الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ذكرى أحداث الخميس 26 جانفي 1978 ( نص منقول عن جريدة- الشعلة 1979-)

الديمقراطية الجديدة(النشرة الشهرية)

2023 / 1 / 24
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


ذكرى أحداث الخميس 26 جانفي 1978 ( نص منقول عن جريدة" الشعلة ")
تقديم : يصادف اليوم الخميس 26 جانفي 2023 الذكرى الخامسة و الأربعين لأحداث 26 جانفي 1978 و كان أيضا يوم خميس و قد أطلق عليه الكثير ممن عايشوا تلك الأحداث الأليمة يوم الخميس الأسود . و نتجت تلك الأحداث – التي تحوّلت إلى انتفاضة شعبية عفوية – عن الإضراب العام الذي أعلنه الاتحاد العام التونسي للشغل بقياد الحبيب عاشور . و جاء الإضراب العام في إطار أزمة اجتماعية حادة ناتجة عن سياسة الانفتاح التي رسمتها حكومة نويرة . و في إطار صراع محموم بين شقوق النظام لخلافة بورقيبة و لمواجهة المد الثوري الذي بدأ يتنامى في صفوف الشباب المثقف و في النقابات . و دخل الحبيب عاشور - باعتباره جزءا من النظام إذ كان عضوا في المكتب السياسي لحزب الدستور – في شق وسيلة بورقيبة و الطاهر بلخوجة الذي كان ينادي بتوخّي المرونة في التعامل مع الغضب الشعبي لاحتواء الأزمة الاجتماعية و السياسية بأخفّ الأضرار و تمييع و عزل المد الثوري المتنامي الذي بدأت ملامحه تظهر في الشارع و من خلال الإضرابات العمالية المتصاعدة و كذلك من خلال الحركة الشبابية في المعاهد و الجامعة ، ضد شق الصياح و عبدالله فرحات وزير الدفاع الذي كان يدعو لسياسة العصا الغليظة ضد النقابيين و المعارضين بصفة عامة ، بل وصل حقدُ هذا الشق ضد الشعب إلى حدّ اقتراح الصياح نصب المشانق لرموز النقابيين و الثوريين بساحة باب سويقة . و كان الحبيب عاشور يتصور أنه بانضمامه لشق وسيلة بورقيبة المتنفذة في القصر و باستقالته من المكتب السياسي لحزب الدستور ثم إعلانه الإضراب العام في البلاد سيسقط حكومة نويرة و يكوّن مع حُلفائه حكومة جديدة يكون له فيها موقعا هاما و ثقلا كبيرا . لكن شق العصا الغليظة كان له تخطيط آخر إذ قام بإيقاف كل القيادات الفاعلة في الاتحاد مركزيا و جهويا و على رأسها عاشور و نصّب قيادة جديدة للاتحاد – بقيادة المسمى التيجاني عبيد – تدين له بالولاء و الطاعة و أعلن حالة الطوارئ و أنزل الجيش إلى الشوارع و الأحياء الشعبية المنتفضة فأدخل البلاد في حمام من الدم .
و أمام هذه الوضعية تداعى عدد من المناضلين النقابيين و من الثوريين إلى دعم القيادة الشرعية للاتحاد و مقاطعة القيادة المنصبة – على عكس مجموعات أخرى تدّعي اليسارية قد نادت بالعمل تحت قيادة زمرة عبيد المنصّبة – و كانت مجموعة من المنتمين و المتعاطفين مع منظمة الشعلة قد دعت إلى تكوين " لجنة المبادرة الوطنية " ذات البعد الثوري الوطني الديمقراطي و قد ضمّت هذه اللجنة إلى جانب مناضلي الشعلة عددا من الوطنيين المعادين للنظام الدستوري و المتمسكين بالخط النقابي المناضل و من بعض القوميين و المستقلين . و قامت لجنة المبادرة الوطنية ببعث لجان جهوية و إصدار جريدة الشعب بصفة سرية و قد لاقت جريدة الشعب السرية رواجا كبيرا في مختلف جهات البلاد و وسط الطبقات الشعبية و العمالية ... و يأتي هذا النص المنقول من جريدة " الشعلة " لإحياء الذكرى الأولى لأحداث 26 جانفي 1978 و قد راعى هذا النص الظرفية التاريخية التي جدّت فيها أحداث 26 جانفي و نوعية القوى المساهمة في بعث لجنة أو لجان المبادرة . وقد تكون لنا عودة لهذا الموضوع الذي لم ينل حقه من التوضيح و التحليل .
***** ملاحظة: يحمل النص بذور تكتيك "الحرية السياسية" الذي سيقع بلورته من قبل رفاق الهجرة في نفس السنة 1979والذي ادخل التنظيم آنذاك في صراعات داخلية دامت اكثر من سنة ونصف وتمّ فضح هذا التكتيك اليميني من قبل الرفاق الشيوعيين.اما العناصر التي دافعت عنه آنذاك انهارت او ارتدت والتحقت بالاحزاب القانونية "الوطدية"(:"الوطنية الديمقراطية")

في الذكرى الأولى لأحداث 26 كانون الثاني(جانفي) 1978
سنة كاملة من المقاومة
تمر هذه الأيام سنة كاملة على أحداث 26 كانون الثاني (جانفي) التي خلقت ظروفا سياسية جديدة والتي كرّست تحولا هاما في موازين القوى بين الثورة والثورة المضادة وفي هذا الظرف الدقيق التي تمر به الحركة الشعبية عامة والحركة النقابية خاصة لابد من الوقوف على حصيلة كاملة من النضال الثوري بتونس.
ان المقاومة العمالية والشعبية و النضالات المتعددة الأشكال التي جدّت خلال السنة المنصرمة أثبتت بوضوح إفلاس مخططات الطغمة البورقيبية التي كانت تنوي من خلال مجازر 26 جانفي القضاء على الحركة النقابية قضاء تاما.فالرصاص الغادر لم يطف شعلة النضال الثوري ولم يقض على الحركة الثورية الوطنية الديمقراطية ولم يكسّر شوكة الحركة النقابية وخلافا للأحلام التي كانت تراود ذهن الطغمة الحاكمة فقد بقيت الساحة النقابية الساحة الرئيسية التي يدور فيها الصراع على أشدّه بين الثورة والثورة المضادة.
وفعلا فان أهم المعركة الوطنية والطبقية التي دارت خلال السنة المنصرمة كانت تتمحور حول المسألة النقابية التي لازالت تحتل الصدارة.
إن الأحداث والوقائع المتراكمة أسقطت خرافة "الحزب الدستوري الذي لا " يقهر" و كذّ بت مزاعم بورقيبة الذي صرح قبيل الأحداث بكل غرور أن حزبه لم يخض معركة إلا وخرج منها منتصرا وسنبين فيما يلي كيف تبخّرت أحلام الطغمة الحاكمة التي سرعان ما ارتطمت بصخور الغضب الشعبي والمقاومة النقابية والنضال الثوري الوطني الديمقراطي.
جرائم البورقيبيين و انهزامية التحريفيين
بعد ان دبّرت الطغمة البورقيبية ونفّذت مؤامراتها الدنيئة بادرت أولا باكتساح المواقع التي كانت تحتلها الحركة النقابية والشعبية وثانيا بفرض رقابتها على القطاعات التي كانت تحتلها الشرائح الرجعية "المعتدلة"(بلخوجة- عاشور-المستيري) ومن أهم الإجراءات التي اتخذتها الطغمة الحاكمة في سياق توجهها نحو المزيد من العسكرة و الدكترة يجب التأكيد على:
-تنصيب مرتزقة الحزب الدستوري بقيادة عون البوليس و الأعراف التيجاني عبيد على رأس الاتحاد
العام التونسي للشغل لتصفية المكاسب التي حققتها الحركة النقابية ولتجريد العمال و أبناء الشعب من منظمتهم حتى يصبحوا فريسة سهلة بين أيدي أرباب المؤسسات.
-فسح المجال أمام البوليس والجيش لتطبيق نظام الأشغال الشاقة بحجة "الخدمة المدنية" ونظام العمل المجاني بحجة "الخدمة الوطنية" مع كل ما يترتّب عن ذلك من الغارات البوليسية(الرافل) ومن تدخل البوليس والجيش في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
-تنصيب المحاكم لمحاكمة المئات من العمال والنقابيين والعديد من المواطنين الذين شاركوا في الإضراب العام والمظاهرات.
ولقد خلقت هذه الإجراءات الإرهابية والتعسفية جوا يسوده الخوف واليأس وعدم الثقة في النفس خاصة وان عاشور وجماعته قاموا في المرحلة السابقة ببث الأوهام في أوساط الجماهير اذ ادعوا انهم بوسعهم قلب الحكومة بمجرد اللجوء إلى الإضراب العام.
وقدم التحريفيون(أعوان موسكو و بيكين)ومن لف لفهم الزاد الروحي لتغذية نزعة اليأس وعدم الثقة في النفس فنظّروا لقوة النظام ونادوا الى العمل تحت لواء عبيد انطلاقا من انهزاميتهم واستسلامهم وانبطاحهم أمام الطغمة الحاكمة.و تكرّست هذه السياسة في الميدان الدولي في الدعوة التي وجهتها السلطة التحريفية السوفياتية إلى عبيد لحضور احتفالات غرة ماي وفي الدعوة التي وجهتها التحريفية الصينية –الخائنة لتعاليم الرفيق ماو-إلى عبدالله فرحات لحضور نفس الاحتفالات في بيكين.
(.....)
المسألة النقابية وموقفنا
وعلى أساس هذه المعطيات وعلى ضوء النظرية الثورية أقام الماركسيون اللينينيون موقفهم من المسألة النقابية والذي يتمثل في توحيد الحركة النقابية حول:
-رفض القيادة البوليسية المنصبة على رأس الاتحاد ورفض المؤتمر 15الصوري وكل ما انبثق عنه والتمسك بالاتحاد العام التونسي للشغل الحقيقي وبمقرراته وقوانينه (القانون الأساسي والنظام الداخلي) والعمل على خلق هياكل سرية لدفع العمل النقابي على نطاق البلاد والسعي إلى إعداد المؤتمر 15 الحقيقي.
-التصدي لعملية العسكرة والنضال من أجل افتكاك كل ما أمكن من الحريات السياسية والنقابية ومن اجل إطلاق سراح كل المساجين السياسيين والنقابيين ومن اجل الكف عن الاعتقالات الاعتباطية والمحاكمات الصورية.
إن هذا الموقف يسمح لنا :
- أولا
-بالمحافظة على المكاسب التي حققتها الحركة النقابية قبل 26 جانفي وبخلق الظروف الملائمة لصيانتها من ضربات الأعداء ولتطويرها باستمرار.
-ثانيا بتوجيه حربة النضال ضد العدو الرئيسي لشعبنا المتمثل حاليا في الامبريالية الأمريكية وأعوانها البورقيبيين والامبريالية الروسية وأذيالها التحريفيين. فالنضال ضد عصابة عبيد المنصبة هو نضال ضد الطغمة البورقيبية التي ينتمي لها عبيد والنضال ضد الطغمة التحريفية التي نادت إلى العمل تحت لواء عبيد
-ثالثا:بتوفير مناخ ملائم لالتحام الماركسيين اللينينيين بالطبقة العاملة في سياق العمل من اجل بناء الحزب الشيوعي الثوري.ولقد أكدنا من جديد على اتباع سياسة مزدوجة إزاء الشرائح الرجعية "المعتدلة" فمساندتنا لعاشور تكتسي طابعا تكتيكيا و ظرفيا بينما يكتسي تشهيرنا طابعا استراتيجيا دائما.فخلافا لمنظري "العامل التونسيّ(وطنية النظام) الذين يعتبرون عاشور "قائدا وطنيا وثوريا" فإننا نعتبر عاشور قائد البيروقراطية النقابية عون من أعوان النظام والامبريالية شأنه شأن بورقيبة و نويرة (الوزير الأول) فإننا نعتبر عاشور ومن خلاله الشرائح الرجعية المتصارعة عدوا استراتيجيا.لكننا نأخذ بعين الاعتبار التناقضات القائمة صلب الرجعية ونعمل على استغلالها لصالح الهدف الاستراتيجي المتمثل في بناء تونس الجديدة الديمقراطية الشعبية المتحولة إلى الاشتراكية.ومن خلال هذا الموقف المزدوج نعمل على كسب الجماهير الغفيرة وخاصة العمالية التي لا تزال تعتبر عاشور قائدا نقابيا مخلصا.
اعتمادا على هذا التحليل وضعنا نحن الماركسيين اللينينيين وجميع الوطنيين الديمقراطيين والنقابيين الشرفاء كل طاقاتنا في خدمة هذا الاتجاه وبذلنا كل جهدنا لترويج خط الرفض والمقاومة النقابية ولإعادة الثقة في النفوس ولضرب نزعة الاستسلام والانهزام التحريفية.
ان المرحلة التي تمر بها الحركة النقابية والثورية مرحلة حاسمة (...) فإما أن يستمر استبداد الطغمة البورقيبية لفترة طويلة وإما أن تبرز إلى الوجود الفعلي القوة الثورية التي ستقبر لاحقا الامبريالية و الإقطاع.ومما لاشك فيه ان كل طرف كان على وعي تام بان الصراع الدائر في المجال النقابي يكتسي طابعا مصيريا وبان انتصار هذا الطرف أو ذاك سيكون له تأثير على الأوضاع المقبلة.
وأمام هذه الوضعية الدقيقة كان لنا الاختيار بين أمرين.اما قبول التحدي بجرأة ثورية وإما الاستسلام وقبول سياسة الأمر الواقع التي فرضها النظام البورقيبي بالحديد والنار فقبلنا التحدي بدون تردد.
الثنائي التحريفي المندس.
ان جميع التحولات الهامة التي تجدّ في ساحة النضال تؤدي الى إفرازات جديدة فكلما اقتحمت الحركة الثورية منعرجا حاسما تنكشف العناصر الرجعية المعادية للثورة والعناصر المتذبذبة التي كانت مندسة فتلك العناصر تتصدى بكل قوة لعملية التحوّل وتسعى الى إجهاضها بشتى الوسائل والطرق الخبيثة وتعمل على جر الحركة إلى الوراء والتصدي لعملية التجذّر وبرز هذه المرة أيضا ثنائي تحريفي كان يناور في الخفاء تحت شعارات من نوع"حذار من القمع" "لنعمل تحت لواء عبيد" وحذار من "التطرف اليساري"...
اتهمنا الثنائي التحريفي "باليسارية"وادعى أننا نعيد تجارب "العامل التونسي"الانتحارية.
ان الفرق شاسع بين عمليات "الكومندوس" التي يقوم بها جمع ضئيل من الطلبة المسلحين بالقضبان ضد الحرس الجامعي وبين عملية المقاومة التي يقوم بها الماركسيون اللينينيون. والوطنيون الديمقراطيون والنقابيون المخلصون.ان "انتحارية" العامل التونسي لا تكمن في توزيع المناشير مثلا وإنما تكمن في المحاولات الرامية الى فرض مواقف على جماهير الطلبة لا تتماشى مع واقعها ولا تنبع من متطلباتها.فضلا عن أساليب العمل الخاطئة والمنعزلة.
أما نحن فان المواقف التي اتخذناها تلبّي متطلبات الوضع وتستجيب لطموحات قطاعات واسعة من العمال وأبناء الشعب الذين ساندوها فعلا.
إن صراخ الثنائي التحريفي إن دلّ على شيء فإنما يدل على انهزاميته وعلى سيطرة النزعة الأكاديمية على أفكاره . فالماركسية بالنسبة له نظرية بدون ممارسة و الثورة في تصوره وليمة أو جلسة شعرية بدون تضحية أو عطاء و الالتزام في اعتقاده لا يتجاوز حدود الالتزام الفكري ( الترف الفكري ) .و لكن نباح الكلاب لم يمنع في يوم من الأيام القافلة من المرور.
و فعلا سجّلت المقاومة النقابية و الحركة الثورية الوطنية الديمقراطية انتصارات و مكاسب لا يُستهان بها . إذ كسب الاتجاه النقابي السليم مساندة قطاعات واسعة من الكادحين و الكادحات و مساندة العديد من المنظمات الوطنية العربية و النقابات و الأحزاب الأجنبية . و خلق هذا الوضع ديناميكية جديدة في صلب الحركة النقابية ، و بدأت الحركة العمالية تسترجع قواها و تستعيد ثقتها في إمكانياتها الهائلة و تُنظم صفوفها للدفاع عن مطالبها المشروعة و للتصدّي لحملات الطرد التعسفي و الإهانات المختلفة ... و على الرغم من الظروف الصعبة و من الطابع الدفاعي الذي يكتسيه العمل النقابي فلقد استرجعت الحركة المطلبية سلاح الإضراب و استعملته في مناجم الحديد بسجنان منذ منتصف فيفري 1978 و في مؤسسة "الأثير" و " كوكاكولا" .
مبادرة جريئة
و بعد مرور ستة أشهر على أحداث 26 جانفي أصبح الوضع النقابي يتميز بالخاصيتين الأساسيتين التاليتين :
1-وجود زمرة عبيد في عزلة خانقة بعد أن قاطعتها القواعد العمالية و الشعبية و النقابات العربية و الدولية مقاطعة تكاد تكون تامة باستثناء النقابات التحريفية الروسية و الصينية .
2-مرور الحركة المطلبية من حالة الجمود التام إلى حالة النضال بشكله الدفاعي الذي تمثل في تنظيم إضرابات جزئية في عدد لا بأس به من المؤسسات . و على ضوء هذه المعطيات تأكدت ضرورة اتخاذ بادرة جديدة تستجيب لمتطلبات النضال و تضمن سير و تقدم العمل النقابي . فلقد شعرت العناصر النقابية الأكثر وعيا بضرورة المرور من مرحلة الرفض إلى مرحلة المقاومة النشيطة المتمثلة في العمل على خلق هياكل نقابية سرية على نطاق البلاد بأسرها و دفع النشاط الإعلامي بإعادة إصدار جريدة "الشعب" لسان الاتحاد العام التونسي للشغل . و ترمي هذه البادرة إلى تجذير النضال ضد زمرة عبيد و تنظيم صفوف الحركة النقابية و توفير أداة إعلامية تسمح للعمال و الكادحين عموما بالتعبير عن مشاغلهم و التعريف بنضالاتهم . و علاوة على ذلك فإن إصدار جريد "الشعب"بصفة سرية يسمح بالمحافظة قدر المستطاع على الطابع الجماهيري للحركة على الرغم من ظروف النضال السري .
و حُظيت هذه المبادرة الجريئة بعطف و مساندة جميع النقابيين النزهاء و الوطنيين الأحرار و كل المواطنين الشرفاء . و لاقت جريدة "الشعب"-السرية- إقبالا كبيرا لدى فئات واسعة من الكادحين و الكادحات الذين دعموها بكل إمكانياتهم و زوّدوها بالأخبار و المعطيات و المواد المختلفة . و هنا جُنّ جنون التحريفيين و الانتهازيين بمختلف أشكالهم فقاموا بحملة هستيرية تحت شعار "التصدي للدخلاء عن الحركة النقابية". إن هؤلاء العملاء لم يتصدوا لزمرة عبيد و لم يعتبروها دخيلة عن الحركة النقابية بل دعوا إلى العمل تحت لوائها و قبول زعامتها و هذا يكفي لتحديد هويتهم : إنهم أذيال لعبيد و أعداء للحركة النقابية ، و إلاّ كيف لا ينددون بعبيد و لا يُشهرون به بينما ينددون و يُشهرون بأول مبادرة عملية لتجاوز الوضعية الخطيرة التي تمر بها الحركة النقابية . لقد ذهب التحريفيون ومن لفّ لفّهم إلى الوشاية و التشهير بالمناضلين العاملين في السرية و ذلك طمعا في الحصول على شهادة حسن السيرة من عند مصالح العقيد بن علي .
و أمام عزلة عبيد المتصاعدة و الوضع الجديد المترتب عن دخول العمل النقابي مرحلة المقاومة النشيطة ، غيّر التحريفيون و التوفيقيون موقفهم و سلكوا سياسة ترقّبية أي جلسوا بين مقعدين . و لقد عوّدنا التحريفيون بمثل هذه الممارسات اللاّمبدئية . فهذا الموقف هو بالضبط الموقف الذي اتخذوه في بداية السبعينات عندما ساندوا القيادة الصورية للاتحاد العام لطلبة تونس ( الشغّال) إلى أن أصبحت تلك الزمرة معزولة شرّ عزلة خاصة بعد حركة فيفري ( شباط) 1972 .
- لا للمساومين .
اقترنت هذه السياسة التحريفية – التوفيقية بحملة واسعة النطاق تحت شعار : " النظام يسير نحو الانفتاح الديمقراطي " . و قد استغل التحريفيون و التوفيقيون اللقاء الذي جرى بباريس في جويلية 1978 بين جناح مساوم من "حركة الوحدة الشعبية" و بين وسيلة بورقيبة للتطبيل ل"الانفتاح " و "الانفراج "و " إبعاد الصياح عن الحكومة" و غيرها من الخرافات التي تصبّ مباشرة في مخططات العصابة البورقيبية . إن هذه العصابة عصابة عميلة تمارس الاستبداد و الديكتاتورية البوليسية-العسكرية و تعدّ العُدة لإقامة ديكتاتورية عسكرية خالصة عند الحاجة . و عندما لا تستعمل هذه الطغمة سلاح القمع و الإرهاب و تركن إلى سلاح الديماغوجيا و التضليل فإن ذلك لا يعني أنها تسير نحو الانفتاح كما يدعي التحريفيون و المساومون و إنما يعني أنها تناور و تتآمر ضد الحركة الثورية.
و من هنا فإن اتصال الطغمة الحاكمة ببعض الفصائل المساومة و إطلاق سراح بعض المعتقلين التابعين لحركة الوحدة الشعبية في أوائل نوفمبر لا يُعدّ انفتاحا و إنما مناورة ترمي إلى:
- إدخال البلبلة في صفوف الحركة النقابية و تقسيمها إلى "معتدلين" و "متطرفين" لعزل العناصر النقابية المخلصة و لتيسير عملية القمع التي بدأ النظام في تنفيذها ضد المقاومة النقابية و على رأسها لجنة المبادرة الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل .
- إضعاف الضغوط التي تُمارسها الحكومات و الأحزاب و النقابات الاشتراكية الديمقراطية (ألمانيا – النمسا ...) على حكومة الهادي نويرة و فكّ الحصار عن الطغمة الحاكمة .
أما هدف التحريفيين و من لفّ لفّهم من خلال حملة الأوهام فيتمثل بالدرجة الاولى في تمييع الحركة النقابية و في إظهار كل من يتحدث عن أسلوب العمل السري كإنسان "همجي" و كيساري "متطرف" يحول دون عملية "الانفراج" و "الانفتاح" ...الحملة التحريفية تصبّ إذا في مصبّ مخططات النظام إذ أنها ترمي إلى عزل العناصر النقابية المخلصة حتى يتسنّى للنظام ضربها .
لقد أشرنا منذ سنوات إلى توجّه الطغمة الحاكمة نحو المزيد من العسكرة و وفرنا ما يمكن توفيره من المعطيات للتدليل على ذلك . و لقد أثبتت أحداث 26 جانفي 1978 صحة تحليلنا و لكن التحريفيين و المساومين بحكم مطامعهم و وصوليتهم لا يتجلّون أحكام التاريخ و يواصلون بثّ سمومهم الاستسلامية و الانهزامية و كأنّ شيئا لم يحدث في هذا "البلد الذي يحلو فيه العيش" . إن التحريفيين و المساومين أذيال للطغمة الحاكمة التي تستعملهم لاحتواء الحركة النقابية و للتآمر على الحركة الثورية الوطنية الديمقراطية . و لم تكتف العصابة البورقيبية بهذه المناورة الأولى بل قامت بمناورة ثانية في بداية الصيف إذ أوحى الصيّاح و عبدالله فرحات لمرتزقتهما المنصّبين على رأس الاتحاد بتغيير طرق عملهم و بتوخّي أسلوب "الاتصال المباشر" بالعمال في أماكن عملهم ، فيما أن العمال و أبناء الشعب الآخرين قاطعوا زمرة عبيد و هجروا دور الاتحاد و رفضوا الحضور إلى الاجتماعات التي ينظمها مرتزقة الصياح بادر هؤلاء المرتزقة و أرباب المؤسسات إلى تنظيم الاجتماعات في المصانع و المؤسسات في أوقات العمل و جلب الكادحين قهرا إلى قاعات الاجتماع .
- موجة من القمع الوحشي
إلى جانب عمليات الاحتواء الديماغوجية واصلت الطغمة الحاكمة استعمال سلاح القمع و الاستبداد والإرهاب ، فنظمت سلسلة من المحاكمات الجائرة ضد نقابيي قفصة و سوسة و تونس العاصمة الذين تعرضوا خلال اعتقالهم لأبشع ألوان التعذيب و الإهانة و الذين عانوا من العزلة الشديدة في الزنزانات الفردية و من الأمراض ، و أدت هذه الممارسات الوحشية إلى استشهاد الفقيد حسين الكوكي بينما كان رهن الاعتقال بمدينة سوسة و إلى وفاة الأخ سعيد قاقي على إثر تدهور حالته الصحية خلال الفترة التي قضاها في السجن و إلى حدّ هذا اليوم لا يزال الحبيب عاشور و رفاقه رهن الاعتقال بدون محاكمة منذ إيقافهم يوم 26/01/1978 .
و منذ صدور العدد الأول من جريدة "الشعب"السرية أطلقت العصابة البورقيبية العنان للجلادين الذين يقودهم العقيد بن علي ، فشنوا حملة كبيرة من الاعتقالات في صفوف النقابيين الوطنيين و جميع المتعاطفين مع لجنة المبادرة الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل . و بلغت هذه الحملة البوليسية أوجها في بداية نوفمبر ( تشرين الثاني) عندما حجز أعوان المخابرات العدد-06- من جريدة الشعب وهو تحت الطبع . و منذ ذلك الحين إلى حدّ هذا اليوم تتواصل الاعتقالات التي شملت عددا كبيرا من النقابيين و من المتعاطفين مع لجنة المبادرة الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل عبر كامل تراب الجمهورية . و بينما أعرب جميع الأحرار عن سخطهم إزاء الحملة القمعية التي تشنها المخابرات البورقيبية المقيتة بكل قسوة ضد المقاومة النقابية بقيادة لجنة المبادرة الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل وقف التحريفيون و المساومون موقف المكر النابع عن حقدهم الدفين على الماركسيين اللينينيين و على جميع الثوريين . فلقد أقام التحريفيون و من لفّ لفّهم حصارا إعلاميا شديدا على موجة الاعتقالات و فسحوا بالتالي المجال أمام البوليس السياسي الذي قام بدوره المقيت طوال شهرين كاملين بدون أن يُعرقل أحد أعماله . إن هذه الممارسات الرجعية بيّنت لجميع الأحرار بجلاء أن التحريفيين و المساومين منحوا أنفسهم باطلا شهادة في مجال الدفاع عن "ضحايا القمع" و "حقوق الإنسان".
- النهوض بمهام المرحلة .
إن الظروف الصعبة التي تمر بها المقاومة النقابية و من خلالها مجمل الحركة الثورية الوطنية الديمقراطية تستوجب النهوض الجاد بمهام المرحلة و في مقدمتها المهمة الملحة المتمثلة في التنديد بالحملة القمعية الشرسة التي تتعرض لها لجان المبادرة للاتحاد العام التونسي للشغل و في مساندة النقابيين المعتقلين . و تندرج هذه المهمة الملحة ضمن صيانة المكاسب التي حققتها الحركة النقابية قبل و بعد أحداث 26 جانفي . فجميع النقابيين المخلصين مطالبين أكثر من أي وقت مضى بربط الدفاع عن إخوانهم المعتقلين بالنضال من أجل صيانة و تطوير الاتجاه النقابي السليم الذي حددته لجنة المبادرة الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل المتمثل في :
1-النضال بدون هوادة ضد زمرة عبيد و رفض كل المقررات الصادرة عنها و مقاطعتها مقاطعة كاملة .
2-الوقوف بحزم في وجه جميع الانتهازيين و الوصوليين الذين يمارسون سياسة المساومة أو سياسة الترقب مع عبيد .
3-التمسك بالاتحاد العام التونسي للشغل و قانونه الأساسي و نظامه الداخلي و مقرراته و هياكله المنبثقة عن المؤتمر 14 و الالتفاف حول كل النقابيين الشرفاء الذين يمثلون شرعية الاتحاد و لا يساومون بها
4-العمل على خلق لجان مبادرة للاتحاد العام التونسي للشغل طبقا لأسلوب العمل السري و صيانتها قدر المستطاع من ضربات البوليس و من خداع التحريفيين و المساومين و العمل في نفس الوقت على استغلال كل إمكانيات العمل الشرعي و شبه الشرعي .
و بالنسبة لنا نحن الشيوعيون الماركسيون اللينينيون و الوطنيون الديمقراطيون لا يمثل العمل على صيانة مكاسب الحركة النقابية هدفا في حد ذاته و إنما يندرج بدوره ضمن النضال الثوري ضد الديكتاتورية البوليسية –العسكرية من أجل افتكاك الحرية للشعب و تحقيق الثورة الوطنية الديمقراطية المتحولة نحو الاشتراكية . و في الظروف الحالية المتميزة خاصة بسعي العصابة الحاكمة الرامي إلى تصفية أشكال المعارضة السياسية بما في ذلك المعارضة القانونية في سياق سعيها إلى إقامة ديكتاتورية عسكرية خالصة ، فإننا نشدد على ضرورة دفع النضال الثوري لكي يفتك العمال و كافة أبناء الشعب الآخرين حقهم في تأسيس أحزاب و اتحادات سياسية و نقابية و حقهم في الإضراب و التظاهر وعقد الاجتماعات كلما أرادوا ذلك و حقهم في نشر الصحف و الكتب التي تعبر عن آرائهم . و يرتبط النضال ضد العسكرة و من أجل افتكاك ما يمكن افتكاكه من الحرية لصالح الشعب ارتباطا وثيقا بالنضال من أجل :
- تحسين الظروف المعاشية و الاجتماعية لجماهير الشعب .
- التصدي على المستوى العربي للخط الاستسلامي بشكل عام و للخط الاستسلامي الساداتي بشكل خاص .
- الوقوف بحزم في وجه المساعي الهيمنية للعملاقين الامبرياليين ( أمريكا و روسيا ) و التنديد بوجه الخصوص بالتدخل السوفياتي الكوبي في إفريقيا ( إرتيريا ) و بالتدخل السوفياتي الفيتنامي في آسيا ( كمبوديا ) . إن الحيلولة دون حدوث انقلاب عسكري و افتكاك ما يمكن افتكاكه من حرية لصالح الشعب في سياق النضال من أجل الجمهورية الديمقراطية الشعبية يستوجب مشاركة جميع الفصائل الشعبية . فإلى جانب الحركة العمالية و الشعبية التي تحتل حاليا موقعا مركزيا في مواجهة الطغمة الحاكمة يجب أن تشارك الفصائل الشعبية الأخرى مشاركة كاملة و فعلية و أن تزج بكل ثقلها في المعركة . و في الوقت الحالي المتميز بتأخّر حركة الفلاحين نشير إلى الدور الهام الذي يمكن أن تلعبه الحركة الطلابية إذا ما تمكنت من القضاء على الاتجاه التحريفي ( بشكليه الصيني و السوفياتي ) و على الاتجاه "اليساري" و من تنظيم صفوفها تنظيما محكما يستجيب لمتطلبات النضال . كما نشير إلى ضرورة دفع العوامل الإيجابية حتى يتوفر مناخ ملائم لبروز حركة نسائية تعبر عن تطلعات جماهير النسوة العربيات التونسيات و تساهم في النضال الثوري الوطني الديمقراطي . ومن واجب القوى الثورية تحويل شعار النضال ضد العسكرة إلى شعار تنخرط فيه كل الفئات الشعبية كما انه بالإمكان الاستفادة من التناقضات صلب الرجعية لإضعافها وعزلها ، إن العصابة البورقيبية تعادي الحركة الشعبية عداء كاملا وتخشى في نفس الوقت مزاحمة ومنافسة الشرائح الرجعية الأخرى.ولقد اتخذت الطغمة الحاكمة جملة من الإجراءات التعسفية ضد الكتل الرجعية المنافسة كاعتقال ومحاكمة العاشوريين ومتابعة الصحف المستقلة(الرأي وتونس الأسبوعية )أمام المحاكم وتغريمها وتحجيرها و التخلص من بعض الوزراء (...) ومهما يكن من أمر فان العامل الرئيسي الذي يحدد نجاح او فشل النضال ضد العسكرة يتمثل في درجة وعي الحركة الشعبية وفي مدى قدرة الحركة الوطنية الديمقراطية على النهوض بمهامها بشكل عام وبمهامها في الحقل التنظيمي بشكل خاص.إذ أن العمل التنظيمي يشكو إلى حد الآن وخاصة بعد الضربة القمعية من نواقص عديدة وثغرات كثيرة. إننا على يقين تام بان الماركسيين اللينينيين وجميع الوطنيين الديمقراطيين لا تنقصهم القدرة على النضال ضد نزعة الاستسلام وعلى استخلاص جميع الدروس وعلى تضميد الجروح والقيام بمهام المرحلة . إن التمسك بالمبادئ وروح المسؤولية وطول النفس والتفاؤل التي يتسم بها الماركسيون اللينينيون . وجميع الوطنيين الديمقراطيين هي انعكاس لارادة وثبات شعبنا وتطلعاته للقضاء على الديكتاتورية البوليسية العسكرية وعلى حكم الامبرياليين والكمبرادوريين و الإقطاعيين.

الشعلة 26 جانفي1979 (كانون الثاني)
Recteur de publication :F/Pirio Dépôt légal n°44130 Echoola BP1 Paris 75661 Cedex14

- الديمقراطية الجديدة (النشرة الشهرية)
التقديم والنسخ بقلم الرفيق:ج.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاحنة تفريق المتظاهرين لإخماد الحرائق في تشيلي


.. ورث منصبه عن والده.. -شيخ عشيرة البوبنّا- يلغي وليمة صنعها ل




.. أسلحة سوفييتية قديمة مهمتها إسقاط المسيّرات الإيرانية.. إليك


.. جماعة -عدالة علي- تخترق كاميرات سجن إيفين.. وتكشف تدريبات لق




.. هل استخدم السادات الشيخ الشعراوي لمهاجمة الشيوعيين؟