الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


القيم الجمالية وحوافز الأبداع في فنون الحداثة

تحسين الناشئ

2023 / 3 / 19
الادب والفن


لم تنتظم العملية الأبداعية في يوم من الأيام بمعزل عن الفكر البشري الفعال والمتجدد، ولا يتأتى لعملية الأبداع النضوج الكامل من غير اشراقة ذلك الوهج الكامن في أعماق الفنان والمرتبط باستنهاض الشعور واِعمال الحدس (Intuition)ومن ثم تلقائية التعبير. فعملية الخلق الفني عملية شعورية متسقة واعية يحكمها التأثر والتفاعل والأستجابة لفاعلية الحدث، ويدعمها تنامي وارتقاء الأحساس بما هو قائم من قيم جمالية متجددة. كما ان قدرة الفنان على الأبداع ترتبط لاشك بقدرته على الأستنتاج ((conclusion، الأستنتاج الذي يرتبط بالحدس كما يرى كروتشيه Croce دون استبطان قيمة الفعل الجمالي الموصوف للصور الكامنة في الذهن. فوجود الأشكال Figures)) كصور مرئية مدركة لها قدرتها وخصائصها الفاعلة في التحريض على استخلاص طاقاتها الحسية والبصرية هو ضرورة بغض النظر عن ماهيتها المجردة، ومن هنا تأتي أهمية توظيفها كعناصر داعمة في البناء العام للمنجز الفني الحداثوي.

في مراحل عديدة من مسيرة الفن التشكيلي، ثمة نتاجات كثيرة تم صياغتها بجهد ابداعي فذ، بقيت قادرة على طرح نفسها وفرض خصائصها وأطرها الفنية العالية بتواتر مستمر وبجدارة بين مرحلة وأخرى من مراحل تأريخ الفن، فمثل تلك النتاجات كانت قادرة على الدوام على فرض حضورها وتأثيراتها الحسية البصرية على المتلقي أينما كان وأي كانت هويته، وذلك يعود الى ماتتضمنه من عناصر فاعلة عميقة في مدياتها وما تحويه وتختزنه من مزايا مدهشة لا تتقبل الأستهلاك، وبسبب امتلاكها قدرا مقبولا من الوضوح clarity)) فبدت سريعة القبول عند جميع الثقافات.
يحسب بعض علماء الجمال المحدثون الفن في شكله العام على انه تعبير عن شعور (Expression of feeling) قبل ان يكون تعبير عن أفكار.. فالحقائق قادرة على فرض وجودها دون الحاجة للأشارة اليها، وبطبيعة الحال لا يمكن للفنان اقامة صلة حقيقية وتواصل معرفي أدائي اِلا مع الصور والمفردات والمشاهد والأحداث القادرة على اثارته حسيا وجماليا ووجدانيا، أي ماتتقبله روحه وعقله وذائقته منها، وهي اللحظة التي ينعطف فيها للتعبير عن كل ذلك بشكل ما من اشكال الخلق الفني وسياقاته. أما الى أي مدى يمكن ان يصل عمق ذلك التعبير، أي التناغم والأنغماس الحسي المباشر بين الفنان ومفرداته، فهنا تكمن المسألة.

في أزمان سابقة كانت كل الأحتمالات قائمة فيما يخص عملية الخلق الفني اِلا ماهو منافِ للذوق فيرفضه الذوق وماهو منافِ للعقل فيرفضه العقل او ماهو منافِ للجمال فيرفضه البصر، غير ان تلك السياقات تساقطت كلها مع الزمن بفعل تنامي القيم الجمالية والأختلاف في طبيعة النظرة الى الأشياء وتبعا للتفسير المعاصر لجوهر الأداء الفني وصيرورته المهارية. ففي واقعنا المعاصر تلاشت جميع المحددات والقيود ولم يعد هناك مايربك فطرة الفنان او يحد من تلقائيته وانطلاق افكاره ومشاعره ورؤاه. ومع هذا بقي من الضروري للفن ان يسعى الى خلق نوع من التوازن في استجابة حواس المشاهد جميعها للنتاج الفني دون تعطيل اِحداها أو شلها. هذا إضافة الى ضرورة مخاطبة هذه الحواس والتأثير عليها قبل مخاطبة العقل والتأثير عليه، ففي هذه النواحي يكمن الشعور النفسي والجمالي بالمرئيات، فالفن أولا وقبل كل شيء ممارسة شعورية واعية وفعل ارادي راق من شأنه بعث الصور التي يتم التفاعل معها بصريا ووجدانيا بنمط جديد. وبالنتيجة فان قدرة المشاهد (المتلقي) على تلمس خصائص النتاج الفني وتذوقه والتفاعل معه هو الأمر المعول عليه.
لاشك ان بعض النتاجات الفنية تقتفي أثر محيطها زمن الأنجاز فتكون مرهونة بالأطار العام لعصرها، ففاعليتها وعمق سطوتها مرتبط بزمنها، زمن وجودها (إنجازها) بفعل خضوعها لكل معطيات واسقاطات ذلك الزمن الذي يطبعها بطابعه ونمط ثقافته واسقاطاته الجمالية وقيمه المجتمعية... الخ، وان لم يكن هذا الأمر حتميا في جميع الأحوال. فعمل فني (مهما كانت طبيعته) مؤثر في فئة من الناس قد لا يؤثر في فئة أخرى، وان نتاجا ابداعيا مقبولا عند ثقافة معينة، ليس بالضرورة ان يكون مقبولا لدى ثقافة اخرى... لهذا السبب تأفل أعمال عديدة (يضعف تأثيرها في المشاهد) في أوانها وتزول.

ان الحجاب (الغموض) الذي تلقيه على نفسها بعض انجازات التشكيل المعاصر لا يشكل بطبيعة الحال سرا من أسرارها ولا يمثل نمطا من دعامات القوة والنضج فيها، انما هو في أحيان كثيرة اعلان عن عدم فاعليتها مع الواقع. فكيف يمكن للعمل الفني ان يكون مؤثرا في الوقت الذي يكون فيه معقدا وغامضا؟ ان التعقيد Complexity)) يقضي على واحدة من أهم مزايا العملية الأبداعية وهي البساطة (Simplicity)، ومن ثم الوضوح والقدرة على التأثير الأيجابي، فالتعقيد والغموض من شأنهما ان يوسعا الهوة بين نتاج الفنان والجمهور، في الوقت الذي يستلزم فيه حث المتذوق (المشاهد) على التمسك بلذة المتابعة عن طريق الصور المبتكرة سلسة المنحى. واذا كان الأبتكار (في الشكل والأسلوب) داعيا من أهم دواعي واصول الحداثة، فانه يشكل مؤشرا مهما لقدرة الفنان على الخلق والأبداع والتجديد.

تبدو وقائع واحداث العالم المرئية في عيني الفنان على هيئة متوالية مستمرة من الصور المتتابعة تتشكل أمام بصره أينما اتجه دونما انقطاع، او انها أشبه بسرب من الأفكار تم بعثرتها في أرجاء هذا العالم وما عليه اِلا اقتناص تلك الومضات المشبعة بنبض الحقيقة والتي يرى فيها أسرارا فاعلة محفزة للوجود، مناسبة لأحساساته ومشاعره وذوقه، حينذاك يسعى الى طرحها (التعبير عنها) بوسائله العملية. ولعل من الضرورة ان يكون لتلك الوقائع صلة ما بحياته واِرثه الثقافي او اِنها على اقل تقدير تشكل جزءا مهما من ذاته، غير ان المهم في المسألة هو مدى تأثيرها ووقعها على روحه وفكره ومستوى استجابته أو ردة فعله تجاهها لكي تكون محرضة له بشكل يضمن له قبولها كثيمة فاعلة تستحق ان تكون مادة مناسبة لمنجزه الفني.

وعموما يرى الفنان في الصور المُشكّله أمامه معانٍ أخرى غير المعاني التي تتضمنها في الحقيقة، وان جوهر الحقيقة في رأيه لا يكمن بما يراه أمامه في الواقع انما مايتشكل من تكوينات في ماوراء الصور، فالعالم الحقيقي في نظر الفنان ليس هو بالضرورة مانراه ونعيشه، بل هو العالم الذي يتشكل في مخيلته والذي يصل اليه عن طريق تحليل كل مايمكن كشفه من وراء الصور المرئية المدركة. هكذا يرى الفنان العالم، لذلك تبدو بعض الأعمال الفنية المعاصرة وكأنها نقيض للعالم الذي نعيشه، بسبب ما تتضمنه من غرائبية او تشويه للشكل او اختزال عميق او تحليق خارج المألوف. ان اكثر الفنانين سلوكا لهذا النهج هم أتباع الحركات الحداثوية الثورية المثيرة التي حققت فاعلية كبيرة في الفن المعاصر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفنان هاني شاكر في لقاء سابق لا يعجبني الكلام الهابط في الم


.. الحكي سوري- رحلة شاب من سجون سوريا إلى صالات السينما الفرنسي




.. تضارب بين الرواية الإيرانية والسردية الأمريكية بشأن الهجوم ع


.. تكريم إلهام شاهين في مهرجان هوليود للفيلم العربي




.. رسميًا.. طرح فيلم السرب فى دور العرض يوم 1 مايو المقبل