من بعض الشروط الضرورية التي حددها " كريج " كي يبلغ الحرية الابداعية التي تجعل منه فناناً خارقاً .. وهذه الشروط هي :
1. " ان يُقسم ليلتزم من الاصل التزاماً دقيقاً .
2. يكتب على قراءة المسرحية ويقف اعظم ما ينطبع منها في نفسه .
3. ان يشرع في اثناء القراءة ، في تحسس لون الرواية .
4. ضبط ايقاعها ، اسلوب ادائها .
5. ثم يتخذ من بصيرته صفحة لمزج الوانه حتى يحصل على الالوان التي انطبعت في ذهنه من قراءة الرواية " (5، ص181) .
على ان لا يستقر في حدودها بل ينطلق منها كحالة لتأسيس الابداع والخلق ، وطالب مخرج المسرحية (الا يمثل فيها ابداً) " 5، ص197) .
واعتقد انه اراد بذلك ان يركز المخرج على العمل كوحدة واحدة ، وفق رؤيته الكلية للأفكار والتصاميم ، وان التمثيل يقلل من تركيزه وواجبه الإخراجي عن العمل ويصرفه عن الاهتمام بالمسائل الاخراجية الكبيرة . وحدد كريج المادة التي يخلق منها المخرج (المدير المسرحي) روائعه المسرحية بالحركة ، والمناظر ، والصوت الانساني ، وعرّفها على النحو الاتي :
" الحــــركة المسـرحـية فأني اعني بها كلاُ من الايماءات ،
بإشاراتها والرقــص اللذيـــــن هما نثــــــر الاسلوب وشعره .
و(المناظـــــر) كل ما تقع عليه العين كالإضـــــاءة والازياء
والمناظـــــــر المرســـــومة ايضاٌ .
و(الصـــوت) فأني اقصـــــد الكلمات المنطـوقة ، او الكلمات
التي يتغنى بها ، وهي على النقيض من الكلمات التي تقرأ " (5، ص205) .
ان كريج بهذه الشروط الفنية التي وضعها لعمل المخرج أسس قاعدة للإبداع فيما يخص المخرجين الذين يريدون ان يسيروا على هدى تعاليمه ونهجه . والتي كانت تشكل في ذلك الزمان المبادئ الاكثر ثورية على صعيد الفكر والعلاقات التنظيمية للمسرح .
ولكني اعتقد ان اهم في نظريته في الاخراج تركيزه على المخرج وتحمله الشامل والكلي الذ يحتوي جميع اجزاء عناصر العرض المسرحي ويصرفها تصريفاً عقلانياً وجمالياً بما ينسجم مع اهداف العرض وتأثيره وتجربته المبدعة .
وهذه الفلسفة لم تأتي عن فراغ حضاري ، بل كانت منسجمة مع الاتجاه الذي تدعو اليه الفلسفة المثالية في ذلك الوقت متحدية بذلك الفلسفات الداعية الى الغاء الفرد ، وصارت دعوة " كريج" الى العقل الشامل للمخرج منسجمة مع دعوة هيجل بضرورة ايجاد الفرد الكلي ، الذي بجميع الضرورات لتحقيق الفعل الحضاري المبدع .
وبذلك يمكن اعتبار العقلية الاخراجية التي بشّر بها كريج منسجمة من حيث المفاهيم الجمالية والتنظيمية مع الاتجاه العام للعصر - الذي كانت ابرز سماته اكتشافات دارون ، والثورة الصناعية ، وصراعات الايديولوجيات الجماعية والذاتية ، وكان كريج داعياً الى الاتجاه الثاني في تحقيق حلمه المثالي – وصار " نموذجاً لاستلهام الفنان لفلسفة عصره .

كريج ضد الواقعية
سادت النزعة الواقعية مدارس الادب والفن والفكر في اوروبا نهاية القرن التاسع عشر ، فظهور الفلسفات الداعية لتلمس الواقع الموضوعي ، وتحقيق الاكتشافات العلمية دفعت بالعديد من الفنانين الى تبني هذا الاسلوب – الواقعي – وسحبه على مساحة المسرحية (نص) والمصرح (عرض) ، وظهر المخرج اندريه انطوان وستانسلافسكي ... وغيرها كدعاة لهذا المذهب في المسرح .
ولكـــــن كــــــريج بشاعريته وبروحته المثالية ، نفــــــر من الاسلــــــوب الواقــعي في المســــرح واعتبــــــــره ...
" وسيلة وضيـعـــة مــــن وسائل التعبيــــــــر " (5 ، ص289) .
لأنه يكتفي بمعالجة الشكل الخارجي ، دون الولوج الى عالم الاشياء والشخصيات واكتفوا بالزخرفة والتشبه بالواقع الحياتي وبذلك ابتعدت عن الجوهر متمسكة بالاطار الخارجي للمحيط ولشكلانية العلاقات الانسانية . وكان كل همه ان ..
" يحصــل على شيء يناقـــــض الحياة كما تقع عليـــها اعيننا
مناقضــــة تامـــــــــــة لنتخـــلص من الواقعيــــــة في كل شـــيء " (6، ص42) .
وبذلك شخص كريج بعيون الفنان الثاقب ، تلك الاخفاقات التي تعاني منها الواقعية بالمقارنة مع الحاجات المتجددة للعصر وضروراته الثقافية والاجتماعية فكان ..
" لابد من القيام بثــــــورة على هذه التصـــــرفات في الفــــــــن ،
وذلك بقيــــام مدرســـــة فنيــــــة جـــديــــدة نستخـلص اسـاليــــب
جديدة في التعبير عن العرض المسرحي غافلة امر الطبيعة
والطبيـعييـــــــن " (6، ص37) .
ان محاولة كريج في ايجاد صياغة جديدة للتعبير بشكل اكثر عمقاً عن العرض المسرحي الواقعي والطبيعي ، ليست محاولة شكلية ، خاصة اذا عرفنا ان تلك الحاجة ارتبطت بنهاية القرن التاسع عشر – المحمل بالأفكار الاقتصادية والفلسفات ، التي تنتظر القرن العشرين بفارغ الصبر لتمتحن كفاءتها عل ارض الواقع ، فكان كريج واحدٌ من هؤلاء المنظرين الذين رفضوا الحاضر على امل ان يصبح المسرح مستقبلاً اكثر قدرة على احتواء قضايا الانسان الروحية والجمالية ، لان الواقعية كأسلوب لم تعد باستطاعتها الاستمرار في هذه المهمة التي حملتها سنوات طوال .
وهذا ما جعله ..
" في بداية القــــــــرن العشــــــرين يصبح الثـــــــوري الاول من بيــــن
طليعــة المخــــرجين " (6 ، ص34) .
الذين ارسوا دعائم مسرح جديد لعصر قادم .
كان يمهد لظهور اسلوب جديد في الاخراج المسرحي ، فأول ما بدأ بالتشكك والطعن بالقيم الفنية والاعراف المسرحية التي كانت سائدة ، والتي كانت تعيق مشروعه النظري الكبير ، ومن تلك الاعراف " الواقعية ، التي اعتبرها " احط انواع التعبير" .
وجاءت كل آراءه ونظرياته رافضة للواقعية وصار هاجسه الفني الابتعاد عنها بوسائل فنية جديدة ومبتكرة واصبح ...
" كـــــل الفــــــــن المســـرحي الخـــاص بكريـــج هو احتجـــاج على الواقعيــة ،
وللواقعية نحن مدينون بأردأ ما نعرض من المسرحيات في الوقت الراهن" (3، ص141) .
ودخل رفضه الواقعية حد التفاصيل وعناصر العرض ، فهو يقول :
" دع عنـــك ما يســـمونه الصبغة الطبيعية في الحــــــركة وفي المناظـــــر
والازياء ، فالصــبغة الطبيــــعية لم تطــــغى على المســــــرح الا حينـــــما
اصيبت الوسائــــل الصناعيــــة بالتفاهــــــة والحذلقة .. ولكــــــن لا يغيب
عنـــــك انه ثمــــة ما يمكن تسميتـــــــه الوسائـــــل الصناعيـــــة الراقيــــــة " (5، ص55) .
فالتمييز بين الوسائل الراقبة والضعيفة هو ما حدده كريج وأسس عليه ، لانه لم يرفض كلياً ما كان قائم بل حدده بالمذهب الطبيعي كحالة شكلانية ..
" لا شأن له بالفــــــن ، والميل نحـــــــو المذهب الطبيـــــعي يغثي النفس
اينما لمحنا اثاره في الفنـــون ، بقــــــــدر ما يغثيها المذهـــــب الصناعي
اذ لقيناه في كل الحياة اليــــومية " (5، ص56) .
وتظهر لنا شمولية فكر كريج ، لأنه رصد الاسلوب الواقعي وعجزه ، لا في المسرح فقط بل بكل الفنون ووسائل التعبير ، واعطى الوسائل المتيسرة للخروج من هيمنة المذهب الواقعي بصبر واناة واجتهاد .. لأننا ..
" لا نستطيع ان نخــــلص انفسنا في غمضـــــة عيـــــــن من هـــــــذا الميـل
الى محـاكــــاة الطبيعة بعمــــــل المناظــــــــر الطبيعية ، والتكلم بالصـــــــوت
الطبيــــعي ، الا انه في مقــــدورنا ان نحـــــارب ذلك ، وان نحـــارب عــــلى
خيـــــــر الوجــــــــوه بدراسة الفنــــــون الاخــــرى " (5، ص56) .
لأنها كفيلة بأن تمنحنا الحلول والمعالجات المناسبة . وكي لا يبقى المسرح وحده في الساحة يحارب الهيمنة الواقعية ، بل يشرك معه باقي الفنون وكل حسب وسائله لاكتشاف عالم ارحب يدور الفن في فلكه .
ان كريج لم يقف عند حدود الرفض . بل تعدى ذلك الى التلويح بالبدائل التي اعتقدها اكثر تعبيراً وملائمة لذلك العهد ، لمخاطبة روح الانسان وضميره ، خاصة وانه ..
" كان يهـــــــــوى الرومانسية وما اليها .. ويحـقق المذهــــب الواقــــــعي ،
واخاه المذهب الطبيعي .. ولقد كان يفضـــــــــل في اخــــــراجه الطـــــــرق
الايحــائيــة التي لا تشغـــــل الانظـــــار بكثـــــــــــرة البهـــارج والاســــــــــراف
في التفصــيلات " (5، ص295) .
وبذلك استطاع ان يضع اساس لمدرسة – نظرية – جديدة في الاخراج المسرحي – العرض – الا وهي الرمزية ، لأنها ..
" ليست في اصول الفنون كلها فحسب بل انها في جذور الحياة معاً " (5، ص296) .
وتأسيساً على هـــــــذه العلاقـــة الرمــــــــزية بيــــــن الحياة والفـــــــــن فعـــليه ..
" نحن لا نستطيع جعل هذه الحياة شيئاً نحتمله الا عن طريق الرموز التي
نستخدمها على الدوام " (5 ، ص 296) .
لقد تطرّف كريج في اعطاء الرمز الاولوية ، وهذا التطرف كان رد فعلٍ معاكس لما كان يعتمل في داخله من شجب للواقعية حتى اوصله الى ...
" الرمــــزية التجـــــــريـــــدية التي نستطيـــــــــع ان نجـــــملـها في عبـــــــــارة
المســــــــرح الخــالص " (1، ص 100) .
الذي جرده من كل العناصر الواقعية المعمول بها في المسارح في ذلك الزمان .. وبذلك اوجد كريج فلسفة ونظرية خاصة لعمله الإخراجي والمسرحي ، واهدافاً جمالية وفكرية جديدة ، جديرة بالاهتمام ، وطرحها ليمتحنها تاريخ المسرح .
كريج وفن الممثل
يعطي كريج اهمية كبيرة للممثل ويقدم له النصح الاخلاقي والفني الذي يجعله متميزاً عن سابقيه من الممثلين منسجماً مع مبادئ مسرحه الجديد . ففي الوقت الذي ..
" نجـــــد التحــــلل الجسماني والعقــــلي جميعاُ محـــدقاً بنا " (5، ص23) .
اي بالمســــــــرح الانجـليزي في ذلك الوقت ، فينبغي السير قدماً باتجاه تطـــــوير الممثـــل لنفسه ولأدواته ..
و" يحـــن صنعاً ، اذا كان لديه عــمل ردئ فبذل اقصى ما يسعه
من جهد لإصلاح ما يمكن اصلاحه منه ، وليس ما اعمله الان
الا شيء من هذا القبيل " (5، ص23) .
فإصلاح الاشياء والاعراف الجيدة التي توارثتها الاجيال المسرحية هي التي ينبغي التأسيس عليها للفن الجديد ، اما تلك القيم الانسانية التي لا تساير والتي اصبحت بالية فينبغي الثورة عليها ، لأن ...
" من طبيعتي الثـــــورة على من يريــــدون ان يفرضــوا عليَّ شيئاً
يبدو لي انه حلو من الفطانة " (5 ، ص28) .
وبالقدر الذي تبغي فيه ان تكون مجدداً في عملك الفني عليك بالبحث الدؤوب ، ليس في مجال المسرح ومحيطك الخاص كممثل أو كمخرج ، لان هذا لا يكفي لبلوغك الاهداف الكبيرة ، وانك ستجد ..
" خارج العالم المســـرحي الهامات اعظم مما تجد داخله .. واعني
بأول هـــــذه المصادر .. الطبيعة .. اما مصـــدرا الالهام الاخــــران
فهما الموسيقى والمعمار " (5، ص 27) .
وبذلك نضمن الممثل المشحون بالطاقة الروحية والشعورية العالية التي توفرها له الموسيقى في جانبها الحي والتخيلي . وكذلك بأخذ فن العمارة الجانب الهندسي والارتفاعات الشامخة ، التي تأثر بها كريج نفسه من خلال الفنان والمعماري سيرليو الذي ابدع المناظر المسرحية الشاهقة والسامية في عصر النهضة ، وصارت مناظره هائلة جداً في ارتفاعاتها وكلفتها ، لتترك اثراً مادياً شعورياً عند المشاهد . ولذلك فأن الممثل النموذجي عند ..
" هــــــــــو ذلك الرجــــل الذي اوتي طبيــــــعة خصبـة وعقـــــلاً قـــوياُ " (5، ص32) .
و " الممثل الحق هو ذلك الذي يستطيع ذهنه ان يفيــض بالحاسية
الصحيحة التي تدخرها طبيعته ، ويكـــــون في مقـــــدوره ان يرينا
رمـــوزاً منـــها " (5، ص 33) .
فهو يؤكد على طبيعة الممثل ، اي مكنوناته الطبيعية التي يشترك فيها مع بني البشر لكنه ، اشترط ان تكون خصبة وغنية ليخلق ما لا يستطيع الانسان – الممثل – العادي خلقه لأنه لم يستطع التقاطه من الطبيعة او الحياة وادخاره ، وحتى اذا تمكن الممثل المبدع من ادخار مكونات بديعة في ذاكرته الشعورية ، فعليه ان يعطينا رموزاً لها لا تقليداً ميكانيكياً او محاكاة فجّة .
وبعد الطبيعة الخصبة يؤكد كريج على العقل والذهن الوقاد الذي ينشط في كل ما يواجهه في الطبيعة او المسرح . كي نثل بعد ذلك الى ...
" المـمثـــــــل الــذي يسيــطــــــر ذهــنـــــــه علــــى طبيـعتــــــــه " (5 ، ص33) .
ونحقق بذلك عقلانية فن الممثل على اساس انها ابداع مُدرك في مكوناته ومحتواه وعناصره من خلال هيمنة وقيادة العقل الواعي .
ان الطبيعية وحدها ليست كافية في اداء الممثل لأنها تحمل شوائب كثيرة وقد تقود الى الكليشة والتنميط ..
" فالممثلون اليوم ينتحـــــلون الشخصيات ويقدمونها بطريقتهم للجمهور
اما الغد فينبغي ان يصوروها من الناحية الرمزية ويقدمونها للجمهور " (5 ، ص81) .
فهو كان ثائراً على الانتحال التلقائي للشخصية ، لأنه غير واعي . ويطالب ممثل المستقبل ان يعي جميع مفردات الشخصية الت يمثلها ليصل بها الى (الايماء الرمزي) الذي يتألف من فن الممثل .
وهـــــذا يتفـــــق مع رفضـــــــه للواقعيـــــــة والطبيعيــــــة في فــــــــن المســـــــرح وتبنيه للفن الرمزي والايحائي ...
" واجــــــــــب المــمثــــــــل ان يخـــــــــــــــــــلق لا ان يقــلـــــــــد الـواقـــــــــــــــــع " (5، ص82) .
واهــــــــــــم العناصــــــــر التــي تســاعـــــــده في عمليــــــــــــة الخــــــــــــلق هــــــــــــــو الطبـيــــــعة . امـــــا ..
" الممثــــل الــذي لا هــم له إلا إرضاء الجمهور فهــــــو ممثـــــل فاشل " (5، ص 90) .
وهو بالتالي غير موهوب وينبغي استبداله بالممثل الدمية الذي لا روح فيه والذي اطلق علبة كريج ..

(Super – marionette)
– اي الدمية النموذجية – (والتي لم تخلق بالعادات السيئة) (4، ص383) . التي كانت تسيطر على الممثلين ، الذين يعتبرهم عنصر الترابط بين فن المسرح والواقع ..
" ونحــــــــن اذا تخلصـــــنا من الممثــــــل فلــــــن يكــــــــــون ثمة مخلوق حي
يوقــــــــعــــنا في مشكــــــــــلة الربــــــــــط بيـــــــــــــن الـواقـــــــــــع والفــــــــــــــن " (5، ص105) .
وهو يقصد على ما اعتقد الممثلين عديمي الطبيعة الخصبة والعقل الواعي . وهذا ما دفع كريج لأن ...
" يحلم بمســـــرح خال من الرجال والنساء ، بل خال من الممثليـن ، لقد
كان يحــــــــلم بأن يسـتبـــــدل بهـــــــــم الدمـــى والعـــــرائـــس " (4، ص383) .
لأنها تتكيف حسب رؤية المخرج وافكاره لطواعيتها المعمارية ، وتشكيلها المعبر وفن اجتهاد وحس المخرج .
ان التطــــــــرف الذي دفع كريج الى الدمية الممثـــــــل هو رد فعله العنيف ازاء اوضاع التمثيــــــــل السندي ...
" كان يضيق ذرعـــــــاً بتلك الطــريقـــــة التمثيليــــة الزائفــــة التي
كان يشيــعها الممثـــــلون في تمثيــــــــلهم " (5، ص107) .
والتي جاءت من المدرسة الطبيعية ، وبعض مخلفات وبقايا الرومانسية ، التي اتسمت بالمبالغة الزائفة والزعيق الناشز .

الحركة والمجاميع
كـان يــرفــــــــــض ان تكــــــــون الحــــــــركـــة علــــى المســـــــــــرح عـشــــــــوائيـــة وطـــالـب المــخــــــــــــــــرج ....
" ان يبتـــكــــــــــر ســـلســـــــلة من الحـــــــــركــــات التـمثــيـــليــة التـي لـها دلالاتـــها " (5، ص57) .
اذ لا حركة دون معنى ودلالة لأنها تسهم في رسم الابعاد والتكوينات الجمالية والتفسيرية ، لان الحركة عند كريج لا تعني فقط الانتقال من نقطة في المكان لأخرى ، بل تشمل ايضاً الايماءة والاشارة والرقص ، سيما وان ...
" الحركة الشاعرية هي الرقص ، والحركة النثرية التي هي الاشارة والايماء" (5، ص168) .
وبذلك ميّز بين نوعين من الحركة في فن الممثل وهما ما ارتبط بالشاعرية وهي (الرقص) التي تنص على تحرر الجسد عبر الاخيلة وعوالم الصورة المعبرة ، ونبض الجسد . اما حركة النثر فكانت الاشارة والايماءة من نصيبها لما لها من دلالة ادبية يفهمها الجمهور والفنان ، والبعيدة قليلاً عن سرانية وغموض الرقص . وعلى الممثل والمخرج ان يدرك ضرورة التمييز بين هاتين الحركتين لغرض تحضين انسيابية واعية في انتقاله وتعبيره.
هـــــذا علـــى صـعـيـــد حـــــركـــة المـمـــــــثـــل الفـــــــــرد ، امــــا بالنـســـــبة لحــــــــركــة المجاميــــــع فــأنـــه ....
" لا يمكن ايـــــراد التفاصيـــل حتى في ادوار المجاميع لإبراز كل واحد منهم " (6، ص35) .
لأنه ينظر الى المجموعة كوحدة واحدة في سلوكها وكتلتها والوانها ، لأن حركة الافراد تعيق التأثير العام للمجموعة ككل ...
" اذ ينبغي ان تعالج الجماعات بوصفها جماعات ، وذلك كما كان رامبرانت يعالج رسوم الجماعة في تصويره ، وكما كان باخ وبيتهوفن يعالجان الالحان الجماعية في موسيقاهما " (5، ص54) .
انه كان ينشد الهارمونية في هيئة المجاميع ، لذلك اخذ من لوحات الفنان الهولندي (رامبرانت) توزيع الظل والنور ، والالوان الذهبية والقهوائية . ومن موسيقى (باخ) الكلاسيكية وبيتهوفن الرومانيكية ذلك النظام والاصوات والانغام التي تكوّن وحدة عضوية منسجمة لتحقق تلك النشوة الروحية التي هي جوهر المثال الفني عند جوردون كريج .





رأي الباحث
اذا كان اسم اندريه انطوان ارتبط بالطبيعية ، واذا كان ستانسلافسكي قد تميز بالواقعية النفسية ، فأن كريج كان ابو المدرسة الرمزية في الاخراج المسرحي ، تلك المدرسة التي ظهرت في نهاية القرن الماضي وتبناها الكثير من الادباء والفنانين في اوروبا . وهي في فلسفتها وجماليتها ردة فعل على الاتجاهات الواقعية .
وبذلك نظر كريج للمدرسة الرمزية في العرض المسرحي وراح يلتقط الرموز من النصوص المسرحية ويجسدها مناظراً عظيمة على خشبة المسرح .
وقد ساعده في ذلك حسه التشكيلي والموسيقي العالي ، خاصة اذا عرضا تأثره الكبير بالمعماري (سيرليو) الذي ابدع في عصر النهضة كأعظم معماري في ايطاليا . وازاء هذه الرموز العظيمة التي استلها كريج من النصوص المسرحية يقف الانسان ضئيلاً محدد القدرة على تحقيق فعله . لذلك شمخت الطبيعة عند كريج وعجز الانسان ، فأما ان يخضع لما يحيط به من شواهق ورموز والوان ، او يستبدل بالدمية النموذجية التي تلبي كل حاجات المسرح الرمزي .
ان كثرة الايماءات في مسرحه وتأكيده على الدلالات يجعلنا نعتقد انه اول من نبه الى عنصر الدلالة في المسرح ، ويمكن اعتباره من رواد السيميائية في العرض المسرحي ، فهو لا يؤكد على المنظر او الممثل او الحركة الا من خلال ايماءاتها ودلالاتها الرمزية التي تتعدى حدود المنظور لتبلغ القرب الاجتماعي او الفلسفي او الطبيعي .
ويبدو لي ان المخرج الفنان ابراهيم جلال ، استفاد كثيراً من نظرية كريج في المنظر المسرحي ، فهو فضاء شاسع يرسم عليها ما يشاء من ظلال وانعكاسات توحي بالكينونة والاثير ، وكذلك في تفاعله مع الممثل . الذي يطلب منه الكثير في تحقيق افكاره وجمالياته ، فالممثل عند جلال اشبه بدمية كريج .
لاشك ان الجهود التنظيرية التي بذلها كريج كانت كبيرة جداً في اغناء حركة الفكر المسرحي ، لدرجة انه لم يستطع ان ينقل هذه النظريات الى ارض الواقع ، وحتى المحاولات التي بذلها في التطبيق كانت صعبة ومحددة ، وهذا ما لمسناه من خلال اخراجه لمسرحية " هاملت " في مسرح موسكو الفني .
فأفكاره ظلت رهن المستقبل وتطوره التكنولوجي وما ينعكس ذلك على تقنيات ومعمار المسرح . اذن يبقى كريج كتاباً مفتوحاً للأجيال المسرحية القادمة ، اسوة بالمبدعين الخالدين .


المصادر
1. أردش ، سعد ، المخـــــرج في المســــــرح المعاصر ، الكــــويت ، المجلس الوطني للثقافة ، 1979م .
2. إيفانز ، جيمس روز ، المسرح التجريبي من ستانسلافسكي الى اليوم ، ترجمة فاروق عبدالقادر ، القاهرة ، دار الفكر المعاصر ، 1979م .
3. بنتلي ، أريك ، نظرية المسرح الحديث ، ترجمة يوسف عبدالمسيح ثروت ، بغداد ، الشؤون الثقافية ، 1975م .
4. ستانسلافسكي ، قسطنطين ، حياتي في الفن ، ترجمة دريني خشبة ، القاهرة ، الناشر العربي ، 1966م ، الجزء 2 .
5. كريج ، ادوارد جوردون ، في الفن المسرحي ، ترجمة دريني خشبة ، القاهرة ، مكتبة الآداب ، 1956م .
6. عيد ، كمال ، مدرسة جوردون كريج المسرحية ، القاهرة / المؤسسة العامة للتأليف والنشر ، مجلة المسرح ، العدد (44) ، 1967م .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد| وزارة الثقافة القطرية تدشن أكبر لوحة فنية في العالم


.. موسم رأس السنة 2023 يشهد انتعاشة سينمائية بـ8 أفلام




.. محمد دياب ومروان حامد وكاملة أبو ذكري .. نيللي كريم تكشف الف


.. إقبال سعودي لافت على تعلم اللغة الصينية




.. كواليس فنية | من مهرجان البحر الأحمر السينمائي.. جورج خباز ي