الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ثورة المزارعين واحتجاج سائقي الجرارات: المجتمع الأوروبي مجتمع همبرغر لا يعرف قيمة الطعام

عصام بن الشيخ
كاتب وباحث سياسي. ناشط حقوقي حر

(Issam Bencheikh)

2024 / 2 / 11
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


أد/ عصام بن الشيخ

ركز عنوان مجلة The Week البريطانية العدد 1474 الصادر في (10 فبراير) الجاري، على ثورة المزارعين The Farmers Revolt، ضد السياسة الزراعية المشتركة La PAC /La Politique Agricole Commune للاتحاد الأوروبي، واعتبرها قوة جديدة في أوروبا ضد سياسات الجرارات Tractors Politics، حيث يتحول غضب الفلاحين إلى تيار سياسي قوي يطالب بإصلاحات استعجالية للسياسة الفلاحية الأوروبية الموحدة، وإلاّ انزلقت الدول الأوروبية في فخّ الندرة وغلاء الأسعار وربما نقص الغذاء والمجاعة كلما تعقّدت الأزمة. يشتكي الفلاحون من عبء العمل الزائد وارتفاع تكاليف الإنتاج الفلاحي والطلب غير المراعي للعرض والدخل غير المستقر وتذبذب الإعانات المؤسسية للمزارعين. كما اهتمت الغارديان الأسبوعي The Guardian Weekly عدد فبراير الجاري، بما أسمته "زلزال الفلاحين الأوروبيين"، وآثارها على السيادة الغذائية الأوروبية، واحتمالات تعريضها لتهديد خطير يضعف التماسك الأوروبي بشكل مزمن، خاصة وأنّ الاتحاد الأوروبي مصرّ على إتمام خطته للصفقة الخضراء 2027 بشأن المناخ والتنوع البيولوجي.
تواجه أوروبا المنبطحة للتحالف الصهيو-أمريكي، مؤامرة عميقة، بدأت قبل اندلاع الحرب الأوكرانية، التي حرمتها من الطاقة الروسية، والأسمدة والأعلاف والبذور واللحوم القادمة من موسكو، ويوما بعد يوم، بدأت أزمة غذائية تتكشف بهدوء في الأسواق الأوروبية، تنبّه إليها المزارعون في فرنسا وألمانيا وليتوانيا وبلجيكا وهولندا ودول أوروبية أخرى، كانوا يتناقشون في فضاءات سرية قبل أن تنفجر قضيتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، ويتسلل إليها اليمين المتطرّف، الطامع في قيادة هذه الاحتجاجات. وتزداد المشكلة تعقيدا مع العودة المحتملة للرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب إلى المسرح السياسي الأمريكيّ، حيث ينشر التيار المؤيد له سرديات مناهضة لسياسات الاتحاد الأووروبي، مستندة إلى تنامي الشعبوية الأمريكية وتماهي الفاشية المتطرفة مع شعار "أميركا أولا". كما جاء لقاء الصحفي المستقل كارلسون تاكر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمعطيات جديدة، يدافع من خلالها الرئيس اروسي عن شريكه الصينيّ، ويؤكّد ابتعاده الكليّ عن الجوار الأوروبي المتورط في سياسة العقوبات الأمريكية ب10 آلاف عقوية ضد موسكو، وغير المكترث بالتوجه الأوكراني غير العقلاني نحو الانضمام لحلف شمال الأطلسي الناتو والاتحاد الأوروبي.
أوروبا غير المهتمة بما يحدث في غزة، خسرت الكثير من الأموال التي بذّرها النازيّ فلوديمير زيلينسكي في الحرب العبثية لتدمير "سلام الأعراق" مع الجوار الروسي والتاريخ السوفياتي المشترك. أوروبا المتواطئة التي تؤكّد حقّ الكيان الصهيوني في الدفاع عن نفسه بعد واقعة ≠طوفان_الأقصى في قطاع غزّة، لا تأبه لمقتل 28 ألف فلسطيني أكثر من ثلثهم من الأطفال المدنيين الأبرياء. تنزلق أوروبا اليوم بهدوء في فخّ مجاعات ستظهر ببطء في المناطق الفقيرة والعديد من الأرياف في العمق الأوروبي، وربما يمكن للبطالين والمطرودين المسرحين من العمل والفلاحين والمهاجرين غير الشرعيين وغيرهم من المهمشين..، أن يؤسسوا تحالفا بين المجاميع والبريكاريا، لتأسيس بروليتاريا مناهضة للوحدة الأوروبية، وتكرار فريكسيت Frexit مدمّر بعد بريكسيت Brexit. ومن المؤكّد أنّ الفيلسوف السلوفيني سلافوي زيزاك سيهتم بمشكلة احتجاجات المزارعين الأوروبيين، الذي تسببت ثورتهم في إغلاق طرق ونقاط عبور حساسة، تسببت في أزمة مرور حادة في أكثر من مدينة أوروبية. نحن نتحدث عن حركة فلاحية تتحدى الخطة الأوروبية للدفاع عن المناخ وضد التهديدات البيئية المرتقبة.
لطالما ناقش الفرنسيون مشكلة الفلاحة عندهم، من خلال تاريخ بلدهم الطويل مع أفكار المدرسة الفيزيوقراطية التي افتخرت بتحقيق الثروة الفرنسية عبر الفلاحة والمنتجات الرعوية، خاصة النبيذ والأجبان واللحوم، التي تربعت على الريادة العالمية لعدة عقود متتالية، مستفيدة من ضخ الرساميل الكبرى للإعانات المالية القادمة من المستعمرات الفرنسية خاصة في القارة السمراء. لكنّ الرئيس الفرنسيّ الحالي إيمانويل ماكرون تنبّه في كتابه Révolution الصادر سنة 2017 لمشكلة المزارعين، والتي تتأثر بالسياق الدولي، في ما أسماه "الهبوط برفق" نتيجة تكريس السياسات التسكينية لعدة عقود سبقت وصوله إلى الحكم، محذرا من تأثر واستغلال أحزاب المعارضة لأزمة الفلاحين، قائلا أنّ الأحزاب المتطرفة تتخيل الدولة كشرّ وتراهن على كسرها، لأنّها تدير مقاولات صغيرة، وتمارس الصراخ الزائف، وتنخرط في نقاش من خارج التخصّص. واقترح ماكرون في كتابه سياسة أسعار تجعله يضمن المستهلك إلى صفه، خاصة وأنّه طالب كبريات المحلات التجارية بعدم رفع الأسعار وتوحيدها، لمساعدة الحكومة الفرنسية على تجاوز أزمة الديون المتراكمة للولايات المتحدة والكثير من الدول الأوروبية.
أسّس الأخوان ريتشارد وموريس ماكدونالدز عام 1937 سلسلة مطاعم ماكدونالدز التي تشغّل عشرات الآلاف من المطاعم وتوظّف مئات الآلاف من الموظفين، وتقدّم وجبات غذائية لذيذة تتضمن سعرات حرارية كثيرة في زمن وجيز، بناء على مقاربة: "ثقافة خدمية تكرّم الفرد". حققت ماكدونالدز رقم 10 ملايين دولار أجورا لكل 14 ألف عامل لديها، مما يعني أنّها صاحبة أعلى البيانات حوسبيا في توزيع الوجبات، كرّس مفهوم الماكدونالدزية The Concetp of MacDonalism، ذراعا طويلة Long Arm" لأيقونة ثقافية غذائية عالمية تحتلّ الصدارة وتلغي غيرها من الثقافات الفرعية الأخرى عبر آليات الانتشار والتخطيط والسيطرة والتوسع، للسيطرة على المستهلكين. وهذا مثال بارز على الاعتمادية الأوروبية على الشريك الأمريكي الشبيه لهم ثقافيا.
يخشى الأوروبيون أنّهم سيضطرون للبحث عن بديل آسيوي للعلامات الغذائية الغربية الأمريكية والأوروبية، بعد إعلان إفلاس الشركات الغربية متعددة الجنسيات، بسبب أزمة الديون التي تتجاوز تريليونات من الدولارات. والأخطر، هو خطة الشركات الآسيوية لشراء هذه الإفلاسات وابتلاع الشركات الغربية المفلسة، خاصة وأنّ العقوبات الغربية ضدّ الحكومة الروسية، قد أزال الثقة بشكل كبير في الشركاء الغربيين، الذين غلبوا قيم الغرب الجماعي على المصلحة الإنسانية المشتركة.
يحذّر الباحث الأمريكيّ مايكل هودسون من خلال منتدى النقاش مع الباحث البرازيلي اللامع بيبي اسكوبار، من حتمية عودة ظاهرة الكولونيالية بشكل حتميّ، للبحث عن موارد ورساميل جديدة، وأسواق توزيع يتحكم عبرها المحتلّ في الكساد وسياسة الأسعار، خاصة إذا أعلنت الصين عن إزالة الدولرة بشكل نهائي كعملة تداول عالمي ليعلن معه موت الأورلة خاصة وأن عملة الأورو تبع نظما ماليا تالفا ينذر بانفجار البنك الأوروبي الموحد بسبب أزمة الديون المسكوت عنها لعدة عقود وزاد في عمقها الورطة الأوكرانية التي كشفت ضعف التصنيع العسكري ّ لكتلة دول الغرب الجماعي. والسؤال المطرح: هل تتلاعب الصين وروسيا بالفلاحين الأوروبين عبر سياسات بروكسي لتسريع انهيار الغرب الجماعي؟، وهل ستستغل هذه الأزمة وتقوم بتعميقها كما يهدّد دونالد ترامب؟، أم أنّها ستكتفي بالفرجة على دكّة الاحتياط؟.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. يرني ساندرز يدعو مناصريه لإعادة انتخاب الرئيس الأميركي لولاي


.. تصريح الأمين العام عقب الاجتماع السابع للجنة المركزية لحزب ا




.. يونس سراج ضيف برنامج -شباب في الواجهة- - حلقة 16 أبريل 2024


.. Support For Zionism - To Your Left: Palestine | الدعم غير ال




.. كلام ستات | أسس نجاح العلاقات بين الزوجين | الثلاثاء 16 أبري