الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


القوانين الجنائية المشدَّدة لمكافحة الإرهاب فرضت إنتهاكات لحقوق الإنسان

ماجد احمد الزاملي

2022 / 10 / 6
دراسات وابحاث قانونية


الديمقراطية والتنمية واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، أمور مترابطة ويعزز بعضها بعضا, وتقوم الديمقراطية علي إرادة الشعب المعبّر عنها بحرية في تقرير نظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومشاركته الكاملة في جميع جوانب حياته، ينبغي أن يكون تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية علي المستويين الوطني والدولي مقصداً يسعى الجميع لتحقيقه وأن يتم ذلك دون فرض شروط. وينبغي للمجتمع الدولي أن يدعم تقوية وتعزيز الديمقراطية والتنمية واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية في العالم أجمع. النظرة المتأنية الموضوعية لواقع عالمنا في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ، تؤكد أن معظم شعوب الارض ودوله في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ، ما زالت تعيش تحت تأثير صدمة انهيار الثنائية القطبية التي أدت الى انهيار كل أشكال التوازنات الدولية التي سادت إبان المرحلة السابقة من ناحية، وما تلاها من انهيار البنية السياسية/ الاقتصادية في تلك الدول، بعد ان استولت الشرائح البيروقراطية المدنية والعسكرية على مقدراتها الداخلية من ناحية ثانية، وهي تحولات عززت احادية الهيمنة الاميركية / الاوروبية على هذا الكوكب، بعيدا عن ميثاق الامم المتحدة، أو مرحلة الحرب الباردة التي فرضت على الجميع آنذاك الاحتكام الى نصوص وقواعد ميثاق الأمم المتحدة الذي أقرته شعوب العالم كله على أثر الحرب العالمية الثانية ، والذي نص في ديباجته "إن شعوب العالم قد قررت ضرورة إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحروب ، والعمل على إيجاد نظام أمن جماعي يحفظ السلم العالمي، ويؤسس لتنظيم دولي أكثر إحكاما وأكثر عدالة في المستقبل ، وأن ذلك يتحقق عن طريق تحريم استخدام القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة" . لقد أدى إفراغ ميثاق الأمم المتحدة من مضامينه التي أجمعت عليها دول العالم بعد الحرب العالمية الثانية على أثر هزيمة النازية ، إلى أن أصبحت الأمم المتحدة غير قادرة على ممارسة دورها السابق الذي تراجع بصورة حادة لحساب التواطؤ مع المصالح الأمريكية ورؤيتها السياسية ، يشهد على ذلك مواقف الامين العام للامم المتحدة ، من معظم القضايا المطروحة في المحافل الدولية، خاصة ما يتعلق بدول العالم الثالث عموما والقضية الفلسطينية والعراق خصوصا، وليس لذلك في تقديرنا سوى تفسير واحد ، هو مدى تحكم الولايات المتحدة في إدارة المنظمة الدولية وأمينها العام من جهة ، ومدى خضوع الانظمة الحاكمة – عبر المصالح الطبقية – للسياسات الامريكية في المشهد العالمي الراهن الذي بات يجسد التعبير الأمثل عن تحول مسار العلاقات الدولية بعيدا عن قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ، الى قواعد استخدام القوة العسكرية لتطبيق شروط وسياسات النظام الرأسمالي المعولم ، واستفراده في الظروف والمتغيرات الراهنة ، التي حولت –وستحول- أقاليم عديدة في العالم الى مسارح مضطربة مفتوحة على كل الاحتمالات ، أدخلت العلاقات الدولية في حالة من الفوضى المنظمة ، بحيث أصبحت هذه العلاقات محكومة لظاهرة الهيمنة الأمريكية المعولمة، أو لهذا الفراغ أو الانهيار في التوازن الدولي الذي أدى الى بروز معطيات جديدة في عالمنا المعاصر .لقد شكل مبدأ تحريم استخدام القوة أحد أهم إنجازات القانون الدولي في القرن العشرين ، حسب النص الصريح لميثاق الأمم المتحدة-الفقرة الرابعة من المادة الثانية التي أكدت على "تحريم استخدام القوة، أو التهديد بها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة". فمنذ عام 1990 ، شهد العالم متغيرات نوعية متسارعة ، انتقلت البشرية فيها من مرحلة الاستقرار العام المحكوم بقوانين وتوازنات الحرب الباردة ، الى مرحلة جديدة اتسمت بتوسع وانفلات الهيمنة الأمريكية للسيطرة على مقدرات البشرية ، وإخضاع الشعوب الفقيرة منها ، لمزيد من التبعية والحرمان والفقر والتخلف والتهميش، كما جرى في العديد من بلدان اسيا وافريقيا وفي بلدان وطننا العربي عموما والعراق وفلسطين خصوصا ، فقد تم إسقاط العديد من القواعد المستقرة في إدارة العلاقات الدولية ، بدءا من هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمؤسسات الدولية الأخرى ، وصولا الى تفريغ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي من مضامينهما الموضوعية الحيادية، يشهد على ذلك عجز "الأمم المتحدة" عن وقف العدوان والتدمير الأمريكي الصهيوني في العراق وفلسطين وسوريا واليمن ، في مقابل تواطؤ وخضوع الاتحاد الأوروبي وروسيا واليابان للهيمنة والتفرد الأمريكي في رسم وإدارة سياسات ومصالح العولمة الرأسمالية في معظم أرجاء العالم ، وفي بلداننا العربية و الشرق ألاوسط خصوصاً، في محاولة يائسة لإعادة ترتيب المنطقة الشرق أوسطية وتفكيكها وإخضاعها بصورة غير مسبوقة للسيطرة الأمريكية، عبر دور متجدد تقوم به دولة العدو الإسرائيلي في محاولتها لضرب وتصفية قوى المقاومة في فلسطين ولبنان بصورة بربرية، لم تستطع معها إسقاط رايات المقاومة التي استطاعت إثبات وجودها وصمودها وتوجيه ضرباتها إلى قلب دولة العدو الإسرائيلي، وتهديد منشآته ومدنه لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، ما يشير إلى بداية عهد جديد في هذا الصراع عبر متغيرات نوعية في الأوضاع العربية لصالح قوى التغيير الديمقراطي والمقاومة من ناحية، ومتغيرات نوعية بالنسبة لمستقبل الصراع العربي الإسرائيلي الذي تؤكد المعطيات انه صراع وجودي لا تجدي معه مفاوضات أو حلول "سلمية" من ناحية ثانية. المفهوم الحديث لحقوق الإنسان ، ينطلق من فكرة : أن الدولة عليها مسؤوليات إنسانية تتناول توفير التعليم ، وتلبية الحاجات الاقتصادية وحماية حقوق العامل , وتوفير حد أدنى للأجور ، حمايةً للمصلحة العامة من أنانية الأفراد وتعسفهم، فتضع حداً أدنى للأجور. ويعد تدخل الدولة في الاقتصاد تحولاً في الفكر الرأسمالي والفكر الليبرالي الغربي حيث بدأت الدولة تفرض وجودها , وصارت حقوق الإنسان تعني مطالبة الدولة أن تتدخل بعد أن كانت مطالبة الدولة بأن لا تتدخل ! على الصعيد الاقتصادي بعد عام 1918، ثم تأكدت هذه الفكرة.
لقد كرَّسَ المجتمع الدولي لأكثر من ستين عاماً قواعد قانونية مرنة تسمح بحماية كرامة الكائن البشري في كل الأوقات ، و تمكّن اتفاقيات حقوق الإنسان الدولة الطرف من ملائمة الحقوق و الحريات الأساسية التي تعترف بها للفرد و الأخطار التي تهدد حياة الأمة . ومع ذلك بإسم الأمن شهدت حقوق الإنسان تهديداَ خطيرا منذ أحداث 11 سبتمبر ، إذ أصبحت حقوق الإنسان و حرياته الأساسية في مرتبة أدنى من مرتبة التصدي للإرهاب مما أدى لتراجع الاهتمام الواسع بحقوق الإنسان الذي شهده المجتمع الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
إن الخطورة الناتجة عن المقاربة التي ردَّ بها مجلس الأمن الهجمات الإرهابية التي استهدفت مناطق مختلفة من الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 11 سبتمبر 2001 و قاد بها مكافحة الإرهاب بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة ، بعد أن كيف هذه الهجمات و كل الاعمال الإرهابية بانها تهديدا للأمن والسلم الدوليين ، دون إعطاء أي تعريف للإرهاب . إذ اعتمد مجلس الأمن للتصدي للإرهاب على مقاربة أمنية ردعية تغيب عنها مسألة حماية حقوق الإنسان من خلال التشريع الدولي العام لمكافحة الارهاب الذي تضمنته لائحة المجلس رقم 1373(2001) المعتمدة بتاريخ 28 سبتمبر 2001 . و لم تتردد الدول حتى الديمقراطية في تطبيق التشريع الدولي الذي فرضه مجلس الأمن في مجال مكافحة الإرهاب بالمقاربة ذاتها مما أدى إلى تراجع مقلق للحريات والحقوق الأساسية للكائن البشري وخطورة على الأمن بصفة عامة نتيجة تزايد الترابط و التداخل في المجتمع الدولي كما أن الإرهاب في انتشار مستمر . تحول مكافحة الإرهاب أدت لإنتهاك جديد لحقوق الإنسان لعالمية فكرة خاطئة أن احترام حقوق الإنسان عائق أمام مكافحة الإرهاب و لعبت عدة عوامل سواءا بصورة مباشرة أو غير مباشرة دورا هاما للترويج للفكرة المنتقدة بشدة قبل أحداث 11 سبتمبر بما أن العلاقة بين احترام حقوق الإنسان و مكافحة الإرهاب هي علاقة توازن و ليست ترتيب ، و أن التوازن بينهما صعب من الناحية العملية. و لقلع الإرهاب من جذوره ينبغي عدم الإكتفاء بالتصدي للجزء الظاهر و إنما الذهاب إلى أعمق من ذلك بمعالجة الأسباب و الظروف المؤدية للإرهاب لقلع الإرهاب من جذوره إلى جانب متابعة ومعاقبة مرتكبي العمليات الإرهابية(1) ,وقطع الطريق عليهم للإ يرتكبوا الهجمات . فللوصول إذاً لأمن حقيقي و دائم بالقضاء فعليا على الإرهاب يجب أن تكون تدابير الوقاية وردع الإرهاب المتخذة على المستوى الوطني أو المتخذة في إطار التعاون الدولي لإحترام حقوق الإنسان و حرياته الأساسية و دولة القانون(2).
حقوق الإنسان والمواطنة من أهم الآليات لتفعيل الديمقراطية الحقيقية، فتعريف المتعلم بحقوقه وواجباته تجعله يعرف ما له وما عليه، وتدفعه للتحلي بروح المواطنة والتسامح والتعايش مع الآخرين مع نبذ الإرهاب والإقصاء والتطرف. هذا، وقد أرست المجتمعات الليبرالية اليوم مجموعة من الحقوق الكونية التي اعترفت بها هيئة الأمم المتحدة وسطّرتها في مواثيق تشريعية مدنية واجتماعية وثقافية واقتصادية وإنسانية سيدت الإنسان وجعلته فوق كل المصالح، كما دافعت عن كرامته وطبيعته البشرية. تشجيع المبادرات الفردية التي فيها مصلحة للجماعة والوطن والأمة، يقول كلاباريد (3)في هذا الصدد:” علينا في المجتمع الديمقراطي السليم أن نفسح أوسع مجال ممكن للمبادرات الفردية، بحيث تبقى وتستمر وحدها، تلك المبادرات التي يثبت بالتجربة أنها نافعة للجماعة. إن أي قيد نقيد به النشاط الفردي الحر يضعف فرص الاكتشاف ,فقد حررت الانسان من أشكال الخضوع للسلطة بمختلف توجهاتها، حيث تحرر من السلطة الاجتماعية التقليدية التي يخضع فيها الفرد لمن هو أعلى منه مكانة اجتماعية، قد تصل في بعض الأحيان إلى العبودية, وتحرر من السلطة السياسية القمعية التي صادرت حقوق الأفراد في التعبير أو المشاركة السياسية في اتخاذ القرار وغيرها، ناهيك عن الممارسات التي تمتهن إنسانية الفرد وكرامته، وكذلك من السلطة الفكرية التي تتدخل حتى في طريقة تفكيره وتحضر على كل فرد تبني افكار تتعارض مع نهجها ، ولا يستطيع الانفكاك منها أو توجيه أي نقد لها.
--------------------------------------------------------------------------------------------------
1 – د / محمد عزيز شكري،الإرهاب الدولي والنظام العالمي الراهن،دمشق،عام، 2002م،ص 126
2 – عبد النصر حريز،الإرهاب السياسي، مكتبة مدبولي 1996,القاهرة,ص 198
3- إدوارد كلاباريد (1873- 1940): طبيب سويسري، من أتباع ديوي و دكرولي سار على مبدأ مفاده أن الطريقة البيداغوجية يجب أن يكون منطلقها هو اهتمامات المتعلمين ، فكان أن جعل من اللعب البيداغوجي مركز طريقته التربوية.
معهد جان جاك روسو ويعرف اختصاراً ب(معهد روسو) وهو بمثابة مدرسة خاصة في جنيف في سويسرا. أسسه إدوارد كلابيردي ليطور نظريات التربية والتعليم إلى علم في حد ذاته, وأطلق عليه اسم معهد جان جاك روسو لما لروسو من تأثير كبير على فكره, خاصةً نظريات روسو حول جعل الطفل محور الاهتمام في العملية التعليمية التي أصبحت الآن مفهوماً لا غنى عنه في التربية الحديثة, وتُعرف مفاهيم روسو في تربية الطفل بالتربية الطبيعية. عُين مؤسس المعهد بيير بوفيت مديراً للمعهد وخلفه جان بياجيه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رسائل إيرانية بعد تنفيذ أول عملية إعدام على صلة بالاحتجاجات


.. شاهد| لحظات اعتقال روسيين اثنين للاشتباه في عملهما بالتجسس ل




.. -اتهموه بالتمرّد-.. اعتقال وعزل رئيس البيرو لمحاولته حلّ الب


.. إيران تنفذ أول حكم إعدام على صلة بالاحتجاجات • فرانس 24




.. رسائل اعتقال عابرة للحدود.. -النشرات الحمراء- أخطر أدوات الإ