الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


رُوزنامةُ الأسبوع ـ طَقُّ الحَنَكِ .. الانقِلابِي

كمال الجزولي

2022 / 10 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


الاثنين
صوَّبني صديقي التَّشكيلي والباحث فتحي محمَّد عثمان بشأن ما أشرت إليه في الرُّوزنامة الماضية، ضمن نعيِّي للفنَّانة سعديَّة الصَّلحي، من أن ذويها رحلوا من بيتهم القديم في «العبَّاسيَّة»، جنوب أم درمان، إلى البيت الذي ابتناه شقيقها التَّشكيلي العالمي إبراهيم في «الجَّرَّافة»، أقصى شمال المدينة، حيث الصَّحيح أنه ابتناه في «ود البخيت»! ورغم أن المعلومة ليست جوهريَّة بالنِّسبة لمضمون النَّص، فإن صديقي لم يفوِّت، والحقُّ معه بالطبع، فرصة سنحت له كي يتندَّر على مستوى معرفة أم درماني قُح مثلي بالمدينة!
نعم، أعترف بأنني أخطأت، رغم أنني حدث أن زرت بيت آل الصَّلحي الجَّديد هذا، رفقة صديقي التَّشكيلي جرجس نصيف، وأصدقاء آخرين كسليمان العريفي وغيره، لنسلم على حبيبنا إبراهيم، يوم عاد من مقرِّ إقامته بأوكسفورد في آخر زياراته للوطن. أخطأت، وربَّما كان عذري أن مزاج الأمدرمانيِّين الأقحاح، وليس علمهم بالجُّغرافيا، ظلَّ، إلى عهدٍ قريب، يترعرع، أعماراً بأكملها، على اعتبار «مقابر أحمد شرفي ومقابر البكري» هي آخر الحدود الشَّماليَّة لمدينتهم، وبذا أخرجوا «الثَّورات» منها، بما فيها حتَّى الحارات القديمة المتاخمة لتلك المقابر من النَّاحية الشَّماليَّة! ويُروى أن عمَّنا احمد داؤود، عليه رحمة الله، اعتذر عن قبول القطعة التي أهداها له بعض مسؤولي نظام الفريق عبُّود، طمعاً في حلاوة لسانه، عندما خطَّطوا تلك الحارات، كي يبتني لنفسه بيتاً فيها، قائلاً:
ــ «الزُّول البيموت بيقولوا (ودوه) المقابر، دحين انتو دايرينِّي لمَّا أموت يقولوا (جابوه) المقابر»؟!
إذن، وبما أنه ليس ثمَّة مَن يمكن أن يبزَّ احمد داؤود في أمدرمانيَّته، فليس لفتحي، بهذا المنطق الصَّاعق، أن يتمثَّل بأبي حنيفة النُّعمان، فيسترخي ويمدُد ساقيه!
نعم، لم تكن المناطق التي تُعرف الآن بـ «الجَّرَّافة»، و«الحتَّانة»، و«ود البخيت»، وغيرها مِن «الخُدِّير الأكلو الطِّير»، جزءاً، وقتها، لا يتجزَّأ من أم درماننا! بل حتَّى «كرري» لم تكن لتحظى، في عُرفنا، بالانتساب لأم درمان، لولا كونها البوَّابة التي جاءنا منها كتشنر ليثقب القٌبَّة بمقذوفه اللعين، ويستبيح المدينة! وحيث أن الشئ بالشئ يذكر، وأنه لم يكن ثمَّة بيت يخلو، في المدينة، على أيَّام صبانا، من الغنم، فقد كان الرُّعاة يأتون من تلك المناطق إلى أزقتنا، في الصَّباحات الباكرة، ليأخذوا الغنم، ثمَّ يعيدوها في العصاري، بعد أن «يفسِّحوها»، على حدِّ تعبير فتاة الخرطوم/2 في التَّعريف بمهنة الرَّاعي! وكنَّا، عندما نذهب لنلهو، ونلعب، ونسرح، ونمرح، في تلك المناطق، نلتقي أولئك الرُّعاة الذين كنا نعرفهم ويعرفوننا، وكثيراً ما كانوا يعرضون علينا أن يبيعونا بعض أراضيهم هناك بتراب القروش، القطعة بـ «ريال اب عشرين»، أو «طرَّادة»، أو شئ من هذا القبيل! ولكن مِن أين لنا ذلك المبلغ المهول، وقتذاك، فضلاً عن أن امتلاك أرض، أصلاً، «خارج» أم درمان لم يكن مِمَّا يغرينا، أو يغري ذوينا، قدر قلامة ظفر، دَعْ مجرَّد أن تطوف بأخيلتنا الطفلة، وقتها، هذه القصور الفاخرة التي نبتت، الآن، في المكان، مثل قطع «الكيك» الملوَّن في حفلات الشَّاي الفاخرة، كما وصفها لنا محجوب شريف، ساخراً، ذات يوم!

الثُّلاثاء
كثيراً ما تناولت قضيَّة «الذِّهن الرَّعوي» من الزَّاوية الفكريَّة. ومن ذلك، مثلاً، ما ضمَّنته روزنامة الثلاثاء 22 أبريل 2008م، وأستعيده في ما يلي:
(حاوِلْ، مرَّة، أن تتخلَّص من صمغ الخطاب «الثَّورجي» اللبيك، في الكثير مِمَّا يصابحك، يوميَّاً، من كتابات، ويماسيك، وأن تتجاوز «ضجَّته» العالية، و«هديره» الدَّاوي، لتكتشف أنه لا يبرح، قيد أنملة، كونه مجرَّد خواء عريض يصلُّ صليلاً، ومحض شنشنة تعزف على أوتار «حريق الرُّوح» الجَّماهيري العام! أمَّا في ما عدا ذلك فلا «ثمرة» فيه، لا عِلَّة تُشرَّح، ولا حلاً يُقترح، ولا خطة تنطرح، ولا مخرجاً، بالمرَّة، من أزماتنا يُتاح! إنه، في نهاية المطاف، ليس سوى «نقنقة» كثيفة .. والسَّلام! فكثرة «النَّقنقة»، بلا «ثمرة»، هي، إذن، مِن أخصِّ خصائص إنتليجينسيا البرجوازيَّة الصَّغيرة التي ينتسب إليها نفرٌ نشط من مسوِّدي الصَّحائف، بكلِّ ما يخالط مناهجها، وأساليبها، وطرائق تفكيرها من تأثيرات «الذِّهن الرَّعوي»!
وقد سبق لنا، في محاولة لاستكناه جوهر أزمتنا السِّياسيَّة، أن لاحظنا، للمفارقة، هيمنة فئة الانتلجينسيا المستعربة المسلمة، الخارجة، فى غالبها، من جلباب الطَّبقة الوسطى، على المفاصل الأساسيَّة للعمل السِّياسى والاجتماعى فى كلِّ حقوله وساحاته، وتزعُّمها المطلق لأحزابه وكياناته، وتأثيرها الشَّديد على خطابه وأدائه، فضلاً عن سيطرتها على قنوات المعرفة والاتِّصال الجَّماهيري، من صحافة، وراديو، وتلفزيون، وما إلى ذلك من المؤسَّسات الإعلاميَّة، والتَّربويَّة، المعنيَّة بتشكيل الوعي الاجتماعي العام. على أن الكثيرين منهم، للأسف، ما تنفكُّ تستغرقهم الجُّزئيَّات المفكَّكة، هنا وهناك، كبقيعات السَّراب، يجترُّون سائد تعابيرها، ويتبلَّغون دارج مسكوكاتها، ليعيدوا إنتاجها «نقنقة» على الورق، ومن فوق المنابر، يداعبون بها «ما يطلبه المستمعون!»، دون أن يرفعوا «رؤوسهم»، ولو قليلاً، من تحت الماء، ليمعنوا التَّأمُّل في «المفكَّك»، ويحاولوا لمَّ شعثه في «كليَّاتٍ» تعينهم على التَّفكير المستنير، علَّ «بصيرة» ما تهديهم إلى حكمة أخرى، رؤية أقرب إلى الحقيقة، طالما أن الحقيقة المطلقة غير موجودة، وطالما أن إدمان ركوب الرَّأس، وتجريب المُجرَّب، لن يُفضي سوى إلى ندامة السَّير بأعين معصوبة خلف «وهم الكونكورد ـ Concorde Fallacy»، أو اتِّخاذ المواقف خلف مرحلة التَّطوُّر الحيواني التي تستصوب هجر الطريق المسدود إلى غيره، على حدِّ إشارة محمد سليمان الذَّكيَّة في كتابه «السُّودان: حروب الموارد والهُويَّة».
إنحدار غالب هذه الفئة الاجتماعيَّة من رحم الطبقة الوسطى، بسماتها العامَّة الملازمة لتركيبتها منذ أول نشأتها في بلد لما يزل تحت الاستعمار كالسُّودان، هو، إذن، من أهمِّ العوامل التى أورثتها خصائصها الفكريَّة السَّالبة، وتسبَّبت في إضعاف قدراتها القياديَّة، تحت ثقل السُّلطة المعنويَّة لمنظومة القيم الاجتماعيَّة «الرَّعويَّة» السَّائدة! فقد تنشَّأت هذه الطبقة في إطار خارطة اقتصاديَّة، سياسيَّة، اجتماعيَّة، وثقافيَّة، لعب التَّدخُّل الخارجي، عشيَّة ومطالع القرن العشرين، الدَّور الأساسي في تشكيلها بصورة مغايرة للنَّمط الذي تشكَّلت به في مجتمعات الغرب الرَّأسماليَّة الصِّناعيَّة، حيث ألحق الاستعمار السُّودان بالنِّظام الرَّأسمالي العالمي، في الوقت الذي كانت فيه القاعدة الاقتصاديَّة السَّابقة على الرَّأسماليَّة، وكذلك مستويات البنية الفوقيَّة المرتبطة بها، ما تزال تلعب الدَّور الأهمَّ في اقتصاديَّاته وأشكال وعيه. ومِن ثمَّ أضحت الطَّبقة الوسطى، وأساسها التِّجار، والمزارعون، والأفنديَّة، متنازَعة بين إغواء الفرص المتاحة للصُّعود، وبين رعب السُّقوط في مصير الفقر المستشري، على أيَّام الاستعمار، في طول البلاد وعرضها، مِمَّا ابتلاها بدوافع التَّراجع، والانكسار، والنُّكوص، والمحافظة، بقدر ما أكسبها من مقوِّمات التَّمرُّد «الثَّورجي/الفوضوي»! هذا الواقع الملتبس، والمنجذب إلى الخلف، إلى البيئة «الرَّعويَّة» بالذَّات، هو الذى شكَّل العامل الأكثر خطورة، ضمن العوامل الجَّدليَّة لتذبذب هذه الطَّبقة، وبالتَّالي فئة الانتليجينسيا المنحدر غالبها منها، على صعيدي البنية الفكريَّة والأداء السِّياسي!
إنهارت الطَّبقة الوسطى، وعادت أثراً من بعد عين، لكن فكرها ومزاجها «الرَّعويَّين» ما زالا فاعلين، ناشطين، بل .. ومتسيِّدين)!

الأربعاء
بالأربعاء 5 أكتوبر الجَّاري (2022م)، ومن فوق كلِّ «النِّزاعات» الحوالك التي تسِم الرَّاهن السِّياسي، وقَّعت «تنسيقيَّات لجان المقاومة»، في شتَّى ولايات السُّودان، «الميثاق الثَّوري لسلطة الشَّعب»، وأطلقت، مِن ثمَّ، نداءها إلى كلِّ القوى السِّياسيَّة والمدنيَّة للانضمام إليه، والالتفاف حوله، باستثناء مؤسَّسات النِّظام البائد.
كشفت المناقشات التي تناولت هذا «الميثاق» نقطتين ربَّما تستدعيان المزيد من التَّداول المتريِّث، قبل حسم التَّقرير، نهائيَّاً، بشأن استصحابهما، أو استبعادهما، أو تعديلهما، وهما: إلغاء «الوثيقة الدُّستوريَّة» لسنة 2019م؛ وإلغاء «اتفاق سلام جوبا» لسنة 2020م. أمَّا في ما عدا تينك النُّقطتين، فثمَّة جملة من الأهداف التي لا يمكن، إذا تحلَّى الأطراف بالقدر اللَّازم، بل بالحدِّ الأدنى، من المسؤوليَّة، تصوُّر إمكانيَّة الاختلاف حولها، حيث أن الاصرار على هذا الاختلاف لا يمكن أن يقع، في مثل هذه الحالة، إلا من باب المكايدة السِّياسيَّة، وهذه الأهداف هي:
(1) مواصلة المقاومة السِّلمية لسُّلطة انقلاب 25 أكتوبر، بهدف إسقاطها، دون شراكة، أو شرعيَّة، أو مفاوضة للانقلابيِّين، مع التَّصدِّي الصَّارم لمحاولة استعادة النِّظام البائد؛
(2) صناعة دستور جديد يؤسِّس لسلطة الشَّعب المدنيَّة الدِّيموقراطيَّة؛
(3) استلام السُّلطة عبر مجلس ثوري، وبناء هياكلها خلال ما لا يتجاوز الشَّهرين من إسقاط الانقلاب؛
(4) اعتبار السُّودان دولة ديموقراطيَّة، تقوم الحقوق والواجبات فيه على المواطنة، دون تمييز بالعرق، أو الدِّين، أو الثَّقافة، أو الجِّنس، أو اللون، أو الإعاقة، أو الوضع الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو الانتماء الجِّهوي، أو الرَّأي السِّياسي، أو ما إليه؛
(5) اعتبار رئيس الوزراء المدني هو القائد العام للقوَّات المسلَّحة السُّودانيَّة؛
(6) سنُّ قانون ديموقراطي للنَّقابات بمشاركة أصحاب المصلحة، تأسيساً على مبدأ الحقِّ الأصيل للعاملين في تنظيم أنفسهم، والدِّفاع عن حقوقهم، والإسهام في رسم وصياغة السِّياسات، سواء العامَّة أو المتعلِّقة بقطاعاتهم، بما يضمن تحوُّل هذه النَّقابات إلى فاعل أساسي في المشاركة الشَّعبيَّة، والإصلاح المؤسَّسي.
…………………………
…………………………
لا يمكن، عقلاً، بطبيعة الحال، قبول التَّضحية بهذه النِّقاط السِّت، دَعْ الكثير غيرها مِمَّا قد ينضاف إليها، إذا توفَّر الحدَّ الأدنى من المسؤوليَّة، كما قلنا، بالغاً ما بلغ احتدام الخلاف حول النُّقطتين الأُوليين! لكن السُّؤال: كيف للحدِّ الأدنى من المسؤوليَّة أن يتوفَّر، بينما المشهد السِّياسي يعجُّ، للأسف، بالخلافات وبالاتِّفاقات التي لا تقع إلا على سبيل المكايدة للخصوم، علماً بأن الخصومة، في كلا الحالين، للأسف، متعمَّلة، مفتعلة، وما كان ليمكن وقوعها قُبيل ديسمبر 2018م، يوم كان الجَّميع أسرى زنازين أمن النِّظام البائد، أو يوم كان التَّصفيق يدمي الأكفَّ بالموافقة، مثلاً، على مقرَّرات أسمرا للقضايا المصيريَّة! بل إنَّ هذه الخصومة لتكاد تلامس، اليوم، حواف العبث! فعلى حين يبيت النَّاس ويصحون على شائعة تسوية يعتزمها المجلس المركزي للحرِّيَّة والتَّغيِّير مع لجنة البشير الأمنيَّة، اعتذر هذا المجلس، بمنطقٍ هشٍّ، عن قبول دعوة لم توجَّه له، أصلاً، بل وُجِّهت إلى مكوِّناته فُرادى، للمشاركة في فعاليَّات التَّوقيع على هذا «الميثاق»، وجاء الاعتذار بحجَّة أن أصحاب الدَّعوة كانوا قد أعلنوا شرط استعدادهم للتَّعامل، فقط، مع هذه المكوِّنات فرادى، ورفضهم التَّعامل مع الكُتل والتَّحالفات! وبالمقابل كان على مَن وجَّهوا الدَّعوة، أيضاً، واشترطوا أشراطها، أن يتوقَّعوا، على خلفيَّة نفس هذا المنطق الأكثر هشاشة، ألَّا تجد دعواتهـم الموجَّهـة إلى هذه المكـوِّنات الفرادى أدنى نصيب من الاستجابة!
ثمَّ ما كادت تشرق شمس اليوم التَّالي، بالخميس 6 أكتوبر، حتَّى كان الآﻻف من الثُّوَّار والمحتجِّين يتحشَّدون، من محطة 7 إلى شارع أفريقيا بالخرطوم، ومن المؤسَّسة إلى تجمُّع المحاكم ببحري، ومن محليَّة كرري إلى مبنى البرلمان بأم درمان، استعداداً للزَّحف، عند الظَّهيرة، صوب قلب العاصمة لتسيِّير تظاهرة غير مركزية بعنوان «العدالة»، لإدانة القمع ضدَّ المعارضين، وشجب الانتهاكات التي تمارسها أجهزة الأمن، والمطالبة بإيقافها، ومحاسبة المنتهكين، والإفراج عن المعتقلين، والكشف عن أماكن وجود المفقودين، والمخفيِّين قسريَّاً. وعلى حين كان الفتية يرفعون، عالياً، صور الشُّهداء، والضَّحايا، والمعتقلين، ويردِّدون الهتافات المعادية لانقلاب 25 أكتوبر، والمنادية بإشاعة الحرِّيَّات العامَّة، والحقوق الأساسيَّة، واستعادة الحكم المدني الدِّيموقراطي، كانت أجهزة السُّلطة الانقلابيَّة تواصل ممارسة منهجها القمعي، القائم في مطاردة المواكب بالمدرَّعات، والكتائب المسلَّحة، ومصادمة التَّعبيرات السِّلميَّة، بالرَّصاص المطَّاطي، والقنابل الصَّوتيَّة، والهرَّاوات الغليظة، والغاز المسيِّل للدموع. مع ذلك كان ثمَّة ثوَّار كطلع النخيل والورد، وبوسامة البدور والأنجم، يُبدون أعلى مستويات الفداء، وأقصى درجات الاستبسال، مشدِّدين على أن 25 أكتوبر القادم لن يمثِّل، فقط، الذِّكرى الأولى للانقلاب، وإنَّما، بالأساس، قدرتهم على إسقاطه، ليكون الأخير في تاريخ الانقلابات بالبلاد.
وإذن، أفلا يعيد القادة السِّياسيُّون التَّفكير مرَّتين في الأمر، كي يتبيَّنوا القدر من العبث الكامن في تزاحمهم على صغائر الانتصارات، وتوافه المغانم، والفارق بين ذلك وبين اندفاع شباب الثُّوار إلى الشَّهادة والتَّضحية، بمحض الصُّدور العارية، والجِّباه الوضيئة، والأذرع المشرعة، والحناجر المثقلة بالهتاف الوطني الدِّيموقراطي؟!

الخميس
شقَّ عليَّ رحيل صديقي عبد الله حمدنا الله، عليه رحمة الله ورضوانه، وأحزنني أكثر أنني لم أسمع به إلا متأخِّراً، وقد وجدتُّ أن أوفق ما أنعيه به هنا هو أن أستعيد، في ما يلي، ما كنت كتبت عنه، وتداولت معه، في روزنامة 16 أبريل 2007م:
(أحد الذين أعتزُّ بصداقتهم، على المستوى الانساني، لسنوات طوال حتى الآن، دون أن يؤثِّر في ذلك تنائي خلفيَّاتنا الفكريَّة، أو تباعد انتماءاتنا السِّياسيَّة، صديقي الأديب الأريب عبد الله حمدنا الله! ما يزينه دائماً، سواءً اتِّفقت أم اختلفت معه، هو الجِّديَّة التي يتعاطى بها مع عمله الثَّقافي، واستنتاجاته الفكريَّة، بلا عصبيَّة، وتجويده لشواهده وحُججه بلا مكابرة، ورغبته الصَّميمة في اختبار أفكاره من زاوية أخرى!
حمدنا الله بحَّاثة صبور على الحفر مهما تعسَّر، شغوف بالمصادر مهما ندرت، كَلِفٌ باللقيات المدهشات خلال عكوفه الطويل على التَّنقيب في حقل الدِّراسات السُّودانيَّة، على وجه الخصوص، وبالأخصِّ في التَّاريخ الاجتماعي للفكر، والأدب، والفنِّ في بلادنا. ومن أمتع الأوقات بالنِّسبة لي تلك التي نقضيها ننبش مداخل واقعة صغيرة بمنهجين يبدوان متضادَّين، لكنهما يتوحَّدان في ما يرتِّبان من متعة المقاربة ذاتها، ونفعها، في آن واحد، بصرف النَّظر عمَّا قد نخلص إليه من «حقيقة» بأكثر من وجه، كونها تنتسب، بطبيعتها، إلى النسبيَّة والجَّدل!
سلخنا، هذه الليلة، وللمرَّة الألف، ساعة بأكملها في سيرة «فَوْز»: هل هي «الشُّول بت حلوة»، حسب مصادره الثِّقات، وحسب مصدري الثِّقة، أيضاً، حدباي احمد عبد المطلب؟! أم هي «مبروكة» حسب بعض المصادر؟! أم هي شخصيَّة تختلف عن هذي وتلك حسب مصادر أخرى؟! ومَن كان معبرها إلى عالم رموز «الاتِّحاد السُّوداني» و«اللواء الأبيض)؟! هل هو الخليل؟! توفيق صالح جبريل؟! أم محي الدِّين جمال أبو سيف؟! وما سبب ثقتهم فيها إلى حدِّ إسكانها وأمِّها في بيت كانوا يُخفون فيه مطبعة بدائيَّة أهداهم إياها عبد الله خليل؟! و«مدام دي باري» التي ورد ذكرها في كتاب المحجوب وحليم «موت دنيا»: ما اسمها الحقيقي؟! وهل كان مجلس «فَوْز»، بأم درمان، محض «جارسونيرة» للنخبة السِّياسيَّة الوطنيَّة في عشرينات أو ثلاثينات القرن المنصرم؟! وهل كانت «دي باري» تدير صالوناً أدبيَّاً، بحقٍّ وحقيق، يتحاكم إليها فيه شعراء ذلك الزمان، تجيز هذا، وتنبِّه ذاك إلى عيوب نظمه، أو إلى وقوعه في شباك نظم غيره؟! وهل هي، بالفعل، سليلة تلك الأسرة الأمدرمانيَّة العريقة؟! وهل كانت متزوجة من ذلك اللاعب والإداري الشَّهير بنادي كرة القدم الأم درماني العريق؟! وعموماً ، إلى أيِّ مدى أثَّرت المعياريَّة الأخلاقيَّة السُّودانيَّة في كلِّ هذا الغموض، والتَّخفِّي، والتَّرميز الكثيف الذي اعتمدته المصادر، كمصدر حسن نجيلة في «ملامح من المجتمع السُّوداني»، وفي شأن يُعَدُّ، على نحو أو آخر، جزءاً عزيزاً من تاريخنا الثَّقافي والوطني؟! وهل، بنظر مقارن، أضرَّ بسيرة العقَّاد، مثلاً، كشْفُ مؤرِّخي الأدب لعلاقاته العاطفيَّة بمي زيادة، أو مديحة يُسري، أو أليس أسعد داغر؟! وهل مسَّ شعرة من سيرة شيخ شعراء الشَّعب المجذوب نشْرُ علي أبو سن لرسائله إلى روز ماري، أم أنها زادتنا معرفة به، وبجانب مهم من عوالمه الابداعيَّة؟! بل وكيف لا تكون لنا الأسوة الحسنة في مذكرات المرحوم بابكر بدري «حياتي» التي اختط فيها نهجاً بوَّأها أعلى مستويات هذا الضرب من السَّرديَّات، مقارنة بتآليف أسماها مصنفوها «مذكرات»، بينما هم، بمعياريَّتهم الأخلاقيَّة الكاسدة، قد هبطوا بقيمتها إلى محض إفادات شخصيَّة محايدة حول أحداث تاريخيَّة .. من خارجها؟!)

الجُّمعة
التَّقرير الاستقصائي الذي نشرته بعض الصُّحف، خلال الأسبوع الماضي، حول مدير الكنترول بأحد مراكز امتحانات الشِّهادة السُّودانيَّة السَّابقة، والذي قال إن احتياجه للمال لعلاج أحد أبنائه هو الذي اضطرَّه لانتحال صفة أحد طلابه، وتأدية بعض الامتحانات باسمه، وهو فعل مجرَّم بموجب «القانون الجَّنائي لسنة 1991م»!
الظروف الاجتماعيَّة، وما إليها، مِمَّا يحتوش الفعل الإجرامي، لا تصلح، قطعاً، لـ «تبريره»، وإن كانت تصلح، بالقطع أيضاً، لـ «تفسيره»! والفارق، في هذه الحالة، بين «التَّبرير» و«التَّفسير» هو جوهر التَّحدِّي الذي ينطرح أمام الوجدان القضائي إزاء الموازنة بين كفَّتي «تطبيقات القانون» و«وتطبيقات العدالة»!

السَّبت
في خطابه بمنطقة كدباس بمحلية بربر، بمناسبة إبرام مائة عقد قران، رمى الفريق أوَّل البرهان، قائد انقلاب 25 أكتوبر، كلَّ مَن يقول إن ذلك الانقلاب داعم لـ «المؤتمر الوطني»، بـ «الكذب والسُّواقة بالخلا»!
حسناً .. وحيث لا تنتطح عنزان في كون مصدر الهلع الأساسي الذي يتملَّك «المؤتمر الوطني»، والقوى الاجتماعيَّة الدَّاعمة له، المستفيدة منه، إنَّما هو أداء «لجنة إزالة التَّمكين»، سياسيَّاً واقتصاديَّاً، فثمَّة أسئلة محدَّدة وبسيطة، نطرح منها ثلاثة فقط أمام البرهان، شاكرين له إن تفضَّل بالإجابة عليها:
الأوَّل: ماذا يسمِّي سيادته قرار المسجِّل العام لتنظيمات العمل بإلغاء قرار «لجنة إزالة التَّمكين» الذي قضى بحلِّ «اتِّحاد الصَّحفيِّين» التَّابع لـ «المؤتمر الوطني»، وقراره هو بـ «تعيين» لجنة تسييريَّة للاتِّحاد من نفس العناصر الدَّاعمة لـ «المؤتمر الوطني»، متجاهلاً ممارسة الصَّحفيِّين، قبل أسابيع قلائل، لحقِّهم النَّقابي الدِّيموقراطي، ما تمخَّض عنه انتخاب قيادة لنقابتهم؟! أليس هذا «دعماً للمؤتمر الوطني»، أم، تراه، «كذب وسواقة بالخلا»؟!
الثَّاني: ماذا يسمِّي سيادته كون وكيل النِّيابة الأعلى بقطاع الخرطوم قد اعتبِر الأستاذ وجدي صالح عبده خليل، القيادي الأبرز بـ «لجنة إزالة التَّمكين»، متَّهماً هارباً من وجه العدالة، مِمَّا استوجب الانتقام منه بنشر إعلان صحفي له كي يسلِّم نفسه (!) وللجُّمهور كي يساعد في القبض عليه (!) بكلِّ ما في ذلك مِن تجاوز للأسس القانونيَّة والأخلاقيَّة التي تحكم هذا النَّوع من الإجراءات، علماً بأن الأستاذ المذكور معلوم محلِّ الإقامة، والعمل، والنَّشاط السِّياسي؟! أليس هذا، أيضاً، «دعماً للمؤتمر الوطني»؟! أم أنه «كذب وسواقة بالخلا»؟!
الثَّالث: أم أن المسألة، برمَّتها، لا تعدو كونها، في شِرعة سيادة الجَّنرال، محض «طقِّ حنك» .. ساكت؟!

الأحد
في مذكِّراته بعنوان «أوراق من الذَّاكرة - محطات في مسيرة ضابط شرطة»، أورد المرحوم عبد الوهاب إبراهيم، وزير الدَّاخليَّة، ورئيس جهاز الأمن، في حكومة النِّميري، أن جهازه حقَّق، يوماً، مع المهندس الشِّيوعي المعروف صدِّيق يوسف. وعند سؤاله عمَّن جنَّده في الحزب الشِّيوعي، فاجأ صدِّيق ضابط التَّحقيق بأن الذي جنَّده هو .. عبد الوهاب إبراهيم، رئيس الجِّهاز ذاته، وذلك عندما كان كلاهما طالباً بوادي سيدنا الثَّانويَّة! فأسقط في يد المحقِّق، ولم يحر ما يفعل، لولا رجوعه لعبد الوهاب نفسه الذي أمره بتسجيل إجابة صدِّيق بحذافيرها!

***








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الرباط تحتضن اجتماعا إسبانيا مغربيا رفيع المستوى في الأول وا


.. الرئيس الجزائري يقوم بزيارة دولة إلى روسيا في مايو المقبل




.. روسيا ومصر تبحثان القضية الفلسطينية والتسوية الليبية وأزمة أ


.. تعرف على مميزات مدفعية سيزار الفرنسية المرسلة إلى أوكرانيا




.. من القدس.. وزير خارجية أمريكا يؤكد التزام بلاده الصارم بأمن