الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كأس العالم وقطر والمثلية

زياد ملكوش
كاتب

(Ziyad Malkosh)

2022 / 12 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


يبدو ان اقامة كاس العالم لكرة القدم في قطر هو حديث الساعة في الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي خاصة العربية وسيبقى الى حين أنتهاء هذه الفعالية وحتى بعدها . غالبية من كتبوا من العرب حول هذا الموضوع مبتهجون بقرار استضافة قطر لهذا الحدث الكروي الكبير كونها اول دولة عربية تحظى بذلك بغض النظر عن الانتقادات الغربية لها ، وهذا امر مفهوم على اعتبار هذا الحدث بالنسبة لهم نوع من الانتصار المعنوي في زمن الانكسارات والخيبات العربية في جميع المجالات . طبعا حظي منع تناول الكحول وحمل شارة حب 1 وعلم المثليين/ الوان قوس قزح/ في المدرجات تفاعلا ايجابيا كبيرا من غالبة الجماهير العربية كون تناول الكحول / حسب مفسري النصوص/ ممنوع في الاسلام ( مع ان نسبة لا باس بها من العرب يشربون الكحول ) وكون شارة حب 1 حملة تدعو الى حرية المثليين وهذا امر مرفوض في الثقافة العربية مع ان الشارة تعني حملة مناهضة للتمييز وحقوق الانسان و الحرية والحب للجميع بما في ذلك بالطبع المثليين ، وقد تم لاحقا إلغاء المنع .

ما تقوله الصحافة الغربية التي هاجمت وتهاجم إقامة هذه الفعالية الرياضية في قطر صحيح فيما يتعلق بحقوق العمال وماعدا ذلك فهو وإن كان صحيحا إلا انه يبين إزدواجية المعايير لدى الغرب ونفاقه خاصة ماضيه الاستعماري الدموي وعدم مهاجمتة فعاليات رياضية اخرى جرت في نظم حكم شمولية او دكتاتورية الى حد ما كالصين وروسيا ، والحظر على التعامل مع الروس حاليا ليس بسبب غزوها لاوكرانيا وإنما لاسباب اقتصادية وسياسية .
لم يكن من اللائق على وزيرة دولة كالمانيا ان تضع شارة الحب على ذراعها كذلك كان تصرف الفريق الالماني مستهجنا. ثقافة الشعوب العربية لا تتقبل المثلية وكان يجب احترام ذلك . ويجب التذكير ان شعوب البلاد الغربية كانت الى عهد قريب نسبيا لا تؤيد منح حقوق للمثليين ، وعندما كان كاس العالم في لندن 1962 لم يكن في حينه اعتراف بحقوق للمثليين في بريطانيا ، وحتى الآن لا تزال نسبة من الشعوب الغربية تعارض المثلية ، ولا تتجاوز نسبة المثليين من الجنسين والمتحولين ومزدوجي الميول 7% في الولايات المتحدة و مابين 3% الى 8% في العالم بالرغم من تغلغلهم وتاثيرهم/مع مناصريهم /الذي يتجاوز بكثير جدا هذه النسب / في الاعلام والفن ووسائل الترفيه في العالم الغربي ، وقد يكون مرد ذلك الى تحالفهم مع جمعيات ومؤسسات تعمل في مجالات حقوق الانسان والمرأة ومكافحة العنصرية وقضايا المناخ وحزب الخضر وغيرها ، وهذا مايجعلها من الاصوات الانتخابية للسياسيين سواء من التقدميين او من الانتهازيين الذين يعملون لمصالح الشركات الرأسمالية العملاقة الممولة لحملاتهم الانتخابية .

اللافت هو الاهتمام الواسع في العالم العربي لرفض المثلية ومباركة موقف قطر منها ومهاجمة الغرب بخصوصها والشماتة بفريق المانيا عندما خسر مع اليابان خرج من السباق وكأن ( تاييده للمثلية ) هو السبب وليس لانه لم يلعب جيدا . الاهتمام بهذه القضية فاق وتجاوز الانتباه الى قضايا اهم بكثير جدا وتلامس حياة العرب اليومية تجاه الحريات وحقوق الانسان والعدالة السياسية والاجتماعية والمعيشة والفساد السياسي والمالي لدى الانظمة الحاكمة وقضايا المرأة والمناخ وحتى مايتعلق بالجنس كالتحرش وسفاح القربى والاغتصاب بما في ذلك اغتصاب الزوجات وايضا مايسمى بجرائم الشرف ، اي شرف !
لم ولا تشكل المثلية مشكلة في العالم العربي وليس للمثليين اي تنظيم او تجمع او جهة تطالب بحقوق لهم . لهذا من غير المفهوم هذه الادانة الواسعة لها وعدم ادانة ممارسات اخرى تؤثر على حياة الناس .

من المؤكد ان قطر فازت بحق تنظيم هذه الفعالية للمبالغ الضخمة التي دفعتها لاعضاء الفيفا المعنيين ولا جدال حول الفساد الكبير الموجود في الفيفا ، وكانت هناك معارضات عديدة لهذا الاختيار كلها محقة، فمناخها حار جدا للاعبين والجمهور ، ولا توجد لديها مرافق رياضية ولا بنية تحتية مناسبة ولا مواقع سياحية تاريخية او جذابة ،وهي مرتفعة التكاليف للمشجعين الوافدين ، كما ليس لها تاريخ كروي اوحتى رياضي .
ولكن … تم تغيير ميعاد وقت الدورة من الصيف الى الشتاء وصرف مبالغ هائلة لانشاء ملاعب مكيفة ومدرجات ووسائل نقل وماشابه وصلت الى 220 مليار دولار نفذها مهندسون غربييون و آلاف العمال من آسيا وافريقيا كانت ظروف عملهم سيئة جدا في طقس حار جدا حيث توفي منهم باعتراف رسمي قطري مابين 400-500 شخص بينما مجموع المتوفين حسب احصاءات دولهم يتجاوز 6000 (بعضهم لاسباب ليس لها علاقة بالعمل في هذه المشاريع) . كانت ايضا اجورهم منخفضة بل تم توقيفها للبعض منهم وتم حجز جوازات سفرهم كي لا يعودوا الى بلدانهم او تم ترحيلهم بدون دفع اجورهم ، وباختصار كما قال كاتب يساري بأن بناء المنشاءات الضخمة لتلاءم فعاليات الكاس كانت من فائض عمل هؤلاء العمال المساكين .

قطر دولة صغيرة اصبحت بعد استقلالها ( النسبي) بعد اكتشاف النفط في شبه الجزيرة العربية والبلاد المطلة على الخليج غنية جدا ، نظامها رجعي (قرن اوسطي) ، تحكمها عائلة تتمتع بامتيازات سياسية واجتماعية والاهم مالية فثلث العائد من الغاز والنفط يذهب الى افرادها خاصة الحاكم واقرباءه من الدرجة الاولى الذين يعيشون حياة بذخ خيالية بينما يذهب ثلث العائدات الى الدولة والثلث الاخير الى شعبها الذي لا يتجاوز 3 ملايين نسمة اكثر من نصفهم اسيويين .ترغب هذه الدولة ان تظهر على الساحة العالمية بانجاز ما فاطلقت قناة الجزيرة الفضائية عام 1996 بطاقم إعلاميين محترفين من خارج قطر ( جميعهم من بلاد عربية ) وبرامج جديدة طموحة ونشرات اخبار كانت حيادية نسبيا واتجاه قومي اسلامي وبمفهوم حرية الرأي والاعتراف بالرأي المخالف . لقد حركت هذه القناة المياه الراكدة في الاعلام العربي المملوك من الانظمة الحاكمة ومن يدور في فلكها وحفز على قيام اعلام معاكس وعلى دخول اعلام اجنبي ناطق بالعربية . ونجحت في منافسة قنوات اعلامية شهيرة خاصة بعد تغطيتها الحرب في افغانستان ، وقُتل عدد من مراسليها اثناء تغطيتهم مناطق ساخنة آخرها كان قتل جندي اسرائيلي عمدا شيرين ابوعاقلة ، لكن الجزيرة لم تنجح في جعل قطر دولة عظمى . عربيا اصبحت القناة العربية الاكثر مشاهدة وتاثيرا حتى حركات الربيع العربية التي غطتها وناصرتها الى ان اصبحت تبالغ في اخبارها وفي تأييد جماعات اسلامية تلغي الآخر خاصة في مصر وسوريا التي تم تدميرها وترحيل نصف سكانها من قبل النظام الاسدي وحلفائه مع ان هذه الجماعات التي لم تكن افضل من النظام في القمع وإقصاء الآخر . وأصيب الحراك بنكسة موجعة ولم تنجح قطر والامارات والنظام السعودي في اسقاط النظام السوري وإن اصبح متخلخلا . من المفهوم ان هذه الدول لم تكن مهتمة بالديمقراطية في سوريا فهي اصلا غير ديمقراطية كما ان الربيع العربي لو نجح فسيصل اليها .
على اية حال كان السباق المحموم للحصول على استضافة الكأس حتى عن طريق الرشوات هو محاولة اخرى لإبراز قطر كدولة مهمة مؤثرة في المنطقة والعالم ، ولكن كما يبدو لم تنجح حتى الآن في هذا بل على العكس اظهرت قطر كدولة تستغل العمال الاجانب وتسيئ اليهم ولا وجود فيها لحريات وحرية رأي ومؤسسات مدنية واحزاب كما يوجد لديها سجناء رأي. تجدر الاشارة الى ان العائد المالي من الفعالية اقل بكثير من المصروفات / حوالي 17 مليار دولار .
الم يكن الاجدى بقطر مثلا لو ساعدت اللاجئين العرب خاصة السوريين في اقامة مرافق سكن مقبولة لهم واستقبالهم بدل ان تمنع دخولهم هي والنظام السعودي وباقي بلدان الخليج ؟ الم يكن اجدى لو استثمرت لمستقبل شعبها بعد ان ينفذ الغاز والبترول او تحل بدلا منه مصادر طاقة اخرى بدات في الانتشار في الغرب ؟ الم يكن اجدى لو انشات جامعات ومراكز بحث ومختبرات ؟ الم …. ؟. الم… ؟

الانظمة العربية دكتاتورية مع اختلاف درجة القمع فيها /وخصوصية لبنان وتونس / ، ولكن كون فعاليات رياضية عالمية جرت سابقا في دول دكتاتورية فلا باس من تكون الحالية في اي دولة عربية ليشعر المواطن العربي المقهور بنوع من الاعتزاز حتى لو كان هذا الاعتزاز مهزوزا ، كان من الافضل لو جرت في بلد لديه تاريخ وتاريخ كروي مع بنية تحتية / ستكون المصاريف اقل / ومرافق سياحية تزيد من عائدات الكاس التي بالرغم من فساد الانظمة فسيذهب بعضها للقطاع السياحي فالمشجعين الاجانب هم سياح ايضا .

على اية حال هناك بعض الفرحات الصغيرة في رؤية علم فلسطين في المدرجات وفي رفض الجمهور العربي بما في ذلك القطري / وحتى الاجنبي التعامل مع الاسرائيليين واعلامهم بالرغم من ان دولة قطر من المطبعين ، كذلك فوز فرق عربية خاصة المغرب بفريقه العظيم الذي تاهل للدور ربع النهائي وكان التمني لو لم يكونوا مرتدين ملابس شركة بوما وهي راعي اتحاد كرة القدم الاسرائيلية .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. “قطط بلا أسنان“.. شاهد كيف سخر إعلام روسيا من الدبابات التي


.. انتشار مكثف للشرطة الإسرائيلية في القدس بعد قرار رفع حالة ال




.. مدفيديف: توريد الدبابات لأوكرانيا لن ينقذ أوروبا إذا نشبت حر


.. المتحدث باسم سلاح الجو الأوكراني: نسعى للحصول على 24 طائرة م




.. لقاء ميلوني والدبيبة يتوج باتفاق في قطاع الطاقة بين ليبيا وإ