الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المعري في باريس .. أيقونة العقل والحرية السورية المنتظرة ..!

بسام البليبل

2023 / 4 / 26
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


" تبدأ حدودنا وتنتهي عند الحرية ..
يحيا المعري، ويحيا الشـاعر، وتحيا الفلسفة، وتحيا الحرية، وليحيا الحب .. "
بــــهذه الكلمات الدالّة والمعبّرة ســياسيّاً وثقافياً عن الجمهورية الفرنسيّة، أعلن باتريك بيســـاك رئـــيس بلديـة مونتروي، إحدى الضواحــي الباريســية، في 15/3/2023 عن انطلاق مراســـم تدشـيـن التـمثال البرونزي لرأس شاعر الفلاســفة وفيلسوف الشــعراء أبي العلاء المعري، الذي أنجزه النـّــحات السوري العالمي عاصم الباشا، وإضفاء الصفة الرسميّة والرمزيّة لوجوده عـلى الأراضي الفرنسية، لاجئاً ســياسـيّاً وإنسانيّاً، إلى حين عودته إلى مسـقط رأســه في مدينة معرة النعمان، وقد تحررت ســوريا من ربقة الاستبدادين الســياسي والظلامي، حيث لن يتــهددهُ مـرة أخرى من يقطع رأسه كما فعل جهادِيّو النصرة في العام 2013، مثلما لن تهدد قِيَمهُ في حريـّــة الاعتـقاد والرأي، الأحكام العرفيّة، وقوانيـن الطوارىء، التي حكمت ســـوريا على مدى ســـتين عاماً ونيّف من حكم البعث والنظام الأوليغارشي الأسدي .
إنّ أهمية هذا الرمز التذكاري تكمن في استحضاره الرموز العالمية المشـابهة في مقاومة أنـظمة الحكم الاسـتـبدادي والديكتاتوري والتنــديد بها، وتحشـيد التضامن الســياسي والأخـلاقي ضدها، مثلما حدث مع لوحة (غرنيـكا ) الجدارية التي رسمها بيكاسـو في باريـس احتجاجاً على الحرب الأهلية الإسـبانية بين الحكومة الديمقراطية، والقوى الفاشــية بـقيادة الجنرال فرانسيسكو فرانكو، والتي تم على خلفيتها تـدمير وإحراق قرية "غرنيكا " التي تـمثل المقاومة الجمهورية، ما جعلها هـدفاً لأكثر أعمال العنف وحشــيّة خلال الحرب الأهلية الإسـبانية، وجعل من لوحة " غرنيـكا " رمزاً عالمياً مضاداً للحروب وهمجيتها ومآسيها، وللعنف بكل أشـكاله ومعانيه، وتعبيراً صارخاً عن المعاناة والحزن والإحساس المأساوي بالموت والدمار، با عتبار " أنّ اللوحات لاترســم من أجل تزيين المساكن، إنّها أداة للحرب ضد الوحشية والظلمات " كــما صرح بذلك بيكاسو .
ومثلما احتضنت باريــس إنجاز لوحة " غرنيــكا " التي رُســمت من أجل عرضـها في مـعرض باريــس الدولي عام 1937 تعبيــرا عن مناهضة الحــرب والســياسة النازية والفاشــية، كـــذلك احتضنت باريــس تمثال أبي العلاء المعري ( كون المعري ثورة يتيمة في عصره ) كما تـــقول "مجموعة ناجون" المُساهِمة في هذا الإنجاز، (ورمزاً إنسانياً لحريــة التفكير والشك والســـؤال، ومثالاً ناصعاً للمثقف الكوني الحر الذي لم يرتهن إلّا لضميره الحي، وأيقونة انتظار الســوريين للسلام والعدالة والديمقراطية في بلدهم ) .
ومثلما تم إيداع لوحة " غرنيكا " في متحف الفن الحديث في نيـويورك على إثر انــدلاع الحرب العالمية الثانية 1939 إلى حين عودة الديمقراطية إلى اسبانيا بناء على طلب بيكاســو ، الذي لـم يشـــهد عودة لوحته إلى الشـعب الإسباني التي رُســـمت من أجله، في العام 1981، كــذلك تـم الاتفاق مع بلدية مونتروي على استضافة تمثال " المعرّي " التي أعلنت " أن التمثال مرحب به، وهو لاجيء في " مونتروي "حتى يتمكن من العودة إلى سوريا الحرة " . ومثلما تم إهداء " الغرنيكا " إلى الشعب الإسـباني، الذي اكتوى بنار الحرب الأهلية والاســـتبداد الفرنكوي ، كـــذلك تم إهـــداء " تـــمثال المعرّي " إلى المعتقلين، والمغيبيــن في كلّ المعتـقلات والمعازل الســرية في سوريا والعالم .
ليس مستغرباً اختيار باريس لاحتضان تمثال المعري، وليس غريباً على باريس الترحيب بتمثالٍ يرمز للعقل والحرية، وهي مدينـة النور، وإحدى أكبـــر مراكز الفن في العالم، ومدينــــة اللجوء الفني التي اجتمع فيـــها منذ مطلع القرن العشــرين كبار الفنانـــين العالميين الباحثين عن الجمال وحـرية التعبير، مثلما فتحت أبوابها للفنــانين الســوريين، وكانت حاضنة لهم ولفنـــهم من خلال مبادرات فردية وجماعية كما في (مبادرة القافلة الثقافية السورية) ومباردرة ( الأبواب المفتوحة على الفن ) .
إضافة لما تتمتع به فرنسا من اســتقلالية سياسية، ودور فاعل في اتخاذ القرار وصنـــاعته على المستويين الأوربي والعالمي، ما يمنح الفنان الثقة والاستقرار وإمكانية الانتشار والتأثير.
كما أنّ اختيـــــار تـمثال المعري لايقلل من أهمّية الأعمال الســورية التــصويرية الرائــعة التـي نفذها فنانو الداخل والخارج، والتي تـحتاج إلى إضــاءة مســتقلة، وكذلك أنـــواع الفن التشــكيلي الأخرى، ولا سيّما الفن الجرافيتي الذي واكب الثورة السورية بِدأً بعبارة (جاك الدوريا دكـتور) التي كتبـــها أطفال درعا على جدران مدينتهم، مروراً بداريا، وكفرنبل، وسـراقب، وبنّـــش، ... وانتهاءً ببقية المدن السورية .
ولم يكتف الفنانون الـسـوريون بلوحات الغرافيتي لإيصال رســـائلهم، ولا بفن الكاريكاتير الـذي برع فيه العديد من الفنانين الســوريين، وفي مقدمهم الفنـان العالمي علي فرزات، الذي ما زالت أصابعه التي كسّرها النظام مشاعل مضيئة في مســـيرة الحرية، بل لقد أبــدع بعضهم بالنقـــش على القذائف العنقودية المحرمة دولياً التي ألقيت على المدن والأحياء الآهلة بالسكان في محاولة لتوثيق جرائم الـــنظام مادياً عبر محاربة القوة الصلبة بالفن والجمال .
صحيح أنّ لوحة " غرنيكا" للإســباني بيكاسو من أشــهر اللوحات العالمية، وصحيــح أن لوحة الفرنسي ديلاكروا" الحرية تقود الشعب " المستوحاة من الثورة الفرنسية لايبهت ألقها، ولايخفت بريقها، ويستحضرها الفرنسيون في كل مناسبة ثورية حتى في مظاهرات "السترات الصفراء"، إلّا أنّ أشهر الأعمال الفنية التي عبرت عن الحرية هي أعمال نحتية، كما في تماثيل " ماريان " التي تعتبر من أبرز رموز الجمهورية الفرنسية والتي تمثل الحرية والعقلانية، وتمثال الحرّيـــة الذي صممه النحات الفرنسي بارتولدي، وأهداه الشعب الفرنســي للولايات المتحدة الأمريكيّـــة، بمناســـبة الذكرى المئوية للثورة الأمريكية، والمســـتوحى من آلهة الحرّية الرومانية القديــمة " ليبيرتاس "، وكذلك تمثال مايكل أنجلو الشهير " داوود الذي نفذه بطلب من مدينة فلورنسا كرمز للحرية وللقوة بمواجهة الطغيان، ونحن اليوم أمام تمثال المعرّي الســوري رمز العقل والحرّيـة، وصاحب الصرخة الشهيرة : ( كَذَبَ الظَنُ لا إمامَ ســوى العقلِ مُشــيراً في صُبحهِ والمســاء ).
العقل الذي صبّ الفلاسـفة كبير اهتمامهم عليه، على أنه أحســـن الطرق لمعرفة الحقيقة، والذي بدونه لن نستطيع إعادة صناعة الوعي المجتمعي وتحريره من ثقافة الاستبداد، وأشـــكال الوعي الزائف، والتطهر من أمراض الفردية والعنصرية ومن الخرافة والجهل، وكل أشـكال الوصاية.
لقــد واكبــت الثورة الســـورية على مدى الأثنـــي عشـــر عامـاً الماضيــة العـــديد من الأعمـال الفنية، والنشاطات الثقافية، والوقفات والاعتصامات والمظاهرات العابــرة، في العديـــد من دول العالم ، للتُذكّير بالواقع المأســاوي للشعب الســـوري، والدعوة إلى مناصـــرته ضد النظام الـذي اســتعمل أسلحة الدمار الشـــامل ضد شــــعبه، ولكن ما يـــجعل للنصب التذكاري لأبـــي العلاء المعرّي أهمّية خاصة هو قيمته الفنّيـة والمعرفيّة، إضافةً لاسـتمرارية وجوده في أحد الميــــادين الباريســـية إلى حين عودته إلى مســقط رأسـه، وبالتالي اسـتمرارية التذكيـر بمعاناة الســوريين في ظل النظام الحاكم، وجرائم الحرب التي ارتكبها ضد شـعبه، وجرائـمه ضد لإنسانية وانتزاع التأييد الرسـمي الفرنسي الذي جاء على لسـان بلديـــة مونتــروي بالقول : ( من خلال الترحيب بهذا العمل في المنفـى، ترغب مونتـروي في جعل صوت ســـوريا خال من الاستبداد والتعصب والاحتلال، يتردد صداه ويعيد تأكيد أملها في السلام ) .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. غزة ما بعد الحرب.. ترقب لإمكانية تطبيق دعوة نشر قوات دولية ف


.. الشحنة الأولى من المساعدات الإنسانية تصل إلى غزة عبر الميناء




.. مظاهرة في العاصمة الأردنية عمان دعما للمقاومة الفلسطينية في


.. إعلام إسرائيلي: الغارة الجوية على جنين استهدفت خلية كانت تعت




.. ”كاذبون“.. متظاهرة تقاطع الوفد الإسرائيلي بالعدل الدولية في