الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


(إذا كان بيت أبوك بيخرب، فالحق خد لك منه قالب)

أميرة أحمد عبد العزيز

2023 / 5 / 26
مواضيع وابحاث سياسية


لا أتوقع أن ثمة شخص يجرؤ الإفصاح بأن هذا المثل يحمل فكرة أخلاقية، ذلك لأنه شديد الوضوح والصراحة، لكن ببعض التغيير والمواربة في الكلمات والتفاصيل سنصل لنفس الفكرة بالكلمات والأفعال التي تبدو أكثر قبولا.
نحن نعيش واقع اقتصادي ظالما وصعبا؛ ويزيد الحياة كل يوم اختناقا بما يزيد الناس يوما بعد يوم فقرا واحتياجا. وفي مصر نعلم أن سوء الأحوال الاقتصادية ليس سببها الأساسي هو الأزمات العالمية بقدر ما هي إدارة مستبدة لصالح أقلية من رجال أعمال ومستثمرين أجانب وعسكريين وكبار موظفين ومن اتباعهم، وهي أيضا التبعية الاقتصادية للخواجات الأمريكان.
في ظل ما سبق نجد مواطنين يتحايلون لتحقيق مكسبا ماليا من (جيب) الدولة، وهنا قد نقبل ونتقبل ذلك ولا نجد في الأمر غضاضة، فلا تعني لنا كلمة مال دولة سوي مال الشعب المنهوب.
إن الحالة الاقتصادية جعلتنا نشعر أن التحايل مقبول تحت قاعدة يلخصها هذا المثل (إذا كان بيت أبوك بيخرب إلحق خد لك منه قالب) وذلك دون إدراك واعي منا لذلك.
صدقا، إذا كان هذا يحل الموقف فلا بأس، فلو أن الناس يتحايلون لكسب الرزق حين تسد وتوصد الأبواب في وجوههم، فهل علينا أن نرفض طريقتهم وأسلوبهم لحل بعض من معاناتهم التي تسبب فيها حاكميهم؟ وهل لنا الحق في القبول أو الرفض!
لكن ما يحدث وهو صناعة الاستبداد والاستعمار وتصنعه الرأسمالية والفردية بنا، يهدم في إنسانيتنا بوعي ودون وعي منا، وهو بذلك يهدم في نتاج حضارة الإنسانية، يهدم المشاعر الوطنية والأسرية والدينية، فنصبح كالقطط التي سوف يأتي اليوم التي تتنكر لأولادها إن زحموها رزقها، وسنأكل بعضنا البعض، ذلك ما انتبه ونبه له الفيلسوف الألماني (كارل ماركس) وأشار إليه في البيان الشيوعي في حديثه عن البرجوازية والرأسمالية.
إن كانت المشكلة هي التناقض بين احتياجاتنا وبين إمكانيات تحقيقها، وإن كانت احتياجاتنا هذه اليوم قد وصلت إلى فقط ما يساوي حفظ (الحد الأدنى) من إنسانيتنا، وإن كان سبب عدم إشباعها ليس عدم وجود الإمكانيات بل حجبها عنا بالاستبداد والنهب، فإذن الحل واضح، وهو استعادة الإمكانيات المنهوبة، وتكون المشكلة هي كيف نستعيدها؟ كيف نستعيد المسلوب ونحفظ إنسانيتنا التي تسلب يوميا بالذل والمهانة والتكيف الذي لا يناسب إلا الحيوانات؟
والجواب بقدر ما هو بسيط بقدر ما هو معقد، هذا وذاك هو الثورة.

تكمن المشكلة حول قلق الناس من الثورة، فهم من ناحية يخشون ألا تزيد الثورة سوي من حجم معاناتهم، فهم يعيشون معيشة ضنكا، مظلومين ومقهورين ومستعبدين، ولكن الثورة تعني مقاومة الاستبداد ومواجهة الموت –لا احتماله- ومعاناة وابتلاء من الخوف وتقبل إمكانية الجوع ونقص في الأموال والأنفس، وذلك حتى تنتصر الثورة –إن انتصرت- وهنا أذكر نفسي وأياكم بآيتين من سورة الأعراف في حديث بين بني إسرائيل وسيدنا موسي عليه أفضل الصلاة والسلام:
﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ۝ قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ۝﴾ الأعراف، آية 128، وآية 129

أما عن الخوف من الفشل فأذكر قول الدكتور عصمت سيف الدولة:
(إذا كنا قد فشلنا فمن قبلنا فشلت شعوب كثيرة قبل أن تتعلم كيف تتقدم. وإذا كنا نريد أن ننجح فمن قبلنا نجحت شعوب كثيرة فتقدمت. ثم أنه لا حيلة لنا – مثل كل الشعوب – في حتمية التقدم. إن اليأس أو التراجع لن ينهي مشكلاتنا الاجتماعية. نحن نهرب وتظل هي قائمة إلى أن تضيق بنا، أو بأبنائنا، الحياة في المهرب، فنضطر أو يضطرون إلى العودة لمواجهة ذات المشكلات بعد أن تكون قد أصبحت أكثر تعقيدًا) "الإسلوب"، نظرية الثورة العربية.

ومن ناحية ثانية، فكثيرون هم هؤلاء الذين لا يتقبلون تحمل معاناة ثورة ولو تأكدوا من نجاحها، فلا يقبل الكثير جدا منا بفكرة أنه قد يموت ولن يري ثمرة النجاح الذي شارك فيه بغرس سنبلة يأخذ ثمارها من بعده ولو كان ذي قربي، الفردية إذن لا تتحمل التضحية، تلك الفردية التي تناقض روح الإسلام الذي يمثل الهيكل الحضاري لأمتنا العربية -كما وصفه الدكتور عصمت سيف الدولة- وعليه نتذكر قول الرسول والنبي الأمي محمد صلي الله عليه وسلم:
((إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل)) رواه أحمد

والثالثة، هي كيف نصنع ثورة بشكل علمي بحيث تحمل مقاومات النجاح؟ حتى يحسن القول عنا بأننا نتوكل على الله ولا نتواكل.
وبالطبع -كما تعلمنا- فإن الثورة ليست كلمة تقال بل فكر وعمل، ولا تحدث إلا أن توافر لها الواقع الموضوعي لحدوثها، ولكن قبل ذلك ولكي نفكر علميا، علينا السؤال عما هي الإمكانيات المسلوبة؟ وما هي احتياجاتنا؟ ومن هنا نحدد غايتنا؟ ثم يأتي الحديث عن الحل والأسلوب.
مبدأيا، لمن يقرر قراءة وافية ومعرفة عميقة عن هذا الموضوع، عليه أن يقرأ مجموعة (نظرية الثورة العربية) للفيلسوف العربي الدكتور (عصمت سيف الدولة) والتي تشمل المنهج والمنطلقات والغايات والأسلوب والطريق.
إن السؤال عن الاحتياجات يبدو أبسط الأسئلة، فواقعنا معبر بوضوح عن مشكلة الاحتياجات الأساسية (من طعام وشراب ومسكن وتعليم)، منا لا يجدها تقريبا ومنا من يعيش على القليل منها، ويحيي أغلبنا فزعا كل يوم خشية فقدانه ما يعول عليه لتحقيق (الحد الأدنى) والممكن لديه بشكل فردي من هذه الاحتياجات، فكلنا مهددون بالضياع في هذا الواقع، ومن منا من يعيش هذا الضياع علي أكمل وجه، وأكثرنا يتحرك نحوه بخطي ثابتة.
إننا نريد التحرر من الخوف من تأمين الاحتياجات الأساسية حتى نستطيع أن نأمل في غد مشرق بحريتنا ونأمل في التطور مثل أمم أخري. وهنا يكون سؤال آخر، من نحن هؤلاء المسلوبين؟ هل نحن المصريين، والواقع الذي يمثلنا هنا هو مصر وإمكانياتها المسلوبة؟!
لا، بل إن نحن أبناء الوطن العربي من المحيط إلي الخليج، نحن الشعب العربي، والإمكانيات المنهوبة استبدادا واستغلالا من الأقلية وعلي إيدي مستعمرين خواجات وعلي إيدي الصهاينة صانعي الكيان الصهيوني، وعلي إيدي الإقليميين وبيد التجزئة التي جزأتنا دولا ونحن أمة واحدة نستحق أن تكون لنا دولتنا الواحدة، تلك الإمكانيات يجب على الشعب العربي استرداداها لتصبح إمكانيات وموارد الوطن العربي متاحة لتحقيق الاحتياجات الأساسية والاحتياجات المتجددة أبدا للشعب العربي، ولتصبح ممهدة له لتحقيق حريته ولغاية التطور، التطور الذي يتحقق علي عكس الواقع المفروض علينا.
نستطيع أن نتطور ونحقق احتياجات الشعب كله أو –أغلبه– ونقول أغلبه باعتبار أن البعض منا يريد تحقيق احتياجاته الفردية بنزع الأغلبية احتياجاتهم الأساسية، ويستطيع الشعب العربي أن يحقق احتياجاته عن طريق سيطرته على إمكانيات وموارد أمته عن طريق دولته الديمقراطية دون استبداد فرد أو أقلية عسكرية أو ملكية أو أقلية برلمانية أو أقلية من رجال أعمال أو ما شابه، ويكون هذا بتأميم وسائل الإنتاج الأساسية والتخطيط الشامل لتوجيه الاقتصاد نحو تحقيق احتياجات الشعب، نريد أن نحقق هذا النظام:
(النظام الذي يوظف به الشعب كل إمكانياته البشرية والمادية المتاحة في تنفيذ الحلول التي اكتشفها ديموقراطيًا لمشكلاته الاجتماعية) عصمت سيف الدولة، "الغايات"، نظرية الثورة العربية.

ولكن كيف نستطيع أن نظفر بإمكانيات أمتنا لتوظيفها لتحقيق إحتياجاتنا؟! كيف نخطط لما ليس بأيدينا؟! وكيف نؤمم الأساسي منها؟! وكيف نحدد ما هو أساسي؟
أننا بحاجة أولا أن نوحد أمتنا في دولة واحدة لنعرف بالجدل الاجتماعي -الذي هو أسلوب المجتمعات المتحررة لتحقيق احتياجاتها وتطورها- كل هذا، وأمتنا هذه مجزئة ومنهوبة ومستبد بها ومستعمرة وتابعة، فما هو المخرج من هذا؟
المخرج هو الثورة، الثورة كما عرفها الدكتور عصمت سيف الدولة:
(تغيير النظام في المجتمع على وجه يحقق إرادة الشعب، أو أغلبه، من غير الطريق الذي يرسمه النظام القانوني السائد فيه) "الإسلوب، نظرية الثورة العربية.

لا ثورة إقليمية بل ثورة عربية واحدة، ثورة الشعب العربي كله من أجل تحرير الوطن العربي من الاستعمار والكيان الصهيوني والاستغلال والاستبداد والتبعية والتجزئة، ثورة على طريق الحرية، وهذا طريق صعب وشاق ولكنه حتمي للنجاة بإنسانيتنا وتحقيق حرية إنسانية.
الثورة هي الحل الإنساني، والا سيخرب البيت ولن تبني الطوبة بيتك، بعكس الثورة فأننا نسير على خطي الداروينية الخاطئة، وعلى عكس الطريق الإنساني، إن الله سبحانه وتعالي خلقنا بشر وفي أحسن تقويم وجعل لنا المنهاج الإنساني الذي علينا اتباعه لنستحق خلافة الأرض، وإلا صرنا في أسفل سافلين وبعدنا عن الطريق القويم وإنسانيتنا القويمة واخترنا الضياع.
واختم بقول الله سبحانه وتعالي من سورة التين:
﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ۝ثُمَّ رَدَدۡنَٰهُ أَسۡفَلَ سَٰفِلِينَ ۝ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ۝﴾ سورة التين، آيات 4،5،6.
وآيات سورة العصر:
﴿ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ۝ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ۝﴾ سورة العصر، الآية 2، الآية 3.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما ردود الفعل في إيران عن سماع دوي انفجارات في أصفهان وتبريز


.. الولايات المتحدة: معركة سياسية على الحدود




.. تذكرة عودة- فوكوفار 1991


.. انتخابات تشريعية في الهند تستمر على مدى 6 أسابيع




.. مشاهد مروعة للدمار الذي أحدثته الفيضانات من الخليج الى باكست