الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مرايا الغياب/ سليمان النجاب1

محمود شقير

2022 / 12 / 9
الادب والفن


1

بعد سنة من غيابها جاء إلى بيتنا. لم تره ولم تعرفه، وهو لم يرها ولم يعرفها. لو أنه رآها وعرفها لما توقف عن التحدث عنها بكلام لائق كما هي عادته.
أيقنت وأنا أراه للمرة الأولى، أنني أمام مناضل له سمات قيادية جديرة بالانتباه. عرفت أنه انتمى للحزب أوائل الخمسينات من القرن الماضي في فترة كانت بالغة الاضطراب، وأنه عمل مدرساً بضع سنوات. لفتت انتباهي حقيقة أن كثيرين من منتسبي الحزب وقادته ابتدأوا حياتهم مدرسين. كان لمهنة التدريس في ذلك الزمن، تقدير واحترام.
أتساءل: ما الذي يمكن أن يحلم به مدرس في قرية من قرى الريف الفلسطيني؟ ما الذي يمكن أن يضطلع به من مآثر وأفعال؟ وأتذكر أن زعماء الأحزاب القومية الفلسطينية التي تشكلت مطالع القرن العشرين، ثم لعبت أدواراً متفاوتة ولم تلبث أن تبددت مع حلول النكبة أو قبلها، كانوا على الأغلب من أبناء المدينة المتحدرين من عائلات غنية. ولم تسلم هذه الأحزاب من أذى الصراعات العائلية، التي أظهرت هشاشة التجربة الحزبية آنذاك، وافتقارها إلى البنى التنظيمية التي تؤهلها للاستمرار.
مع سليمان وغيره من القادة اليساريين، نجد أنفسنا لأول مرة أمام زعماء من معلمي المدارس والنقابيين والعمال والأطباء والمحامين ومن رجال الصحافة والكتاب، وثمة حزب من طراز جديد يعتمد الخلايا السرية والبناء الهرمي في تنظيمه. ولم نكن، أو لم أكن أنا على وجه التحديد اطلعت على أفكار أنطونيو غرامشي حول الحزب باعتباره الأمير الحديث، الذي يهتم بالبنى الفوقية في المجتمع وبدور المثقفين قدر اهتمامه بالبنى التحتية الاقتصادية.
لم نكن، أو لم أكن أنا على وجه التحديد اطلعت على أفكار سمير أمين الذي انتقد البيروقراطية السوفياتية منذ زمن مبكر. كنا آنذاك، أو كنت أنا على وجه التحديد مكتفياً بقراءة الكراسات الماركسية المكتوبة بأسلوب مدرسي، وكنت معنياً بالحط من مكانة ماوتسي تونغ بعد أن اختلفت الصين الشعبية مع الاتحاد السوفياتي، ولم أتردد عن ترديد ما كانت تكتبه صحافة الحزب السرية عن شوفينية الدولة الكبرى، والمقصود بالطبع دولة الصين.
مع ذلك، كان ثمة حزب من طراز جديد بالفعل، لم تشهد مثله الحركة الوطنية الفلسطينية من قبل، وهو الحزب الوحيد تقريباً، الذي استطاع أن يحافظ على بنيته التنظيمية من التفسخ والانهيار، وأن يواصل مسيرته بعد النكبة تحت مسميات جديدة فرضتها الظروف.

2

بعد هزيمة حزيران مباشرة، خرج من اختفائه الأول الذي امتد أكثر من عام، وراحت تتأكد مع مرور الوقت مكانته باعتباره مثالاً للقائد الحزبي، وقدوة لمن يحرص على اجتذاب الجماهير إلى ساحات النضال.
أقام في بيت زوج أخته فائق وراد في البيرة.
ترددتُ على هذا البيت مرات عديدة بعد أن اعتقلت سلطات الاحتلال نعيم الأشهب، الذي كان مسؤولاً عن النشاط الحزبي في القدس. وقد اضطلع سليمان بمتابعة هذا النشاط. جئت أول مرة إليه أنا وعبد المجيد حمدان، وكنا معاً أعضاء في قيادة منظمة سرية للمعلمين. بادرنا كل في موقعه إلى تأسيس لجان للمعلمين، ثم انتخبت اللجان ممثليها إلى قيادة المنظمة، وكنا عبد المجيد وأنا، لا نملك خبرة كافية في العمل التنظيمي، ولم يكن غيرنا في المنظمة القيادية أفضل حالاً منا. جئنا لكي نعرض على فائق وراد وسليمان خطتنا للعمل في صفوف هذه المنظمة.
كان لفائق ولسليمان حضورهما المؤثر، بسبب فترة الاعتقال الطويلة التي قضياها في سجن الجفر الصحراوي. شعرت وأنا ألتقيهما، بأنني أستمد منهما عزماً على مواصلة السير في طريق النضال السياسي المحفوف بالمخاطر. وكنت كلما جئت إلى البيت الذي يقيمان فيه، أشعر بشيء من الرهبة والحماسة في وقت واحد. فهذا البيت ليس مثل أي بيت. إنه بؤرة لنشاط يومي ضد الاحتلال، وقد تدهمه قوات الأمن الإسرائيلية في أي وقت لتفتيشه ولاعتقال من فيه.
تعرفت في هذا البيت إلى مناضلين وقادة ورجال مجتمع. حدث ذلك بالصدفة في أغلب الأحيان. تعرفت إلى عربي عواد الذي يتحدث بحماسة، وهو يشرح موقفه من أية قضية من قضايا النضال. وأذكر أنه شارك في النقاش مع فائق وسليمان حول منظمة المعلمين السرية التي سميناها فيما بعد "اتحاد المعلمين"، وظل يتردد على هذا البيت وغيره من البيوت إلى أن ألقت سلطات الاحتلال القبض عليه وأبعدته إلى الخارج.
وتعرفت إلى إميل حبيبي، الكاتب الروائي والصحافي وعضو الكنيست عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي. ثمة وجه شبه طفيف بين سليمان وإميل، لكل منهما حاجبان كثان، وعينان حادتا النظرات، تنمان عن ميل إلى السخرية. اهتم سليمان بزيارة إميل حبيبي له في البيت (لم يعد فائق مقيماً في البيت). رحب به باهتمام، ثم اختار أن يجلسا معاً في غرفة أخرى كي يتحدثا في بعض القضايا. قدرت أن سليمان يمارس انضباطاً لا بد منه لحزب سري، ولا داعي والحالة هذه لأن أعرف ما يدور بينهما من كلام، ولم يثر ذلك في نفسي أي استياء. لم يمكث إميل حبيبي في البيت سوى ساعة أو أقل.
وسوف تتكرر مثل هذه المناسبة مرات. التقيت ذات مرة في هذا البيت شخصاً نحيفاً قدرت أنه من كادر الحزب السري، وقد عرفته فيما بعد، إنه جابر حسين الذي كان يعمل بالفعل في الكادر السري، إلا أنه لم يكمل مسيرته في هذا المجال لأسباب خاصة. التقيت أيضاً رشدي شاهين ذات يوم. بقيت أتساءل بيني وبين نفسي عمن يكون هذا الشخص، ولم أهتد إلى جواب إلا حينما قابلته في عمان بعد سنوات. كانت سلطات الاحتلال أبعدته إلى عمان، بعد سنة أو أكثر قليلاً من هزيمة حزيران.
ولم يتوقف سليمان عن اتصاله اليومي بالسياسيين وبالناس العاديين سواء بسواء.
بعد هزيمة العام 1967، كان يعطي من وقته نصيباً لعصر الزيتون. يعمل في معصرة عين سينيا التي تملكها جمعية تعاونية تابعة لأهالي المنطقة. يتفرغ للعمل في المعصرة شهرين أو أكثر قليلاً في السنة. حدث هذا في العامين اللذين أعقبا الهزيمة، ثم لم يعد إلى المعصرة بسبب مطاردة سلطات الاحتلال له، واضطراره إلى الاختفاء خمس سنوات.
زرته مرة، لأستشيره في بعض القضايا الخاصة باتحاد المعلمين. ركبت سيارة أجرة وذهبت إلى عين سينيا وأنا ممتلئ حماسة، وكنت أرى في سليمان قائداً حزبياً لديه إجابات عن كل القضايا مهما تعقدت. أعتقد أن قراءاتي في الأدب السوفياتي، ومتابعتي لسيرة لينين وكفاحه السري من أجل تغيير الأوضاع السائدة آنذاك في روسيا القيصرية، أسهمت في تلوين تصوراتي عن نفسي وعن الرفاق المحيطين بي أو الذين أستمد منهم الرأي والمشورة. كنت أشعر أننا نجترح تاريخاً سيكون له ذكره في التاريخ. ويبدو لي الآن، أن مثل هذا الاندفاع المطعم بتصورات رومانسية، له جدواه رغم ما فيه من مبالغات (لم تكن سوى سنوات قليلة مرت على قراءتي لرواية "الأم" لمكسيم غوركي. كان لهذه الرواية أثر كبير في انعطافي نحو اليسار. الرواية تصف بأسلوب مؤثر اجتماع الخلية الحزبية في بيت بافل فلاسوف وأمه، وتتحدث عن أعضاء الخلية بطريقة محببة، ترصد وصولهم واحداً واحداً إلى مكان الاجتماع. تتحدث عن نتاشا الصبية القروية، عن البيلوروسي أندريه الذي يبشر بعالم جديد، تتحدث عن التحولات التي تدور في ذهن الأم بيلاجيا نيلوفنا وهي تتابع ما يدور في الاجتماع الحزبي من قضايا وأفكار).
بالنسبة لسليمان، لا أعتقد أنه كان واقعاً تحت تأثير تلك التصورات، رغم اهتمامه بقراءة الكتب نفسها التي كنت أقرأها، وكنت أجري نقاشاً معه حولها بين الحين والآخر. أعتقد أنه كان واقعياً أكثر مني، وأن عمله في معصرة عين سينيا كان ينبع من اعتبارات واقعية، حيث أن الإنسان المناضل له مشاغل يومية مثل بقية البشر، وهو لا يذهب إلى المعصرة مبعوثاً من الحزب في مهمة هدفها بث الدعاية السياسية في صفوف الفلاحين، ومن ثم تنظيمهم في خلايا. كانت شخصية المحرض الذي يرسله الحزب إلى الحقول والمصانع للتأثير في الفلاحين والعمال، تلك الشخصية التي لطالما قرأت عنها في الأدب السوفياتي، هي التي تستأثر باهتمامي، وتجعلني أخمن أن سليمان يذهب إلى معصرة عين سينيا للتأثير في جماهير الفلاحين.
مع ذلك، كانت العلاقات التي أقامها مع الفلاحين أثناء إشرافه على عمل المعصرة، ذات أثر ملموس في توسيع علاقاته اللاحقة مع الناس.
وبعد انتهاء مهمته في المعصرة، كان يعود إلى ممارسة نشاطه الحزبي اليومي.
جاء ذات مساء لقيادة اجتماع في بيت شفيق صوفان، الذي كان يعمل مهندساً في دائرة الأشغال العامة في الخليل، وكان عضواً في لجنة منطقة القدس التي شكلها الحزب بعد هزيمة حزيران. سكن شفيق في بيت واقع على الشارع العام في بيت حنينا. جاء سليمان من البيرة في طقس شتائي متدثراً بمعطف سميك وعلى رأسه كوفية وعقال، وجئت أنا من رام الله، لأنني كنت آنذاك أسكن فيها بسبب الإجراء التعسفي الذي جرى بحقي، حينما نقلت من مدرسة الملك غازي الثانوية في قرية بدو التي تقع شمال غربي القدس، إلى مدرسة عين يبرود الإعدادية التي تقع شمالي رام الله، وذلك بأمر من الحاكم العسكري الإسرائيلي، عقاباً لي على التحريض الذي كنت أمارسه في المدرسة ضد الاحتلال.
استمر الاجتماع وقتاً غير قليل. كان سليمان معنياً بتوسيع صفوف الحزب وإعداده لمقاومة المحتلين. تلك الليلة نام سليمان في بيت شفيق، ونمت أنا كذلك في البيت، ولم نكن نعلم أن شفيق صوفان سيموت بعد ثلاث سنوات.
سيختفي سليمان بعد ذلك الاجتماع بعام واحد أو أقل، ولن يتمكن من زيارة بيت شفيق أثناء سنوات الاختفاء بسبب وقوعه على الشارع العام. لكنه سيجازف، هو وعربي عواد، بالدخول إلى مستشفى العائلة المقدسة (المستشفى الفرنساوي) في بيت لحم، حيث كان شفيق يقضي لحظاته الأخيرة بعد أن أنهكه مرض السرطان، سيودعانه الوداع الأخير. وسأعود أنا ومحمد أبو غربية بسيارة شفيق من أمام المستشفى، أقودها بمشقة وحذر لأنني كنت حديث عهد بقيادة السيارات، أوقفها أمام البيت في بيت حنينا، ثم أذهب أنا وعدد من أعضاء الحزب إلى نابلس في اليوم التالي، للمشاركة في الجنازة.
ولا يكون سليمان معنا في نابلس، لأن مثل هذا الأمر ليس سهلاً بالنسبة له. سيكون في البيت السري في ضواحي القدس، حزيناً على رفيقه الذي رحل وهو في التاسعة والثلاثين.
يتبع...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رحيل الممثل البريطاني برنارد هيل عن عمر 79 عاماً


.. فيلم السرب يتخطى 8 ملايين جنيه في شباك التذاكر خلال 4 أيام ع




.. الفنان محمد عبده يكشف عبر برنامج -تفاعلكم- أنه يتلقى الكيماو


.. حوار من المسافة صفر | الفنان نداء ابو مراد | 2024-05-05




.. الشاعر كامل فرحان: الدين هو نفسه الشعر