الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ناقوس الخطر: اختزال التمثيل والعدو المطلق للجيوثقافية الغربية.. وحرب غزة

حاتم الجوهرى
(Hatem Elgoharey)

2023 / 12 / 8
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني


هناك طريقة جيوثقافية تتحرك بها العقلية الغربية تجاه الآخرين؛ تقوم على اختزال التمثيل ووضع الجماعات البشرية برمتها في أنماط تعميمية، لكي تبرر لنفسها ما تقوم به تجاههم، وفي هذه المقالة سنعرض "النمط العلمي" لاختزال البشر والجماعات البشرية كما يحدث الآن مع العرب والفلسطينيين في حرب غزة، تحذيرا من الأسوأ الذي لم يأت بعد! وهو مايسميه المقال نمط "اختزال الأخر في صورة الشرير المطلق".

التصور الجيوثقافي للذات والآخر
بداية لابد في اللحظة التاريخية الحرجة الآن واحتمالاتها الخطرة الثقيلة على مصر والذات العربية والقضية الفلسطينية؛ من فهم العقلية الأوربية/ الغربية الحديثة وأنماطها الجيوثقافية المحركة لها، والمتعلقة تحديدا بتصور الذات وتصور الآخر الجيوثقافي (أو تصورها الثقافي للآخر الجغرافي وكيف تسعى دوما لتنميطه ووضعه في قالب معين جاهز لتبرر فلسفتها الجيوثقافية المتطرفة تجاهه)، وكذلك هيمنة هذه التصورات الجيوثقافية التي شكلت لب "المسألة الأوربية" وخرافة الذات المطلقة والحضارة المطلقة المتطرفة، على ما يحدث في التو والحين بـ"حرب غزة" وخطورة تصويرها المقاومة الفلسطينية/ حماس/ العرب/ المصريين في صورة الشرير المطلق.

الذات المطلقة بين نيتشه وهيجل
وهنا لابد الإشارة لجذور النظرية المطلقة وسمتها المرتبطة بالحضارة الأوربية/ الجرمانية/ الغربية، حيث خرجت فكرة الإنسان السوبر/ المطلق مع الفليلسوف الألماني/ الجرماني نيشته، لكن هيجل قبله هو الذي طور فكرة الحضارة/ الدولة المطلقة التي تستند لمرجعيات دينية ودنيوية، وقيام هذه الدولة/ الحضارة بدور مجتمعي منضبط وشمولي يوزع الأدوار "الطبقية"/ الاجتماعية، باعتباره أعلى درجات التحضر البشري في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ثم تطورت فكرة هيجل عن الحضارة/ الدولة المطلقة مع أمريكا في القرن العشرين والحادي والعشرين إلى الدولة الطبقية الليبرالية الديمقراطية..

أمريكا "الملكية" والحضارة المطلقة في القرن الـ21
فهي دولة طبقية/ رأسمالية تعتقد في أهمية التطور والحراك المستمر الحر لرأس المال والأعمال والصناعة والانتخاب لأفضل عناصر المجتمع التي تساعد على القيام بهذا الدور، وهي ليبرالية تتبنى الحقوق الفردية الصغيرة للأفراد على المستوى الشخصي والجسدي وما إلى ذلك، وهي ديمقراطية تعتمد على الانتخاب وليست ملكية وراثية كما طبق هيجل على المملكة الجرمانية التي كانت تسمى "بروسيا" وقتها، رغم أن أمريكا طورت نظاما ملكيا وراثيا خاصا بهم يعتمد على وجود عائلتين للحكم الجيوثقافي، هما عائلة "الحزب الديمقراطي" وعائلة "الحزب الجمهوري"!

البطل السوبر/ الشرير السوبر
وأكثر صور النظرية المطلقة أو الحضارة المطلقة/ السوبر لما تقوم به آلة البروباجندا الغربية/ الأمريكية وتنمط صورة الفلسطينيين عليها خاليا، يمكن أن نضربلها مثالا أكثر شيوعا لتقريبه للذهن في السينما الأمريكية نفسهاـ هي فكرة أفلام السوبرمان أو البطل الخارق، حيث سنجد أن العقلية الغربية كانت تخلق دائما شريرا/ سوبر ليمارس عليه البطل السوبر قوته، وكانت دائما ما تجعل هذا الشرير السوبر يقوم بأعمال سيئة تبرر استخدام البطل السوبر/ المطلق للقوة المطلقة تجاهه.
وهذه المقدمة الطويلة عن البطل السوبر والشرير السوبر؛ الهدف منها البيان والتحذير بأن غزة والفلسطينيين/ المقاومة الفلسطينية، يتم التجهيز للتعامل معهم بالقوة المطلقة بعدما يتم تصويرهم حاليا في الصورة النمطية للشرير المطلق.. خاصة بعد قرار مجلس النواب الأمريكي مؤخرا باعتبار معاداة الصهيونية ودولة "إسرائيل" معاداة للسامية! واتهام بايدن للمقاومة الفلسطينية بالعنف الجنسي واستهداف المدنيين والإرهاب.

الفلسطينيين/ العرب بوصفهم "شريرا مطلقا"
حيث أن ما يحدث حاليا هو اللمسات الاخيرة لذروة "المسألة الأوربية" الجيوثقافية، واعتبار الفلسطينيين عدوا مطلقا للحضارة الغربية، كما صرح الرئيس "الإسرائيلي" مؤخرا بأن الحرب في غزة هي حرب دفاعا عن الحضارة الغربية!
وهذه اللمسات الأخيرة تعني أن الحشد الجيوثقافي الناعم وتهيئة العقلية الغربية لوضع الفلسطينيين/ العرب/ مصر في صورة الشرير المطلق معناه أن ذروة التطرف والعنف لم تأت بعد سواء تجاه المقاومة الفلسطينية أو تجاه الشعب الفلسطيني المطرود إلى حدود مصر، أو ربما تجاه مصر أيضا.

أولوية المعركة الجيوثقافية الناعمة
وبيت القصيد والدرس المستفاد من هذه المقاربة العلمية القصيرة؛ أن من يريد أن يدافع عن الفلسطينيين وعن الذات العربية وثوابتها الجيوثقافية التاريخية ومستودع هويتها بما فيه "القدس" والمسجد الأقصى، عليه أن يتصدى الآن للصورة النمطية التي يتم فيها تصوير العرب/ الفلسطينيين/ المسلمين، بأنهم "شريرا مطلقا" يستلزم الأمر معهم استخدام القوة المطلقة، كما حدث مع "النمط التكراري" في ذهنية المسألة الأوربية المتطرفة تجاه: الهنود الحمر، وتجاه العبيد السود المستجلبين من أفريقيا، وتجاه اليابنيين مع القنبلة الذرية...

ضرورة حشد الموارد في الاتجاه الصحيح
إذا لم يتم تسخير كافة الموارد العربية والمصرية وحشدها في كافة المساحات والاتجاهات الممكنة إعلاميا وجيوثقافيا، لتفكيك هذه الصورة النمطية لـ"الشرير المطلق" فإن الفشل الجيوثقافي والجيواستراتيجي قادم لا محالة!
إذا لم نلتفت إلى الصورة النمطية في البروباجندا الأمريكية التي يتم إعداد المسرح لها الآن، لتصوير أعداء "إسرائيل" بوصفهم نازيين معادين للسامية و"شريرين مطلقين" يجب استخدام العنف معهم، فلا نلوم سوى أنفسنا عندما نقع في فخ التناقضات وتفجيرها والفشل الاستراتيجي نفسه، والذي حدثت من قبل بالطريقة نفسها في تسعينيات القرن الماضي، عندما تم تفجير التناقضات العربية دون أن يلتفت أحد لاستدراج صدام حسين إلى المحرقة وإخراج العراق من حسابات القوة الجيوثقافية العربية.

الدبلوماسية الجيوثقافية
المعركة الجيوثقافية بيننا وبين الغرب والصهيونية الآن هي معركة دبلوماسية إعلامية من المقام الأول، وكلما تأخرنا فيها كلما زاد ذلك من مساحة الدمار والفشل الاستراتيجي المقبل، إذا لم يتم حشد كافة القوى فورا لاتخاذ موقف سياسي ببيان معلن وبناء استقطاب دولي ومظلة سياسية عالمية حوله، فلا نلوم سوى أنفسنا.

استقطاب دبلوماسي/ جيوثقافي فورا
يجب أن تتحرك مصر فورا وفي أقرب وقت لبناء موقف استقطابي إعلامي دبلوماسي ضد صورة "الشرير المطلق" التي يتم إلصاقها بالشعب الفلسطيني والعربي بالتبعية (متضمنة مصر)، والتي بسببها يسكت العالم عن قنص الأطفال والعجائز والمدنيين في غزة والضفة، إذا لم تدافع مصر عن الجيوثقافية العربية وروايتها التاريخية الناعمة، فسوف تخضع مصر لكافة الإملاءات الخشنة وتبعاتها المرتبطة بانتصار الرواية الجيوثقافية للغرب والصهيونية، وسوف نقع في الفشل الاستراتيجي ذاته ونعض أصابع الندم وقت لا ينفع الندم.

خاتمة: مواجهة نمط "اختزال الأخر في صورة الشرير المطلق"
تخرج هذه المقالة العلمية القصيرة بفرضية واستنتاج حجاجي رئيسي؛ وهو أنه في حرب غزة وفي سبيل الدفاع عن الجيوثقافية المصرية والعربية واستعادة الجغرافيا السياسية التي تفجرت بمخطط الصهيونية دفع الفلسطينيين إلى سيناء، يجب الوعي تماما بعقلية المسألة الأوربية والحضارة المطلقة التي تقف خلف الصهيونية والأنماط التاريخية التي اتبعتها تجاه الآخر/ العدو الجيوثقافي الذي تتخيله، و"النمط التكراري" المقصود هنا هو "نمط اختزال الأخر في صورة الشرير المطلق"، والذي يجب مواجهته بطريقة تعتمد على "نمط مضاد" من شقين.. الشق الأول: تفكيك حجج الشرير المطلقة الذي تربطه الرواية الصهيونية والغربية بالعرب والفلسطينيين والمصريين، الشق الثاني تفكيك صورة الذات الأوربية وتفكيك وهم انها الحق/ البطل المطلق وكشف الزيف والتشوه والكذب في بنيتها الجيوثقافية.
وخلاصة؛ إن المعركة المصرية العربية الآن دبلوماسية وإعلامية وسياسية، قبل أن تصل لحسابات القوة الخشنة، أو هي تسير بالتوازي مع توجيه الموارد للمعركة الخشنة.. فاللهم انصر الذات العربية والمقاومة الفلسطينية الشرعية وبلدنا العظيم ضد قوى الاحتلال، وقيض لهم من يأخذ بديهم إلى الطريق الصحيح ويصلح الحال ويطمئن على المآل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. البنتاغون: أنجزنا 50% من الرصيف البحري قبالة ساحل غزة


.. ما تفاصيل خطة بريطانيا لترحيل طالبي لجوء إلى رواندا؟




.. المقاومة الفلسطينية تصعد من استهدافها لمحور نتساريم الفاصل ب


.. بلينكن: إسرائيل قدمت تنازلات للتوصل لاتفاق وعلى حماس قبول ال




.. قوات الاحتلال الإسرائيلي تهدم منزلا في الخليل