الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


رواية برلين 69 لصنع الله إبراهيم أو توثيق تاريخي لذبذبات مجتمع يعيش غربيا بمبادئ شرقية.

عزيز باكوش
إعلامي من المغرب

(Bakouch Azziz)

2023 / 10 / 30
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات


أذكر جيدا أنني اقتنيتها عاشقا ب 25 جنيه من أحد باعة الكتب المستعملة بجسر معلق غير بعيد عن محطة مترو الأنفاق بمنطقة المعادي بالمحروسة القاهرة خريف 2021. لكني لم أشرع في قراءتها لأسباب تتعلق بالمزاج إلا بعد عودتي إلى المغرب نونبر قبل الماضي، على أن إتمام قراءة فصولها الرواية كاملة، كان ما بين رحلة جوية طويلة تربط بين الدار البيضاء ومونتريال. وتحديدا بمقر إقامتي في شارع هكتور في "روزمير" بالديار الكندية.
وبذلك تكون رائعة "برلين 69" للروائي المصري الكبير صنع الله إبراهيم، قد طافت ماتعة وممتعة في خيالي عبر قارتين وثلاث دول. كانت الكتب المعروضة للبيع بمكتبة على الهواء الطلق محصورة في زاوية حادة من الجسر الحديدي، ينعطف مباشرة نحو سلالم النزول صوب سوق للخضر ومنه إلى شارع كورنيش المعادي. متفاوتة الجودة شكلا ومضمونا، مبعثرة ومرتبة لكن بغير ذوق. أما البائع فكان شيخا ستينيا ببديهة يقظة، يتماهى في أن يكون كتابا مصريا مفتوحا على الآفاق، وذاكرة مشحونة بالعلامات والخيبات محطة عبور بملامح قاسية وتحول مشوب بالهزات والنكبات من حقبة تاريخية لأخرى.

كان الرجل يتمتم في نفسه غارقا في صلواته، ويهز ساقيه المعظمتين ليختبر حيويتهما. كانت أنشوطة ذيل عجول لا تفارقه، ينش بها الغبار المتطاير فوق أغلفة الكتب بين الفينة والأخرى. كان كل ما في مكتبته العارية من كتب وكتاب يحفظ أسماءهم وعناوينها وقيمتها الأدبية والفكرية في سوق التداول المكتبي. كما في دنيا الثقافة والفكر عن ظهر قلب، كانت عيناه غائرتين ووجهه بملامح فرعونية، فيما السماء شمسها حمام تغتسل بطقسه الكائنات

كتب صنع الله إبراهيم رواية "برلين 69 " عام 1969 وفيها يتطرق بأسلوب صحفي سلس كثيف الدلالة، مشحون بالمعنى، مفعم بالسرد المأساوي الماتع اللذيذ في نفس الآن مقاربا واقع الحياة المدنية في ألمانيا خلال مرحلة الانقسام، وبناء سور برلين الذي يشطر الدولة الجرمانية إلى نصفين، إحداهما غربي والآخر شرقي، في توسيم سياسي صارخ عقب نهاية الحرب العالمية، سور يكرس الصراع الإيديولوجي بين الرأسمالية الغرب والاشتراكية الاتحاد السوفياتي سابقا. ثمة آثار دامية مخيبة للآمال للعدوان الإسرائيلي على دول الشرق الأوسط والعرب كافة في روايته.

على ظهر غلاف الرواية المنشورة سنة 2014 الصادرة عن دار الثقافة في 251 صفحة نقرأ " ليس من الصعب معرفة ما كان يدور في أذهان الشبان المصريين الذين ابتلعتهم مياه البحر الأبيض المتوسط طوال سنوات التسعينات من القرن الماضي والعشر الأول من القرن الجديد، أثناء محاولة التسلل إلى البلاد الاخرى، فلن يتعدى الحلم بالعمل والسكن والحياة الكريمة، لكن الأمر لم يكن كذلك في عام 1969 رغم الآثار التي تركها العدوان الإسرائيلي قبل عامين، في عام 1969 احتفلت المانيا الشرقية بمرور عشرين عاما على إنشائها، وكانت مصر في ذروة حرب الاستنزاف وعلى وشك أن تفقد جمال عبد الناصر." كما يرصد الكاتب فارقا آخر" هو أن الخروج من مصر في الستينيات، كان شديد الصعوبة على عكس الدخول إلى البلدان الأخرى. ثم تبدل الحال إلى النقيض في التسعينيات "
ما كان يدور في رأس صادق الحلواتي - وهو في الجو وليس الماء، لم يكن حلما بالعمل والسكن والحياة الكريمة . فهو يشغل عملا محترما في مكتب القاهرة لوكالة الأنباء الألمانية ويقيم في شقة مفروشة بحي الزمالك. وإنما كان حلما ثقافيا. ولا نقصد بذلك ما يقبع بين أغلفة الكتب وجدران الجامعات. بل في الحياة المدنية والشكل الاجتماعي للفرد المواطن وهو سيتضح بعد قراءة فصول الرواية

فما وقع لصادق الحلواتي منذ أن حط بمطار شونفيلد في برلين الشرقية مع الفجر وحواره مع ضابط أمن المطار الذي فتح ملف بحث دقيق متأن ومطول، وشروع قلبه في الدق أمام شاشات لا يراها من مكانه. نرحل كقراء متلصصين عن مآلات رجل مصري لا يعرف الألمانية. وجاء ليعمل صحفيا في وكالة الأنباء الألمانية القسم العربي في أول رحلة خارج مصر. في إحدى البلدان الاشتراكية. المكان الذي شهد أحداثا مدمرة قبل عشرين سنة. وعندما دخل صالة التحرير الأقسام الأجنبية لأول مرة وجد نفسه وسط العديد من صاحبات الشعر الأشقر والأسود أيضا، اللاتي تطلعن إليه في فضول. وكان القسم العربي في نهاية الصالة يفصله جدار رقيق من الخشب عن بقية الأقسام. وبه ممثلتان للثقافة إحداهما شقراء باسمة الوجه "تعرج قليلا" والثانية بضة ممتلئة بشعر أسود. والاثنتان جالستان امام جهازي التيليبرينتر تستقبلان الأخبار بالإنجليزية والألمانية وترسلانها بالعربية التي لا تعرفانها "ص10

يصف الكاتب استقباله من طرف رئيس القسم نويمان الذي قدمه إلى أعضاء الفريق الذين تلقوه بتحفظ ووجوم. ليلج إلى المجتمع الألماني من خلال نويمان، لانز بيرنبك وزوجته، فراو إيلين، كاتيا، الأرملة فراو فرويليش، وأنجمار المرأة التي أحبته بصدق، وريناتا وهايدي، وغيرهم، ومن العرب ثلاثة عراقيين إثنان من الأكراد، لا يتبادلان الكلام. أحدهما برزاني والثاني طلباني. أما العراقي الثالث فعربي ضئيل الحجم مكتئب الوجه شديد الانطواء والرابع لا ألماني ولا عربي وإنما من أب عربي وأم ألمانية يدعى قادر ثم الخبير" بيرنبك" للوهلة الأولى، سنتعرف عن المهمة التي ينتدب صالح الحلواني لتنفيذها في القسم العربي وهي ترجمة الأنباء من الألمانية إلى العربية. ولم يكن المطلوب منه الترجمة فحسب، وإنما التحرير أيضا. وبعبارة أخرى، التأكد من سلامة الصياغة باللغة العربية. هذه المهمة التي ستفرمل قليلا التفاعل الأدبي مع محيطه. وقد بدأ على الفور بترجمة أنباء الاعتداءات الإسرائيلية على الأردن والهجوم الشامل لثوار فيتنام الجنوبية واحتفالات القاهرة بعيدها الألفي. حيث بلغ عدد سكانها قرابة الخمسة ملايين " اليوم تقارب الثلاثين مليونا" من أصل ثلاثة وثلاثين مليونا هم ساكنة مصر في تلك الحقبة. اليوم" تقارب 110 مليون نسمة. على أن معاناة الألمان بعد بناء سور برلين، ومقاربة الكاتب لحياة الصحفيين العرب والأكراد الذين ذهبوا للعمل في وكالة الأنباء الألمانية كمحررين عرب، مقاربة استقصائية أنتروبولوجية بعين الخبير الإعلامي العربي ظلت حاضرة على نحو من البوليميك والسخرية تارة والتفاعل الصادق والموضوعي تارة أخرى.

وغير بعيد عن رصد ملامح للسيرة الذاتية للكاتب صنع الله إبراهيم. فإن سيرة الفضاء والمكان حاضرة بقوة في فترة تاريخية حساسة تتسم بتراشق إيديولوجي بين الشرق والغرب من خلال الألمانيتين الذي يفصلهما حائط عنصري. تراشق لم يتردد الكاتب ذي المرجعية الاشتراكية اليسارية في انتقاده. " فإن هذا الانتماء لم يمنعه من انتقاد نظام لا يحترم حريةَ الفرد وحقوقه، ويسلبه إرادته السياسية. "

وبسرده لتفاصيل دقيقة من حياة الناس في الجهة الشرقية الاشتراكية من ألمانيا، سيجعلنا نكتشف عمق التناقض في المعيش اليومي ما بين قيم وتطلعات الاشتراكية، وبروز مظاهر الرأسمالية المتوحشة كنمط للعيش. لتشكل الرواية بذلك منعطفا فارقا في التاريخ كما الجغرافيا. توثيق تاريخي لذبذبات مجتمع يعيش غربيا بمبادئ شرقية. تفاصيل الحياة في المدينة بشوارعها وفنادقها المهملة وحاناتها الزاخرة بالأجساد المعروضة ببضع قنينات من البيرة أو سجائر شقراء. إنها عين مصرية ذكية ترصد الكثير من الموبقات في العلاقات الاجتماعية المتشابكة بين الأجناس تتماهى مع الكثير منها تحذوها رغبة جامحة في تحقيق أحلام وتطلعات ذات أبعاد ثقافية والاستمتاع بنزوات عاطفية رضائية دون رقابة مع نساء ألمانيا."

وصنع الله إبراهيم "روائي مصري يميل إلى الفكر اليساري ومن الكتاب المثيرين للجدل لا سيما بعد رفضه استلام جائزة الرواية العربية عام 2003 والتي يمنحها المجلس الأعلى للثقافة. له 44 مؤلفا. سُجن أكثر من خمس سنوات من 1959 إلى 1964 وذلك في سياق حملة شنّها جمال عبد الناصر ضدّ اليسار. تتميز أعمال صنع الله إبراهيم الأدبية بصلتها الوثيقة التشابك مع سيرته من جهة، ومع تاريخ مصر السياسي من جهة أخرى. من أشهر روايات صنع الله إبراهيم رواية "اللجنة" التي نشرت عام 1981، وهي هجاء ساخر لسياسة الانفتاح التي انتهجت في عهد السادات. الحرب الأهلية اللبنانية في روايته "بيروت بيروت" الصادرة سنة 1984. اختيرت روايته شرف كثالث أفضل رواية عربية حسب تصنيف اتحاد الكتاب العرب حصل صنع الله إبراهيم على جائزة ابن رشد للفكر الحر عام 2004.
من أعماله : رواياته: اللجنة نجمة أغسطس بيروت بيروت ذات شرف وردة أمريكانلي التلصص العمامة والقبعة القانون الفرنسي الجليد قصصه القصيرة: تلك الرائحة بالإضافة إلى سيرته الذاتية مذكرات سجن الواحات. يعد صنع الله ابراهيم أحد أكبر الروائيين المصريين الذين يتمكنون من السرد والحكي. ونقتبس هنا أهم ما كتب حول رواية " برلين 69 " الصادرة في 2014، رواية تهتم بتفاصيل الحياة الشخصية والعامة للشخوص التي تسكن عاصمة ألمانيا الديمقراطية، تصوير الجمهورية الديمقراطية بأسلوب نقدي كاريكاتوري، فالشيوعي القديم وعضو التنظيمات اليسارية وناقد الإمبريالية الدائم، يوجه سهام النقد اللاذع إلى تقاليد المدينة الاشتراكية، وما تفرضه من قيود اجتماعية وفكرية وثقافية على أفراد الشعب، إلى جانب العزلة الثقافية التي تفرضها العداءات بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي خلال الحرب الباردة."








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بايدن وترامب يكثفان الاستعداد للمناظرة الرئاسية الأولى | #أم


.. هل تراجع نتنياهو عن تصريحاته أم أنه يتحدث بلغتين للجمهور الد




.. طفل نازح يصطاد -جمامة- لإطعام أفراد عائلته في مخيم النصيرات


.. ومضات البرق تضيء سماء جنوب ولاية مين الأمريكية أثناء مراقبة




.. حرب السودان.. مليون ومائة ألف لاجئ معظمهم من دارفور استقروا