الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جميعهم لوث الانسان والتاريخ والقيم! ..الحلقة الخامسة

عمار السواد

2006 / 10 / 26
مواضيع وابحاث سياسية


الحلقة الخامسة/ لا تنسوا!!!
"طلع الجيل الستيني اذن على بستان قد تمكنت منها اشجار الشر تماما. اسهم في تغذيتها هو الاخر، ورعاية اغصانها، وقطاف ثمارها. ولكن ساعة القطاف فاجأته بثمار مرة المذاق حقا. ماكان احد من اطفال الليل الحمقى ليتوقع ان يكون صدام حسين واحدة من الاشجار التي اكلت الغاب جميعا" فوزي كريم(1)
تعجز الكلمات، احيانا، عن وصف اشخاص جيدين او سيئين. فبعض الناس يصدق على وصفهم القول بانهم السهل الممتنع. انهم قلائل تاريخ البشرية. واحد اولئك القلائل كان بامتياز صدام حسين. هو، بدون تردد، اعصى الاشرار على قسوة الكلمات الناعتة في تاريخ العراق الحديث.
لم يكن صدام، كما عودنا تاريخ العراق، ظاهرة جديدة من حيث طبائع الاستبداد وظلم الحكام. الا انه كان حالة نادرة كطاغية تفنن في الظلم وتجاوز اسلافه العراقيين بحجم الاستبداد.
عودتنا الظواهر الاجتماعية بان يكون الاستبداد نتيجة لخلل يصيب المجتمع. المستبدون، في الغالب، قدموا من رحم مخاض فوضوي دموي تتناثر من حوله تيارات وافكار ومعتقدات متصارعة. فالاستبداد نتيجة لمجموعة اندفاعات متضاربة.
وفي العراق حيث احتدام الصراعات الايدلوجية، وشيوع الفوضى منذ بدايات منتصف القرن العشرين، تربى في احضان الاحزاب الراديكالية ذئاب نمت نيبانهم داخلها وتربوا على ما يخدم مصالحهم وانتظروا ساعات الليل ليفترسوا النفوس الجميلة وينهشوها فيملأوا الارض بلون احمر قاتم لا يرى من حلكة الظلام، وينقضوا على ما تبقى من زوايا الخير داخل البنية الاجتماعية فيحولوها الى زوايا تسكن فيها ذكريات للرحمة والجمال فقط.
تلك الذئاب رباها حزب البعث، قاصدا من تربيتها استخدامها في الصراع ضد مناوئيه وتصفيتهم. وما ان انتهت المهمة وتمكن البعث من الوصول الى بدايات طموحه، وجد نفسه خاضعا لارادة الذئاب. ووجدت الذئاب نفسها متصارعة على الانفراد بالعراق كصيد ثمين.
تضمنت الحلقة السابقة حديثا عن تحول حزب البعث من تجمع مدني راديكالي باهداف ايدلوجية الى ثكنة عسكرية اندمجت بنوايا منتقاة من الايدلوجية القومية وبروح العصابات المتمثلة بالحرس القومي كمليشيا ادارت الصراع الداخلي ضد الشيوعين وبقية الرافضين لسلطة البعث.
وانشأ البعث اشخاصا استخدمهم في عهد الزعيم للقيام بعمليات اغتيال، فقد قام بعض المسلحين التابعين للحزب، الذين اصبح لهم شأن في مستقبله، باغتيال جلال الميقاتي قائد القوة الجوية اثناء اصطحابه لطفله الصغير، وكانت عملية اغتيال عبد الكريم قاسم من قبل صدام واخرين من اوائل عمليات الاغتيال التي شهدها العراق. فترعرع داخل الحزب اشخاص استخدموا للقيام باغتيالات وعمليات تخريبية.
هذه المجاميع اصبح لها تأثير بالغ الاهمية في مؤتمرات الحزب، وتمكنت في نهاية المطاف من الوصول الى مركز القرار في التنظيم. فالعسكريون استطاعوا، في عقدي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، من تبوء درجات مهمة داخل هذا الحزب. ومن ثم تمكن رجال الاغتيالات من الوصول الى مركز القرار البعثي. وبحسب هاني الفكيكي فان صدام كان، الى جانب "شقاوات" اخرين، بطل الانقلاب داخل حزب البعث في مؤتمر قطري عقد اواخر عام 1963، فكان له دور مؤثر في تغيير الهيكل القيادي له وطرد القيادات السابقين(2). والاهم من ذلك الدور الابرز الذي لعبه في الانقلاب على انقلاب 17 تموز 1968.
نما دمويو الحزب عام 1963، وسعوا الى انهاء سطوة سواهم داخله. ليتصارعوا بينهم في سبيعنيات القرن العشرين وينهشوا ببعضهم، فتساقطوا. وانفرد، في نهاية الطريق، الاكثر دهاء ودموية بينهم. وما كان احد من صانعي موت الستينيات والسبيعينات ليظن ان تكون نتيجة كل تلك الدماء ابتلاع صدام لكل الاخرين، الا ان ذلك كان سياقا طبيعيا للطريق الدموي الذي نهجه بعث العراق. ولم يكن نهج البعث، ايضا، الا في سياق "حتمية تاريخية" لحماقات الشيوعيين وادخالهم السلوك الراديكالي والاقصائي المؤدلج لواقع عراق القرن العشرين.
عند اي مقارنة بين الدولة في العهد الملكي والعهد الجمهوري فانا سنجدها في العهد الاول، مع ما فيه من ثغرات، تنطوي على قابليات كان يمكن لها تسهم بايجاد تكوين سياسي واجتماعي واقتصادي يساوي هذا البلد، على اقل تقدير، بالبلدان المجاورة له.
الدولة لم تكن تنطلق، في تلك الحقبة، من خلال دوافع ايدلوجية محددة، بل كانت اندفاعاتها وسياساتها ومنطلقاتها ذات توجهات سياسية، وان انحرفت عن ذلك فانها تنحرف لخدمة مصالح شخصية لهذا الطرف او ذاك. فلم تكن العقائدية او الاهداف الشمولية هي التي تدفع الحاكم، ولا كان ممكنا له ان يستخدم فكرة او عقيدة محددة في تنفيذ اجندته الخاصة. والدولة المكلية كانت، ايضا، تستخدم اليات ديمقراطية، ولو كانت في الكثير من الاحيان شكلية، لتناقل السلطة.
اهم الشخصيات الملكية كانت بدون شك شخصية نوري السعيد. لكن اهميته لم تجعله قادرا على الانفراد، دون ازعاجات حقيقية، بالسلطة. فهو رجل دولة، لا يؤمن بعقيدة يفني حياته من اجلها، هدفه ادارة البلاد. ولم يتمكن، بكل ما يتمتع من نفوذ، من التسلط بالمطلق على العراق. كان محاصرا بشيئ من الديمقراطية، غالبا ما منعته من خرق قواعد اللعبة بشكل علني. ومحيطه لا تنطوي عليه ادلجات الحاكم ليغلف بها هيمنته. لذلك كان يعالج الصيحات ضد حكومته بطرق سياسية وليس بشعارات ايدلوجية مبهمة النتائج.
فليس في دولة العهد الملكي قابليات لبروز طاغية مستبد، هناك مراكز تأثير متعددة تحول دون تحول الحاكم الى دكتاتور بالطريقة التي تحدث حال وجود حكومات ذات شعارات ايدلوجية. وهناك دستور ديمقراطي، نسبيا، يرفع اي شرعية عن السلوك الدكتاتوري. وهناك شعب لا يخشى ان يرفض سلوك الحكومة ويتظاهر، على الاقل، ضدها. وهناك احزاب تتنافس على ادارة البلاد. وهناك احساس بالانتماء للاسرة الدولية يجعل اصحاب القرار حذرين امام اي سلوك غير مقبول دوليا....
اما العهد الجمهوري، فهو قد بدأ على العكس تماما من سابقه، بتقليص مراكز التأثير وحصرها تدريجيا بالحكومة. واختفى الدستور الدائم تاركا مكانه لدستور مؤقت يقره الرئيس. وبدأ الشعب يخاف من السلطة ان تقمعه بطرق دموية ان فكر بطريقة تختلف عما تريد، فهي اضحت تتدخل بكل تفصيلات حياته. وغابت ايضا التعددية الحزبية ليكون هناك حزب واحد. وهناك توجه مستمر لاثارة المشاكل مع العالم الخارجي وعدم الاعتناء بالضوابط الدولية الموضوعة على سلوك الحكومات، دون التمييز بين الضوابط التي تنطلق من الميثاق الدولي لحقوق الانسان وبين الهيمنة التي تمارسها بعض الدول العظمى ضد حق الشعوب بالاستقلال على كل المستويات.....
الدولة في العهد الملكي لا تولد دكتاتورا مطلقا. في مقابل الدولة في العهد الجمهوري التي تنتج حتما طاغية. فصعود نموذج صدام اواخر الستينيات وانفراده بكل شيئ لاحقا شر ولد من زواج بين فوضى دموية واندفاعة راديكالية مؤدلجة لاحزاب السلطة والمعارضة. انه ثمرة بذور الشر التي زرعتها الايدلوجيا الثورية في رحم المجتمع ليفرز مستبدا مجرما، ويفقد قابليات رفضه.
من هنا فان الايدلوجيا الراديكالية حولت الانسان البسيط، الخام، والقابل للتفكير بمصيره بشكل سليم الى كائن آلي تحركه الشعارات ومنفعل بالعداوات والبغضاء الجمعية. الايدلوجيا اسهمت الى حد كبير في تنمية عقل جمعي تقوده باتجاه توسيع دائرة الاخر تحت مقولة "رجعي وتقدمي". فباتت التعددية ضربا من المستحيل.
بذلك استسلم المجتمع للخوف والانقياد، الخوف من ان يكون رجعيا، والانقياد بفعل تأثير شعارات الايدلوجيا. فبفعل تصنيف الناس الى رجعيين وتقدميين وملاحقة الرجعيين بقسوة انتشر الرعب من القسوة واضطر الجميع، مهما كانت قناعاتهم، الى السكوت. وبفعل تأثير الشعارات تحول الناس الى دمى بيد اصحاب المقولات العريضة والشعارات الايدلوجية. فمن يفلت من التأثر بايدلوجيا السلطة يقع فريسة الملاحقة والرعب. وهذا ما استثمره الدكتاتور.
انه وجد مجتمعا مثقلا بالخوف او الانقياد، فاستثمر كل ذلك ليؤسس لسلطانه ويعمق من استبداده. فوسع من خوف الناس، واستخدم الشعارات الايدلوجية لخدمة سلطته وتثبيت دعائم حكمه.
على هذا الاساس استطاعت سلطة صدام المبعثنة من تقويض ما تبقى من قابليات المجتمع على الرفض كرها بالظلم والطغيان، وانحسرت قابليات الايدلوجيات الاخرى على المنافسة بقوة. وعاد الرافضون لظلم الطاغية، همسا، الى الكوامن الدينية والمرجعيات القبلية للتعويض عن ضياع عصر الاستبداد وللتعبير، بمنأى عن عين الرقيب، عن القهر. وهو ما استفادت منه تيارات الاسلام السياسي، لاحقا.
فصدام خلق في البنية الاجتماعية، امعات، مخبرين، قتلة، مسحوقين، جوعى، عبيد، مشردين، رعاع. انه خلق كل قابليات الشر في العصر الحديث في وطن بات مجرد وهم لابنائه.
لهذا يفترض بجميع اولئك الناسين لما قام به الدكتاتور ويسعون الى تفضيله على ظلمات اليوم ان يتذكروا ان صدام كان غدة سرطانية زرعتها حماقات الايدلوجيا وعند استئصالها اتضح انها انتشرت في بدن هذا البلد المقهور.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رئيس كولومبيا يعلن قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ويعتب


.. -أفريكا إنتليجنس-: صفقة مرتقبة تحصل بموجبها إيران على اليورا




.. ما التكتيكات التي تستخدمها فصائل المقاومة عند استهداف مواقع


.. بمناسبة عيد العمال.. مظاهرات في باريس تندد بما وصفوها حرب ال




.. الدكتور المصري حسام موافي يثير الجدل بقبلة على يد محمد أبو ا