الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هل يجرؤ النظام في دمشق على الانفتاح؟

راتب شعبو

2023 / 4 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


يحتاج المرء إلى أن ينظر فقط كي يرى أن الأسباب التي دفعت الجامعة العربية لاتخاذ قرار تعليق عضوية سورية ومقاطعة النظام السوري، لا تزال قائمة. عبر عن هذه الحقيقة رئيس وزراء قطر، وهي من الدول العربية القليلة التي لا تزال تعترض على عودة سورية، ممثلة بالنظام السوري، إلى الجامعة. الحق أنه منذ خريف 2011، تاريخ القرار المذكور، برزت أسباب إضافية تعزز القرار، بدلاً من أن تدفع إلى الرجوع عنه، من ضمنها لجوء النظام إلى استخدام الأسلحة الكيماوية، بصورة متكررة، ضد مناطق يسيطر عليها مسلحون معارضون للنظام، وقصف عشوائي للمدن بما في ذلك الأسواق والمشافي، والتسبب بموجات نزوح بالملايين، وإجراء تغييرات سكانية ذات بعد مذهبي، إضافة إلى ظهور وثائق مصورة لموت آلاف السوريين في سجون النظام ومعازله، على خلفية ثبات النظام على موقفه الرافض للإقرار بحق وجود معارضة سياسية.
فوق ذلك، قاد تطور الصراع في سورية إلى عجز الدولة السورية عن حماية وحدة الأراضي السورية، فكان أن اضطرت للانسحاب من مناطق واسعة تصل إلى أكثر من ثلث مساحة سورية، وعلى هذا الثلث نشأت سلطتان تمتلكان كل مقومات الدولة سوى الاعتراف الدولي الرسمي الذي لا زال يحتفظ به نظام الأسد. على هذا فإن الانفتاح الذي نشهده اليوم لا يأتي فقط بعد ذهاب طغمة الأسد بعيداً في الطريق الذي قاد إلى القرار العربي بعزله، بل هو أيضاً انفتاح على دولة باتت منقوصة السيادة السياسية على الشعب وعلى التراب السوريين. يبدو كما لو أن العرب قاطعوا نظام الأسد حين بطش بالسوريين، وعادوا عن قرارهم حين مضى بعيداً في بطشه.
إذن ما التغيرات التي تفسر سعي الأنظمة العربية للانفتاح على نظام الأسد؟ أم أن هذا الانفتاح الذي نراه ليس سوى مدخل سلمي إلى تسوية ما للوضع في سورية؟ وإذا كان الحال كذلك، فماذا يمكن أن تكون هذه التسوية؟ وما إمكانيات نجاحها؟
يبدو لنا أن الدافع إلى هذا التحرك العربي هو وصول الوضع في سورية إلى حالة جمود، سببها أن الطاقة الدافعة للتغيير قد تراجعت لدى الأطراف الداخلية التي باتت تصرف طاقتها في الحفاظ على ما في يدها، والحال كذلك فيما يخص الأطراف الخارجية التي يحوز كل منها على ما يناسب محصلة قدرته وإرادته. غير أن هذا الجمود على انقسام غير شرعي دولياً، يبقى مقلقاً في العلاقات الإقليمية والدولية. وهكذا بعد برود خطوط التماس، أصبحت الحاجة ملحة إلى استيعاب الوضع السوري في إطار إقليمي مقبول. على هذا الضوء يمكن فهم التحرك العربي.
لا يمكن أن تستمر القطيعة إلى ما لا نهاية. والأطراف السورية الفاعلة، من ضمنها نظام الأسد، استقرت على حال ثابت من التشابك بين الخارج والداخل، وباتت قدرات هذه الأطراف متناسبة مع وضعها الراهن. هكذا يأتي المسعى العربي لتحريك عربة لم تعد تمتلك قوة داخلية للحركة. نخطئ إذا اعتقدنا أن سلطة الأسد سعيدة بهذا التحرك العربي، أو بالتحرك الروسي الإيراني الذي يدفع باتجاه تقاربها مع السلطات التركية. السبب هو أن سلطة الأسد مضطرة في كلتا الحالتين إلى الإقرار بواقع سوري جديد لا تريد رؤيته، فما بالك الإقرار به. لقد بات الوضع الأنسب لسلطة الأسد التي ابتعدت أكثر عن المعنى العام للدولة، هو الوضع السوري الحالي، مثله في ذلك مثل بقية السلطات التي نشأت واستقرت خلال السنوات الأخيرة، والتي عرضت، بسرعة لافتة، صورة شبيهة بسلطة الأسد، وباتت تخشى التغيير، سعيدةً بما استقر تحت يدها.
ليس من المفاجئ أن يكرر إعلام نظام الأسد، بالتناغم مع إعلام "القوى الحليفة"، القول الاستفزازي، الذي ينم عن ضعف، بأن العرب عادوا إلى سورية وليس العكس، وإن اللقاء مع الاتراك دونه شروط تفرضها سورية ... الخ. ولن يكون من المفاجئ أن تعمل سلطة الأسد على تخريب كل مساعي "التطبيع" المبذولة، ذلك أن التطبيع سوف يفرض على سلطة الأسد الاقتراب أكثر من مفهوم الدولة التي تكون محلاً لانعكاس ميزان القوى السياسية الداخلية، وهو ما يهرب منه نظام الأسد كي يستمر على حاله. الراجح أن يغلب ميل طغمة الأسد إلى تفادي الحل السياسي المطلوب، على رغبتها في أموال إعادة الإعمار، حين يوضعان في الميزان.
الكلام الذي تقوله الدول العربية، بما فيها الدول الأكثر انفتاحاً، ثقيل على مسمع ممثلي نظام الأسد. مثل الكلام عن التوصل إلى "حلٍ سياسي للأزمة السورية يحافظ على وحدة سورية وأمنها واستقرارها" .. " تهيئة الظروف اللازمة لعودة اللاجئين والنازحين السوريين إلى مناطقهم، وإنهاء معاناتهم، وتمكينهم من العودة بأمان إلى وطنهم" .. كما جاء في البيان السوري السعودي عقب زيارة وزير الخارجية السوري إلى السعودية. أما ما لا تظهره البيانات المشتركة، فهو المطالبة بالحد من إنتاج وتصدير المخدرات، الذي أصبح المصدر الأساسي لتمويل نظام الأسد، إلى الحد الذي جعل سوريا تصنف بأنها "دولة مخدرات".
كما يصعب تصور التحرك العربي تجاه نظام الأسد، بعيداً عن المنظور الغربي، والأمريكي بشكل خاص، الذي يضع حدوداً لهذا التحرك يصعب عليه تجاوزها. فقد جاء في رسالة وجهها بعض المسؤولين والخبراء الأميركيين السابقين إلى إدارة بادين "إنّ المحاولات العربية لتطبيع العلاقات مع النظام السوري دون إصلاحات سياسية تتعارض مع أجندات الأمن وحقوق الإنسان الأميركية". لا تستطيع الحكومات الديموقراطية هضم نظام ارتكب هذا القدر من الجرائم من الكيماوي إلى المخدرات، وصدرت بحقه قوانين صريحة.
إذا كانت الحرب الباردة، وحاجة الديموقراطيات الغربية إلى إسبانيا، جعلت هذه الدول تستوعب فرانكو بعد كل جرائمه وتحالفاته مع هتلر وموسوليني، فلا يوجد ما يعادل ذلك فيما يخص نظام الأسد. على هذا يصعب توقع انفتاح عربي "مجاني" على النظام. لهذا الانفتاح ثمن سوف يتوجب على النظام دفعه، ويبدو لنا أن الرصيد السياسي للنظام أفقر من أن يتحمل الثمن المطلوب، الأمر الذي يجعلنا نتوقع تعثر مسار خروج نظام الأسد من عزلته.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. القضية الفلسطينية ليست منسية.. حركات طلابية في أمريكا وفرنسا


.. غزة: إسرائيل توافق على عبور شاحنات المساعدات من معبر إيريز




.. الشرطة الأمريكية تقتحم حرم جامعة كاليفورنيا لفض اعتصام مؤيد


.. الشرطة تقتحم.. وطلبة جامعة كاليفورنيا يرفضون فض الاعتصام الد




.. الملابس الذكية.. ماهي؟ وكيف تنقذ حياتنا؟| #الصباح