الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الهاشمية السياسية -ملاحظات على التعقيبات - 5-5

قادري أحمد حيدر

2022 / 11 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


*بين الأيديولوجي والسياسي والتاريخي:

قال العزيز/ عيبان إنه "يختلف معي في المنهجية التي اعتمدتها في قراءة الظاهرة الطائفية وما يسمى بــ "الهاشمية السياسية"، وهي منهجية تعتمد على العودة إلى التاريخ لتفسير بعض قضايا الحاضر، وهذا واضح – كما قال- من خلال الشواهد التي أوردتها في مواضع مختلفة من "الحلقة الخامسة من الحلقات الأسبق".

طبعاً دون أن يقول بوضوح أين يكمن الاختلاف الذي يدور حول المنهجية، ولا حول ما هي القضايا التاريخية المختلف حولها؟!! فقط لأنني عدت إلى التاريخ لتفسير بعض قضايا الحاضر، ونسي العزيز/ عيبان، كما سبق أن أشرت في الحلقة الثالثة من الحلقات الأسبق"- أنه اقتحم مجالاً مشحوناً ومؤطراً بالتاريخ من جميع جهات الكلام، فماذا يسمي عنوانه، "في خطأ القول: بــِ"مصطلح الهاشمية السياسية"؟!! إن مجرد اختياره لهذه المادة/ العنوان فضاءً لكتابته يعني أنه دخل حقل التاريخ من أوسع أبوابه المظلمة في حياتنا كيمنيين من جميع المكونات بمن فيهم الطائفة "الهاشمية الكريمة".

ومع ذلك يحتج بأن العودة للتاريخ لمناقشة أو تفسير بعض قضايا الحاضر تضر بالمنهجية التي اعتمدتها!!.

إننا أمام مادة/ مقالة مدججة بالتاريخ من الرأس حتى العظم، والجلد والدم، فكيف بنا نقفز على التاريخ حيثما كان ذلك ضرورياً ومفيداً لإيضاح الصورة أكثر، وتبيان أخطاء وخطايا تجربة "الهاشمية السياسية"، في علاقتها مع المجتمع ، ومع قضية بناء الدولة، وهو ما لم يتطرق إليه عيبان في كل مادته الأولى، ولا في تعقيباته العجولة، وهي المادة/ العنوان، التي يدور النقاش في الأصل حولها، بل إنني وحول قضايا حاضر الهاشمية السياسية في صورة "الولاية" و"الحق الإلهي"، وكل ذلك لم أقرأ له حوله رؤية فكرية سياسية نقدية، وهي قضايا سياسية وأيديولوجية راهنة، وكأن ما يجري لا صلة له بواقع إعادة إنتاج "الهاشمية السياسية"، في شروط عصر مغاير، والعالم يدخل عتبات العقد الثالث من الألفية الثالثة، وهي قمة المأساة السياسية والفكرية والوطنية التي نعيش تفاصيل جحيمها اليوم!!.

إذا كنت سأعترض على قضية سياسية لها أصل تاريخي عميق أليس من الطبيعي أن أعود لسياقها التاريخي الذي أفرز وأنتج هذه القضية أو تلك؟!!، وجميعكم يعلم أن جوهر الخلاف كان حول خطأ القول: "بمصطلح "الهاشمية السياسية"، الذي اختاره عيبان عنواناً ومادة لمقالته، فهل هذه القضية راهنية ومعاصرة، إلا بقدر ما هي تاريخية، وهو ما يحاول البعض إعادة إنتاجها بأثر رجعي اليوم ضداً على حقائق السياسة والواقع والتاريخ وهو ما لا يراه عيبان!!. معاندة لعقارب الساعة التاريخية، كما هو حاصل اليوم.
إن التاريخ علم مستقل بذاته، مثله علم الاجتماع، وبدأت هذه الاستقلالية تظهر وتتبلور مع تحول التاريخ من (تاريخ الخبر) إلى تاريخ الناس، (تاريخ الصراع الاجتماعي), تاريخ مصحوب بالسببية والعللية، التي أسس لها مجموعة رائدة من علماء الفلسفة، والاحتماع والتاريخ، وعلى رأسهم أبن خلدون المؤسس والرائد لــ"علم الأجتماع" ولعلم "فلسفة التاريخ"، وكتاب السخاوي : الحافظ شمس الدين، محمد بن عبد الرحمن" "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ" , قبل خمسة قرون ، دليل على وعي القدامى بمعنى ودور التاريخ في وعينا لأنفسنا، قبل إدراكنا للآخر، وللواقع، الفهم الذي يمكننا من الوصول إلى المستقبل في اختصار للزمن، وبتكلفة إنسانية أقل، هذا لمن يدعونا للتعامل بحذر مع التاريخ والخوف منه!!

وهنا أعود لملاحظات عيبان العامة والعابرة على كتابات د. ثابت الأحمدي، والغيلي وباسم الغباري ..إلخ، وثلاثتهم لم التق بهم شخصياً وقد لا أتفق كلياً مع منهجيتهم الفكرية في التحليل، ولكني أرى أنهم أو بعضهم – وغيرهم- بذل جهداً بحثياً طيباً في العودة إلى المصادر التاريخية، وأتعب نفسه في القراءة والبحث والاطلاع المعمق حول جملة القضايا التي بحثوا فيها، وقدموا خلاصات جهدهم حول ذلك، فإذا كنا نختلف مع بعضهم أو كلهم في الموقف السياسي، وفي الرأي، فعلى الأقل نحفظ لهم جهدهم الفكري في البحت "حق الاجتهاد"، والعودة للمصادر، هذا أولاً، والسؤال: هل كنا سنعود أو سيعود هؤلاء الإخوة للقراءة والبحث في مثل هذه المسائل التفصيلية ذات الطابع التاريخي الخاص لولا أن هناك ما استدعاهم إلى ذلك؟ مثلما استدعتني كتابة العزيز/ عيبان، أليس واقع خطاب "الولاية" والممارسات المذهبية والطائفية التي هي في العديد من جوانبها لا صلة لها بثقافتنا التاريخية (المذهبية والدينية والتاريخية)، أليس ذلك هو ما دفعهم لمثل هذه الكتابة، بصرف النظر عن موضوعية وعقلانية القراءة من عدمها، هذا لا يحكم عليه سوى قراءة موضوعية نقدية تاريخية مقابلة ودون إسقاط حساباتنا السياسية والأيديولوجية الخاصة على مثل تلك الكتابات؟ تغليب للأيديولوجي والذاتي على المعرفي والواقعي والتاريخي، ما كنت أنتظره من أي كتابة/ اعتراضية على مثل هذه الكتابات هو أن نطالع قراءة موازية بديلة نقيضة لما قدموه وهذا ثانياً.

فلا نبخس الناس أشياءهم ، ففي ذلك مصادرة وإقصاء للرؤى المغايرة التي نختلف معها بدون حيثيات ورؤى عقلانية نقدية، فقط، رمي الكلام العام على عواهنه بدون أي حيثيات، أقول ذلك من زاوية قراءتي واطلاعي على معظم ما أشار إليه عيبان لهؤلاء الكتاب ، وإن كنت لا أتفق – أكرر- مع بعض السياقات السياسية الحادة، ولا مع بعض التحليلات الفكرية والتاريخية، التي وردت في بعض تقديراتهم وأحكامهم التاريخية، ولكن الإقرار بالحق بالاختلاف يوجب على احترام تلك الجهود البحثية التاريخية، بما فيه احترام رأي عيبان في قوله بخطأ القول: بمصطلح "الهاشمية السياسية".

والحقيقة أنه ليس التاريخ ملغوماً، ولذلك علينا التعامل معه بحذر، بل لأن عقولنا كذلك ملغومة بمسبقات ذهنية وأيديولوجية نحاكم بها الرؤى المختلفة معنا، في حالة تعصب أيديولوجي لما نعتقد، ولما نكتب، وكأننا نمتلك الحقيقة المطلقة، ولماذا نعتقد أننا (ذواتنا) دائماً على المحجة البيضاء، أي على الحقيقة، ومع الحق!! .

إن التعامل مع التاريخ يجب أن يتم من خلال عقل موضوعي، نقدي تاريخي لاستخلاص ما يفيدنا في الحاضر وترك ما عفا عليه الزمن، فالتاريخ ليس كتلة صماء تتحرك باتجاه واحد، التاريخ يعكس الرؤى والدلالات الاجتماعية السياسية الطبقية التاريخية التي كانت، فيما كان، مع سيطرة لفكرة القوى المتغلبة في الكثير من الأحيان، وهو ما تضج به الكتابة التاريخية عموماً في كل مكان، حيث المتغلب / المنتصر يحاول دائماً أن يرسم كتابة واحدة وأحادية ونهائية للتاريخ، دون جدوى، فالتاريخ دائماً له حكمه الحاسم، كما له مكره الخاص الذي يعاقب به من يقفز على قوانينه الخاصة والعامة.

وليس معيباً وأنت تبحث في إشكالية ذات طابع تاريخي عميق، وله امتداداته، وتداعياته في الحاضر، أن تعود لأصلها التاريخي، وإلا ستكون كمن يبحر في عمق البحر وهو بالأصل لا يعرف أوليات السباحة.

وأتمنى على القارىء الكريم أن يعود للتصفح السريع لقراءة ما كتبته في الحلقات الخمس الأسبق، سيجد أنني حاولت الغوص عميقاً في بعض التفاصيل المعقدة، والشائكة والحساسة في الراهن السياسي قدر ما يسمح به المقال والمقام، أكثر مما عدت للتاريخ، وأن الموازنة بين الأيديولوجي، وبين الواقعي والتاريخي في ما دونته سيجد الغلبة للواقعي والراهني في أشد تفاصيله حساسية، وتعقيداً أو خطورة، وهو ما لم يلامسه ولو من بعيد العزيز/ عيبان. دائماً أكره الاستنجاد بأي شيء بما فيه التاريخ، بمثل ما أحتقر الاستنجاد بالأجنبي، هكذا أنا في طبيعتي الخاصة.

لقد تعودت المخاطرة في الكتابة في الفكر وفي السياسة، وما دونته في الحلقات الخمس الأسبق وهو بين أيديكم خير شاهد على ذلك.

ومن المهم هنا أن نقلع عن عادة رمي الكلام على عواهنه، وعن عادة استلال نصوص أيديولوجية من غمدها، ومن سياقها الموضوعي والتاريخي، لوضعها في غير مكانها باسم المنهجية والعلمية، ومن خلال أحكام أيديولوجية ، هي إلى الذات أقرب من الحقائق النسبية الموضوعية، (الواقع/ والتاريخ)، ونتصور أننا بذلك نحتكم للمنهج النقدي العلمي.

إن عنوان خطأ القول: بمصطلح "الهاشمية السياسية"، هو قول يجب أن يقدم في إطار ونطاق حيثياته الفكرية والسياسية والتاريخية، وليس رمي المفاهيم والمصطلحات الأيديولوجية على قارعة الكلام، دون إدراك لمعناها الحقيقي الفكري والسياسي والتاريخي، أما أن ترمي بالعنوان المصطلح هكذا ولا تدافع عنه، وتطالب من يختلف معك، بأن لا يستخدم الأدوات والمعطيات التاريخية في تأكيد ما يذهب إليه وما يريد إثباته فذلك ليس سوى قمة في العصبوية للرأي.

إن أول أخطاء جمهورية ثورة 26 سبتمبر 1962م العظيمة، أنها انتصرت عسكرياً، في ازاحة نظام الإمامة السياسي ، واستبدلته بعد خمس سنوات من الحرب الجمهورية، الإمامية / الملكية، أي بعد 5 نوفمبر 1967م، بنظام ورثة الإمامة في صورة القبيلة السياسية، بعد رفع الدور السياسي للقبيلة في صورة "المشيخة القبلية"، إلى قمة السلطة، دون المس بمنظومة البناء الفوقي الإمامي التاريخية، وهي؛ أي البنية الفوقية التي تلعب الدور ألأكبر وألأعظم في المجتمعات النامية،ضعيفة التطور، بفعل ضعف دور البناء التحتي/الاقتصادي، والسبب هو التحول السياسي الثوري والرأسمالي الناقص في قلب الثورة، أي الانتقال من البنية الاجتماعية الاقتصادية شبه الاقطاعية الثيوقراطية، إلى البنية الاجتماعية الاقتصادية شبه الرأسمالية الكولنيالية التابعة، بقيت معه منظومة الإمامة والقبيلة حاضرة وفاعلة في قلب بنية النظام الجمهوري، وفي معظم تفاصيل البناء الفوقي للسلطة الجمهورية، لأنه لم ترافق الثورة عملية تحول اقتصادي و"إصلاح زراعي" يطال بنية المجتمع في الريف تحديداً، فضلاً عن القصور في بناء تجربة سياسية ديمقراطية،، وصولاً لإصدار قانون يمنع الحزبية في العام 1964م تحت ضغط البيروقراطية العسكرية المصرية، قانون لم يعمل به، ولكنه بقي سوطاً مصلناً على رقاب الجميع، ولو بدون تفعيل آليات تنفيذه في الواقع، فضلاً - كذلك- عن الحرب الرجعية والاستعمارية الحرب الأيديولوجية والدينية والإعلامية، التي شنت على الثورة من أول أسبوع لقيام الجمهورية، ناهيك عن الانقلابات السياسية المتتالية في قلب السلطة الجمهورية بدءاً من المؤتمرات القبلية المسلحة المعارضة: من عمران، إلى خمر إلى الطائف... إلخ. التي كانت تعوق مسار تطور المعنى الجمهوري، والتي أعادتنا بسبب كل ذلك إلى توريث الجمهورية "الجملكية"، في صورة نظام علي عبدالله صالح، وهو ما نعيش تداعياته السلبية، السياسية والثقافية والعسكرية اليوم.

أما القول العمومي الذي أورده عيبان في قوله: "إنه لا يوجد طرف ولا جهة ولا جماعة بريئة من أحداث التاريخ الدامية والاقتتال حول السلطة – حتى قوله – الكل كان يشترك فيه بهذ القدر أو ذاك في الصراع ، الكل كان جزءً من هذا التاريخ الدامي!!

هذا القول الأيديولوجي / السياسي فيه من المغالطة السياسية والتاريخية ما يدمر الحقيقة التاريخية (الواقع/ والتاريخ)، كما كانت وتمت، ويقدم التاريخ السياسي والاجتماعي وكأنه حالة عبثية اعتباطيه ، لا تحركها قوانين موضوعية اجتماعية تاريخية تحتكم لمنطق الصراع السياسي والطبقي في كل مرحلة على حدة، فتتجلى فيه الظاهرة والوقائع التاريخية وكأنها كلها عبث في عبث!! الكل مدانون ، جميع أطراف الصراع غير أبرياء، كلهم قتلة، وكلهم ضحايا، كلهم يريدون السلطة. إن هذا الحكم والاستنتاج في قراءة التحولات السياسية والاجتماعية في التاريخ يكشف مدى جهلنا بالسياسة، وبالصراع وبالتاريخ، الذي تحكمه وتنظمه قوانين موضوعية، جوهره الصراع السياسي والطبقي، الصراع على السلطة والثروة بين أغلبية وأقلية سلطوية، إلا إذا كان العزيز/ عيبان يقصد صراع الأئمة فيما بينهم حول السلطة على قاعدة "الخروج" المفتوحة لكل من وجد في نفسه القدرة للخروج شاهراً سيفه على قاعدة شروط الإمامة الزيدية الهادوية، وهو تاريخ سياسي واقعي، ولكن ضحاياه فقراء وبسطاء اليمن من الجانبين.

بالتأكيد هناك حروب محلية/ داخلية تدور على، وحول ملكية أرض بين الأسر المختلفة، أو على المرعى أو على كيفية تصريف الماء بين أصحاب الأراضي المختلفة، أو على قضية ثأر أو على مشاكل وقضايا اجتماعية بين قبيلة وأخرى ، وهي التي قد ينتفي فيها معنى الصراع السياسي الطبقي على السلطة والثروة بالمعنى والمفهوم السياسي الواضح، وهي الحروب التي يمكننا توصيفها بالقول أن مسؤوليتها في الغالب قد تتوزع بين جميع الأطراف، وأن الجميع يتحمل المسؤولية بهذه الدرجة أو تلك.

هذا إذا أردنا أن نجد مخرجاً سياسياً وتحليلياً شبه لائق من ناحية المنطق الشكلي، (الأرسطي) ، لا يراد عيبان مثل ذلك القول الاستنتاجي الذي توصل إليه في قراءته للصراعات التي جرت في قلب التاريخ السياسي اليمني، بعد ان لم يجد طرفاً مباشراً ليحمله مسؤولية ما جرى في التاريخ، وكأن التاريخ السياسي الاجتماعي أحجية أو لغز يصعب تفسيره أوقراءته علمياً واجتماعياً وسياسياً كما جرى وفقاً لحيثيات الصراع السياسي، والمصالح في كل حالة على حدة.

أن مثل ذلك القول الاستنتاجي الذي توصل إليه العزيز/ عيبان غير مفهوم وغير مقبول حتى في الكتابة الصحافية العامة، فما بالكم في كتابة أو تعقيبات تقول أنها تعتمد المنهج المادي الجدلي الاجتماعي التاريخي في قراءة وتفسير السياسة والواقع والتاريخ، المنهج الذي يحتج به علينا العزيز/ عيبان في أننا لا نطبقه فيما نقرأ أو نكتب!!.

والسؤال هل يمكننا القول إن الصراع السياسي في هذه المرحلة أو تلك من تاريخ اليمن السياسي والاجتماعي ، لا يتحمله طرف مسؤول عن ذلك الصراع والاقتتال؟!

جميعهم ضحايا وأبرياء معاً، وليس من ضحايا؛ مضطهدين ومقهورين في تاريخ ذلك الصراع الذي كان في هذه المرحلة أو تلك؟!، مساواة بين الضحية والجلاد، بين القاتل والمقتول !! والخلاصة أو الاستنتاج السياسي الذي يوصلنا إليه خطاب العزيز/ عيبان، هو، أن تاريخ الاقتتال والحرب والصراعات، التي أدارتها وقادتها،" الهاشمية السياسية", في التاريخ السياسي اليمني، يتحمل المسؤولية عنها الجميع!!

كما أن الحركة الحوثية والموقف منها، والأهم الموقف من "الهاشمية السياسية" في تمظهراتها وتجلياتها السياسية التاريخية والراهنة، ومعها علي عبدالله صالح زعيم وبطل الحرب، في الانقلاب على العملية السياسية الحوارية مثلهما مثل الآخرين في تحمل المسؤولية!!

من قام بالانقلاب ومن يتجرع مرارات وعنف الحرب؟!

إن الاستنساخ الذي توصل إليه عيبان، قد يبدو للبعض أنه دفاع مبطن عن الجماعة الحوثية، "أنصار الله" أو تبرئة لساحتها، وهو ما لا اعتقده شخصياً، لأنني أعرف من هو عيبان في الفكر، وما قد يشجع على مثل هذه التأويلات السياسية، أنه لم يقدم، ولم يقل رؤية فكرية سياسية نقدية عن الجماعة الحوثية في كل ما كتبه، خاصة، وتحديدا، في الحوار الجاري، حول " الهاشمية السياسية", التي لا يقبل بها، كتسمية، أو مصطلح، سوى بعض الأقوال أو العبارات العمومية ، وفي سياق عابر، لا يدل على موقف سياسي نقدي واضح من الجماعة الحوثية، والأهم الموقف من "الهاشمية السياسية"، في تمظهراتها وتجلياتها السياسية التاريخية، والراهنة، على عكس رؤيته النقدية الحادة من القوى السياسية الأخرى، المعارضة والناقذة لفكرة وواقع "الهاشمية السياسية"، الذي جند وكرس قلمه لنقدها، مع أنها ليست أكثر من كتابات جاءت في سياق رد الفعل، تجاه كل ما يجري !!

لفت نظري في تعقيباته أنه يورد أفكاراً عمومية بعضها صحيح في سياقها العام، ومن ثم يرد عليها، وكأن هناك شخصاً افتراضياً تبنى مثل هذه المفاهيم والمقولات دون أن يوضح من ذلك المعني بذلك الرد، وأين بالضبط ورد ذلك القول بالنص، أما افتراض فكرة في عقلك وتبني الرد عليها وكأنها جزء من الحوار الذي يجري ، فذلك أمر غير مستحب، وغير مفهوم وتطويل للنقاش في غير ما يفيد، وحتى لا أرمي الكلام مرسلاً دون سند، أورد لكم استشهاداً مما قاله: الفقرة، ثانياً في تعقيبه على الحلقة الخامسة والأخيرة من الحلقات الخمس الأسبق، ، حيث يقول: "إن دراسة الجماعات الطائفية (بتلاوينها المختلفة وليس فقط الحوثية) ينبغي أن تستند إلى منهجية سوسيولوجية ، تدرس الظاهرة في سياقها الاجتماعي، أي بارتباطها بالبنى السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والثقافية، وكما بيَّنَّا سابقاً - هكذا يقول – الطائفية ليست جوهراً في التاريخ يتم استدعاؤه في مكان وزمان معينين بل هناك عوامل ومحفزات كثيرة تولدها وابرزها، طبيعة الدولة السلطانية كما يسميها المفكر الكبير د. أبوبكر السقاف، تلك الدولة التي انتجت السياسات القمعية والإقصائية والإفقارية ضد عموم الشعب في الشمال والجنوب والوسط والشرق والغرب طوال العقود الماضية"،

ثم يدخل للحديث عن مصطلح د. خلدون النقيب ويشرح فكرة فائضة عن المعنى والحاجة في السياق الذي يدور النقاش حوله : خطأ القول بمصطلح "الهاشمية السياسية" لأن رؤية خلدون النقيب في كتابه المميز (الدولة التسلطية في الشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مركز دراسات الوحدة العربية/ بيروت ط مايو أبار 1991م) لا صلة لها بما نبحثه لا من قريب ولا من بعيد.
وملاحظتي على الفقرة المطولة التي أوردها العزيز/ عيبان هو أن الفقرة كلها مقحمة على السياق ولا صلة لها بالحديث، لأنني أكدت عشرات المرات في الحلقات الخمس الأسبق على المعنى الجوهري العام الذي أورده حول الطائفة ، والطائفية وقلت بما يشبه التكرار الممل رأيي الفكري السياسي الواضح حول كل ذلك، وعلى استعداد أن أكتب المزيد توضيحاً لمن لم يصل إليه المعنى والفكرة، أما حشر الجماعة الحوثية في السياق بما يشير وكأننا نتجنى عليها في حديثنا أو أننا نقصر خطابنا ونحن نتحدث عن المذهبية والطائفية عليهم وحدهم، هو قول غير صحيح ولكم أن تعودوا إلى محتوى ما كتبته حول هذا المعنى وهذه المسألة.

وفي بلادنا حسب معرفتي أن ليس هناك من جماعات طائفية كبرى، سوى الزيدية، ومنها المكون الهاشمي، وفيهم جماعة "الهاشمية السياسية"، والطائفة الشافعية المجردة من السياسة السلطوية، إلى جانب، الطائفة الإسماعيلية، المضطهدة من الجميع، وحسب علمي أن جميع الحكومات التي ورثت الإمامة الهاشمية ، جميعهم من الطائفة الزيدية وإذ تحجج البعض برئاسة القاضي عبدالرحمن الإرياني فهو أنه توهم قبل 5 نوفمبر 1967م مباشرة ممكن أن يحكم في صفة وصيغة رئيس مكتمل الصلاحيات، وأكدت له تجربته السياسية الذاتية والعملية في السلطة، أنه ليس أكثر من "مشقر"، في رأس السلطة، ولم يكن يوماً من الأيام رئيساً فعلياً ومقرراً في السياسة الداخليه اليمنية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، بل ولا حتى في القضايا السياسية العامة ذات الطابع الإجرائي ، فقد كان مشايخ القبائل (الارستقراطية المشيخية) ، و"العكفة" الجدد هم حكام وقادة، المرحلة وجميعنا ما يزال يتذكر كيف أن علي عبدالله صالح لم يقبل أن يكون شريكه في صناعة دولة الوحدة، وممثل دولة الجنوب فيها ونائبه في "مجلس الرئاسة"، شريكاً فعلياً له في السلطة, أراده تابعاً "مشقراً"، ليس إلا ، حسب تعبير نائب الرئيس الأستاذ/ علي سالم البيض في حينه، وهي البداية السياسية الفعلية لمصادرة شراكة الجنوب في السلطة والثروة ، ومن هذه اللحظة في تقديري بدأت أول خطوة على طريق انتاج "القضية الجنوبية"، والتي توجت بالحرب، والباقي معلوم لديكم، وليس في حديثي هذا أي مذهبية أو طائفية، بل إن ما استدعى حديثي السابق هو الاقتباس الذي أوردته عن العزيز / عيبان لأن البعض اليوم حين يريد أن يكتب ويوثق لتاريخ السياسة والصراع والحرب الذي فجرته قوى ،"الدولة العميقة"، في صنعاء، في كل المراحل، بدءاً من أحداث 23/ 24 أغسطس 1967م، حتى اليوم، نراهم يقولون: جميعهم مسؤولون عن الحرب، بما فيها حرب 1994م، وحرب 2015م، القاتل والضحية ، وحسب علمي وفهمي السياسي التاريخي المتواضع، يمكنني القول ليس هناك شافعية سياسية على مستوى السلطة لا في الشمال ولا في الجنوب، دون تجاهل أو إنكار أن هناك كردود فعل حضور لشافعية اجتماعية سياسية حاضرة، وهي قطعاً لا تنتج مذهبية وطائفية سياسية واسعة الانتشار، ولم نعلم عن ذلك على الأقل في تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر، أقول ذلك حتى لا يتهمني البعض اليوم بالمذهبية والطائفية ، وتغليب الأيديولوجي على الواقع والتاريخ، كما تم مع رائد الوطنية اليمنية المعاصرة الأستاذ/ أحمد محمد نعمان، وابنه الشهيد، محمد أحمد نعمان، وغيرهما، بمن فيهم بطل الحصار الشهيد/ عبدالرقيب عبدالوهاب نعمان.

لقد كان "السادة الأشراف،" في الجنوب، وفي جنوب الشمال،بل وفي كثير من مناطق العالم العربي والإسلامي، كما يشير د. سيد مصطفى سالم في كتابه (المؤرخون اليمنيون في العهد الثاني الأول) 1538-1635م "يكونون طبقة ارستقراطية في جميع أنحاء العالم الإسلامي بدون استثناء ويتمتعون بالجاه والنفوذ والثروة، أينما وجدوا ", انظر ص23 جاه ومكانة اجتماعية ودينية في الغالب، تكونت لهم ليس من خلال دورهم السياسي في قمة السلطة السياسية، واحتكارهم لها كـــ"هاشمية سياسية"، فوق المجتمع، باصطفاء إلهي، ووصية، وإنما لدورهم الاجتماعي والديني والثقافي والتربوي والتعليمي الذي كانوا يقومون به كنخبة معرفية دينية ثقافية، وليس كــ"هاشمية سياسية"، والفارق هنا بين المكونين الهاشميين كبير.

إن "الهاشمية السياسية"، التي يعمل البعض اليوم على إعادة إنتاجها في شروط عصر مغاير، ومن خلال خطاب "الولاية" وغيرها من الطقوس المذهبية والاجتماعية، التي تقول لنا كيف يستقوي البعض بالانقلاب والسلطة والتاريخ الماضوي لفرض حالة مذهبية وطائفية مكتملة الأركان، على كل المجتمع بالقهر والإكراه، ومن هذه الزاوية قد أرى في كتابات وكتب البعض حتى وإن كانت حدية وعصبوية في قراءتها للمسألة المذهبية والطائفية فإنها ليست أكثر من ردود فعل، على فعل واقعي معلن، شخصياً لا أبررها، أي ردود الفعل، ولا أصطف معها ولكنني أفهمها وأتفهمها كقراءة.

وأتصور أنني في كل ما كتبته وما أكتبه الآن، وما سأكتبه فيما سياتي من الأيام هو حديث فكري سياسي بلغة مباشرة وواضحة للجميع، أسمي فيه الأشياء بأسمائها كما هي ، بعيداً عن "الجملة الأيديولوجية المراوغة"، التي تحتمل – أحياناً- أكثر من قراءة وتأويل، وفي الغالب تستخدم في موضعها وكأنها نص مقدس، حيثما وضعت أدت الغرض المطلوب منها، مع أنه حتى النص المقدس له سياقه في التنزيل وله مقاصده في الشريعة وفقا لفقه المصالح.

وهنا أكرر ثانية عدم اتفاقي في تحميل المسؤولية عن الاقتتالات والصراعات والحروب في أي مرحلة من مراحل الصراع السياسي الاجتماعي الطبقي للطرفين معاً، هكذا، حتى لا نجد أنفسنا بوعي أو بدونه، نساوي بين "الهاشمية السياسية"، وحركات الاعتراض السياسي عليها، كما هو حالنا مع البعض اليوم!!.

نساوى بين من يصدر صك عبودية لــ"الهاشمية السياسية" في صورة مدونة السلوك الوظيفي، ومن يرفض ويعترض على المدونة، هذا فقط كمثال.
والسؤال هنا للعزيز/ عيبان، أليست "مدونة السلوك الوظيفي" تعبيراً وتجسيداً قاطعاً لمصطلح "الهاشمية السياسية" ؛ فإذا لم تكن كذلك، فما هي تسميتك الخاصة لكل ذلك؟!!.

إن الواقع هو من يتكلم اليوم معلناً حضور "هاشمية سياسية معاصرة"، بشحمها ولحمها، "هاشمية سياسية" تقول: بحقها باستعادة الإمامة "الولاية"، الملك المغتصب.. استعادة حق مذهبي/ ديني سياسي تاريخي، تم سلبهم اياه، في "انقلاب"، ثورة 26 سبتمبر 1962م، وأن من حقهم أن يسعوا، لتثبيت "ملكهم"، وهناك من الطرف الآخر، "اليساري"، من يقول، لنا لا تصدقوه,!!، ليس هناك في الواقع من "هاشمية سياسية"، ومن أن القول: بمصطلح " الهاشمية السياسية",إفتراء وقول غير صحيح، مع أن المعني بالأمر يتحرك فعليا على أرض الواقع في تثبيت، ما يقول، فمن نصدق إذاً، الخطاب المعلن، والمؤكد والموثق بالفعل من صاحب الفعل، أم من ينكر كل ذلك، رغما عن حقائق الواقع الصلبة؟!

إنها الأيديولوجية المصمتة والقاتلة حين تطغى على الواقع والتاريخ، تنفيذاً لأهواء ذاتية، وحسابات سياسية صغيرة.

فالأحكام التعميمية والإطلاقية والمجازية والذاتية، تجني في الغالب على الحقيقة، وتكون على حسابها، أحكام تشيع من الضبابية والغموض في الرؤية أكثر مما تقربنا من فهم الواقع ، والإمساك بمداخل الحل للمشاكل على الأرض، حيث الأحكام في مثل هذه الحالات، إما هي أحكام سياسية ذاتية، وشمولية أو هي أحكام توفيقية/ تلفيقية لا أكثر ولا أقل ولا تشير إلى متن الحقيقة السياسية الاجتماعية التاريخية كما كانت، وكما هي في الواقع .

هي جناية الجملة الأيديولوجية المسطرية على المعرفة والفكر، وعلى الواقع والتاريخ.

في الأيام القريبة القامة ملاحظات على الحلقتين، الأولى، والثانية للعزيز / عيبان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أردوغان: لدينا حق مشروع في الدفاع عن أمننا خارج الحدود


.. نشرة الصباح | إيران.. استدعاء إصلاحيين بـ -تهم التحريض-




.. الصومال.. انفجارات تستهدف مسؤولين في الحكومة والبرلمان قرب ا


.. اللواء فايز الدويري يوضح إمكانية تنفيذ العملية العسكرية التر




.. أردوغان يعلن عن اجتماع تركي مصري على مستوى الوزراء ويرجح تحس