الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


روسيا تخوض حرب تحرير عالمية ضد الامبريالية الغربية اليهودية

جورج حداد

2022 / 12 / 8
العولمة وتطورات العالم المعاصر


إعداد: جورج حداد*


عشية انطلاق ما سمته القيادة الروسية في البدء "العملية العسكرية الروسية المحدودة" لدعم الاشقاء الروس في اوكرانيا، صوّت مجلس الدوما (البرلمان) الروسي بالاجماع على طلب القيادة الروسية استخدام قوات الجيش خارج الحدود الروسية، اي ليس فقط للدفاع عن الاراضي الروسية المعترف بها دوليا، بل عمليا ولـ بدء الهجوم على الاعداء خارج تلك الاراضي.
ومنذ الطلقة الاولى تأكد ان روسيا دخلت في معركة ليس فقط مع العصابات النازية الجديدة والصهيونية وقوات النظام الانقلابي الموالي للغرب في اوكرانيا، بل دخلت في حرب جيوستراتيجية عسكرية وسياسية واقتصادية واعلامية، مفتوحة وشاملة، مع المنظومة الامبريالية العالمية بمجملها.
وكان الهدف الجيوستراتيجي الاقرب لهذه الحرب هو السيطرة التامة على الساحة الاوكرانية وتحرير اوكرانيا.
ولكن الهدف الابعد هو: القضاء التام والنهائي على منظومة الهيمنة الامبريالية الغربية ــ الاميركية ــ اليهودية على العالم، المستمرة منذ اكثر من 2150 سنة، اي منذ قيام روما القديمة بتدمير قرطاجة في 146ق.م الى اليوم.
ولا شك ان انتقال روسيا الى الهجوم يحمل في طياته خطر نشوب حرب عالمية نووية مدمرة شاملة.
وهنا يبرز سؤالان وجوديان يتعلقان بمصير المجتمع البشري والكوكب الارضي وهما:
الاول ــ هل يوجد حقا نظام هيمنة امبريالية ــ يهودية على العالم؟
والثاني ــ هل كان من الحتمي المواجهة العسكرية مع الغرب الامبريالي، بدلا من الاقتصار على المواجهة "الناعمة" والسلمية: الدبلوماسية والقانونية والسياسية والاقتصادية الخ.؟
ونحاول فيما يلي مقاربة الجواب عن هذين السؤالين:
XXX
اولا ــ هل يوجد هيمنة امبريالية غربية ـ يهودية على "النظام" العالمي؟

منذ سنوات طويلة يدور الكلام حول ما يسمى "نظرية المؤامرة"، التي يُتهم فيها الانصار المفترضون لهذه "النظرية" بأنهم موهومون ومهووسون بوجود عصابة او زمرة "اشرار"، دولية، داخل وخارج مؤسسات الدول الامبريالية، تحرك هذه الدول من وراء الستار لتحقيق المطامع والمصالح الامبريالية لتلك العصابة او الزمرة "الشريرة".
اي ان هذه التهمة، بصرف النظر عن صحتها ام لا، تضع "الزمرة الامبريالية العالمية الشريرة" خارج اطار المؤسسات "الشرعية" للدول الامبريالية، وتفترض ان الدول الامبريالية هي دول مضللة ومخدوعة تقوم بخداعها وتضليلها وتوريطها "الزمرة الامبريالية العالمية الشريرة".
ولكن هذه النظرة هي خاطئة تماما من حيث التفريق بين "الزمرة الامبريالية العالمية" والدول الامبريالية ذاتها. ولكنها صحيحة تماما من حيث وجود "الزمرة الامبريالية العالمية"، انما ليس بانفصال عن الدول الامبريالية، بل كجزء لا يتجزأ من تركيبة النظام الامبريالي العالمي، بل الجزء الاهم فيه.
فالواقع انه خلال المسيرة التاريخية الطويلة منذ تحول الامبراطورية الرومانية القديمة الى امبراطورية استعبادية عالمية، تشكلت تدريجيا، على مر المراحل التاريخية واختلافها، شبكة دولية مترابطة، ثابتة ولكن متجددة على الدوام، من المتنفذين والمستفيدين الاكبر من الانظمة الاستغلالية القائمة، من كل القطاعات الاقتصادية الانتاجية والمالية والتجارية، من السياسيين والعسكريين والاكليروس والإعلام والثقافة. وكانت هذه الشبكة، ولا تزال، تتميز بأنها تتجاوز الاصطفافات والاستقطابات السياسية والدينية والطبقية والقومية والانتماءات الدولوية حتى اثناء الحروب والنزاعات المسلحة. وليس بالصدفة ان ظهور وتشكل وتبلور وتطور هذه الشبكة، عابرة الدول والاديان والاقوام والبلدان، يتزامن ويتلازم مع ظهور النقود (من المعادن الثمينة) وتحولها الى اسٍّ اساسي في جميع "الانظمة الوطنية"، كلا بمفرده، وفي النظام الاقتصادي ــ الاجتماعي ــ السياسي العالمي بمجمله، وبكل تناقضاته.
ومنذ البدء كانت النقود (المال، الكنوز، الرأسمال، منذ ما قبل التحول الى النظام الرأسمالي والامبريالي) هي "الرابط الوجودي" و"الهوية الخاصة" الجامعة لتلك الشبكة او الزمرة او العصابة، ومصدر قوتها، ووسيلتها الرئيسية للتأثير في مجريات السياسات "الداخلية" و"الوطنية" للدول، والسياسة الدولية برمتها.
وتاريخيا، فإن الطغمة المالية ــ الاكليروسية العليا، اليهودية (بايديولوجيتها الاصطفائية القائمة على "أدلجة" و"تديين" (بالمعنيين: الإقراضي والديني، الربا و"القرض الحسن") دور النقود والتمسك بها كسلعة فوق كل السلع، و"قيمة" فوق كل القيم، وتصنيف مالكيها كبشر فوق كل البشر او ما يسمى: شعب الله المختار!) ــ ان تلك الطغمة اضطلعت بدور الرابط "العصبي" الاول، والمحرك (الدينامو) التخطيطي والتوجيهي والتمويلي الاول، لهذه الشبكة، حتى في احلك ظروف العنف والاضطهاد الذي تعرضت له الجماهير اليهودية العادية، كما جرى لدى تدمير الروس لمملكة خازاريا اليهودية على سواحل بحر قزوين (بحر الخزر) في القرنين العاشر والحادي عشر، وفي القدس لدى اقتحام الصليبيين لها في نهاية القرن الحادي عشر، وفي الاندلس العربية لدى "الاستعادة" (reconquista) البابوية لها في نهاية القرن الخامس عشر، وبمواجهة النازية عشية وخلال الحرب العالمية الثانية.
وكانت هذه الزمرة ــ المنظومة الاصطفائية "اليهودية" ــ تجد طريقها دائما، مع نقودها وقروضها، لتعشش في "مراكز القرار" القيادية في كل امبراطورية استعبادية ــ استعمارية ظهرت تاريخيا.
واليوم تتوج هذه الزمرة او العصابة او الشبكة، وجودها، بالتماهي مع التركيبة الامبريالية الاميركية ــ اليهودية.
وايا كان الرأي بوجود او عدم وجود، صحة او عدم صحة "نظرية المؤامرة"، فمما لا شك فيه انه يوجد "كتلة قيادية" او "مركز قرار" (متجدد ومتحرك) في تركيبة النظام الدولي عامة، والنظام الامبريالي الدولي المعاصر خاصة، يكرس الهيمنة الامبريالية الغربية على العالم، ولهذه الغاية يوجه ويفرض سياسة الدول في مختلف المراحل والظروف والاوضاع، حتى في حالة اختلاف او تناقض سياسة اي دولة كانت مع ما تقرره تلك "الكتلة القيادية" او "مركز القرار" الدولي.
وينبغي التأكيد ان هذه "الكتلة القيادية" الدولية كان ولا يزال اساس ومنطلق وهدف وجودها، هو تكريس الهيمنة الامبريالية الغربية على "الشرق"، بمعناه الواسع: اي اوروبا الشرقية وروسيا واسيا وافريقيا (مضافا اليها اميركا اللاتينية)، الذي يمثل القسم الاكبر جغرافيا، والاغلبية في الكرة الارضية سكانيا. علما ان مجموع سكان دول اوروبا الغربية والولايات المتحدة الاميركية، مضافا اليها كندا واوستراليا وكل يهود العالم (وهو ما نسميه "الغرب")، لا يمثلون سوى اقلية في الوجود البشري على الكرة الارضية.
ولكل من يستصعب فهم هذه النقطة الجوهرية والمفصلية عليه اعادة نظر تحليلية علمية في الخطوط العريضة للمسارات التاريخية للمجتمع الانساني منذ ايام الامبراطورية الرومانية القديمة الى اليوم.
ولعله من المفيد ايراد بعض الامثلة الكبرى، الاقليمية والعالمية، على هذه المسارات. وهو ما نحاول مقاربته فيما يلي:
XXX
ــ1ــ إقليميا: إبان استعار الحرب العالمية الاولى لاعادة تقسيم العالم بين الدول الاستعمارية، تمت (في 1915 – 1916) ما تسمى "مراسلات الحسين – مكماهون"، التي وعدت فيها بريطانيا (باسم محورها العسكري) بالموافقة على اقامة دولة عربية مستقلة موحدة، في المشرق العربي (باستثناء المحمية البريطانية في عدن – اليمن)، بقيادة شريف مكة الحسين بن علي وابنائه، مقابل انضمام العرب الى محور بريطانيا وحلفائها، ضد المحور الثاني الذي كانت تقوده المانيا وتشارك فيه السلطنة العثمانية.
وقد وفى الجانب العربي بتعهده، في إقدام الشريف الحسين بن علي على اعلان "الثورة العربية الكبرى" في حزيران 1916، والقتال ضد السلطنة العثمانية. وكتجسيد للاتفاق الانكليزي ــ العربي، شارك في قيادة "الثورة العربية" والقتال ضد السلطنة العثمانية، الى جانب الامير فيصل بن الحسين، الدبلوماسي وضابط المخابرات البريطاني توماس لورانس (المعروف باسم "لورنس العرب")، والذي اصدر سنة 1926 مذكراته عن تلك المرحلة في كتاب بعنوان "اعمدة الحكمة السبعة" (مترجم الى العربية).
ودخلت القوات العربية بقيادة فيصل بن الحسين الى دمشق، حيث اعلنت الحكومة العربية، التي حظيت بتأييد جميع اقاليم المشرق العربي، بما في ذلك مجلس ادارة "متصرفية جبل لبنان" (لبنان الصغير: الماروني ـ الدرزي) ومجلس "ولاية بيروت" العثمانية السابقة (ذات الطابع الغالب: السني). وجرى رفع "العلم العربي" في بعبدا. وانسحب العثمانيون من بيروت في 1 تشرين الاول 1918 وكان عمر الداعوق رئيسا للبلدية فانزل الاعلام العثمانية ورفع العلم العربي فوق السراي الكبير، واعلن قيام الحكومة العربية برئاسته في بيروت، في 2 تشرين الاول 1918. وفي 4 تشرين الاول جرت احتفالات شعبية كبيرة احتفاءا برفع اعلام الثورة العربية. وفي الثامن من تشرين الاول وصلت القوات الاستعمارية الفرنسية من البر والبحر واحتلت بيروت والساحل اللبناني. واستلم الكولونيل الفرنسي "دوبياباب" السراي الكبير وأصبح حاكماً عسكرياً للبلاد معيناً من قبل قائد الجيوش الحليفة الجنرال الإنكليزي اللنبي. وأمر الكولونيل "دوبياباب" بإنزال العلم العربي عن السراي الكبير، وعزل هكر الداعوق وذلك في 19 تشرين الاول 1918.
وفي الفترة ذاتها كانت تجري، بالموازاة مع "مراسلات الحسين ــ مكماهون"، مفاوضات سرية انكليزية - فرنسية لاعادة تقسيم المنطقة العربية بعد "تحريرها" من الاحتلال التركي؛ وهي المفاوضات التي اسفرت عما عرف بـ"اتفاقية سايكس – بيكو".
وفي تشرين الثاني 1917 (اي بعد "مراسلات الحسين – مكماهون" بأكثر من سنتين، وبالموازاة مع "اتفاقية سايكس ــ بيكو")، صدر "وعد بلفور" (الانكليزي ايضا) بالموافقة على انشاء "وطن قومي يهودي" في فلسطين، وهو ما توّج في 1948 بخروج الانتداب البريطاني من فلسطين، واقامة الدولة الاغتصابية اليهودية المسماة "اسرائيل".
كما ان الجيش الفرنسي اقتحم بالقوة الاراضي السورية، وبعد معركة ميسلون غير المتكافئة، قي 1920، دخل الجنرال الفرنسي هنري غورو الى دمشق دخول الفاتحين، واسقط الحكومة العربية، وحل الجيش العربي الذي قاتل الاتراك، وطرد الملك فيصل الاول الذي أبعد الى العراق، حيث نصبه الانجليز ملكا فيه. وبصورة تشبيهية يمكن القول ان "الام الحنون" فرنسا "حبلت" بما سمي "لبنان الكبير" في ميسلون، وولدته في "قصر الصنوبر" في ميدان سباق الخيل في بيروت. ولولا "معركة ميسلون" لما كانت "الجمهورية اللبنانية".
كما طرد الشريف الحسين من مكة المكرمة والحجاز، ونفي الى قبرص. وجيء بالامير عبدالعزيز بن سعود من الكويت، وتُوّج ملكا على نجد والحجاز باسم "المملكة العربية السعودية".
واسفر هذا المسار التاريخي عن إخلال بريطانيا بوعودها للعرب، وتقسيم البلدان المشرقية العربية، وإنشاء "الوطن القومي اليهودي" على ارض فلسطين المغتصبة.
فكيف يمكن ان نفهم هذه المواقف المتناقضة للدولة الانكليزية؟
ــ هل كان الدبلوماسي البريطاني المرموق هنري مكماهون يكذب، باسمه وباسم حكومته وملكه، حينما وعد الشريف الحسين باقامة دولة عربية موحدة مستقلة في المشرق العربي (باستثناء محمية عدن البريطانية)؟
ــ وهل كان ضابط المخابرات البريطاني المرموق توماس لورنس "يمثّل!" ويتظاهر بالقتال الى جانب العرب في "الثورة العربية الكبرى"؟
مع عدم استبعادنا لأي فرضية، نقول بتحفظ انه لا يوجد في المعطيات التاريخية اي تلميح الى ان هنري مكماهون كان يكذب، او ان توماس لورانس كان "يمثّل" ويكذب. بل بالعكس يوجد تلميحات الى ان هنري مكماهون كان مستاءً او غير راض عن إخلال بريطانيا بوعودها، باسمه، للشريف الحسين وللعرب؛ كما انه توجد تساؤلات حول مقتل توماس لورانس بحادث سير مشبوه في لندن في 1935، اذ انه لم يكن هو الاخر راضيا عن إخلال بريطانيا بوعودها للشريف الحسين.
ان الاستنتاج المنطقي من كل هذه المتاهة، ان الدول الامبريالية الغربية (المنتصرة) كانت توجد لديها خيارات متعددة لتجديد الهيمنة الامبريالية الغربية على الشرق العربي، واعادة رسم خريطة المنطقة. وقد طرحت كل الخيارات للتداول والتجربة العملية، الى ان استقر رأي ما يمكن تسميته "الحكومة الامبريالية العالمية العميقة" (او الشبكة او الزمرة او العصابة الامبريالية العالمية) على قرارات نهائية، هي ما جرى تطبيقه على الارض، وبالاخص انشاء "الوطن القومي اليهودي" على خلفية تقسيم وشرذمة المنطقة العربية كي تكون الكلمة الاولى في مصائر المنطقة مستقبلا للكيان الصهيوني المصطنع، كقاعدة رئيسية للهيمنة الامبريالية الغربية على الشرق، المندمجة بالمصالح الضيقة للطغمة اليهودية العليا العالمية.
XXX
ــ2ــ عالميا: انتهت "الحرب الباردة" بانتصار الكتلة الغربية، وانهيار "المنظومة السوفياتية" في اوروبا الشرقية في 1989، وانهيار "الاتحاد السوفياتي" ذاته في 1991، بفعل المؤامرات الامبريالية الغربية ــ اليهودية وخيانة البيروقراطية السوفياتية السابقة الفاسدة، الستالينية والنيوستالينية. وعلى الاثر اشرعت روسيا جميع الابواب والنوافذ على مصاريعها للانفتاح على الغرب الاوروبي ــ الاميركي. وبالرغم من ذلك، وبالرغم من ان اوروبا تدين لروسيا بانقاذها من النير النازي في الحرب العالمية الثانية، حينما تكبدت روسيا عشرات ملايين الشهداء من العسكريين والمدنيين الروس واسر الملايين وسوقهم الى معسكرات العمل العبودي والموت، وتدمير الوف المدن والبلدات والقرى تدميرا مريعا، وتدمير 80% من الاقتصاد الروسي؛ بالرغم من كل ذلك فشلت تماما مساعي روسيا للتقارب والانضمام الى الاتحاد الاوروبي والى حلف الناتو العسكري. وبدلا من ضم روسيا الى الاسرة الاوروبية والاطلسية (الناتوية)، والتخلص مرة والى الابد من وضعية المواجهة والصراع الروسية ــ الغربية منذ اكثر من الفي سنة، تبين بالملموس ان ما تريده الكتلة الامبريالية الغربية، ليس انضمام روسيا الى اوروبا والانفتاح والتعاون الدولي بينها وبين الغرب، بل الانقضاض على روسيا وتجويع وتشريد شعبها، والاستيلاء على اراضيها الشاسعة متناهية الغنى، واستعمارها ونهبها. ولهذه الغاية فإن غير المأسوف عليه سبيغنيو بجيجنسكي مستشار الامن القومي الاميركي سابقا (وهو من اصل بولوني ــ كاثوليكي، حاقد بشكل اعمى على الروس عامة والاورثوذوكس خاصة) طرح في كتاباته "روشتة" لتطويع روسيا والسيطرة عليها، تقضي بالعمل على تخفيض عدد سكان روسيا الى 50 مليون نسمة فقط، كي يسهل التغلب والسيطرة عليهم. وهذا ما بُدئ بتطبيقه في روسيا في عهد يلتسين في تسعينات القرن الماضي، من نهب وسلب وتشريد وتجويع وطرح الفودكا المغشوشة ولا سيما في الشتاء وبيعها باسعار شبه مجانية، حيث كانت السيارات العائدة لبلدية موسكو تجمع صباح كل يوم الوف جثث الموتى من المشردين السكارى المتجمدين من الصقيع، وذلك في مدينة موسكو وحدها. وقد انخفض حينذاك عدد سكان روسيا 10 ملايين نسمة خلال بضع سنوات فقط من حكم يلتسين.
وهذا ما يؤكد ان كل اضاليل قاموس الديماغوجيا والبروباغندا الاميركية ــ الغربية حول "الدمقراطية" و"الحريات" و"حقوق الانسان" و"حق تقرير المصير للشعوب" ليست سوى اكاذيب الهدف منها تثبيت وتأبيد الهيمنة الامبريالية الغربية ــ اليهودية على جميع شعوب وبلدان العالم.
وهذا ما لا يراه او لا يريد ان يراه "السياديون" و"الحياديون" "اللبنانيون الكاذبون"، بمن فيهم خونة الشيوعية والفكر الاشتراكي العلمي، امثال كريم مروة والياس عطالله، الذين انتقلوا من التبعية للمخابرات السوفياتية الستالينية والبيروقراطية السابقة، الى التبعية للسياسة الاميركية والاسرائيلية والسعودية، وانضموا الى جوقة النبّاحين ضد المقاومة، والقائلين بأن مقاومة اسرائيل واميركا والداعشية هي "احتلال ايراني"، وهي المسؤولة عن تجويع الشعب اللبناني المظلوم.
XXX
ويمكن ايراد ما لا يحصى من الامثلة الواقعية التي تدل على وجود "الحكومة العميقة" او "العصابة الامبريالية العالمية العليا" صاحبة القرار في نظام الهيمنة الامبريالية الغربية ــ اليهودية على العالم.
ولكننا نكتفي بهذين المثلين، الاقليمي والعالمي. ومن له عينان فليرَ، ومن له اذنان فليسمع.
وننتقل الى النظر في طبيعة المواجهة العسكرية والجيوبوليتكية العامة الراهنة، التي بدأت في اوكرانيا، ومن الصعب التكهن اين وبأي شكل ستنتهي. مع الاشارة في تقديري الخاص المتواضع، انها لن تنتهي الا في واشنطن، وبتفكيك وتقويض الوحش الامبريالي الاميركي ــ اليهودي، المتمثل في الدولة المسماة "الولايات المتحدة الاميركية" (USA)، والقائمة على ارض، وفوق جماجم 112 مليون هندي احمر: سكان البلاد الاصليين، الذين ابادهم الغزاة الاوروبيون البيض (الانغلو ــ ساكسون) المتوحشون، ليس بدون مباركة المراجع الدينية المعنية، المسيحية الغربية واليهودية.
XXX
والسؤال الثاني ــ هل كان بالامكان ان تتجنب روسيا المواجهة العسكرية مع الامبريالية الغربية؟
لقد سبقت قرار التدخل العسكري الروسي في اوكرانيا في شباط 2022 مقدمات جعلت هذا القرار الزاميا، وجزءا من مسار تصادمي متواصل. ونشير في هذا الصدد الى النقاط التالية:
ــ1ــ بعد الانقلاب الفاشي في شباط 2014 ضد الرئيس الشرعي السابق فيكتور يانوكوفيتش، بسبب سياسته المتوازنة في العلاقات مع روسيا، ومع الاتحاد الاوروبي، تعمد النازيون القدماء ــ الجدد، بتحريض وتمويل اميركيين، وبتأييد ودعم الاتحاد الاوروبي، الذي يتشدق بالدمقراطية وحقوق الانسان، ــ تعمدوا شن حملة وحشية لمطاردة وقتل المواطنين الاوكرانيين الروس والناطقين بالروسية، وحرق بيوتهم. فكانت زمر النازيين المسلحين بالمسدسات والبنادق وهراوات البيسبول الغليظة تنتظر في الشارع العمال والموظفين، والمعلمين، والجنود وحتى الضباط، الروس، ولدى ظهور احدهم يهاجمونه وينهالون عليه بالهراوات ويحطمون رأسه، وحينما يسقط ارضا يرفسونه في وجهه وصدره حتى الموت، وحينما تأتي سيارة الاسعاف لنجدة احدهم، يحطمون السيارة ويعتدون على المسعفين، ويتركون الضحية في الارض "للفرجة". كما كان يتم فصل رجال الشرطة والجنود الشبان الذين يؤدون خدمة العلم، من ابناء المنطقة الشرقية الاوكرانية ذات الاغلبية الروسية، وتسريحهم بالقوة، ودفعهم الى ركوب الباصات للعودة الى مناطقهم. وعوضا عن تركهم يعودون بسلام، كانت الزمر النازية تنتظر هؤلاء المواطنين "الاوكرانيين!" بالهوية، خارج المدينة، وتنزلهم من الباص، وتجبرهم على الركوع وتطلب منهم شتم روسيا والرئيس بوتين، ثم تطلق النار على رؤوسهم وتقتلهم، وتترك جثثهم متناثرة على الارض "للفرجة" ايضا. وهذا غيض من فيض من الارتكابات الوحشية ضد المواطنين الروس والناطقين بالروسية. وطبعا ان الاعلام الغربي لم يكن يعير اي اهتمام لهذه الجرائم، لان اهتمامه هو بـ"حقوق الانسان". والروسي (كما هو الوطني اللبناني والفلسطيني والسوري والعربي) لا يدخل تحت مفهومة "الانسان" في الثقافة الامبريالية الغربية ــ اليهودية.
ولكن لسوء حظ جهابذة "الثقافة العنصرية" وآلة البروباغندا في الغرب، وخدمها من "جيش ذباب" الاعلام المأجور في كل مكان، ان الروسي "المتوحش!" لم يتقبل طوال تاريخه ولن يتقبل اليوم الثقافة والمفاهيم الامبريالية الغربية ــ اليهودية، عنه وعن غيره من الشعوب الشرقية.
وفي هذه الحالة كان من الطبيعي ان تنتفض الاقاليم الشرقية في اوكرانيا ذات الاغلبية الروسية والناطقة بالروسية، وتجري استفتاءات الانفصال عن اوكرانيا، وطلب الانضمام الى روسيا.
وكان من الطبيعي، وبدون اي قرارات من الدولة الروسية، ان مئات الالوف من المتطوعين الروس، وخصوصا من القوزاق (الذين ينتمون الى اتنية واحدة هم وقوزاق الدونباس في اوكرانيا) تدفقوا الى شرق اوكرانيا للمشاركة في الدفاع عن ابناء اتنيتهم وقوميتهم الروسية.
ــ2ــ وبعد انضمام شبه جزيرة القرم الى روسيا، واستقلال الجمهوريتين الشعبيتين في الدونباس (دونيتسك ولوغانسك)، حشد النازيون الاوكرانيون والجيش الانقلابي قواتهم على حدود الجمهوريتين الشعبيتين، ومنذ شباط 2014 وحتى شباط 2022، مارسوا حرب ابادة حقيقية ضد المدنيين والنساء والاطفال والمسنين في الجمهوريتين. فكانوا يقصفون ليلا ونهارا الساحات العامة والاسواق ومحطات القطارات والباصات والمستشفيات والمدارس والجامعات والمجمعات السكنية. وسقط بنتيجة ذلك عشرات الوف القتلى والجرحى، وشُرد الملايين، ولجأ الى روسيا حوالى 1،5 مليون ونصف المليون لاجئ من تلك المناطق، الكثير منهم اطفال فقدوا اهاليهم، ورجال ونساء مسنين فقدوا عائلاتهم.
وصار لزاما وواجبا وطنيا على الدولة الروسية ان تتخذ موقفا لوقف هذه المجزرة التي تجري ليس في "مجاهل" افغانستان او العراق او ليبيا او فلسطين او لبنان، بل على ارض "اوروبية!"، سبق ان اريقت فوقها على ايدي النازيين دماء ملايين الروس الذين دفعوا حياتهم دفاعا عن اوروبا (!!!).
ــ3ــ والاخطر من ذلك كله ما تكشفه الوقائع العمليانية العسكرية التي كانت تجري، حتى ساعة التدخل العسكري الروسي في 24 شباط 2022، في المحيط الملاصق للاراضي الروسية من القوقاز والبلقان والبحر الاسود حتى بحر البلطيق.
لقد كانت جميع القيادات العسكرية والسياسية، الاميركية والناتوية والاتحاد ــ اوروبية، تعلن باستمرار انه جرى صرف النظر اقله مرحليا عن امكانية ضم اوكرانيا وجورجيا الى حلف الناتو، وانه لا توجد اية نية للاصطدام العسكري مع روسيا. ولكن بعكس ذلك، فإن الوقائع الملموسة كانت تشي ان كل هذه التصريحات "السلمية التطمينية" لم تكن سوى اضاليل وقنابل دخانية للتمويه، تكذبها الوقائع.
ولم يكن بامكان عيون المراقبة الروسية اليقظة ان لا ترى المجريات التالية:
ــ منذ اعادة انضمام شبه جزيرة القرم الى روسيا وحتى عشية شباط 2022، تم مضاعفة تعداد الجيش الاوكراني على مرحلتين: في الاولى من 260 الفا الى 400 الف؛ وفي الثانية من 400 الف الى 800 الف؛ وكان يجري العمل لرفع التعداد الى مليون جندي في الاشهر التالية.
ــ وطبعا كانت تتدفق على حكومة الرئيس الاوكراني اليهودي العميل زيلينسكي الاسلحة والمستلزمات اللوجستية والمساعدات المالية، لتمويل وتسليح وتجهيز هذا الجيش الضخم.
ــ لم يتوقف لساعة واحدة تدفق سيل الاسلحة الى بولونيا ودول البلطيق الناتوية ورومانيا وبلغاريا وجورجيا ناهيك عن اوكرانيا. وقد فتحت جميع مستودعات الاسلحة الخاصة بالجيوش الاميركية والناتوية لاجل تسليح وتجهيز وتحضير هذا "الخط العسكري من بحر البلطيق الى البحر الاسود" بمواجهة روسيا.
ــ تدفق عشرات الوف الخبراء والمستشارين والمدربين العسكريين والجنود المجربين، الاميركيين والناتويين، الى دول "خط المواجهة الشرقي" هذا، للتدريب والتوجيه والقيادة الميدانية لجيوش تلك الدول.
ــ تم انشاء معسكرات خاصة على الاراضي الاميركية يجري فيها تجميع المقاتلين الدواعش المسحوبين من سوريا والعراق وتركيا وغيرها، الى جانب "المتطوعين" من ضباط وجنود الاحتياط في الجيش الاسرائيلي، وغيرهم من المرتزقة؛ وتنظيم دمج هذه المجموعات في وحدات قتالية منسقة؛ وارسالها الى معسكرات خاصة في بولونيا، حيث يتم تزويدها بالاسلحة والمعدات المطلوبة، وتسريبها من بولونيا الى الاراضي الاوكرانية، للقتال االى جانب النازيين الجدد والجيش الاوكراني الانقلابي في شرقي اوكرانيا. وقد تحولت بولونيا (الناتوية ــ الكاثوليكية) الى معسكر تجميع وممر للمرتزقة الدوليين، للقتال ضد الروس في شرقي اوكرانيا، تماما كما كانت تركيا خلال الحرب الدولية ضد سوريا في 2011-2017.
ــ تم تزويد القوات الاوكرانية المعادية بمنظومات صواريخ هيمارس HIMARS الاميركية، محدودة المدى، ولكنها يمكن تحويلها الى منصات إطلاق لصواريخ يصل مداها الى 200 و300 كلم، لضرب اهداف داخل العمق الروسي. وهي قادرة على حمل رؤوس حربية عادية و"غير عادية".
ــ تم حشد اكثر من 415 الف جندي ناتوي، منهم حوالى 60 الفا من قوات النخبة الاميركية، في بولونيا وجميع الدول الواقعة على "خط المواجهة الشرقي" مع روسيا من البلطيق وحتى القوقاز.
ــ عادت اميركا لنشر الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى (500-1000 كلم) في الدول القريبة من روسيا، مما يعني امكانية ضرب موسكو ذاتها في 5-6 دقائق.
ــ تم استقدام القطع البحرية الحربية (السفن والغواصات) الاميركية والناتوية، الى بحر البلطيق والبحر الاسود.
ــ تم دفع دولتي فنلندا والسويد الحياديتين والمتاخمتين بحرا وبرا لروسيا، لطلب الانضمام الى حلف الناتو العسكري المعادي لروسيا، كغطاء سياسي مسبق لتبرير استخدام اراضيهما وموانئهما من قبل القوات الناتوية.
ــ واخيرا لا آخرا تم طوال الفترة الماضية وحتى اللحظة، تتويج كل هذه الممارسات المعادية لروسيا، بإجراء كافة اشكال المناورات العسكرية التدريبية، البرية والبحرية والجوية والصاروخية. وكلها تدور حول موضوع واحد هو: محاكاة الهجوم على الاراضي الروسية.
امام هذه المعطيات كلها، وعلى خلفية المذبحة المتواصلة، التي كانت تشنها القوات النازية ــ الانقلابية والمرتزقة الاجانب، ضد المدنيين في جمهوريتي الدونباس الشعبيتين؛ وبالاضافة الى المعلومات المخابراتية، تأكدت القيادة السياسية والعسكرية الروسية انه يجري التحضير لهجوم اوكراني ــ ناتوي مشترك، واسع النطاق، ضد روسيا، انطلاقا من الدونباس، وان الهجوم كان من المفترض ان يبدأ و"ينتهي" قبل حلول شتاء 2022-2023. وقد كان تفجير خطي انابيب الغاز، "السيل الشمالي 1 و 2"، في ايلول الفائت، جزءا من هذا الهجوم، نفذته الوحدات الخاصة البريطانية، مع استكشاف وتغطية جوية وفضائية اميركية.
XXX
اثناء الاحتفالات بعيد النصر على النازية في ايار 2022 قال الرئيس بوتين: اننا لن نقع مرة اخرى في خطأ انتظار الضربة الاولى ضدنا من العدو، كما جرى في حزيران 1941. فاذا تعرضت روسيا لخطر العدوان مرة اخرى فإن الضربة الاولى ستكون من قبلنا وليس من قبل العدو.
ان الاصطدام بين روسيا والناتو كان قادما لا محالة. ولو لم تسبق ضربة روسيا للناتو، لسبقت ضربة الناتو لروسيا.
وخلاصة القول: ان "العملية العسكرية المحدودة" التي بدأتها روسيا في شرقي اوكرانيا في نهاية شباط 2022، ما هي سوى "الضربة الاولى" التدشينية في حرب وقائية او استباقية، يمكن وصفها بأنها بداية الحرب العالمية الجديدة بين روسيا والمعسكر الامبريالي الغربي بمجمله.
لقد اوقعت العملية العسكرية الروسية المتواصلة في اوكرانيا البلبلة والارتباك في المعسكر الاميركي ــ الناتوي المعادي، وانتزعت منه زمام المبادرة، وهي ستحافظ على هذه الميزة الستراتيجية و"تطورها" بمفاجآت جديدة غير متوقعة دائما.
ولم يعد بامكان روسيا التراجع ومهادنة المعسكر الامبريالي الغربي، لان اي تراجع يعني تسليم المبادرة من جديد للمعسكر المعادي، ويعني اكتساح روسيا برا وبحرا وجوا او ضربها نوويا.
واذا كان خط الصدام الاولي يقع حاليا في اوكرانيا ومحيطها، فإن الساحة الكاملة للحرب ستشمل كل حلف الناتو، بدءا بالدول الناتوية والموالية للناتو، المحاذية لروسيا من البلطيق الى القوقاز، كمرحلة اولى (ما بعد اوكرانيا)، ثم جميع البلدان الناتوية الاوروبية، كمرحلة ثانية، واخيرا جميع القواعد والاساطيل الحربية الاميركية في العالم، وانتهاء بالبيت الابيض والبنتاغون في واشنطن.
ومع بدء "العملية العسكرية المحدودة" اعلن الرئيس بوتين، بوصفه القائد الاعلى للقوات المسلحة الروسية، الاستنفار الاقصى لجميع القوات النووية الروسية، البرية والبحرية والجوية والصاروخية والفضائية.
والان تدخل روسيا في المعركة بجميع الاسلحة، بدءا من فرسان القوزاق بالنياشين على صدورهم والسيوف التقليدية في قبضاتهم، وليس انتهاءا بالغواصات النووية العملاقة "النائمة" في اعماق جميع بحار ومحيطات العالم تنتظر ليلا ونهارا كلمة "إطلاق" كي تطلق الصورايخ النووية المرعبة حاملة الجحيم الى جميع مواقع جميع الاعداء.
لقد كسرت روسيا مرة والى الابد هيبة الامبريالية الغربية ــ الاميركية ــ اليهودية. والقيادة الوطنية الروسية تدرك تماما انه لم يعد من الممكن ضمان الامن القومي لروسيا، وسلامة واستقلال وحرية وتقدم الشعب الروسي، الا بتحرير العالم بأسره من الهيمنة الامبريالية الغربية ــ اليهودية.
وهذه ليست المهمة التاريخية للشعب الروسي وحده بل هي مهمة جميع شعوب العالم الطامحة الى التحرر من الهيمنة الالفية للامبريالية الغربية ــ اليهودية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيرك هام: علاقة أميركا وإسرائيل سوف تستمر وستدعم أميركا إسرا


.. تمارا حداد: الضفة الغربية غير منفصلة عن ما يحدث في قطاع غزة




.. انطلاق أعمال اليوم الرابع لمؤتمر الأطراف للمناخ COP28


.. أكثر من 120 دولة توقع إعلان COP28 بشأن المناخ والصحة




.. من داخل منزله.. فلسطيني في غزة يصور بهاتفه لحظة قصف إسرائيلي