الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ديناميكيات مُتداخلة تؤثر في نضوج الحركة السياسية الفلسطينية. تجويد السياسي الفلسطيني للإنتقال من الثورة الى الدولة

خالد فارس
(Khalid Fares)

2024 / 1 / 2
القضية الفلسطينية


مقدمة
تدور أسئلة المشروع الوطني الفلسطيني حول الثورة والدولة. تتكثف الممارسات السياسية الفلسطينية في سؤال الدولة الفلسطينية المستقلة, كونها تجسد مآلات السياسة الفلسطينية. فالواقع العربي في الأقطار العربية ينطلق من دولة وينتهي بها, فهي السقف المرحلي في التاريخ السياسي العربي المعاصر. وبالتالي فإن أمام الفلسطيني واقع عربي يفرض عليه أن يكون تحت الدولة العربية, وهذا يعني عليه أن يلغي الثورة من ممارساته السياسية, ويتقمص هُوية عُرفية تؤمن له الحد الأدنى من الوجود المدني على أن يتنازل عن وجوده السياسي التحرري.
كيف يمكن للفلسطيني أن يحمل مشروعه السياسي من واقع عربي تتحكم فيه الدولة العَربية, وبلغة أخرى كيف يمكن بناء إطار سياسي للفلسطيني من أجل إستعادة حقوقه السياسية والمدنية والتحرر من الهُويات العُرفية؟ يطال هذا السؤال السياسي الفلسطيني بعد محطة أوسلو السياسية.

1) فَلَسْطَنَة الثورة تعني تحويل الثورة إلى أسئلة سياسية من أجل التحرير و التحرر السياسي. هل يمكن أن يكون هناك مقاومة بوجود دولة ؟ الدولة والمقاومة علاقة تناقض.

ترتبط فكرة الدولة الوطنية الحديثة, باحتكار السلاح والعنف والدفاع, ومن غير الممكن أن يكون هناك عنف ودفاع بمفهوم مقاومة, بوجود دولة وطنية. هكذا كان ومازال الواقع الفلسطيني في الأردن وسوريا ومصر. تواجدت الثورة الفلسطينية في لبنان تحت ظروف لم يكن للدولة اللبنانية الدور المركزي في إحتكار العنف والدفاع, ومازال هذا الواقع في لبنان, فما زالت المقاومة, بصيغة ما بعد فلسطينية, أي بصيغة لبنانية, نافذة في لبنان. لو انتقل لبنان إلى منظومة دولة مركزية, سوف يقود ذلك إلى إنهاء المقاومة. بين المقاومة والدولة تناقض وجودي, وجود الأولى يقضي على الثانية. حتى المقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة, فإن وجودها مرهون بتغييب أو عدم وجود دولة فلسطينية ذات مركزية, تحتكر الدفاع والعنف والسيادة على قرار الحرب والسلم. لا مقاومة بدولة عربية ولا دولة عربية بمقاومة.

السؤال التاريخي للثورة الفلسطينية, من واقع الشتات, قبل محطة أوسلو, هل يمكن الخوض في مقاومة تحت الدولة العربية؟ الإجابة على هذا السؤال تقود إلى سؤال فَلَسْطَنَة سياسية, أولاً: لأن الشعب الفلسطيني هو صاحب القضية والمَعْني مباشرة بها, فهو الذي يتعرض إلى استلاب واستغلال لوجوده بسبب المشروع الصهيوني (وعد بلفور النكبة والنكسة) وبالتالي يسعى إلى التحرر الوطني لتحقيق حقوقه السياسية والمدنية من خلال مقاومة المحتل. ثانياً: أن الشعوب العربية شُعوب دُوَلْ, أي أنها تحت دولتها, مهما سعت في السياسة لن تقبل أن تكون المُقاومة الفلسطينية فوق دولتها. فالتعامل مع الشعب الفلسطيني مختلف نوعا وكما عنه مع الشعوب العربية.

لم يَحْدُثْ بأن فَكَّرَ العربي سياسيا كما الفلسطيني في أي لحظة تاريخية, إلا في الشكل وفي حالات نُخَبْ طليعية تُمَثل استثناءً وليس قاعدة. أما في المضمون والممارسات الحقيقية للكتلة العربية الكبرى أو الغالبية العظمى, ينطلق العربي من دولته وينتهى فيها. أما الفلسطيني, الشخصية السياسية, لا يستطيع أن ينطلق من دولة لأنه يبحث عن دولة, مشروعه السياسي هو دولة أو خلق وصناعة دولة من اللاوجود إلى الوجود.

الذات الفلسطينية مُسْتَلَبة وتتعرض للاستغلال (بلا حقوق سياسية أو مدنية) بسبب واقعها الذي فرضه المشروع الصهيوني, وهذه حالة لا تنطبق على العربي. تُجَسّد لنا تجربة غسان كنفاني الأدبية والسياسية نموذج فَلَسْطَنَة سياسية, فمشروعه ينطلق من فهم الاستلاب [1] الذي تتعرض له الشخصية الفلسطينية, ومن هذا الاستلاب يكشف الواقع الموضوعي الذي فَرَضَ سياقاته على الفلسطيني وفرض عليه هُوية (أَطْلَقْتُ عليها هُوية عُرفية) وتنميط قسري في الحياة اليومية.

يَعْتَبِرْ المواطن العَربي أن الثورة الفلسطينية بالنسبة إلى الدولة الوطنية التي ينتمي لها (مواطنا فيها) هي طريق من الدولة إلى اللادولة, أي أن الثورة الفلسطينية تسعى إلى تجاوز "دولته," وهذا أمر جلل ومرفوض بالنسبة له. حاول الفلسطيني في دول الطوق إزاحة الدولة القُطْرِيّة الوطنية من طريقه السياسي الثوري التحرري, لانه يريد ممارسة سياسية تحررية, أو أن يكون له حيز للممارسة السياسية. لم ولن تقبل أي دولة عربية أو أحزابها الموالية والمعارضة, أن يُمارس الفلسطيني السياسة من فوق الدولة أو بتجاوزها. حضرت الجنسية والإقامة والمخيم والمخابرات والجيش والأمن والمال السياسي والدين الرسمي في الدولة التي يعيش في كنفها الفلسطيني, لتفرض عليه بأمر الواقع, أن يُمارس سياسة تحت الدولة, فاستحالت السياسة الفلسطينية وجوداً في هذه الدول. إن مهمة الثورة الفلسطينية هو إنتاج واقع سياسي قابل للممارسة حتى يحمي وجوده ويخوض في التحرر.

الدور الذي رفضته حركة فتح, حتى اليوم, هو أن يكون الفلسطينيّ, سياسيَّ دولة أخرى, لأنه سوف يضطر أو برغبته أن يستدخل حسابات تلك الدولة في القضية الفلسطينية, ويتحول الأمر إلى تيارات دَوْلَتِيّة عَربية متصارعة داخل منظمة التحرير والحركات السياسية, وينتقل الصراع العربي العربي إلى حيز القضية الفلسطينية, فتتحول مهمة القضية الفلسطينية إلى إدارة تسويات سياسية لهذه التوافقات على حساب القضية الفلسطينية. شكل هذا أحد قوى الدفع لكي تفكر قيادة حركة فتح بالهروب من الواقع العربي والخلاص من "عفنه السياسي" في القضية الفلسطينية.

لم تتخلص حركة فتح ولا منظمة التحرير, ولم تستطع أن تتخلص من استدخال التناقضات والصراعات العربية العربية في الحركة السياسية الفلسطينية. ليس هذا الموضوع الذي نريد بحثه, إنما ما نريد الإشارة له هو من يريد أن يطرح شعار يعبر عن القضية الفلسطينية عليه أن يجيب على أسئلة من مضمون الواقع العربي للفلسطيني. وهذا الأسئلة تنطلق من سؤال كبير حول واقع الفلسطيني في دول الطوق المحيطة في فلسطين, والنظام العربي عموماً, وسؤال موازٍ لكل ذلك, واقع الفلسطيني في سياق أوسلو: ماذا بعد؟.

2) تصريحات خالد مشعل إلى صحيفة اللوفيغارو الفرنسية

يتأرجح بندول تصريحات حركة حماس حول الاعتراف بالكيان الإسرائيلي. فقد أثار لقاء الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية- حماس السيد خالد مشعل, ورئيس الحركة في الخارج حاليا مع الصحافي جورج مالبرونو والمنشور في صحيفة لوفيغارو الفرنسية والمتعلق بسؤاله حول موضوع الاعتراف بالكيان الصهيوني, جملة من ردات الفعل التي دعت الحركة إلى إصدار بيان توضحي تؤكد فيه موقفها [2] " “وقال مشعل: "موقفنا الواضح عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال، وأخذنا العبرة من اتفاقيات أوسلو"، ويؤكد، "في عام 1993، اعترفت قيادة منظمة التحرير بإسرائيل التي لم تمنحها أي شيء مقابل ذلك". والسبب يعود إلى أن ما جاء من أقوال بأن خالد مشعل أشار في اللقاء إلى "الوقت المناسب" بشأن الاعتراف بدولة إسرائيل, الأمر الذي اعتبرته الحركة في بيانها " قال مصدر مسؤول في حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، إن "الصحفي في لوفيغارو الفرنسية، جورج مالبرونو، أدرج مجموعة من آرائه الشخصية وتعليقاته الخاصة بشأن (الاعتراف بالكيان الصهيوني)، خلال مقابلة مع رئيس الحركة في الخارج، خالد مشعل"."

أيضا, أكد مصدر من الحركة أنه "من خلال وثيقة 2017، أكدت حماس موقفها بالتوافق الوطني مع الفصائل الفلسطينية بشأن إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 مع القدس عاصمة لها وحق العودة ودون أن نعترف بإسرائيل، أما مسألة الهدنة فهي قابلة للتفاوض".
بعيدا عن القراءة الإعلامية, في السياسة, فإن الحركة لا تمانع من نقاش مسألة الاعتراف بدولة إسرائيل, وعدم مناقشتها ليس منوطاً بموقف أسبقي قطعي, سياسي, وليس من المحرمات العقائدية, إنما للأمر صلة بالمضمون السياسي المتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني والترتيبات السياسية التي تضمن تحقيقها في دولة مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس. فالقول "أخذنا العبرة من اتفاقيات أوسلو," فهذا يفسر أن الأمر تجربة وليس مبدأ, والتجربة ظرفية والمبدأ ضرورة غير قابل للتغيير. بذا, تكون حماس قد وضعت الظَّرْفِيّة التي تناتجت من أوسلو, وليس المبدأ, هو العائق امام الاعتراف بالدولة الإسرائيلية. لو حدث أن هناك ظروف مختلفة, سيكون موضوع الاعتراف قابل للنظر فيه, والنتيجة تعتمد أيضا على الظرفية الجديدة, وليس على مبدأ عدم الاعتراف. والجميع يعلم, و الحركة أيضا, أن هذا لن يحدث دون اعتراف متبادل بين الدولة الفلسطينية ودولة إسرائيل, وأنها تتعامل مع هذا الأمر على أنه حقيقة سياسية لا يمكن القفز عنه.
في عام 1993, اتخذت الحركة السياسية الكبرى, حركة فتح, التي تقود المشروع الوطني الفلسطيني, قرارا بتوقيع إعلان مبادئ أوسلو, الذي يقوم على الاعتراف المتبادل بموجبه منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني مقابل الاعتراف بشرعية إسرائيل في الوجود في دولة إسرائيل.
السؤال الذي يَمْثُلْ امامنا, هل كان عام 1993 وقتا مناسباً أم أن هناك وقت مناسب آخر تتطلع له حركة حماس؟

في عام 1993 كان عمر حركة حماس التي تشكلت في أواخر عام 1987 ستة أعوام سياسية. وكان عمر منظمة التحرير 29 عاماً وحركة فتح أكبر من المنظمة بعدة سنوات تصل إلى 34 عاماً, على اعتبار أن تاريخ تأسيس الحركة يعود إلى أواخر خمسينيات القرن العشرين. في عام 2023 تكون حماس قد أصبح عمرها 36 عاماً. بذا, فإن الحركة قد دخلت في خطاب طرحته حركة فتح بعد أن بلغت الحركة عمر حركة فتح في ذلك الوقت. بحكم الملاحظة والتناظر, فإن نضوج وبلوغ الحركة السياسية الكبرى الفلسطينية هو منتصف الثلاثينيات. لكن منتصف ثلاثينيات من عمر حركة فتح, من المفترض أنه يعادل ستينيات أو سبعينيات حركة حماس. لأسباب نوردها.

تجربة حركة فتح أشمل وأكبر من حركة حماس, فهي الحركة التي قادت حركة الثورة الفلسطينية كثورة عابرة للدول العربية, وفي الأمم المتحدة, وفي الداخل الفلسطيني, وخاضت كفاحات أعفت حركة حماس منها, من بينها نضالات الهُوية الوطنية الفلسطينية, وتجسيد الوجود الفلسطيني, والتمثيل الفلسطيني الشرعي الذي كان مُهَدَّداً بوجوده السياسي والتاريخي. الأمر الذي مهد الطريق أمام الحركات السياسية الجديدة لكي تبدأ من نقطة متقدمة في التاريخ السياسي الفلسطيني.

ليس مطلوبا من حركة حماس على سبيل المثال أن تدفع ثمن حرب أيلول 1971 بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية, ولا أن تخوض صراعات لمواجهة قرار ضم الضفة الغربية والقدس للأردن, ولا أثمان ترتبط بالصراعات مع اليمين اللبناني ولا النظام السوري, ولا المواجهات مع الكيان الإسرائيلي من لبنان, وغيره من صراعات عربية عربية اسْتُدْخِلَتْ في حركة فتح ومنظمة التحرير. وليس من انشغالات حركة حماس الإنتقال من الميثاق القومي إلى الوطني إلى نقاشات البرنامج المرحلي إلى الحروب الاهلية في لبنان, والكثير الكثير. وفرت كل هذه الظروف لحركة حماس بيئة سياسية تمكنها من البدء من فوق الصفر السياسي وما بعد دون الوعي السياسي الذي ساقته ظروف النكبة والنكسة. قطعت تجربة الثورة الفلسطينية وحركته السياسية مراحل دون الصفر السياسي ودون الوعي.

قدمت حركة فتح نفسها قُرْبانا للثورة الفلسطينية, وهذا دورها التاريخي الذي آمنت به وحملته بأمانة وإخلاص, وتضررت بنيتها القيادية, وتعرض قادتها إلى هجوم غير مسبوق وصل إلى حد كتابة كتب تتخصص في قيادة الحركة لكي تذمها, دون أن يكون هناك في هذه الكتب منطق نقدي.
تَعَرَّضَتْ الحركة إلى صراعات داخلية ثم إنشقاق كبير الذي تشكل في صيغة فتح الإنتفاضة برعاية الدولة السورية التي كان بينها وبين قيادة حركة فتح صراعات, حيث يعتقد النظام السوري أنها أهم من صراعه مع المشروع الصهيوني. سبق النظام السوري النظام الأردني الذي أيضا وجد في حركة فتح خصم لمشروع الهاشمية السياسية الذي أراد أن تنتهي فلسطين جغرافيا وديمغرافيا أردنية, وينتهي الشعب الفلسطيني في هُوية أردنية, خالصة, لا تشوبها "شوائب" فلسطينية.

ما كان لحركة حماس أن تصل إلى هذا مُستوى حركة سياسية كبرى فلسطينية بدون نضالات وكفاحات قدمتها الحركة على طريق مشروع التحرير والتحرر. واستطاعت الحركة أن تُحْدِثْ تحولاتٍ نوعية في المواجهة التاريخة مع المشروع الصهيوني, وأن تنقل معارك كبرى واستراتيجية إلى الداخل الفلسطيني, لتواجه المشروع الصهيوني, لكنها لم تخض تجربة الكفاح المسلح من الشتات ومن التعقيدات المُسْتَعْصِية في دول الطوق, بل من داخل الوطن المحتل المُغْتَصَب. وسطَّرت الحركة فهما حديثا للمقاومة سيخلد في التاريخ الفني والسياسي لحركات التحرر العالمية. وأثرت الحركة في سيرورة بناء الشخصية الفلسطينية الفدائية التي التحمت مع شخصية المجاهد "إنه لجهاد نصر أو استشهاد" لِتُحَدّثْ الشخصية النضالية وتقدمها بنسخة حديثة رافعة بذلك من شأن الوجود-التحرر[3] الفلسطيني بهذه الشخصية المُرَّكَبَة.

نقول إن نضوج الحركة السياسية الكبرى في الثورة الفلسطينية يضع الحركة أمام مهمات وأسئلة استراتيجية صعبة بحاجة إلى واقعية تطال المسائل العقائدية في جذورها. لم تضطر الحركة إلى مواجهة هذه الأسئلة في عام 1993, لكنها الآن, وتحديداً منذ 2017, توصلت إلى قناعة بأن مسيرة وديناميكية الثورة الفلسطينية ومشروع التحرر الفلسطيني بحاجة إلى المواجه والإجابة على أسئلة تناولتها منظمة التحرير على الأقل منذ 1974, المرحلة الذي دخلت فيها منظمة التحرير تفكيراً سياسياً جديداً.

3) أسئلة المشروع الوطني الفلسطيني, إلى أين؟

الحديث عن سقوف الحل التي تتبنى تحرير فلسطين من النهر إلى البحر, والمطالبة بالعودة إلى الميثاق القومي عام 1964, حتى لا تكون فارغة من مضمون سياسي, لا بد أن ترتبط في الواقع أو تستند عليه وعلى حوامل اجتماعية لهذا الحل في أن يكون لها تيار فلسطيني رئيس تتبناه حركة سياسية كبرى, في الوقت الحالي, إما حركة فتح أو حماس, أو جبهة وطنية شعبية وازنة في السياسة. أما في ظل غياب هذه الشروط, فإن الحديث عنه يصبح طُغيان العقل اللغوي أو اللغة الثورية السجالية على الفكر والفكرة السياسية.

المواقف السياسية ممارسة, وليست ألفاظاً لغوية نرددها. يتطلب التفكير السياسي أن نحدد حيز الممارسات لما نُفَكّرْ فيه ونؤشر أو نرسم للناس مساحات ممكنة لهذه الممارسات, في هذا المكان وهذا الزمان, كيف يمكن إحداث تقدم (التقدمية السياسية) في واقع هذا التفكير. أما إذا تحولت المواقف إلى مجرد جُمَلْ في اللغة, مجردة عن الواقع, أو تفترض الواقع في الخيال الذهني, فهي فاقدة للمشروعية, منفصلة عن محتوى سياسي في الممارسة العيانية. يُعَبّرْ هكذا تفكير عن سادية وطنية أو قومية أو ثورية. وهذه السادية تدافع عن نفسها عن طريق "أخلقة" الخطاب و تبجيل أو لعن أشخاص بذاتهم, نرى في ذلك نمط "تنمر" على الشعب وواقع القضية.

ليس المهم أن نصنع صورة ثورة, بل أن نصنع محتوى ثورة من الواقع الموضوعي والذاتي للقوى الثورية, يكون لها مآلات تتحقق فيها في الواقع. الفكرة السياسية هي الواقع الذي نعيشه بصيرورته وسيرورته. وليس ما نرغب به أو كما يمكن للعقل أن يخلقه في الواقع, فيصبح العقل لا محدود منفلت من الواقع.

صورة الثورة التي يتم استحضارها من التجربة الفيتنامية والإشتراكية في دول الاتحاد السوفييتي السابق والثورة الصينية والكوبية والنيكاراجوية والإيرانية والجزائرية, وغيرها, هي صورة عامة وليست خاصة, فهي صورة ثورة بمحتوى مجتمعاتها, وليس بمحتوى فلسطيني. فهذه التصورات الثورية نشأت في محتوى وطني, ولا شك بأن بينها وبين الثورات الأخرى تداخلات إنسانية وسياسية, ولكن المحتوى السياسي هو وطني, بمعنى أنه الواقع الموضوعي للثورة وليس مجرد الاستحواذ على معرفة بها من كِتابْ أو عملية تثقيف لأن ذلك يعني تحويل فكرة الثورة إلى مُرَكّبْ مَعْرفي إبيستيمولوجي يفرض ذاتية على الواقع. دور العقل والمعرفة أن يلتقط هذا الواقع الموضوعي بأدوات علمية وإبداعية ويقدم رؤية تطورية لتغيير الواقع, تمر عبر سلسلة من التغييرات.

الثورة هي بناء وصناعة, من الواقع العيني, أي أنها تنشأ بالممارسة, وحتى تكون ثورة يعمل فيها العقل مع الواقع الموضوعي, فإن سؤالها الأساس ما هو الاستلاب السياسي والإنساني للفلسطيني؟
السياسي هو الحقوق السياسية والمدنية في وطن, تحققه دولة وطنية لها سيادة على الديمغرافيا والجغرافيا, والإنساني هو المشترك العام بين كل البشر. للدولة الحديثة مرجع دستوري قانوني يحافظ ويرتقي بالحقوق والحريات الشخصية و العامة السياسية والمدنية, إضافة إلى أن للدولة دور كوني تعمل مع القوى العالمية من أجل عالم يقوم على مبادئ السلم العالمي. الفلسطيني بدون دولة لا حقوق سياسية ولا مدنية له, وسيبقى يعيش في تعدد نماذج استلابه واستغلاله.

4) القضية الفلسطينية في دول الطوق المحيطة بفلسطين: الحالة الأردنية

رسم الأردن سياساته تجاه القضية الفلسطينية من خلال الأردنة السياسية للقضية الفلسطينية التي تشمل الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية. ويعني ذلك تحويل القضية الفلسطينية السياسية إلى قضية تحت الدولة الأردنية أو فرعا من فروعها. ويمكن اعتبار أن هناك أردنة سياسية قبل وبعد عام 1988 عندما قرر الملك حسين فك الارتباط مع الضفة والقدس. ويمكن القول أن الأردنة السياسية لفلسطين هي جزء اصيل ومكون أساس في الدولة الأردنية.

جاء في قرار فك الإرتباط [4], "أما بالنسبة [إلى] الاعتبار المبدئي، فإن الوحدة العربية بين أي شعبين عربيين أو أكثر هي حق الاختيار لكل شعب عربي. هذا هو إيماننا. وعلى أساس ذلك تجاوبنا مع رغبة ممثلي الشعب الفلسطيني في الوحدة مع الأردن العام 1950؛ ومن منطلقه نحترم رغبة منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، في الانفصال عنّا في دولة فلسطينية مستقلة. نقول ذلك ونحن في منتهى التفهم؛ ومع ذلك سيظل الأردن معتزاً بحمله رسالة الثورة العربية الكبرى، متمسكاً بمبادئها، مؤمناً بالمصير العربي الموحد، وملتزماً بالعمل العربي المشترك."
تعبر فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة كما أرادتها منظمة التحرير الفلسطينية والقوى السياسية الفلسطينية عن حقوق سياسية ومدنية و ممارسات سياسية تنبع من واقع الشعب الفلسطيني, وليس من واقع الدولة الأردنية ومصالحها. فالدولة هي السياسة بالنسبة للفلسطيني, وبدون دولة فلسطينية فإن السياسي الفلسطيني هو تحت الدولة العربية أو فرعاً من فروعها.

لم تحمل الدولة الأردنية مشروع ثورة في الأراضي المحتلة عام 1967, إنما طرحت مشاريع تنمية, حيث جاء في خطاب الملك حسين " ولا يفوتني أن أذكر بأننا حينما قررنا إلغاء خطة التنمية الأردنية في الأرض المحتلة، بادرنا في نفس الوقت بالاتصال مع مختلف الحكومات الصديقة والمؤسسات الدولية التي أعربت عن رغبتها في الإسهام بالخطة، لحثها على الاستمرار في تمويل مشاريع التنمية في الأرض الفلسطينية المحتلة من خلال الجهات الفلسطينية ذات العلاقة." الذي حمل مشروع ثورة في الأراضي المحتلة هو منظمة التحرير الفلسطينية, لذلك فإن مفهوم الشعب والأرض عند منظمة التحرير لا يتماشى مع مفهومه عند الدولة الأردنية, بل يتناقض معه.

للقرار القاضي بفك الارتباط شقان: الأول الأرض والثاني الشعب. وعَبَّرَ خطاب الملك حسين عن ذلك بوضوح عندما قال "على أنه ينبغي أن يفهم، بكل وضوح، وبدون أي لبس أو إبهام، أن إجراءاتنا المتعلقة بالضفة الغربية إنما تتصل فقط بالأرض الفلسطينية المحتلة وأهلها، وليس بالمواطنين الأردنيين من أصل فلسطيني في المملكة الأردنية الهاشمية بطبيعة الحال. فلهؤلاء جميعاً كامل حقوق المواطنة، وعليهم كامل التزاماتها، تماماً مثل أي مواطن آخر مهما كان أصله. إنهم جزء لا يتجزأ من الدولة الأردنية التي ينتسبون إليها ويعيشون على أرضها ويشاركون في حياتها وسائر أنشطتها. فالأردن ليس فلسطين، والدولة الفلسطينية المستقلة ستقوم على الأرض الفلسطينية المحتلة بعد تحريرها بمشيئة الله، وعليها تتجسد الهوية الفلسطينية، ويزهر النضال الفلسطيني، كما تؤكد ذلك الانتفاضة المباركة المظفرة للشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال."

ما يريد أن يقوله قرار فك الارتباط هو أن الشعب- الديمغرافيا الفلسطينية ليست مثل الجغرافيا-الأرض الفلسطينية, الشعب شيء والأرض شيء آخر, بذا فإن قرار فك الارتباط فصل الديمغرافيا الفلسطينية عن الجغرافيا. عَمَّدَ النظام هذا التمايز والتفارق بين الشعب والأرض من خلال إجراءات سياسية سيادية تمثلت بالميثاق الوطني الأردني عام 1991, الذي وقع عليه كافة أطياف اللون السياسي, ورفضته بعض الحركات السياسية الفلسطينية التي تريد أن تحافظ وتبقى تعمل في حقل الفلسطنة السياسية مثل حركة فتح وحركة فتح الإنتفاضة والجبهة الشعبية القيادة العامة. وهذا يؤشر أيضا على وجود تمايزات سياسية داخل الحركة الوطنية الفلسطينية تجاه الفلسطنة السياسية والأردنة السياسية, وماذا تعني بخصوص وحدة الديمغرافيا والجغرافيا الفلسطينية.

لكن عدم موافقة حركة فتح مختلف عن عدم موافقة حركة فتح الإنتفاضة والقيادة العامة, بسبب أن الاخيرتان يعملان تحت الدولة السورية وأن الممارسة السياسية لهذه الحركات هي فرع من فروع السياسة السورية. أما حركة فتح تمثل الممارسة السياسية الفلسطينية الحقيقية, التي تقود النضال الفلسطيني بالاعتماد على قوى الثورة الشعبية وطاقات الشعب الفلسطيني.
الحركات الفلسطينية التي رفضت التوقيع على الميثاق, توقفت عن ممارسة السياسة الفلسطينية في أو من الأردن, وجمدت نشاطاتها رسميا, وتشارك فقط في نشاطات ثقافية لا تطال التواجد الديمغرافي في الأردن من ناحية سياسية. بكل حال من الأحوال, يجب على الجميع أن ينضوي تحت الدولة الأردنية, بالشكل والمضمون, وتعبر عن وجودها بثوابت الهُوية الأردنية التي مصدرها الدولة الهاشمية.

في الوقت الذي رفضت فيه حركة فتح الأردنة السياسية جُمْلةً وتفصيلاً, إنخرطت القاعدة المؤيدة لحركة حماس والمنتسبين لها بشكل مباشر أو غير مباشر في أردنة سياسية من خلال جبهة العمل الإسلامي بالأردن التي تاسست عام 1992. حيث أن الأمين العام الأول للحزب هو إسحاق الفرحان/ 1993 – 1998م, قد شارك في التوقيع على الميثاق الوطني الأردني [5] إلى جانب آخرين من كافة ألوان الطيف السياسي.

بذا يكون المجال السياسي الأردني قد احتوى الأردني من أصل فلسطيني ليس من حيث الجنسية كما كان قبل قرار فك الإربتاط, بل أصبح مواطناً أردنياً بالمعنى السياسى. وبذا فإن أي محاولة من منظمة التحرير أو فصائلها التعامل أو التواصل مع الأردني من اصل فلسطيني من منطلقات الثورة الفلسطينية أو برنامجها السياسي, مخالف لقوانين الدولة الأردنية وللتوافقات بين الدولة الأردنية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

أصبح الأردني من أصل فلسطيني غير قادر وغير مسموحٍ له أن يَتَمَثّل الثورة الفلسطينية أو يمارس سياسات فلسطينية تحررية, أو ينتمي إلى الشعب الفلسطيني سياسيا, لكنه يستطيع أن ينتمي أنثروبولوجيا ضمن هوية سياسية ثقافية على أن تكون جزءاً من التنوع الأردني. وبهذا الفصل السياسي, يكون قد تم فصل الفلسطيني إلى فلسطينيي الأرض الفلسطينية المحتلة وفلسطينيي الأرض الأردنية (فلسطيني الأردنة السياسية) مُجَرّداً من ممارسة السياسة الفلسطينية.

ضَمَّ الأردن الأرض الفلسطينية عام 1950, ثم احتلتها إسرائيل عام 1967, فكَّ الأردن الارتباط مع الأرض الفلسطينية عام 1988 ولكنه ضم الجزء من الشعب الفلسطيني الذي يحمل الجنسية الأردنية ويعيش في الأردن. بموجبه انفصل الواقع السياسي للشعب الفلسطيني إلى شعب فلسطيني يعيش على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967, يواجه واقعاً سياسياً مختلفاً عن واقع سياسي تحت الدولة الأردنية. سيكون لهذا الانفصال السياسي آثار على المدى القريب والبعيد على مسيرة المشروع السياسي الفلسطيني.
ما نود الإشارة له في مسيرة الأردنة السياسية هو موقف الحركة الشيوعية الأردنية ممثلة في الحزب الشيوعي الأردني وَنُخَبْ انفصلت عنه لاحقا ولكنها واصلت ممارسة السياسة من منطلقات شيوعية ماركسية لينينية. نَخُصْ الحركة الشيوعية الأردنية كونها حليفاً طبيعياً للثورة الفلسطينية, ومن المفترض أن تُعَبّرْ عنها كما تعبر الثورة الفلسطينية عن الحركة الشيوعية في مهمات التحرر السياسي الوطني والقومي والإنساني الأممي.

تعامل تيار رئيس وازن في الحركة الشيوعية ونخبها مع الديمغراقيا والجغرافيا الفلسطينية وِفْقَ مبادئ الدولة الأردنية, ولم تُراعي منظومة مفاهيم الثورة الفلسطينية بتعريفاتها السياسية للفلسطيني. لم تناضل من أجل تلبية شروط استراتيجية الشعب الفلسطيني في أن يحقق وحدة الديمغرافيا والجغرافيا كونها الشرط للخوض في نضالات التحرر والمقاومة على أساسا وحدة وطنية في مواجهة التشتت والتفتيت الإقليمي.

المُلْفِتْ للنظر هو المنطق التجريبي أو العَرَضي للتعامل مع السياسي الفلسطيني. يقول اليساري الشيوعي الأردني ناهض حتر " بذلك، سيكون جميع المواطنين من أصل فلسطيني لما قبل 31 آب 1988، أردنيين بصورة قانونية، بينما يكون الفلسطينيون في المملكة ممن وفدوا بعد فك الارتباط، مقيمين كسواهم من العرب." [6]

حال لسانه يقول أن تعريف الفلسطيني هو الصُدفة والعَرَضِيّة والظَّرْفِية, وليست السياسي أو أن السياسي ليس أساس تعريف الفلسطيني. فبسبب أنه في عام 1988 قررت الدولة الاردنية فك الإرتباط, إذا, فإن هذا التاريخ "المقدس أردنيا", سيعتبر مَرْجعا لتعريف الفلسطيني. ولو أن تاريخ فك الإرتباط قبل أو بعد ذلك, سيزيد أو يقل عدد الفلسطيني وفق ذلك. إذا الديمغرافيا الفلسطينية حسب راي أحد أهم مرجعيات الحركة الشيوعية الأردنية هو مزاج وتصورات ظرفية طارئة تخص الدولة الأردنية وليس أي مرجعية أخرى.

لا نستطيع إلا أن نقرأ استهتار وانتقاص غير مسبوق بالسياسي الفلسطيني, وتقسيم لقضية وجوده السياسي والوطني. ولو عادت الدولة الأردنية إلى ضم الضفة الغربية والقدس أو تراجعت عن قرار فك الإرتباط, سوف يحيلنا خطاب الشيوعي ناهض حتر إلى تعريف الفلسطيني على أسس جديدة. فالفلسطيني هو مجرد كَمْ من الأرقام (كتلة رقمية) وعدد يزيد وينقص, وليس إنسان سياسي, أو حالة نوعية سياسية- نوع سياسي, له حقوق سياسية ومدنية ترتبط بجذور وجوده الحديث منذ وعد بلفور-النكبة-النكسة.

سبق ناهض حتر, الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني السابق يعقود زيادين, الذي نجده قبل عام 1988 (عام فك الإرتباط) يُعَمّدْ ويطبق قرار الضم الصادر عام 1950, وذلك عندما خاض في انتخابات البرلمان الأردني عن مقعد القدس المسيحي, الذي فاز فيه ممثلاً لنواب الأردنة السياسية. فرض الشيوعيون الأردنيون قرائة سياسية تنبع من مبادئ الدولة الأردنية مفادها أن فلسطين الديمغرافيا والجغرافيا غير موجودة, إنما هي مجرد أراض-جغرافيا أردنية والشعب- ديمغرافيا أردنية. المفارقة أن الأمين العام ذاته هو أحد الموقعين على الميثاق الوطني الأردني عام 1991. فالحكاية في "الأردن الشيوعي," هي أن الفلسطيني مجرد كتلة عددية من كَمْ وليس نوع سياسي, ولأن الفلسطيني مجرد كَمْ أردني أو فلسطيني, فإن الدولة الأردنية هي التي تقرر مصير وعدد هذا الكَمْ, ومن منهم سيخصع للأردنة السياسية.

إن سياسات الحزب الشيوعي الأردني, قد ساهمت في تعريب القضية الفلسطينية تحت الدولة الأردنية, وليست قضية تحرر سياسي تعبر عن وجود وتحرر الشعب الفلسطيني. إستخدم الحزب الشيوعي الأردني خطابات تحمل لغة فكرية ثائرة وتحررية, ولكنها في الممارسة السياسية ليست كذلك بل هي ممارسة كما ارادتها الدولة الأردنية. فَصَلَ الحزب الشيوعي الأردني ونُخَبَهُ, النظرية عن الممارسة, وحول النظرية إلى قوالب أيديولوجية عقائدية جامدة والممارسة السياسية إلى انفعالات وجدانية تجاه القضية الفلسطينية. ويمكننا القول أن نخب وازِنة ونافذة التأثير في الحركة الشيوعية الأردنية أعادت تعريف مبادىء القضية الفلسطينية من منظور ماركسي يخضع للأردنة السياسية, دولتية الهاشمية السياسية. ماركسية الحزب الشيوعي الأردني تجاه فلسطين هي ماركسية أردنة سياسية تجعل من الدولة منطلقا للسياسة ولا منطلق غير الدولة.
بذا يكون هذا التيار قد أَضْعَفَ موقعه في التاريخ السياسي لأنه لم يمارس تطوير جدلية النظرية والممارسة السياسية من الأردن السياسي نقيض الأردنة السياسية للدولة, بل أسقط الأردنة السياسية من "براشوت" الدولة على القضية الفلسطينية. وضع هذا التيار أردنة الدولة فوق أردنة المجتمع الأردني, وبالتالي فقد ساهم في إخضاع قوى التغيير الاجتماعي سواء في الشأن الفلسطيني التحرري أو الأردني الفلسطيني المشترك للدولة أولاً على حساب المجتمع ووحدة قوى الإنتاج فيه.

5) إعلان الإستقلال [7]

تَشَكَّلَ الفراغ السياسي والقانوني على إثر قرار فك الارتباط, وكان لا بد لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تتقدم خطوة سياسية لكي تملأ الفراغ وتجسد الوجود السياسي لها كونها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. بعد مُضي ثلاثة أشهر من قرار فك الإرتباط, صدر في الدورة التاسعة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر, قرار إعلان الاستقلال عام 1988 "واستناداً إلى الحق الطبيعي والتاريخي والقانوني للشعب العربي الفلسطيني في وطنه فلسطين وتضحيات أجياله المتعاقبة دفاعا عن حرية وطنهم واستقلاله وانطلاقا من قرارات القمم العربية، ومن قوة الشرعية الدولية التي تجسدها قرارات الأمم المتحدة منذ عام 1947، ممارسة من الشعب العربي الفلسطيني لحقه في تقرير المصير والاستقلال السياسي والسيادة فوق أرضه.

فإن المجلس الوطني يعلن، باسم الله وباسم الشعب العربي الفلسطيني قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف."

يتضح من صياغة القرار أن هناك إطار قانوني يساوي مع الحق الطبيعي والتاريخي سيكون هو المساق والسياق لمسيرة منظمة التحرير الفلسطينية. فَرَضَ قرار الضم الأردني نَمَطاً سياسيا على تعريفات القضية الفلسطينية في المجتمع الدولي و داخل النظام العربي, وهي أنها قضية تتعلق بالأراضي والشعب الذي ضمه إلى الدولة الأردنية عام 1950.

تجَسَّدَ هذا النمط في السياسة العربية على مستوى الأنظمة العربية والأحزاب المعارضة. الحركات السياسية التي عارضت تعريف القضية الفلسطينية على هذا الأساس مثل الإخوان المسلمين والقوميين وبعض الحركات اليسارية, لم تكن سوى منطلقات و ورؤى أيدلوجية على أساس أن فلسطين إما وقف إسلامي وهناك صراع مع اليهود (الحركات الإسلامية), أو أن فلسطين جغرافيا عربية وفي أحيان يتم تعريفها كونها جنوب سوريا أو جزء من سوريا الكبرى, وبعض الحركات اليسارية الشيوعية تبنت مقولات "مُسَفْيَتَة (المصطلح يعود إلى المفكر ياسين الحافظ ويقصد فيه أنها أحزاب تفكر بالهوى السوفييتي). كافة هذه الأطروحات هي جزء من الأنثروبولوجيا السياسية الماضوية مع عناصر عقائدية معاصرة, ولم تتنامى أو تنضج من ممارسات سياسية حقيقية.

كان على منظمة التحرير أن تتخطى تعريف الدولة الأردنية للقضية الفلسطينية, الذي أصبح عُرفاً في السياسة العربية والدولية, وتذهب فيها إلى أنها قضية شعب وأرض من "المياه الى المياه," فلسطين بمساحتها الجغرافيا التاريخية. ولكن حتى هذه المسألة تحمل اشكالاً لا يظهر في الممارسات والخطاب السياسي ولكنه مستتر وتلجأ له الحركة الصهيونية.

فلسطين التاريخية هي التي يتم تعريفها وفق قرار صك الانتداب[8] على فلسطين بما فيها أراضي المملكة الأردنية الهاشمية التي كان يطلق عليها عبر الأردن, هي أراضٍ فلسطينية [9] "وبما أن وعد بلفور لم يتضمن أي تعريف جغرافي، فقد خلص مستشارو تشرشل إلى أن بريطانيا يمكن أن تتصالح بشكل كامل وتفي بتعهداتها في زمن الحرب* من خلال إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين غرب نهر الأردن وكيان عربي منفصل في فلسطين شرق نهر الأردن."

التقسيم الجيو- سياسي وفق وعد بلفور والخطة البريطانية تقضي بتقسيم الأرض الفلسطينية التاريخية إلى وطن قومي لليهود في فلسطين غرب النهر, أما فلسطين شرق النهر تقضي بقيام كيان عربي, الذي تحول إلى دولة باسم المملكة الأردنية الهاشمية. واجه الشعب الفلسطيني حالة فريدة من نوعها, فهو لا يستطيع أن يكون شعب فلسطيني لأن الجزء الشرقي من فلسطين أصبح مملكة أردنية هاشمية, إذا عليه أن يلغي فلسطينيته في هذا الجانب, ولا يستطيع أن يكون فلسطينينا في فلسطين المحتلة عام 1948 لأنها أصبحت دولة إسرائيل عام 1947. إذا لا بد من وجود إطار غير الدولة الأردنية و فلسطين المحتلة عام 1948 يجسد الوجود السياسي ويعبر عن تمثيل الشعب الفلسطيني.

بدلاً من التعريف الأنثروبولوجي للجغرافيا والشعب الفلسطيني الذي هو فلسطين غرب النهر وشرقه, صار هناك حاجة إلى تعريف سياسي حديث. أي تعريف حديث بالمعنى السياسي, لن يكون له معنى إذا لم يرتبط بالدولة وحدودها الجغرافية. التعريفات الوطنية السياسية هي دولتية أي أنها ترتبط بالدولة الممكنة.

وحيث أنه بعد عام 1947 أقيمت دولة إسرائيل, وفي عام 1950 ضم الأردن أجزاء من فلسطين للأردن, ثم في عام 1967 احتلت إسرائيل الأجزاء التي ضمتها الأردن ودخل في هزيمة 1967 جغرافيا غزة, وبعد تشكيل منظمة التحرير في عام 1964 وتبني الميثاق القومي الفلسطيني [10], القدس، 28 أيار / مايو 1964 فإن "المادة 2: فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة إقليمية لا تتجزأ. " بذا إتخذ هذا الميثاق موقفاً أن فلسطين هي التي تقع غرب النهر, ثم وضع الملك حسين شروطا على الميثاق ففي المادة 24 " المادة 24: لا تمارس هذه المنظمة أية سيادة إقليمية على الضفة الغربية في المملكة الأردنية الهاشمية ولا قطاع غزة ولا منطقة الحمة. وسيكون نشاطها على المستوى القومي الشعبي في الميادين التحريرية والتنظيمية والسياسية والمالية." على أنه في المادة 23 "المادة 23: تحقيقا لأهداف هذا الميثاق ومبادئه تقوم منظمة التحرير الفلسطينية بدورها الكامل في تحرير فلسطين، وفق النظام الأساسي لهذه المنظمة."

كان الشرط على منظمة التحرير أن تمارس تحرير دون أي سيادة لها على المناطق التي تخوض فيها حرب تحرير, لأن السيادة للأردن وفق قرار الضم. شكل هذا الأمر عقدة في منشار السياسة الفلسطينية عندما أدركت أن الأردنة السياسية والتي من بينها السيادة على الجغرافيا والديمغرافيا, عائق أمام تحرر الشعب الفلسطيني من الاحتلال وعائق أمام حقه في تقرير المصير. جال في وعي القيادة لحركة فتح أن معادلة الوجود الفلسطيني لا بد أن تُزيلْ الأردنة السياسية. فرض هذا الصراع أن يكون جغرافيا وديمغرافيا الصراع هي التي ضمها الأردن لأنه من خلالها فقط يمكن أن يكون للمنظمة وجود سياسي في التحرير والسيادة.

في عام 1968 صدر الميثاق الوطني الفلسطيني في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة, ومن بين التغيرات هو إزالة بند رقم 24 الموجودة في الميثاق القومي الفلسطيني. ومن هذه اللحظة تجسدت السياسة الفلسطينية في انفصالها عن مشروع الأردنة السياسية, الأمرالذي شكل حالة من الخصومة والمواجهه العلنية والخفية تراكمت إلى أن وصلت في عام 1971 فيما يعرف بأيلول الأسود.

النتائج السياسية لميثاق عام 1968 وحرب أيلول عام 1971, كشفت عن أن التحدي الفلسطيني السياسي السابق والعائق على موضوع التحرير هو الوجود الفلسطيني. بمعنى صياغة النضالات الفلسطينية في سياقات وجودية, و أن تحافظ على وجودها, له أولوية على التحرير, لأنه بدون الوجود لا تحرير. فتشكلت العقلية السياسية الفلسطينية في حركة فتح بأن استراتيجيات الوجود تطغى وتسود على التحرير.

جسد ذلك المجلس الوطني الفلسطيني الدورة الحادية عشرة البرنامج السياسي[11]- القاهرة، 12 كانون الثاني/ يناير 1973 " إن الضربة التي وجهت للثورة الفلسطينية في الأردن في أواسط عام 1971 واشتداد الهجمة الامبريالية الأميركية والصهيونية على الثورة الفلسطينية والجماهير الفلسطينية داخل المناطق المحتلة وخارجها، ..... المؤامرات تلو المؤامرات من أجل تصفية الثورة الفلسطينية وتصفية الوجود الوطني الموحد للشعب الفلسطيني ولقضيته الوطنية عبر مشروعات تآمرية مثل مشروع آلون ومشروع الدويلة الفلسطينية في الضفة الغربية والقطاع والضم والتهويد ومحاولات الاستيعاب والتذويب للشعب الفلسطيني في المجتمعات التي يعيش فيها في الشتات."

جوهر البرنامج السياسي عام 1973 هو الدفاع عن الوجود الفلسطيني, وأن كافة المشاريع السياسية تسعى إلى تصفية القضية وتذويب وجود الشعب في الشتات. سياقات الوجود فرضت ذاتها على العقلية السياسية الفلسطينية في حركة فتح, وهو ما مهد لما يطلق عليه البرنامج المرحلي عام 1974.
6) البرنامج المرحلي 1974: [12]
في المادة الثانية من البرنامج السياسي المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية المقرر من المجلس الوطني في دورة انعقاده الثانية عشرة 1-8/6/1974 "2- تناضل منظمة التحرير بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الأرض الفلسطينية، وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها، وهذا يستدعي إحداث المزيد من التغيير في ميزان القوى لصالح شعبنا ونضاله."

استخدام عبارة "سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها," تؤكد أن هناك ضرورة للتفكير بالمراحل التي ستواجه القضية الفلسطينية, والانتقال من ممارسات تَدَّعي أنها تسعى إلى مرحلة واحدة كبرى, إلى ممارسات سياسية ستتخذ تكتيات ذات طابع جزئي, مرحلي. هذا هو الشق السياسي من المادة الثانية, أما الكفاح المسلح فهو ليس سياسي بالمعنى الهدف والغاية إنما هو وسيلة لتحقيق هدف. إن رهن الهدف إلى الوسيلة يسعى إلى ضمان تحقيق الهدف بدون تنازلات سياسية, ولكن تحقيق الهدف بذاته, هو أيضاً يفتح آفاقاً ووسائل جديدة. فالهدف السياسي أهم من وسيلته. لذلك, فإن ضمان الهدف هو ضمان الوجود السياسي وبقائه.

في البند رقم 5 " 5- النضال مع القوى الوطنية الأردنية لإقامة جبهة وطِنية أردنية فلسطينية، هدفها إقامة حكم وطني ديمقراطي في الأردن، يتلاحم مع الكيان الفلسطيني الذي يقوم نتيجة الكفاح والنضال." إن تغيير قواعد اللعبة في الأردن ينسجم مع الممارسات السياسية التي تريد منظمة التحرير تجسيدها, وهي أن لا يعبر الأردن عن التمثيل الفلسطيني, وفي ذات الوقت الأردن ليس فلسطين, بمعنى إلغاء الأردنة السياسية في فلسطين. لكن هذا البند لم ينجح, وليس له أفق سياسي, فالقوى السياسية اليسارية الممثلة في الحزب الشيوعي الأردني ليس لديها برنامج في ذلك الوقت يتخطى ويتجاوز مشروع الأردنة السياسي التابع للدولة الأردنية.

سبق البند رقم 2, " تأكيد موقف منظمة التحرير السابق من قرار 242 الذي يطمس الحقوق الوطنية والقومية لشعبنا، ويتعامل مع قضية شعبنا كمشكلة لاجئين؛ ولذا يرفض التعامل مع هذا القرار على هذا الأساس في أي مستوى من مستويات التعامل العربية والدولية بما في ذلك مؤتمر جنيف." يريد المجلس الوطني الفلسطيني أن يقول أن الخلاف مع قرار 242 ليس مبدئيا إنما في تطبيقه على الحقوق الوطنية الفلسطينية "يرفض التعامل مع هذا القرار على هذا الأساس." وطبيعة الرفض تنبع من أن قرار 242 ينطبق على الدول المُعْتَرَفْ بها دَوْليا, وبذا يكون قرار 242 نافذاً ليس من خلال منظمة التحرير الفلسطينية لأنها ليست دولة معترف بها. فالعملية السياسية الفلسطينية بهذا الصدد تكمن في تغيير قواعد اللعبة, بحيث ينتقل قرار 242 إلى حيز منظمة التحرير الفلسطينية. ولكن بما أن منظمة التحرير ليست دولة, كان لا بد من البحث عن دولة أو صيغة تمثيل لها, لكي يصبح هذا القرار نافذا على الشعب الفلسطيني من خلال من يمثل الشعب الفلسطيني وليس دولة أخرى. سنجد ذلك منعكساً على إعلان مبادئ أوسلو.

اربتط البرنامج المرحلي, تأويلاً سياسياً, بنقل القرار 242 و 338 من الأردن ومصر ولبنان وسوريا فيما يتعلق بالفلسطيني إلى منظمة التحرير الفلسطينية, حتى يصبح البرنامج المرحلي سياسياً بالممارسة أي أن له حيز ممارسات سياسية.

7) إعلان مبادئ بشأن ترتيبات الحكومة الذاتية الانتقالية (المسودة النهائية المتفق عليها في 19 آب/أغسطس 1993) [13]

جاء في المادة 1 "هدف المفاوضات. إن هدف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية ضمن عملية السلام الحالية في الشرق الأوسط هو من بين أمور أُخرى إقامة سلطة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية، المجلس المنتخب، ("المجلس")، للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاعِ غزة لفترة انتقالية لا تتجاوز الخمس سنوات وتؤدي إلى تسوية دائمة تقوم على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338."

وهو ما سعت له منظمة التحرير الفلسطينية سياسيا, أن تكون هي المرجع بالنسبة لقرار 242 فيما يتعلق بالشعب الفلسطيني, وليس الأردن كما كان قبل هذا الاتفاق. بذا يكون البرنامج المرحلي قد أنجز التاويل السياسي الذي وضعته حركة فتح له, وهو الانتقال من ممارسة السياسة فيما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني من خلال الدولة العربية, إلى سلطة فلسطينية ليكون للفلسطيني إطار سياسي يعبر عنه ويجسده سياسيا في الواقع الدولي.

كان ياسر عرفات قد أرسل بتاريخ 9 سبتمبر (أيلول) 1993، رسالة اعتراف بإسرائيل "إن التوقيع على إعلان المبادئ يرمز لعصر جديد في تاريخ الشرق الأوسط. ومن منطلق إيمان راسخ أحب أن أؤكد على التزامات منظمة التحرير الفلسطينية الآتية: 1- تعترف منظمة التحرير بحق دولة إسرائيل في العيش في سلام وأمن جديد، وتقبل المنظمة قراري مجلس الأمن رقمي 242 و338." [14]

رد عليه إسحاق رابين, من بين ما جاء في رسالته "فإن حكومة إسرائيل قررت الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل للشعب الفلسطيني،" [15]

تعتبر هذه المحطة الفاصلة في تاريخ الثورة الفلسطينية, خطوة سياسية كبرى, لأنها بالنسبة لمنظمة التحرير هي إنتزاع إعتراف بها كونها ممثل للشعب الفلسطيني وأنها الطرف الذي سوف سيتم التفاوض معه بشأن مستقبل الشعب الفلسطيني, وأن قرارات 242 و338 سيتم ربطها بمنظمة التحرير الفلسطينية.

8) المقاومة فعل سياسي وليس قتالي: تَجْويدْ المقاومة سياسيا

الأعمال القتالية ضد العدو المحتل ليست مقاومة حقيقية إذا لم يتجلَّ المشروع السياسي المرتبط بها أو الممارسات السياسية. فالقول إن المقاومة نهج لا يعني مجرد قول ذلك أن يكتسب شرعية سياسية, قد يكتسب شرعية أخلاقية عقائدية أو أديولوجية, لكنها لا تكفي.
الذي قَدَّمَ مشروع مقاومة حقيقية في الساحة الفلسطينية ثلاثة تيارات, حركة فتح صانعة فكرة المقاومة والسياسة, الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وإلتحقت بها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين, الذي يعرف باليسار المقاتل. ثم لاحقاً حركة المقاومة الإسلامية وحركة الجهاد الإسلامي. تعمل هذه التيارات الثلاثة في المقاومة والسياسي الفلسطيني في آن بمقاربات مختلفة ومتصارعة, أي أنها تمارس مقاومة سياسية فلسطينية وسياسة مقاومة فلسطينية. ليس الأمر كما قد يبدو للوهلة الأولى بأنه مُطْلَقْ أو أنه بلا شوائب, الا أننا نقصد بأنها مقاربات تمارس وتسعى إلى تَجْويدْ الفعل المقاوم والسياسي في آن.

لا يعني أن التنظيمات الفلسطينية الأخرى لم تكن تقاوم أو في المقاومة, بل لها أعمال مقاومة عظيمة وتاريخية, ولكنها فقدت إستراتيجية المقاومة بسبب رهن موقفها السياسي للنظام السوري أو العراقي. بذا, فهي ليست حركات مقاومة سياسية فلسطينية, بل حركات مقاتلة تناضل من أجل الشعب الفلسطيني ولكنها لا تمارس المقاومة سياسياً, أو يمكن القول أنها فَصَلَتْ ولم تنجح في الربط بين المقاومة والسياسة. المقاومة التي تكون تحت الدولة السورية ليست مقاومة, بل هي أعمال قتالية تخدم السياسي السوري وليس الفلسطيني.

9) هل يوجد إطار سياسي للمقاومة الفلسطينية؟

الإطار السياسي الممكن للمقاومة هو من داخل حواضن ما بعد أوسلو. وغير ذلك, ليس ممكنا, وليس مسموحا لا من سوريا ولا من لبنان أو مصر والأردن الخوض في فكرة المقاومة بأي شكل من الأشكال.
وبالفعل, وبحكم الأمر الواقع, كافة أعمال المقاومة الفلسطينية تأتي من حواضن سياسية أنشأتها ظروف سياسية تشكلت بعد أوسلو. هذه الحواضن التي توالدت أجيال جديدة من الذين عادوا من الخارج إلى الداخل الفلسطيني وكذلك من تحويل المشروع الفلسطيني وقيادته إلى الداخل الفلسطيني متجاوزاً إلى درجة كبيرة قيود المحيط العربي عندما كانت المقاومة والسياسة الفلسطينية مطلوب منها أن تكون تحت الدولة العربية القُطْرِيّة.

10) آلية الانتقال من أوسلو إلى الدولة الفلسطينية

تحولت حالة أوسلو السياسية إلى ثقب أسود فلسطيني, وهو الآن يواجه مفترق طرق أمام همجية وهجمة اليمين الصهيوني. إن أعمال المقاومة الحالية التي إنطلقت من العملية البطولية طوفان الأقصى منذ 7 أكتوبر 2023, وعلى الرغم من حجم المأساة التي يعيشها شعبنا في غزة, وأمام صمت وحصار عربي ممتد منذ أكثر من سبعين عاماً, ومواصلة بعض الدول العربية الوازنة إمداد الكيان في حماية عسكرية ودعم إقتصادي وصمت عن جرائمه, فإن أمام الشعب الفلسطيني الآن أن يتمسك في الحصول على دولته المستقلة لانقاذ شعبه من مسلسل الإجرام الصهيوني الذي يقف خلفه الدعم الإمبريالي العالمي والعربي.

جسدت عملية طوفان الأقصى مفتاح سياسي للتاريخ الفلسطيني, لا تقل في أهميتها عن الفتوحات الكبرى في التاريخ, على الرغم من محدوية المكان والزمان في قطاع غزة. إن صمود المقاومة وتصديها الباسل لن يمر مرور الكرام في التاريخ السياسي الفلسطيني, بل سيكون رأس حربة جديدة, تخترق المشروع الصهيوني في جسده وروحه. ترفد المقاومة في الضفة مسيرة التحرر الفلسطيني, وهي مقاومة متدحرجة غير منقطعة, قبل واثناء وبعد طوفان الأقصى.
لن يستطيع السياسي الفلسطيني, من معسكر أوسلو, أن يقفز في أي تكتيك سياسي قادم, عن طوفان الأقصى والمقاومة في الضفة الغربية لنهر الأردن, ولن يستطيع السياسي الفلسطيني, من معسكر الخصم, أن يقفز عن أوسلو في أي تكتيك سياسي قادم.
أوسلو والمقاومة, قطبا المشروع لفلسطين, تَسْتَعْصي التجاوز. السؤال الفلسطيني هو هل نريد مواجهة عسكرية كبرى مع الكيان الصهيوني, أم مواجهة سياسية ديبلوماسية, أم كلاهما, وكيف؟

يتبع/الجزء الثاني

المراجع
(1) مجلة الهدف (العدد رقم 52 ) 1526 ( آب / أغسطس 2023). صفحة 46. استلابُ الذّاتِ الفلسطينيّةِ في مشروعِ غسّان كنفاني
(2) https://qudspress.com/105279/
(3) في سؤال كيف نكتب عن فلسطين؟ - بوابة الهدف الإخبارية (hadfnews.ps)
(4) https://www.palquest.org/ar/historictext/30209/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%83-%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D8%A8%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D9%81%D9%83-%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B6%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9. خطاب الملك حسين بشأن فك ارتباط الأردن بالضفة الغربية عمّان، 31 تموز/ يوليو 1988. Accessed 25/12/2023
(5) الميثاق الوطني الأردني الصادر عام 1991 هو مؤسسة تشريعية مؤقتة صدرت بقرار ملكي من الملك الحسين بن طلال بعد انتخابات 1989 ، التي شاركت بها جميع القوى السياسية، تشكلت اللجنة من قرابة مئة عضو من شخصيات سياسية مرموقة وتم صياغة ما عرف بالميثاق الوطني برئاسة رئيس وزراء الأردن الأسبق أحمد عبيدات. وقد صدر اليثاق الوطني الأردني الأول سنة 1928. تم التوقيع على الميثاق الوطني ما يقارب 400 شخصية أردنية منهم: أحمد عبيدات عبد الكريم الكباريتي، فارس النابلسي، طاهر كنعان، محمد الحموري، مروان المعشر، يعقوب زيادين، اسحق الفرحان، عبد اللطيف عربيات، نائلة الرشدان، ارحيل الغرايب، زكي بني ارشيد، علي أبو السكر، حمزة منصور، منير حمارنة، خليل عطية، وائل السقا، سمير خرفان، حاتم الحلواني، محيي الدين المصري، حران زريقات، خالد محادين، طاهر العدوان، فهد الخيطان، مصطفى حمارنه، إبراهيم سيف، محمد أبو رمان، محمد البشير، محمد الجمل، لبيب قمحاوي، وليد المصري، وهدان عويس، ياسر أبو هلاله، باسل رفايعة، بسام بدارين، هاني الحوراني، هاشم غرايبة، زهير أبو الراغب، رائد سمارة، خالد رمضان، عماد حجاج، عريب الرنتاوي... https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%AB%D8%A7%D9%82_%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86%D9%8A#:~:text=%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%AB%D8%A7%D9%82%20%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D8%B1%20%D8%B9%D8%A7%D9%85,%D9%88%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%A8%D9%82%20%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D8%AA
(6) https://twitter.com/hattar_nahed/status/1574034888361140224
(7) https://oldwebsite.palestine-studies.org/sites/default/files/Palestinian_declaration.pdf. وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني المجلس الوطني الفلسطيني "الدورة 19" الجزائر 15 نوفمبر 1988. Accessed 25/12/2023
(8) صك الانتداب:صادق مجلس عصبة الأمم على صك الانتداب في 24 تموز/ يوليو 1922، ووضع موضع التنفيذ في 29 أيلول/ سبتمبر 1923. تألف الصك من مقدمه و28 مادة. اختصت المواد 22،11،7،6،4،2 بإنشاء الوطن القومي اليهودي، أما المواد 17،21،3،1 فقد تناولت المصالح البريطانية وأعطت دولة الانتداب السلطة التامة في التشريع والإدارة
(9) Since the Balfour Declaration contained no geographical definition, Churchill’s advisers concluded that Britain could fully reconcile and fulfill her wartime pledges* by establishing a Jewish National Home in Palestine west of the Jordan and a separate Arab entity in Palestine east of the Jordan. Fromkin, David. A Peace to End All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East (pp. 504-505). Henry Holt and Co.. Kindle Edition.
(10) https://www.palquest.org/ar/historictext/9614/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%AB%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%85%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A
(11) https://www.palquest.org/ar/historictext/16277/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%8C-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%86%D8%A7%D9%85%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A
(12) https://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4897
(13) https://www.palquest.org/ar/historictext/9687/%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%A6-%D8%A8%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D8%AA%D8%B1%D8%AA%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D9%88%D8%B3%D9%84%D9%88-i
(14) https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2011/3/31/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%81-%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A8%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84
(15) https://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4893
(16)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إسرائيل: استقالة رئيس الاستخبارات العسكرية على خلفية إخفاقات


.. نيويورك تايمز: إسرائيل خططت لشنّ هجوم أكبر على إيران لكنها ت




.. قمة تونسية جزائرية ليبية.. فما أبرز الملفات التي تهيمن على


.. أوروبا تبحث معاقبة إيران.. من الحرس الثوري للصواريخ والدرون




.. هل تسهم زيارة أردوغان إلى العراق في تسوية الخلافات بين البلد