الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إشكالية التعامل مع تراثنا العربي الإسلامي

عزالدين معزًة

2023 / 11 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


هذا المقال يتناول إشكالية التراث العربي الإسلامي باعتبارها إشكالية محورية لم يتم تجاوزها بعد في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة. ولأن الأمر كذلك، فسنتوجه باهتمامنا إلى رصد أهم التيارات الفكرية الحديثة والمعاصرة، لتحديد مواقفها المتعارضة من موروثنا الثقافي من جهة، والثقافة الغربية الوافدة من جهة ثانية، وهذا وفق رؤية نقدية فاحصة.
يشـمل الـتراث الأمـور الماديـة والمعنويـة " اللامادي "، فهـو يشـمل كـل مـا خلفتـه لنـا الأجيـال السـابقة في مختلـف الميـادين الفكريـة والأثريـة ً والمعماريـة في الأرض الـتي نحيـا عليهـا، ومـا أنشـئ علـى هـذه الأرض منذ قرون عديدة متمـثلا من معالم وآثار، وما حفظ في داخلها من خيرات، وما ابتدعه عقل الأمـة مـن مبتكرات وما ســجله مــن رســوم، ومــا خط مبتكــرات، ومــا صــنفه مــن تــآليف، و منــاهج، ورسمــه مــن ســبل، ونظمــه مــن مســالك وطــرق، وآثــار ذلــك كلــه في أخلاق الأمة وعاداتها وأنماط عيشها وسلوكها وتقاليدها.
الموقف من التراث العربي الإسلامي هو في جلية الأمر موقف مما يجب أن يكون عليه الحاضر والمستقبل لذلك سيظل مثارا للجدل طالما اختلفنا في الحلول المفترضة لقضايا الراهن. قضايا عقدية وتراثية فُسرت تفسيرا خاطئا.
أصحاب الفكر العربي المعاصر على اختلاف مقارباتهم يصادرون على أنّ الفكر الإسلامي بجميع أطيافه كان ينطلق في بناء أصوله المعرفية ومواقفه العلمية من منطلقات سياسية لم يراع فيها المنطق الديني أو المعرفي، فالآراء التي قررت فيه هي في حقيقتها كانت آراء سياسية عُبر عنها بلغة دينية، وكذلك الحال في ظاهرة الفرق المنقسمة في الفكر الإسلامي. فهي في الحقيقة أحزاب سياسية تتصارع فيما بينها على السياسة ولكنها غلّبت الطابع الديني.أو احتمت بالدين وجعلته في خدمتها لتحقيق مصالحها السياسية ، بل كان يجب ان يكون العكس هو السليم ، ظهر نواة ذلك في مؤتمر السقيفة بعد التحاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى ، ولكن المسلمون في ذلك المؤتمر استطاعوا تجاوز خلافاتهم السياسية لتعود بقوة بعد اغتيال الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وأتت على الأخضر واليابس في معركة صفين ، وبوصول معاوية بن ابي سفيان رضي الله عنه لراس السلطة ، اصبح الدين في خدمة الحكم وليس العكس ، ومنذ تلك الفترة ظهر ما يسمى بالإسلام السياسي الذي ما زال مستمرا معنا إلى زمننا هذا ، رغم ما خلفه من مآسي للآمة العربية الإسلامية .
ومن وجهة النّظر هذه فقد كانت القضايا العلمية والدينية والفقهية التي خاض فيها الفكر الإسلامي أول نشأته بدافع سياسي والمنطق الذي كان يحكمها ويوجهها منطق سياسي أيضا. وهذا ما يقصده بالتفسير السياسي في تفكيرهم محاولا أن يجعل هذا التحديد أرضية مشتركة للفهم يتقاسمها مع القارئ. ومنجز الخطاب العقدي التراثي برمّته وفق هذا التفسير السياسي تجسيد لمواقف من السلطة الحاكمة موالاة أو معارضةً. فقد كانت المبادئ العلمية والأصول المعرفية والفقهية عنده تصاغ بما يتوافق مع رغبة الحاكم ومصلحته أو نزعاته النفسية أو ما يناقضها إن كان الفقيه مخالفا لمؤسسة الحكم. فتخضع للمؤثرات المادية والخارجية أكثر من الحاجات الروحية المستمدة من جوهر الدّين.
ولتأثير السياسي تاريخ وفق المثقفون العرب المعاصرين. وحجتهم اتهام المعتزلة لمعاوية بكونه أول من قال بالجبر ليجعله عذرا لما يتخذ من الخيارات. ويمتدّ هذا التاريخ حتى العصور الراهنة لمّا اتهم المستشرقون أئمة الحديث والفقه بكونهم عملاء للسلطة الحاكمة يضعون الأحاديث والأحكام الفقهية بما يتوافق مع رغباتها. فمحمد عابد الجابري مثلا يصادر على أن عدم أخذ المعطى السياسي بعين الاعتبار في قراءة القضايا العقدية يجعل النتائج مضللة. أما حسن حنفي فيجعل التراث تراثين: "تراث السلطة وتراث المعارضة، تراث الدولة وتراث الشعب، الثقافة الرسمية والثقافة المضادة". والقانون نفسه يسري على مواقف نصر حامد أبو زيد وأدونيس ومحمد سعيد عشماوي وغيرهم. ويردّ هذا النفس "التسطيحي" إلى "الروح المادية الطاغية على المفكرين العرب من ذوي الاتجاه العلماني". ويجد وراء هذا النمط من التفسير قدحا غير مباشر في الحقائق العقدية التي يقررها أئمة السلف وتقويضا لصدقها.
تسود هذا الفكر المعاصر قناعة بأن مفهوم أهل السنة والجماعة قد تم تسييسه واحتكاره احتكارا إيديولوجيا لا يستند إلى أساس ديني. فيذهب محمد أركون مثلا إلى أنّ "السنة استطاعوا أن يفرضوا وجهة نظرهم ويحتكروا فكرة الإسلام الصحيح لأنهم كانوا مدعومين من قبل السلطة (الأموية فالعباسية فالسلجوقية فالعثمانية)، لقد نجح السنة عن طريق القوة السياسية في فرض مذهبهم أو وجهة نظرهم."
كيف يمكن لنا أن نتعامل مع تراثنا العربي الإسلامي؟ هل نرفضه جملة وتفصيلا ونلغيه ونقطع مع الماضي؟ أم ماذا؟
أسئلة يجيب عنها الجابري بثقة ووضوح، يقول: «لا يمكن تبني التراث ككل لأنه ينتمي إلى الماضي، وبالمثل لا يمكن رفض التراث ككل للسبب نفسه». فالتراث خزان للأفكار والرؤى والتصورات تأخذ منه الأمة ما يفيدها في حاضرها أو ما هو قابل لأن يعين على الحركة والتقدم. لا بد إذن من الاختيار، ومعيار الاختيار هو دائما اهتمامات الحاضر وتطلعات المستقبل. «لابد من نظرة نقدية واعية للتراث، فلا يجوز مثلا أن ننقل صراعات الماضي إلى الحاضر. إن الصراعات الفقهية والكلامية والفلسفية كانت لها مبرراتها في الماضي، ومن الغفلة نقلها إلى الحاضر» يقول الجابري في كتابه “التراث و الحداثة “:
« فالفكر الأشعري والفكر المعتزلي والفكر الشيعي والفكر الصوفي والفكر الفلسفي…كل ذلك يجب أن نتقبله كتراث من الجميع وإلى الجميع. ولذلك فلا معنى للتشبث في الوقت الحاضر باتجاه من هذه الاتجاهات أو مذهب من هذه المذاهب وكأنه الممثل الحقيقي للتراث».
ومن هنا ضرورة إعادة قراءة التراث برؤية جديدة، رؤية شمولية، بغية البحث فيه عن الأجوبة لكثير من الأسئلة التي يطرحها علينا واقعنا الراهن ومستقبلنا المنشود. وهو الأمر الذي دفع الجابري-في مجمل أعماله-إلى انجاز رؤية جديدة للتراث، رؤية تقودنا إلى فهم التراث في تاريخيته أولا، ومن أجل استثماره في إيجاد موقف من القضايا الفكرية الراهنة.
من أجل هذا كان البديل الذي يقترحه صاحب “نقد العقل العربي” هو سلوك قراءة عصرية للتراث تقوم على جعل التراث معاصرا لنفسه، على صعيد الإشكالية النظرية والمحتوى المعرفي والمضمون الإيديولوجي، الشيء الذي يتطلب معالجته في محيطه الخاص، المعرفي والاجتماعي والتاريخي. وهو الأمر الذي يقتضي فصله عنا. وفي الوقت نفسه جعله معاصرا لنا بنقله إلينا ليكون موضوعا قابلا لأن نمارس فيه وبواسطته عقلانية تنتمي إلى عصرنا.
التعامل النقدي العقلاني مع التراث:
إن طريق النهضة العربية يجب أن يمر من الانتظام في تراث، تراثنا نحن لا تراث غيرنا، فالشعوب لا تحقق نهضتها بالانتظام في تراث غيرها، بل بالانتظام في تراثها «إن جميع النهضات التي نعرف تفاصيل عنها قد عبرت إيديولوجيا، عن بداية انطلاقها بالدعوة إلى الانتظام في تراث، وبالضبط إلى الأصول، لكن لا بوصفها كانت أساس نهضة مضت يجب بعثها كما كانت، بل من أجل الارتكاز عليها في نقد الحاضر ونقد الماضي القريب، الملتصق به المنتج له المسؤول عنه، والقفز إلى المستقبل» يسجل الجابري في كتابه إشكاليات الفكر العربي المعاصر.
وهنا يضرب فيلسوف المغرب مثلا بمعطيات النهضة العربية الأولى التي حققها الإسلام عند ظهوره أول مرة في جزيرة العرب وملابسات النهضة الأوروبية الحديثة. وفي هذا الإطار يبرز كيف أن العملية النهضوية تتم في الظروف الطبيعية عبر الصراع بين قوى التجديد وقوى المحافظة والتقليد اللتين يفرزهما التطور العام للمجتمع. «لقد انطلقت كل منهما من الانتظام في تراث، هو تراثها الخاص أو ما تعتقده أنه كذلك، ولكن لا لتقف عنده جامدة راكدة بل لتتكئ عليه في عملية التجاوز النهضوية، تجاوز الماضي والحاضر عن طريق امتلاكهما وتصفية الحساب معهما في الوقت نفسه، والانشداد بالتالي إلى المستقبل في توازن و اتزان ودونما قلق أو ضياع أو خوف من تشوه الهوية أو فقدان الأصالة أو ذوبان الخصوصية».
لنختم بالقول إن الحاجة تدعو-بحسب المفكر محمد عابد الجابري- إلى ممارسة العقلانية النقدية في تراثنا وبالمعطيات المنهجية لعصرنا، وبهذه الممارسة وحدها، يمكن أن نزرع في ثقافتنا الراهنة روحا نقدية جديدة وعقلانية مطابقة.
لقد فشل العرب المسلمون في التعامل مع تراثهم ، وهو يعيشون الآن تخلفا وانحطاطا في جميع الميادين ، حيث فشلوا في إقامة أنظمة حكم عادلة وقادرة على النهوض بالأمة ، كما انهزموا في جميع الميادين ، ولم يقدموا أي شيء للعالم المعاصر ، وظلوا يقتاتون على فتات العالم المتقدم ، يفسر هذا الفشل سيكولوجية انكفاء العرب حول ماضيهم وسوء تعاملهم مع تراثهم المادي والمعنوي ، ومن المضحكات المبكيات أنهم وجدوا ضالتهم في اسطورة الاعجاز العلمي في القرآن الكريم التي تجعلهم سباقين إلى النظريات العلمية ، إذ أشار اليها القرآن حسب زعمهم قبل ظهور العلوم الحديثة في الغرب واكتشافها لها ، وهكذا اصبح الغرب المتقدم هو التابع واصبح المسلمون في حكم الريادة للعلوم العصرية ، دون ان يكون لذلك أي اثر يذكر على ارض الواقع إلا في احلامهم وخرافاتهم .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -كوب28-.. هل يتجاوز العالم الخلافات السياسية من أجل المناخ؟


.. طوابير شراء السكر تثير غضب المصريين • فرانس 24 / FRANCE 24




.. قصف إسرائيلي مكثف وخصوصا على مدينة رفح .. صحفي من غزة يصف ال


.. -كارثة إنسانية هائلة- في قطاع غزة.. ماذا بعد انتهاء الهدنة؟




.. بعد هجوم القدس.. نتانياهو يجدد تعهده بالقضاء على حماس