الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حوار مع الناصر التومي حول إصداره الجديد «الخسوف»:

فتحي البوكاري
كاتب

(Boukari Fethi)

2022 / 11 / 24
الادب والفن


قدر المبدعين المخلصين الانتصار للضعفاء المقهورين
الناصر التومي قاص وروائي وكاتب مسرحي تونسي، من مواليد صفاقس في 22 جانفي 1949، زاول تعلّمه الابتدائي بتونس العاصمة والثانوي بالمعهد الإعدادي بأريانة. عمل موظفا بوزارة الداخليّة. وهو ككلّ الأدباء التونسيين بدأ نشاطه الأدبي على أعمدة الصحف والمجلاّت ككاتب قصص قصيرة. وكان الناصر التومي ينتمي بتربيته وبيئته إلى عائلة محافظة، لذا فهو يكن شعورا حادا بالكراهية للزيف والرياء والتسلّط. يحاول أن يكتشف حدود الأشياء المثيرة لهلع الإنسان متحاشيا الأضواء. من أسرة تحرير مجلّة قصص. كتب مجموعة كبيرة من القصص والروايات والمسرحيات . ومسرحية «الخسوف» الصادرة منذ أسابيع، واحدة منها، ضمّنها آراءه الفكرية والسياسية والعقائديّة وموقفه من بعض القضايا الجوهرية، وعانق فيها أحلامه وأحلام أجيال الأزمنة الغابرة والقادمة على السواء. مسرحيّة من أرقى المسرحيات التي حفرت في ذاكرتي، صدرت في 77 صفحة من الحجم المتوسّط، قسّمها المؤلّف إلى 10 مشاهد، تجسّمها مجموعتان من الشخصيات، تمثّل المجموعة الأولى الطبقة الحاكمة كقمّة، وتمثّل المجموعة الثانية الطبقة الشعبيّة كقاعدة بنماذجها وشريحتها المختلفة، أسيادا كانوا أو عبيدا. ثنائيّة الشخصيات هذه جسّمت عنصر الصراع بين القمّة والقاعدة، وطرحت قضيّتي نزاع هامّة: قضيّة التخلّف أسبابه ومسبّباته وحلم الاستقرار والراحة النفسيّة لدى الشعوب، إلى جانب بعض القضايا الهامشيّة الأخرى المبثوثة هنا وهناك. تبتدئ المسرحيّة فعليا من المشهد الثاني، حيث سلّم الوحش العاشر حاكم المدينة، عند موته، وصاياه وأسرار حكمه إلى ابنه قمر الزمان الذي حصر اهتمامه في جعل الرعيّة تنشغل وتتلهّى بتوافه الأمور كالتنابز بالألقاب وتغييرها وإقامة مهرجانات للضحك رغم الآلام، إلى أن خسف قمره بعد مكيدة كادها له أخوه شمس الزمان إذ سقاه ماء مسموما، وانتصب حاكما مكانه لتبقى المدينة مفتوحة لشرّ المستبدّ الجديد في انتظار كسوف شمسه . خاتمة لا تبشّر بأيّ خير لمستقبل المدينة وأهاليها، وتشاؤم هو امتداد لسوداوية سابحة في كتابات الناصر التومي. التقيت به في نادي القصّة للحديث معه حول هذه المسرحيّة . سألته:
- لنبدأ من البداية، من عناوين كتبك. «كل شيء يشهق» ( قصص 1982 )، «ليالي القمر والرماد» (رواية 1986)، «الأشكال تفقد هويتها» (قصص 1995 )، «الصرير» (رواية 1997 )، «الأقنعة المحنّطة» (قصص 1997)، «حكايات من زمن الأسطورة» (..... 1999)، «النزيف» (رواية 2001)، «حدث ذات ليلة» (قصص 2003)، «الرسم على الماء» (رواية 2004)، «رجل الأعاصير» (رواية 2008)، سوداويّة حالكة تدثّر أغلفة إصداراتك، هل هي طريقة لجلب انتباه القارئ أم عصارة آلام الناصر التومي؟

- وجه لي هذا السؤال عديد المرات في أشكال مختلفة، وليس فقط انطلاقا من العناوين الخارجية، بل حتى من خلال عناوين القصص القصيرة، وكذلك ما تحتويه مضامين هذه القصص القصيرة أو الروايات، وكنت دائما أحاول التهرب من الإجابة، أو أعرّج عليها دون تعمق. في الواقع لم أتعمد هذه السوداوية المهيمنة على النصوص من خلال مقولة الأدب مأساة أو لا يكون، أبدا لم أجعل هذه الفكرة نصب عيني، ولا قالبا أصب فيه كتاباتي السردية الإبداعية، وإنما الأمر هو هيمنة هذا المناخ القاتم علي،دون إرادة مني، مما جعلني لا أنطق إلا بلسانه، فلا تلفت انتباهي تلك الأحداث العادية أو المفرحة التي أعدها من الترف الفكري، ولعل ذلك يعود إلى شخصيتي التي ربما عاشت الحرمان والخصاصة عقودا من الزمن، فكنت ومن حولي دوما منسحقين، مداسين، مفعولا بهم على الدوام، لذلك أجدني أنتصر للضعفاء والمقهورين، وهو في نظري قدر كل المبدعين المخلصين، وربما لو أعطيت هذه النصوص إلى محلل نفساني ربما استخرج من هذا المنحى المكفهر حالة نفسية خاصة، أعجز عن التعبير عنها كصاحبها و ككاتب.

- «الخسوف» ذهاب نور القمر كليا أو جزئيا. وأخيرا الناصر التومي كاتب مسرحي دون رفع ستارة أو إسدالها، فما هي الإضافة التي قدّمتها في هذا العمل ولم تلامس فيها أعمالك الأخرى؟

- من بدايات تعلقي بالأدب، شغفت كثيرا بالمسرح في أواخر الستينات، وفي وقت واحد كتبت المقولة، والقصة القصيرة والمسرحية، وكان حلمي بالكتابة المسرحية أكبر من أي جنس أدبي آخر، فخططت في عشرينية السبعينات بعض المسرحيات، ووجهتها إلى لجنة القراءة بوزارة الثقافة، وككل مرة كان الجواب بأن النص به بعض العيوب المختلفة، وكانت لي علاقات ببعض رجال المسرح الذين كانوا يصارحونني بحقيقة، مفادها أن هناك فيتو على جل كتاب النصوص المسرحية، والركح هو حكر على بعض كتاب المسرح دون غيرهم، وبعد يأس طويت صفحة الكتابة المسرحية مختارا القصة القصيرة اليسيرة النشر، ومنها كان الانطلاق مع الرواية.
هذه توطئة قصيرة لا بد منها أعود بعدها إلى سؤالك، عن الإضافة التي قدمتها في هذه المسرحية، ولم ألامس فيها أعمالي الأخرى، فأذكر بأن من اطلع على كامل ما كتبته، خمس مجموعات قصصية، وخمس روايات تحصلت ثلاث منها على جوائز، يقف على حقيقة لا جدال فيها، أن هذه المسرحية تندرج ضمن اختيارات وطروحات تنبش بين ثنايا التفاعل الطبقي والاجتماعي، والحيف، والظلم، والقهر من السيد نحو المسود، سواء من خلال سيادة الحاكم نحو رعيته أو ما دون ذلك، إلى آخر درجة في السلم الاجتماعي، الطرح على الدوام هو العدالة الاجتماعية، واعتبار الحريات واجبة وضرورة، وليست منة من أحد مهما كان شأنه. ونص مسرحية الخسوف يندرج في هذا الإطار، مجسما من خلال أسطورة قديمة يرجعها البعض إلى الحضارة الهندية، وقد غيرت بعضا من سماتها ونهايتها، وأسقطت عليها الواقع العربي المتأزم.

- تراءى لي أنّ عملك المسرحي هو من كتاباتك السابقة التي لم تر النور نفضت عنها الغبار أخيرا، ووجود الفداوي كشخصية محورية متذبذبة في نطقها بين العامية والفصحى حجّة كافية، فما رأيك؟

- نص الخسوف، أقرب لي من المسرحيات التي وضعتها، واطلع عليها عديد الكتاب والمسرحيين، واثنوا عليها، وهذا أضعف الإيمان منهم، وصدقني، إنني من الكتاب الذي لا يعيد قراءة نصوصه بعد الانتهاء منها، سواء نشرت أو لم تنشر، ولكن هذا النص أعود إليه كل مرة بالقراءة والتنقيح لأكثر من ثلاثة عقود دون أن أمله، ولو عرض في عشريته الأولى لكان له صدى كبيرا، أما التقنية المتبعة فهي تتماشى والحركة المسرحية في السبعينات، مثل الأرضية، والفداوي واستغلال بعض العبارات العامية للتوشية وبث المفاجأة، والكاتب لا بد أن يبدع من خلال التجارب المسرحية القديمة والآنية، وقد يتجاوزها أحيانا، لكن بما أن هذا النص وضعت أطره الرئيسة خلال السبعينات، فيصعب تغييرها بعد ذلك، لكن بعد اليأس من عرضه حرصت أن يكون في آن واحد صالحا للعرض، ويمكن قراءته طي كتاب، بأن طعمته بأسلوب أدبي يستساغ قراءة، حتى لا يكون مثل نصوص العقود الأخيرة التي عرضت وغير مقبولة للقراءة لأسباب يطول شرحها. ولقد رأيت في الفداوي خير من يقدم هذه الأحداث والشخصيات، ولعل أغلب حكاياتنا القديمة والحديثة ما وصلت إلينا إلا من خلال الراوي أو الفداوي، حيث كانوا عبر الأزمان مبدعين، يخالفون التاريخ الرسمي بشطحات هي من نوع ما نبدعه من قصص وروايات ومسرحيات.

- قلت الكثير في المسرحيّة وأبديت موقفك من كلّ القضايا المصيريّة للأوطان. أليس كذلك؟

- همي الأكبر غير منحصر في رقعة أرض بلدي، بل يتعدى إلى الوطن العربي والإسلامي، بأن يعم فيه العدل والحرية والنهضة الفكرية والصناعية، أن تكون لنا الكلمة على الأقل في أوطاننا، لا أن نستجدي قوى الغرب لتأمين أمننا، وما يسد الرمق، وإن أول خطوة لتحقيق ذلك هو العدل الذي هو أساس العمران، والاعتزاز بديننا، وثقافتنا، ومبادئنا، وتاريخنا، ورموزنا، عبر التاريخ، وأن تكون لنا برامج حياة منبثقة من تراثنا، وهو طرح تندرج فيه كامل أعمالي الإبداعية سواء كانت قصة قصيرة أو رواية أو مسرحية، فأنا لا أعترف بهذه الحدود بين الأوطان العربية والإسلامية، وإن كنت مرغما على الاستظهار بجواز سفري عند اجتياز الحدود، فأنا أعتل وأبكي عند كل هجمة ظالمة لعالمنا العربي والإسلامي، فلسطين، كوسوفو، الشيشان، أفغانستان، العراق الصومال، وها نحن مقبلون على كارثة جديدة في السودان، أو في إيران، والبقية تأتي، هذا ليس نتيجة هيمنة قوى الظلم، بل نتيجة خنوعنا، وتفرقنا، وانهزاميتنا، وتجدني لا تسعني الدنيا وأنا أرى الفلسطينيين الشرفاء يتحدّون بكل شجاعة وصبر على الضيم قوة إسرائيل، ونرى حزب الله يهزم إسرائيل، ويمرغها في وحل جنوب لبنان.
الهم الداخلي للشعوب العربية الإسلامية لم يترك لها فرص الانطلاق لمواجهة المظالم الغربية، ولو تصالحت حكوماتنا مع شعوبها لانتصرت في كل مواجهاتها، لذلك فإن دور كل الحاملين لرسالة القلم تبيان هذا الخلل، لإعادة نبض قلوب الحكام بهموم شعوبهم لا بشؤونهم الخاصة والمعادلات الدولية، عندها وعندها فقط سنتحدى العالم .

- قدّمت في المشهد الأول شخصيات المسرحيّة بطريقة كوميدية ذكّرتني بالحركة التي كانت تجري على ركح مسارحنا في سبعينيات القرن الماضي. فهل لتلك المرحلة تأثير في صياغة هذا العمل؟

- فعلا ، كما ذكرت أول هذا، فأنا متأثر بالحركة المسرحية خلال السبعينات، وأنجزت هذا العمل من خلال ذلك المنظور، فالأرضية التي استهلت بها بعض المسرحيات، كانت نوعا من التجديد، لذلك وجدت نفسي أضع ذلك المشهد، أقدم فيه بعض أفكاري من خلال الفداوي وشخوص المسرحية الفاعلين، بشيء من الانبهار، وبشكل غير مألوف، ألا وهو مفاجأة المشاهد بما لا ينتظر، وخاصة عندما يقدم الشخوص أنفسهم بكل صراحة ، دون إخفاء حتى لعيوبهم.

- هل وجدت من سيقوم بوضعها على الركح؟

- الجواب على هذا السؤال يحيلني إلى بداية الانتهاء من هذا النص في أواسط السبعينات، وقد قدمته إلى عديد من المخرجين المسرحيين دون حتى أن يتكرموا بالاعتذار، بعض الأصدقاء يرجعون ذلك إلى أنني لم أكن في تلك الفترة من الأسماء الشهيرة، ويرجع بعضهم إلى صعوبة التعامل مع نص جريء، يطرح قضايا السلطة والشعب في آن واحد، ولعل الحال الآن غير ذلك الحال، فعديد العوامل تغيرت، لكن عوامل إعاقة جديدة ظهرت، مثل احتكار المخرجين المسرحيين للركح من ألفه إلى يائه، فتعرض نصوصهم دون غيرهم، إضافة إلى هيمنة النصوص ذات الشخصية الواحدة ـ الوان مان شو ـ أو ذات الشخصيتين، وهذه كانت من نصيب العائلات الفنية، البطلان الوحيدان الزوج والزوجة، وكل هؤلاء يرفعون شعار ـ الماء اللي ماشي للسدرة الزيتونة أولى به ـ وهذه سلوكيات القصد منها الربح الوفير باحتكار عائدات التأليف والإخراج والتمثيل، دون دخول أطراف أخرى تشتت هذه العائدات.
وحيال هذا التوجه الخاطئ في مسيرة المسرح التونسي طيلة ثلاثة عقود، وجدتني أضع في تلك الفترة عديد المقالات المطولة في هذا الشأن أندد بهذا التمشي المنحرف. وهنا لا بد أن نجزم أن الحركة المسرحية حرمت من عشرات أو قل من مئات النصوص الجيدة التي لا تزال في أدراج أصحابها، مما جعلهم ينفرون من الكتابة للمسرح وتوجهوا إلى الإبداع في أجناس أدبية أخرى مثلما هو الشأن، بالنسبة لي. وأجدني غير متفائل ببروز أحد نصوصي إلا بمعجزة، إضافة إلا أنني حرّمت على نفسي منذ أمد تقديم نصوصي المسرحية إلى المخرجين، فهؤلاء يعتبرون أنفسهم لهم الرؤية النافذة في تبيان النصوص الجيدة من الرديئة، بينما الحقيقة أنهم يخادعون الجميع، فمنذ ثلاثة عقود تقريبا هل يستطيع أحدهم تقديم نص صالح للعرض والقراءة في نفس الوقت، أبدا إنها مجرد تهويمات لا قصص فيها، وبعضها حاكى أعمال السرك والتهريج. وهذا الموقف لم أتبناه وحدي بل جل أدبائنا حفظا لكرامتهم من لا مبالاة المخرجين الذين يضنون علينا حتى بعشر دقائق من أوقاتهم لتبرير رفضهم لنصوصنا، أو الاعتذار بلباقة، وفي جانب آخر فإنني أسأل أين هي النصوص المسرحية لأدباء تونس، لقد وضع المخرجون كل أدبائنا في ثلاجة، حتى كفروا بإبداع جنس النص المسرحي، إلا إذا كان للقراءة الأدبية، طي كتاب.
وفي الختام أتمنى من كل قلبي أن ينصلح حال مسرحنا لنشاهد مسرحيات تحضرها العائلة التونسية، والذي هو غير متوفر حاليا، فأغلب النصوص علاوة على فقدان النص الجيد المحكم، فإن قلة الحياء هي السمة السائدة.
________________
نشر هذا الحوار في مجلّة الملاحظ بتاريخ 22 أكتوبر 2008 ، العدد 807








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كلمة أخيرة - سر تغيير اسم الفنانة فيدرا إلى -فرح-.. وإيه اسم


.. كلمة أخيرة - عاكسني حبينا بعض واتجوزنا.. قصة حب الفنانة فيدر




.. كلمة أخيرة - الفنانة فيدرا اتحولت من دراسة الطب للفن.. شاهد


.. الفنانة فيدرا خدت الفنان سامح الباجوري من الفنانة دينا؟.. في




.. الفنانة فيدرا: بمشي في الشارع زي الشاويش عطية.. وشخصيتي الحق