الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مواسم جياكومو.. ماريو ريغوني ستيرن

وليد الأسطل

2022 / 11 / 25
الادب والفن


تحتل الكتابة الذاتية، من خلال الخيال الذاتي أو السيرة الذاتية أو المذكرات، مكانة مركزية في الأدب المعاصر. إنها تمارس تعليما رمزيا قويا في النظرية الأدبية الحديثة، وهناك العديد من الكتاب المعاصرين، من "هيرفي جيلبرت" إلى "كلود سيمون"، و "توماس برنارد"، استخدموا مادة حياتهم في صياغة أعمالهم. في حدود هذه الفئة الواسعة من الروايات الذاتية، تقدم رواية "مواسم جياكومو" The Seasons of Giacomo ل "ماريو ريغوني ستيرن"، مقارنة بسيل روايات السيرة الذاتية، فرقا فريدا، بل جوهريا: لا يتحدث ماريو ريغوني ستيرن عن طفولته، ولكن عن طفولة صديقه المقرب جياكومو.

في قصة الطفولة هذه، يكون الكاتب شخصية ثانوية فقط، متميزة عن الراوي وتظهر من وقت لآخر باسمه الأول وحده. هذه اللامركزية للذات تحول ذكرى الطفولة إلى تكريم بسيط ومؤثر لماض وكون إجتماعي متلاش. ربما لا يوجد سبب للندم بشكل خاص على هذا الماضي الذي عاش بين سندان الفقر ومطرقة الفاشية. ثم اختلطت أشباح الحرب العالمية الأولى بظلال الحرب العالمية الثانية. كانت فترة ما بين الحربين فترة صاخبة انتهت بكارثة. ومع ذلك، خلال هذين العقدين المثيرين للقلق، في إطار صراعات مميتة، كان هناك من يعيش، ويحب، ويأمل.

يتجنب ريغوني ستيرن المرثية الجنائزية الخالصة، فهو لا يقيم قبورا فخمة، ولا ينصب ضريحا. إنه يبحث في ذاكرته ويعيد اكتشاف - بلمسات صغيرة - الجو الغامض للحظة، ويتخلص مما يستتبع ذلك. نشأ الصغير جياكومو في أسرة فقيرة ولكنها محبة؛ حياته هي حياة الآلاف من صغار الإيطاليين في نفس الوقت. إن استحضار هذه الطفولة يرقى أيضا إلى استدعاء فترة عاشتها إيطاليا، كما رآها أولئك الذين، بسبب وضعهم الإجتماعي، لم يتركوا آثارا مكتوبة لما عاشوه. قد لا تضاهي هذه الرواية على الأرجح رواية"حديقة فنزيني كونتيني" (The Garden of Finzi-Contini) الرائعة ل"باساني" (والتي يجب قراءتها وإعادة قراءتها وإعادة قراءتها مرة أخرى)، إلا أنها تمس القارئ بدقة ملحوظة، بجودتها واقتصاد وسائلها.

في يوم من الأيام قال عضو الأكاديمية الفرنسية، الكاتب الفرنسي "جان كلير": "أنا أنتمي إلى شعب متلاش"، يقصد الفلاحين في الريف الفرنسي. ما قاله جان كلير، يصوره ريغوني ستيرن. بين عامي 1928 و 1941، يتابع ماريو ريغوني ستيرن طفولة ومراهقة شاب إيطالي، من عائلة من العمال الفقراء في الهضاب والتلال شديدة الانحدار في "ألتو أديجي": قصة فترة ما بين الحربين تتخللها شعارات فاشية، في إطار إجتماعي وجغرافي بعيد. قصة فترة ما بين الحربين المتناوبة بين مواسم البؤس وفصول الهدوء. قصة فترة ما بين الحربين يميزها الوجود المؤلم للحرب، في الماضي والمستقبل. إنه عالم ميت، تمتصه التنمية الإقتصادية الخارقة للنصف الثاني من القرن العشرين. من الواضح أن النص يستفيد من هذا، ابتداء من الفصل الافتتاحي، من خلال الإتصال التلامسي المباشر للراوي ببقايا ماضيه. يذهب إلى القرية الصغيرة المهجورة التي عاش فيها طفولته، فيجد بعض الجدران المنهارة وبعض الأشياء المتفحمة. ويقف على أنقاض منزل العائلة الصغير لصديقه جياكومو.

من هناك ولدت قصة التذكر هذه التي تحيي شعبا مختفيا: أهل فلاحي الجبال، الذين يعيشون، أو بالأحرى، لا يزالون على قيد الحياة، في عالم بعيد، بسيط وبائس، محكوم بالعشوائية، عالم يسوده مناخ اقتصادي وسياسي لا أمل في إصلاحه. إيطاليا ريغوني ستيرن ليست إيطاليا البطاقات البريدية، إيطاليا البحر الفيروزي والقصور الفخمة، إيطاليا الروائع الخالدة وريف توسكان أو باداني الغني. إيطاليا ستيرن هي إيطاليا التي نفى منها الكثير من الإيطاليين أنفسهم في مناجم ومصانع فرنسا وألمانيا، الذين لم يروا من صرح الجمال سوى دعائمه الحجرية. مأزق هذا النوع من القصص هو البؤس والنظرة المقيتة والدامعة على حياة ملأى بضربات القدر والمعاناة الشديدة. لا تقع مواسم جياكومو في هذا الفخ: لا ثقل المحلل ولا علم الإجتماع السردي. على العكس من ذلك، الشخصيات تضحك، تحب، وتشتهي. إنها تعاني بالطبع، لكن المعاناة لا تقضي على هذه الشخصيات، والأهم من هذا أنها لا تلخصها. تكمن دقة النص، في نظري، في النظرة التي تتخلى عن موقعها الانعكاسي المتعالي، في الكاتب الشيخ الذي عاد ليتذكر شبابه البائس وشباب أصدقائه، لينزل إلى مستوى شخصياته وأفعالها ومشاعرها. والد جياكومو، جيوفاني، عامل مجتهد، نفي لثلاث سنوات في منجم لورين لدفع العربات.

حياته مؤلمة في بعض الأحيان، لكنها لا تقتصر على هذه المعاناة: جيوفاني ليس فكرة. مواسم جياكومو ليست رواية أطروحة. يعيش الشاب جياكومو في بيئة أنثوية ومحبة، محاطا بجدته وأمه وأخته. يتم الإنفاق على هذا المنزل من خلال أعمال الخياطة التي تقوم بها الأم وبواسطة الحوالات المالية الفصلية التي يرسلها الأب. يدخر أهل البيت مبلغا زهيدا من المال، وبالتالي لا وجود للمتعة في حياتهم إلا فيما ندر. ومع ذلك، لا تحتل أي من هذه الشخصيات مكانة الضحية.

تتبع الفصول بعضها البعض، ثروة عائلة جياكومو تعرف الإنتعاش والنكسات. دقات طبول الفاشية تدوي بصوت أعلى وأعلى. من دون بؤس، من دون تشدد، يصنع الكاتب طفولته مثل كثيرين آخرين. بلمسات صغيرة، يستعيد ريغوني ستيرن عصرا. مثل أي كاتب جيد، يشير أكثر مما يشرح، ومن خلال التجاور الماهر، يصور التناقض الحتمي، في إيطاليا التي كانت تعيش أقصى درجات معاناتها، بين المجتمع وما يمكن أن تقوله النخب أو الدولة عنه. هناك ضربان من الخطاب يتعايشان: تتناقض الدلالات المدوية للخطباء من فوق مع الخطاب اليومي البسيط والضيق للعالم أدناه. إيطاليا المجيدة، إيطاليا العظمى، الشعب الشجاع، ثروة الروح، إلخ. لا تتأثر القلوب بهذه الكلمات "الكبيرة".

يظهر الغرور الأجوف لهذه الكلمات بشكل واضح لأن الديكور الرديء يعمل كإطار. ترن الطبول الفاشية الكاذبة في هذا العالم المتواضع. ليس كل الرجال مغفلين. فقد واصل جيوفاني، الإشتراكي، والد جياكومو، العامل الذي عاد من فرنسا، الإحتفال بعيد العمال في الخفاء، وعلى الرغم من حذره إلا أنه لم يدخر انتقاداته أمام أصدقائه ورفاقه. هنا يكمل الروائي ذكرياته الخاصة، ويشرع في الوصول الى استنتاجات. تعتبر الشخصيات الأخرى في جميع أنحاء الرواية، مثالا للحكمة الشعبية، للآداب العامة (common decency) التي تتعارض مع فعل الهذيان. لا يدفع الفقر والحرب بهؤلاء الرجال إلى التخلي عن قناعاتهم العميقة، أو إلى السلبية والهروب، أو الرضوخ: لا تقف هذه الكتلة في وجه النظام، إنها تفلت منه، مثل الماء الذي يتدفق من اليد التي تحاول احتواءه.

ثابت القصة، هو عالم الخندق. تظهر آثار الصراع في كل مكان: الملاجىء والقذائف والآثار. تستمر القصة في العودة إليها. حتى أن الشائعات الغريبة تنتشر لبعض الوقت: نسمع عن جيش وهمي يسير خطوة بخطوة، في صمت، وفي استعراض. بعد سنوات قليلة، أصبحت الإشاعة حقيقة، وأصبح جيشا حيا يمضي للدفاع عن استقلال النمسا ضد ألمانيا. لن تكون هناك راحة. الحرب الميتة تطارد الأحياء. أثناء الحرب العالمية الأولى، كانت ألتو أديجي على الحدود النمساوية الإيطالية. كما كانت موضوع قتال عنيف بين عامي 1915 و 1918. قام متسلقو الجبال الذين عادوا بعد انتهاء الأعمال العدائية، بمسح ساحات القتال كل يوم. إنهم يجمعون، لتحسين حياتهم اليومية السيئة، أغلفة وقذائف وصناديق من الذخيرة المنسية، التي يعيدون بيعها لتجار الخردة. لا يخلو هذا العمل الشاق من المخاطر: تحدث بعض الانفجارات العرضية في الخلفية. ينتج عن ذلك فقد أحد الأطراف، وأحيانا فقدان الحياة. لا يمارس ريغوني ستيرن الخطابة في روايته هذه، إنه يوكل إلى القارئ مهمة الاستنتاج.

بينما تشتد الدعوات إلى حمل السلاح، يواصل متسلقو الجبال الحفر في الأرض بحثا عن المعادن. إن التواصل بين الحدثين مذهل: فبينما يمتلىء الهواء بأغاني الحرب والمطالب الوحشية، تمنح الأرض لأولئك الذين يعملون فيها النفايات التي لا حصر لها من دمار الماضي. لا يحتاج الكاتب إلى التعليق على ما يقوم به: سكان الجبال هؤلاء، ينقبون في الماضي بحثا عن بقايا الحرب التي يمكن بيعها. قريبا سوف يحفرون، على الجبهات القاتلة لليونان أو أوكرانيا، الأنفاق والخنادق ومقابرهم. إنها فقط مسألة وقت. ينشر الهواء شائعات مدوية وصراخ موسوليني، و ينقل ما لم يبق، وما يتلاشى، رياح الشائعات الخادعة. تحافظ الأرض على كل شيء وتحفظه وتمتصه ببطء. "الأرض لا تكذب"، إن الهواء، هواء العصر، هواء الخطابات، هواء العواصف، هو الذي يكذب، يخدع، ويضلل.

في الأرض نلاحظ العواقب الملموسة للأكاذيب التي روجت لها الخطب المتلاشية. إن وجود الأراضي القاحلة التي تم سكب آلاف الأطنان من القذائف والطلقات عليها يحمل في طياته حقيقة الزمن. قد تهب الريح، كالحرب التي تدمر كل شيء، ولكن ماذا بعد هذا؟ إلى الأرض كل شيء سيعود، الشباب، هذه الحياة، هذا العالم. توقظ الريح غضبا ستمتصه الأرض قريبا.

إذا احتل شبح الحرب مكانا مركزيا وملحا في العمل، فإنه لا يلخصه. فهو لا يمنع الضحك ولا الفرح. بالنسبة للشبان الإيطاليين في الرواية، تعتبر الحرب خلفية مثل أي خلفية أخرى، جزءا من الحياة الطبيعية، وعنصرا مما هو موجود. يتطرق ريغوني ستيرن هنا إلى شرعية الطفولة: كل ما هو موجود، كل ما يظهر لحواس الطفل موجود في عينيه، دون الإدراك المتأخر، التاريخي أو الفكري، مما يسمح له بالحكم عليه. الطلل الذي يبلغ من العمر عشرة قرون والميدالية العسكرية المفقودة هناك قبل خمس سنوات لهما نفس القدم في عيون الأطفال، الذين يدمجون العالم المدمر في ألعابهم: لم يعرفوا شيئا آخر، كيف يمكنهم الانتقاد والتحدي؟ لم تكن الفاشية تهدف إلى مهاجمة الطفولة، وذلك بغرس الشعور بخلود الأمة والحركة الفاشية فيها بأسرع ما يمكن. لقد راهنت على ضمور الحس النقدي بدلا من تخديره. حين تقترب الرواية من نهايتها، ترسل شخصية ماريو (المؤلف الشاب) رسالة مقنعة جدا إلى الدوتشي للمطالبة بإدماجها مسبقا في الجيش الإمبراطوري الذي سيغزو إثيوبيا.

ريغوني ستيرن، كاتب في السبعينيات، مخضرم، يصور، مثل شخص غريب، الشاب الذي كانه، المختلف كثيرا، الذي حوله تعليمه إلى فاشي صغير بكل ما تحمله الكلمة من معنى. يستحيل على ريغوني ستيرن أن يقول "أنا"؛ ربما هذا هو السبب في أنه اقترب من طفولته من خلال هذه الرواية التي لا يَحتل فيها المركز، إنه مجرد كومبارس فيها. إلى جوار هذا هناك جياكومو، ساذج للغاية، ليس أكثر من محتج: لقد تم الاستهزاء ببراءة الجميع من قبل النظام. فقط كبار السن، كالجدة، وجيوفاني، هم الذين عرفوا، من خلال نظرتهم الثاقبة، تقدير حجم الكارثة القادمة التي لا يستطيعون إيقافها.

من دون تنميق مقيت وخطابية سمجة، من دون أسلوب تفخيمي غير ضروري، من دون تشنج، تستعيد رواية The Seasons of Giacomo، بدقة وبتجرد نادر، ذكرى طفولة في إيطاليا الفقيرة بين الحربين. احتجاجات العظمة الوطنية، التي رعدت في الخلفية، تتلاشى في مشهد هؤلاء الرجال والنساء البسطاء والمحتاجين. في هذه الرواية لا يتم التقاط الفقر من جوانبه المثيرة للشفقة، أو من جوانبه الوحشية، أو الفاجرة. في هذه الرواية لا يختصر الفقرُ الرجالَ. ينبثق من هذه الرواية القصيرة شكل من أشكال التواضع واللطف والإنسانية وعظمة الروح.

لقد قال "بريمو ليفي" عن "ماريو ريغوني ستيرن" انه كان أحد "أعظم الكتاب الإيطاليين" في عصره. من هنا فإني أرى هذه الشهادة كافية بل ومغرية بقراءة هذه الرواية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كلمة أخيرة - سر تغيير اسم الفنانة فيدرا إلى -فرح-.. وإيه اسم


.. كلمة أخيرة - عاكسني حبينا بعض واتجوزنا.. قصة حب الفنانة فيدر




.. كلمة أخيرة - الفنانة فيدرا اتحولت من دراسة الطب للفن.. شاهد


.. الفنانة فيدرا خدت الفنان سامح الباجوري من الفنانة دينا؟.. في




.. الفنانة فيدرا: بمشي في الشارع زي الشاويش عطية.. وشخصيتي الحق