الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مماحكات فكرية في الأدب الشعبي . القسم الثاني .

خيرالله سعيد

2022 / 10 / 6
الادب والفن


ممـاحـكات فكرية في الأدب الشعبي .

القسم الثاني .

2- 3 : تعريف الـدارمي ووزنــه العروضي .

تعــريـف الـدارمي .
هـو الشعر الشعبي الذي ابـتـدعـتهُ المـرأة العراقية في جـنوب العـراق، وهـو المفردة السهلة والبسيطة، التي جاءت على لسان من قـالتـهُ، وأوجـدتـه . بسـاطته تنطلق من تكوينه الشعري ، فهـو عِـبارة عـن " بـيتـين من الشعر الشعبي" وأحيانــاً يتجاوز ذلك في أحـايين قليلة، لكـن الـثـابت الأرأس فيه هـو " نظمـهِ على البـيتين " ضمن تفعيلة العروض التالية " مُـستفـعـلن فعــلان مُـستفـعـلاتُـن " وأحيـناً يـأتي على صيـــغــــة " مُـستفـعـلن فعــلان مُـستفـعـلاتـان " .
* وأصـل تسمـية الـدارمـي، وفق أغلب الروايات التي وردت عِـند الكثير من النُـقّـاد والدارسين والكُـتّـاب، كانت تُـشير إلى أن " الـدارمي " إبـتـدعـتهُ إمرأة من نساء الـدوارم، وهـم فُـخـذ من قبيلة " بني تـمـيم " .
وتـكاد هذه الـرواية تكون هـي الأقبل والأشـيع عند مجموع الكُـتّـاب والدارسين، الذين تـناولوا " موضوع الـدارمي " وتـسمـيـتـه . *1
* لم يُـعرف تاريخ ظهـورهِ في العـراق، رغـم أنّـهُ عِـراقيٌّ أصيل، ولم يُـكتب أو يتعاطى بِـهِ في دولةٍ عربية أخرى، لكن المُـرجّـح أنه ظهـر في نهـاية القـرن الثـامن عـشر، لكن البـاحث شـاكر الغِـزّي يعـتـقـد " أنّـه ظهـر في بدايات القرن التاسع عشر، وأن عُـمرهُ أكثر من " 150 سنة " أي بحـوالي عـام 1850 م . *2 . فيما يعتبرهُ د. هاشم العقـابي، هـو من بقـايا التـراث السومري - البابلي، ولم يُـحـدّد تاريخ انتشاره أو ظهـورهِ الأول في العِـراق . *3 .
* * *
هـوامش الفصل الأول :
1- راجع : ربيع الشمري - العـروض في الشعر الشعبي - صـ183 منشورات وزارة الثقافة والإعـلام العراقية- ط1 - بغـداد 1987م .
* غالي الخـزعلي : الـدارمي - الفولكلور العراقي الأصيل ، منشورات أحمد المالكي للنشر والتوزيع، بغـداد 2021م .
* شاكر الغـزّي : الدارمي - دراسة تحليلية - مقال منشور في موقع " المثقف " العـدد 5795 في 18 / 7/ 2022 ، وغيرهم الكثير .
* فيما شـذَ عـن هذه الرواية د. هاشم العقابي في كتابه " غـزل العـراقيات " حيث اعتبره من أصل سومري - راجع صـ 95 وما بعـدها، منشورات " نـابو " ط1 بغـداد 2022 .
2- شاكر الغزي - مرجع سابق .
3- د. هاشم العقابي : غزل العراقيات - ص 95 - 111 .
.......................................................................................
* الفصل الـثاني : وزن الـدارمي :
شـكّـلت هـذه النقـطة، واحـدة من الإشكالات الكبيرة عـند ناظمي الدارمي، والمشتغلين فيه، من جهـة، وعـند النُـقّـاد والباحثين ، من جهـةٍ ثانية، لكـن الغـالبية من هؤلاء الباحثين والنُـقّـاد والشعراء، يتّـفقـون على أن تفعيلة الـدارمي تكون على الصيغـة التـالية :
" مُـستفـعـلــــن فعــــــلان مُـستفـعـــــلاتـــن "
أو " مُـستفـعـلــــن فعــــــلان مُـستفـعـــــلاتـان "
وهـاتين التفعيلتين، حـار فيهـا النقّـاد والأدباء والشعراء، وكُـلٍّ منهم يُـقطّـعـها عروضياً وفق إيقـاعية التلقي على سماعِـهِ، ونحـنُ نميـل على الإيقـاعية الوزنية - العروضية، والتي قال فيهـا د. عبد الرضا عـلي وهـي *1 : " إن هـاتين التفعـيلتين، هُـما اللّـتان نظم عليهـما الدارمي بتشكيلتيه " وهذا الوزن الشعري يطلق عليه " الرجز المُـهـمل" والتي كانت هـندستهما صارمة في " تسكين مفردات البيت الواحد، فـتشكيلـة : *2
" مُـستفـعـلــــن فعــــــلان مُـستفـعـــــلاتـــن " يكون على غِـرارهـا قول الشاعرة :
( كِـلـﭼـــن يمظلومات ،،، للـكاظــــــم إمشــــن )
( يَــــم سِـيد السـادات ،،، فُـكّـــــن حِـزنـﭼــــن )
أو قـول الآخـر : *3
( مِـثل الــــدرج دنـيـاي ،،، شـي أعـلى مـن شي)
( يَـل بالشمـس ظَـلّـيت ،،، هـم يـوصل الـفــــــــي )
* فيما يـرى الأستاذ النـاقـد كاظـم الفـضلي، أن " وزن الـدارمي" مشتق من " بحر المجتـث " والذي تكون صيغـته الأساسية بتفـعيلة ( مُـستفـعـلــــن فاعــــــلاتن فـاعـلاتن) لكنه يتّـفق بإيقـاعية الـدارمي المعهـودة " مُـستفـعـلــــن فعــــــلان مُـستفـعـــــلاتـــن " *4
* فيما يقول الأستاذ المـؤرّخ عبد الرزاق الحـسني، أن " بحر الدارمي" من " الخفيف" وفق تفعيلة " فـاعـلاتن / مستفع لـن/ فاعلاتن مستفعلن فـاعلاتن " *5
* فيما يرى المطرب الكبير محمد القُـبنـﭼــي، أن الـدارمي من بحر البسيط ، وتفعيلته : مُـستفـعـلن فـاعلن / مُـستفـعـلن فـاعلن ) *6
* فيما يقول الأستاذ عبد الأمير جعـفر : أن الدارمي من مجزوء الرجز، وهـو على تفعيلة " مُـستفـعـلــــن فعــــــلان مُـستفـعـــــلاتـــن " *7
* فيما اكـتفى الشيخ علي الخـاقاني بالقول : إن بحر الدارمي مستقل بـذاتـه، ويشتمل على بيـتين موحّـدة القافية . *8
* فيما يقول الناقد غـالي الخـزعلي، أن الـدارمي ينظم على تفـعيلتي :
" مُـستفـعـلــــن فعــــــلان مُـستفـعـــــلاتـــن "
أو " مُـستفـعـلــــن فعــــــلان مُـستفـعـــــلاتـان"
والوزن بطريقتيه قريبٌ من " البحر السريع " وهـو أحد بحـور الشعر العربي الفصيح التي وضعـها الخليل بن أحمد الفـراهيدي . *9
أمّـا الباحث ربيـع الشمري، فيرى أن الـدارمي ينظم بوزنين هـما :
" مُـستفـعـلــــن فعــــــلان مُـستفـعـــــلاتـــن "
أو " مُـستفـعـلــــن فعــــــلان مُـستفـعـــــلاتـان "
ثم يضيف عبارة غير مفهـومـة " من الناحية العروضية " عندما يقول : ويبدو أن هـذا الـوزن قـائمٌ بـذاتـه، ولم يرد في عـروض الخـليل، لكنه قريب لبحر السريع، حيث أن " السـاكن الذي يلي الساكن من التفعيلة الثانية " فعـلان ++ 0 " هـو بمثابة الحرف المتحرّك، أي إذا حرّكنا " نـون " فعــلان ++0 " يكون الوزن : " مستفعـلن مستفـعلن فـعلاتن " *10
* ويرى الشاعر الناقـد ريسان الخـزعلي: أن الـدارمي يُـنظم على تلك الصيغـتين المذكورتين : " مُـستفـعـلــــن فعــــــلان مُـستفـعـــــلاتـــن "
أو " مُـستفـعـلــــن فعــــــلان مُـستفـعـــــلاتـان "
ويضيف : وهـو وزن خـاص، لكنه الأقرب إلى تحوّلات تفـعيلات الـرجـز *11 .
* أمّـا د. هـاشم العـقابي فـإنه يرى( أنّـه لم يجـد رأيـاً أهـزل من الـذي يربطـه ببحـور الفـراهـيدي، فما للـدارمي والفراهـيدي! ويضيف : " فـإذا كان الرجل " الفراهيدي " بنفسهِ يصيح بعـالي الصوت، أن قـواعـده العروضية لا تنـطبق على الشعر الملحـون، أي الشعبي! ثم أنّـنا لم نقـرأ أدبيات تلاميذه وأتـباعـه، إستثـناءً لتلك القـاعـدة، إن جـذور المشكلة " وما زال الكلام للعـقابي " يكمن في وجـود فـرقٌ جـوهـري بين اللّـغة العربية، واللّـغة العراقية المحـكيـة، وهـو أن الأولى لا يلتقي فيهـا سـاكنان، كما في الثانية، فكيف يمكِـنُنـا إذن تطبيق قـواعد مستقرأة من العربية على الشعبيّـة ؟ وبسبب ذلك قال إبن شهـيد ، عن الشعر الشعبي: ( أنـه ليـس لِـسيبـويـه فيه عـمل، ولا للـفراهيدي إليه طـريق، ولا للـبيان عليه سِـمة ، إنما هـي لكنة أعجمية يُـؤدّون بهـا المعـاني ، تـأدية المجـوس والنبط ) ويستـند العقـابي في هذه المعلومة على " رسـالة التـوابع والزوابع لإبن شهـيد - ص 56 - ص 57 - من رسالة التـوابع والزوابع ، بتحقيق بطرس البُـستاني - منشورات دار صادر، بيروت عام 1996 " *12 .
* ولـنا على هـذا الكـلام إعــتراضاتٌ شـتّى، سـنُـناقشهـا، وفق سياقات الكـلام / وعلى النحو التـالي :
* في النقطة الأولى، يقول العقـابي : أنه لم يجد رأيـــاً حـول الدارمي أهـزل من الذي يربطـهُ ببحـور الفراهيدي، فما للدارمي والفراهيدي، إذا كان الرجل بنفسهِ يصيح بعالي الصوت، أن قـواعِـده العروضية، لا تنطبق على الشعر الملحـون ، أي الشعبي " !
ونحنُ نسـأل: من أين اتيت بهـذا الكـلام ؟ وبـأيِّ مصدر تحـدّث الفراهيدي بهذا القـول ؟ ثـم أن الفـراهـيدي (100 - 170 هـ / 718 - 786 م ) تـوفّـى ولم يكن الشعر الشعبي في العراق قـد ظهـر للـوجود !؟ وقـد ذكر أبو الـفـرج الأصفهـاني في "كتاب الأغـاني" أن العـامة كانت تعـزف عـن الغِـناء باللّـغة الفُـصحى، ويطربون للغناء باللّـغة الـعـامية " وفي أخبار المغـني حُـنين الحـيري، مثَـلٌ واضح على تـذوّق العامة للشعر غير المعرّب، وعـدم إستجابتهـم وفهـمهـم للشعر الفصيح " *13 .
وقـد ظهـر في القرن الثالث الهـجري / التاسع الميلادي، بعض الشعراء المولّـدين، حملهم على التجـديد في بعض فـنون الشعر، وتوجيه بعضهـا وجهـةً جـديدة، كان لـه أثـرٌ في إسلوب الشعر وطريقتهِ في التعبير، لمـا لـهُ من " إسلوبٍ مـرن، فيه سلامةٌ وسهـولةٌ ووضوحٌ، وفيه رشاقة وعـذوبة، إسـلوبٌ لا يتوفّـر ولا يسلم إلى تعقـيد يُـفسِـده ويُـهـجّـنه، معـانيهُ ظاهرة مكشوفـة، وألفـاظه لا تُـلطّـف عن العامة، ولا تخفـو عن الخاصة، مع أنـاقةِ التعبير، ودِقّـة الحِـس والذوق، وأخذ هـذا الأسلوب المُـولّـد الجـديد، يفرض سلطانه على الشعرِ والشعراء، ولم يستطع اللُّـغــويّـون أن يقفـوا عـائقـاً دون هــذا السلطان، فـإنه على الرغـمِ من معارضتهـم لـه ، ذاع وانتشر، ومـا أن وصل القرن الثالث الهجري، حتى أصبح المَـثَـل الرفيع الذي يُـحتـذي بـه كل الشعراء *14
* ثم نرى أن الشعر بعد هـذا التاريخ جنـح إلى أسلوب السهـولة والإبتعـاد عن الغريب وحَـوشي الكـلام، لأن العـامة لا يـتـذوّقون غيره، ويتحلّـلون من الطريقة الفنيّـة في التعبير إلى التبسيط في الأسلوب إلى العـامية، لأنهـا أقرب إليهم من الفُـصحى *15
* ثُـم يشير د. العقـابي، في نصّـهِ أعـلاه إلى أنّـه " لم يقـرأ في أدبيات تلامذة الفراهـيدي وأتباعـه إستـثـناءً لتلك القـاعـدة، أن جذر المشكلة يكمن في وجود فرق جوهري بين اللّـغة العربية واللّـغة العراقية المحكيّـة، وهـو أن الأولى لا يلتقي فيهـا حرفان ساكنان كما في الثانية، فكيف يمكـننا إذن تطبيق قواعـد مستقرأة من العربية على الشعبية !؟ " ص48 .
وردّاً على هذه المسألة نقـول: أنّـه لمّـا كان الإيقـاع تـوافقـاً صوتيـاً بين مجموعة من الحركات والسكنات، يؤدّي وظيفة سمعية، ويؤثّـر فيمن يستجيب لـه ذوقيّـاً، بحكم ميل الإنسان نفسيّـاً إلى ما ترتضيه حاسة سمعهِ من تطريب يؤثّـر في أعماقه، فإن الإستجابة ستكون نسبية، على ضوءِ ما في تلك الحركات والسكنات من طاقـةٍ نَـغَـمية عالية، أو من رنين سحري يُـحفّـز الأعمـاق على الإستجابة، كــــما يقـــول ناقــــد معاصر *16 .
والشعر الشعبي، مثله مثل الفصيح، قديمه وحديثه، له أوزانه الشعرية الشعبية، وهي عينهـا الأوزان التي وضعهـا الخليل إبن أحمد الفراهيدي، وإن الشعراء الشعـبيّـين قـد حـذوا بمحاولاتهم حذو شعراء الحداثة، في الخروج على " النظام البيـتي في الشعر " ومحاولة كسر رتابتهِ، بعـد أن كانوا غير ميّـالين إلى مخالـــفة العَـــــروض العـربي القـــديم . *17
إن المعـيارية الوزنية التي تـمّ الإحتذاءُ بهـا شعبيّـاً، بالمطابقة مع الفصيح نرى :" أن التفعيلة في حشو البيت الشعبي وضَـربِـهِ، كثيراً ما تتـداخل بغيرهـا من التفاعـيل، بسبب كثرة الساكنات، وقِـلّة المتحرّكات، فضلاً عـن تقبّـل الأذن لكسور السمعية في الشعر الشعبي، قـياسـاً إلى الرسمي مـنه" *18 ، وبهـذا الإيضاح نعتقد أن حالة الإلتباس اللّـغـوي في وجـود " الحروف الساكنة" في العامية ومقارنتهـا بالفصحى، أصبحت واضحة في سياقات الشعر الشعبي، ومن ثم أصبحت سهلة في الإستخدامات الشعرية في شـعـر العامية العراقيـة .
* ثـمّـة إشكالٌ كبير، وقع فيه د, هاشم العقابي، في نصّـهِ أعــلاه، عـندما استشهـد بنصِّ إبن شهـيد عن الشعر الشعبي ، وعـدم تطابقهِ مع " بحور الخليلي الشعرية، حينما قال : " وبـسبب ذلك قال ابن شهـيد عن الشعر الشعبي " ليس لِـسيبويـه فيه عمـل، ولا للفـراهيدي إليهِ طريق، ولا للـبيان عليه سِـمة، إنما هي لكـنةٌ أعجمية، يـؤدّون بهـا المعاني ، تـأدية المجوس والنبـط " ص 48 .
وقـد أدلّـنا العقابي إلى مرجعية هـذا النص بالإشارة إلى " رسالة إبن شهيد الأنداسي" المعروفة بـ " رسالة التـوابع والزوابع " بتحقيق بطرس البستاني، ونشرة دار صادر البيروتية عام 1966م ، وحين العـودة إلى "هـذه الرسالة" وعلى الصفحات 56 - 57 ، من نفس الطبعة، ظهـر لـنا ما يلي :
1- إن ابن شهـيد لم يتطرّق إلى الشعر الشعبي " الملحون " بالمطلق، بل كان كـلامه منصبّـاً على " أسـلوب الجـاحظ في الكتابة ، وإليكم النص بالكامل : *19
( ومن ذلك ما جاء في رسالة - التوابع والزوابع - إذ يقول صاحب الجاحظ : إنّـك لخطيبٌ وحـائكٌ للـكلام مجيد، لـولا أنّـك مُـغرىً بالسجع، فكلامك نظمٌ لا نـثـر. ) فيجيبه : " ليس هـذا ، أعـزّك الله من جهـلٍ بأمرِ السجع، وما في المُـماثلة والمقابلة من فضل، ولكنّي عـدمتُ ببـلدي فرسان الكـلام، ودُهيتُ بغـباوة أهـل الزمـان، وبالحـرَّ أن أُحرّكهم بالإزدواج" فيقول لـه الجـني " فكيف كـلامهم بينهـم!؟ فيقول : " ليس لِـسيبويـه فيه عمـل، ولا للفـراهيدي إليه طـريق، ولا للـبيان عليه سمـة، إنما هي لكنةٌ أعجمية يـؤدّون بهـا المعاني، تـأدية المجوس والنـبط" فيصيح تـابع الجـاحظ " إنّـا لله، ذهبت العرب وكلامهـا، إرحمهم ياهـذا بسجع الكهـان، فعسى أن ينفعـك عـندهم، ويطير لك ذكراً فيهـم ) .
هـذا هـو النص الكامل الذي أوردهُ إبن شهيد الأنـدلسي في " رسالة التـوابع والزوابع " والذي اقتطع منه العـقـابي الفقرات المُـعيّـنة في نصّـهِ أعلاه، فهـل في هـذا النص ما يُـشير إلى " الشعر الشعبي" !؟ أم أنّ نص إبن شـهيد يشير إلى " السـجع " في الأدب العربي، والذي تميّـز بهِ الجـاحظ عن غيره، وهـو أحد الأساليب المشهـورة في الترسّـل في العصر العبّـاسي !.
* ثـم يشير د. العقابي، بجملة اعتراضية واستفهامية، تستـفـزّنـا جميعاً، يقول فيهـا : " وهذا يعني بوضوح، لا يطـاله اللِّـبس، أنّ أيّـةِ محاولة لربط الدارمي ببحور الفراهيدي، مغــلقـة من الباب إلى المحراب ، فبـأيِّ دليلٍ يـأتـينا مُـدّعٍ ليقول " أن أوزان الشعــر الشعـــبي هي عينهـا الأوزان التي وضعـــهـا الخليل إبن أحـمد الفراهيدي " ؟ ص48 .
وهـا أنـذا أدّعـي: بـأنّ الـدارمي في نظمهِ، يخضع إلى البحور الخليلية، وأن أيِّ شـعر، فصيحاً كـان أو عـاميّـاً، لا يمكن أن يمتلك " خـاصيـة الشعر" إذا لم يكن فيه وزنـاً أو إيقـاعـاً موسيقيّـاً، بمعنى آخر، أن لكل شعـرٍ وزنه العـروضي حتماً، هـذا أولاًّ، وثـانيـاً ، مهمـا اختلفت رؤى الباحثين والنُـقّـاد في عملية " عـدم تطابق آرائهـم حول إسم البحر الشعري" فإنهم يجمعون، من خـلال هـذا الإختلاف ، على أن " شعر الـدارمي" يُـنظم بوزنٍ شعري، وفـق إيقـاعية معينة، وقـد اطّـلعـنا على جملةِ من الآراء، لنُـقّـاد وباحثين وشعراء، أدلـوا بـآرائهم حول " وجود وزن شعري للـدارمي" وهـذا ينقض رأي د. هاشم العقابي الذي يقول : " في أن الـدارمي ليس لـه أيِّ وزن شعري، يـتّـفق وبحور الخليل العروضية " ص48 .
* في صـ49 ، من كتابه " غـزل العـراقيات " يخرج د. هاشم العقابي عن مجرى الحديث عـن " الدارمي" عندما يقول " فلو كانت الغايات مخلصة، تهدف إلى تقديم الدارمي كشعرٍ عـراقي متفرّد بمضامينه وإيقـاعاتـه، لعمل مثل عمل أهـل ( الـدوبيت) الذين رفضوا كل محاولةٍ لإدراجه تحت أيّةِ خـانـة من خانات الفراهـيدي، معتبرين ذلك تكلُّـفـاً لا فـائدة منه، ولأنهم على العكس من جماعتنا، جـادون ومخلصون لشعر شعبهم، نجحـوا في فرضهِ بحراً مضافـاً على قائمة الفراهـيدي، وبمباركةٍ من نقّـاد العرب ولغـويِّـيهم، رغـم أنه ليس عربي الأصل "
وردُّنـا على ذلك نقول : أن الشعر الـدارمي، يبقى له وزنـه العروضي، الذي ذكرناه في الصفحات السابقة، أمّـا " شـعر الـدوبيت " وبالرغم من أن أصوله فارسية، إلاّ أن الشعراء العرب " أوجـدوا لـه وزنـاً شعريـاً" أخضعـوهُ إلى المـيزان العروضي، للشعر العربي، فقـد كان " مـالك بن المُـرحِّـل" من أهـل المغرب - عاش في القرن السابع، ما بين 606 - 699 ، أوّل من وضع لـه ميزانـاً، يُـرجعُ إليه عـند الإضطرار أو الإختيار، وهـو في ذلك يقول : *20
( رأيت النـوع المعروف بالـدوبيت، من أوزان الكـلام المنظوم، مستقيم البناء، مُـستعذباً في الغِـناء، إلاّ أن بعض الناس يخلطون في النظمِ عليه، ويسلك مسلك العجم في الزيادةِ فيه، والتقصير مـنه، حتّى يخِـلُّ به، فصنعت لـه " مـيزانـاً " وبيّـنت ما يجب أن يُـلزم فيه، وما يُحـسن وما يُـقبّـح، قـياساً على الأنـواع العربية، واتّـباعـاً للأكثر في المساق والعـذبِ في المـذاق ).
* ومثل هـذا اللّـون من الشعر، جدير ان تكون له" قـواعـد تضبطـه" وتمنع الخـلّل فيه، ولذلك نجـد " إبن المرحّـل " قـد اعتـمد في وضع قـوانيـنه على عـناصر ثلاث هي : الأنـواع العربيـة، واضطـراد الأنساق، والعذوبةِ في المذاق" حتى لا تـبدو غريبة عـن الأوزان العربية، وعندما قال بأنه : اعـتمد على اضطراد الأنساق العربية، فيقتضي بـانه سيُـبعـد من النصوص ما شـذَّ عـن ذلك . *21
* وشـعـر الـدوبيت، معروفٌ في كثير من الدول العربية، وخصوصاً السـودان .
* في صـ 50 ، يـدخل د. هاشم العقابي بجدالٍ عَـروضي، يخص الصيغـة العروضية لبيت من الدارمي معروف هـو ( بت بعـد بالدلال ،،، جـاهـل يعت بيـه ) قـد عـرّض بـهِ على د. عـبد الرضا عـلي، والذي كان يشير إلى أن هـذا البيت جاء على صيغـــة ( مستفـعـلن فعـــلان مستفـعلاتـان) حيث ثـبّت ذلك د. عبد الرضا علي في مقالهِ ( في موسيقى الشعر الشعبي العراقي - قـديمه وحـديثـه) والمنشور في ( جـريد إيـلاف الألكترونية) بتاريخ السبت 20 فبراير - 2010 م ) وأعاد نشره في كتـابه الهـام " الإيقـاع في الشعر الشعبي العراقي" ص 19 ، وقد جـاء في الكتاب أن " وزن هـذا البيت على صيغـة " مستفـعـلن فعـــلان مستفـعلاتـن " *22 . وهذا الوزن العروضي من " الـرجز المُـهـمل " والذي ينظم عليه الـدارمي، وقـد عـلّق د. عبد الرضا علي، على هـذا الوزن بالقول : " أن هـذا الـوزن ، كان من تشكيلات " الرجز " التي أهملهـا القُـدامى والمعاصرون، لكونها أقرب إلى الفجاجة منها إلى النُـضج، ولعلـها كانت ضمن تشكيلات " الرجز " في مراحلهِ الأولى، ويقـوّي هـذا الظن ما لاحظناه من هـندسية صارمة في تسكين مفردات البيت الواحـد، ومنهـا تشكيلان هُـما " مستفـعـلن فعـــلان مستفـعلاتـن " والثاني " مستفـعـلن فعـــلان مستفـعلاتـان " ويـدخل البيت الـدارمي المعروف ( بت بعـد بالدلال ،،، جـاهـل يعت بيـه ) ضمن تفعيلة " مستفـعـلن فعـــلان مستفـعلاتـن " *23
ويعترض د. هاشم العقابي على ذلك بالقول :" حـتى طـالب الروضة في مدرسة الفراهـيدي العروضية، يعرف أنّـه من المستحيل أن تـبدأ تفعيلة هذا البيت بـ " مُسْـتـَـفْــعَــلُن " لأن الحرف الرابع متحرّك " صـ51 . ولو عُـدنا إلى البيت المذكور لوجدناهُ ساكـناً، وفق صيغـة " مُسْـتـَـفْــعَــلُن " فكيف جعلتهُ متحرّكـاً ؟
* وبتـقــديري: أن د. عـبد الرضـا عـلي، هـو أكـفـأ شخص أكـاديمي، درس وعرف أوزان الشعر الشعبي في العِـراق، في وقـتنا الحـالي، وكتابه الهـام " الإيقـاع في الشعر الشعبي العراقي " هـو حجّـة في ذلك، وهـو في متناول الكُـل، من الدارسين والباحثين والشعراء والقُـرّاء .
* ويميل د. هاشم العقابي إلى " ترك الأوزان الخليلية، والنحي نحو تقديم الشعر " بعـدد مقاطعهِ الصوتية ونسق تـواليهـا" مثلما قام اليابانيّـون بشعر " الـهـايكو " المتكوّن من ( 17 مقطعـاً صوتيّـاً )، أي 17 حرف في البيت، ويقيس على هـذا المقياس ببيت الدارمي العراقي المعروف :
( لتعـــــــاشر البـــــــــذّات،،، والمــالــــه تـــالــي)
( مثل اليصُـم بالمـاي ،،، يرد ﭼــفّـه خـالي )
حـيث يحوِّلهـا إلى " 22 " مقطع صوتي، موزّعـة على البيتين بالتساوي، وفق النحو التالي:11 حرف أو مقطع في كل بيت، 6 منها في الصدر و5 منها في العجز"*24
وأنا شخصياً، غير ميّـال لتلك الطريقة التي يقترحهـا العقـابي، وقـد تنفع عـند " الدول الأجنبية" في تطبيق هـذا المنهـج، أمّـا في بلداننا العربية فإن " مسألة التقطيع الشعري " تخضع إلى الوزن الإيقاعي، مُـذ عُـرف الشعر العربي على الأرض العربية، حتى أن هاشم العقابي نفسهُ يُـطبّـق " منهج الإيقـاع الوزني - العروضي" على بيتٍ كـتبهُ باللّـغة الإنجليزية يقول فيه : *25
" Go but nrver comeback ,,, with this littl cat "
ولو طبّـقنا طريقة العـقـابي في " التقطيع الشعري على أساس عـدد الأحرف الصوتية، لتجاوزنا القـاعدة كلّـهـا، ويعـترف د. هاشم العقابي نفسه، أنّـه صاغ هذا البيت الشعري في اللّـغة الإنجليزية على " إيقـاع" الـدارمي، وليس على صيغة " عـدد المقـاطع الصوتية " *26 .
وهـو معترض على " عـدم جـدوى طريقة التفعيلات، في إعطاء أيّـةِ صورة ذات معنى أو فائدة عـن الدارمي، لا للعـراقيّين ولا لغيرهـم " *27 . ونحنُ نقولُ لـه : أنتَ حُـرٌّ بشعركَ ، فـانظمهُ على الصيغـة التي تـراهـا مناسبة لك .

* * *

الإحـالات والهـوامش للفصل الثاني - وزن الـدارمي .

1- 2 - 3- راجع د. عبد الرضا علي : الإيقـاع في الشعر الشعبي - ص 18 - 19 ، منشورات دار العارف للمطبوعات ، ط1 بيروت 2018 .
4- أنظر : كاظم الفضلي - الشعر الشعبي العراقي ، أوزانه، أنـواعـه، تراكيبه الفنيّـة - الباب السادس " الدارمي" بحث طويل منشور على موقع " ملتقى الأدباء والمبدعين العرب " بدون تاريخ .
5- عبد الرزاق الحسني : الأغـاني الشعبية - ص 97 ، مطبعة العاني ، بغـداد .
6- مجلة المـورد العراقية - مجلة فصلية- مجلد 1 - ص224 ، وراجع كذلك " محمد علي محي الدين - دراسة بعـنوان " الدارمي أو غـزل البنات " منشور على موقع " قبيلة الفضول الرسمي " بتاريخ 20 / 12 / 2010 .
7- راجع عبد الأمير صفر - مقال - في مجلة التراث الشعبي - العدد 9 السنة 5 لعام 1074م .
8- راجع الشيخ علي الخـاقاني " فـنون الأدب الشعبي" الحلقة الثانية - ص25 ، منشورات الدار العربية للطباعة ، ط3 ، 1989 م .
9- غـالي الخـزعلي : الدارمي - الفولكلور العراقي الأصيل- شعر المرأة العراقية - ص30 . منشورات أحمد المالكي ، بغـداد 2020 .
10- ربيع الشمري : العروض في الشعر الشعبي العراقي - ص183 - 184 - منشورات وزارة الثقافة والإعـلام العراقية - ط1 بغـداد 1987 .
11- أنظر ريسان الخزعلي : كتاب الهـايكو السومري- ص19 ، منشورات دار ميزابوتوميا - بغـداد 2014 .
12- د. هاشم العقـابي : غـزل العراقيات - دراسة في أصل الدارمي - ص48 ، منشورات دار نابق للنشر والتوزيع - ط1 بغـداد 2022 .
13- أبو الفـرج الأصفهـاني - الأغـاني 2/ 346 ، طبعة دار الكتب المصرية - طبعة مصوّرة .
14- د. شوقي ضيف : الفـن ومـذاهبه في الشعر العربي - ص129 منشورات دار الكتب المصرية، مصر 1965 .
15- رضا محسن حمودي القريشي : الفـنون الشعرية غير المُتعرّبة - المواليا - ص20 ، منشورات وزارة الإعـلام العراقية - السلسلة الفولكلورية - بغداد 1976 .
16- د. عبد الرضا علي : الإيقـاع في الشعر الشعبي - ص10 .
17- المرجع السابق - نفس المكان .
18- نفسه .
19- إبن شـهـيد الأنـدلسي : رسالة التـوابع والزوابع - ص56 -57 ، تحقيق بطرس البستاني، منشورات دار صادر بيروت 1996 .
20- أنظر : مالك بن المرحّـل- شرح الغـموض في مسائل العَـروض " الورقة 60 مخطوطة محقّـقـة بقلم الأستاذ هـلال نـاجي ، منشورة في مجلة المـورد العراقية - العـدد 4 المجلّـد 3 - دار الحريّـة للطباعة بغـداد لعام 1974م - ص165 .
21- راجع : عبد السلام شقـوّر " من مصادر النقد الأدبي في العصر المُـرّيني - مقال منشور بمجلة كلية الآداب - تطوان ، السنة الأولى العـدد 1 ، نوفمبر 1987 - ص104 .
22- د. عبد الرضا علي : الإيقـاع في الشعر الشعبي - ص19 .
23- د. عبد الرضا علي - جريدة إيـلاف الألكترونية - المصدر المذكور في النص، وراجع كذلك المصدر السابق - ص19 .
24- د. هاشم العقابي - غزل العراقيات - ص 52 - 53 .
25- المرجع السابق - ص 55 .
26- نفس المرجع السابق .
27- نفســه .

* * *








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الدرس الثالث - الوحدة الاولى في اللغة الفرنسية للصف الثالث ا


.. سر غضب نقابة المهن التمثيلية بعد ضبط الفنانة منة شلبي!




.. صباح العربية | لقاء خاص مع الفنان الشاب يوسف عثمان وكواليس م


.. 184حكايات وذكريات السيدحافظ - الحرب القذرة-




.. 183حكايات وذكريات السيدحافظ - أنا والمنصورة-