الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2)

عبد الرحمان النوضة
(Rahman Nouda)

2024 / 2 / 28
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية


[ هذا النَصّ هو الجزء الثاني (2/2) من فَصْل مُـقْتَطَف من كتاب: (رحمان النوضة، الجِنْس والدِّين، نشر 2016، الصفحات 180، الصيغة 17). والعُنوان الكامل لهذا الـفَصل هو "كَيْف نَتَـعامل مع مُمَارَسَة الجِنْس خَارج الزَّواج ؟". وهذا الكتاب هو مكتوب على شكل حِوَار بين شخصين مُبْهَمَيْن، وهما آدم وإبراهيم. وَيُمكن تَنْزِيل هذا الكتاب من مُدوّنة الكاتب ].
آدم : ذَاكَ هو اخْتِيَّارُك. وأنـتَ حُرٌّ في آرَائِـك، وفي اختيّاراتك. لكن يَصْـعُبُ عليّ أن أُسَايِرَك في بعض مواقـفـك... لكن، في رأيي، واجب كل المُراهقين، والعُزَّاب، والمُطَلَّـقِين، هو أن يَمتنـعوا عن مُمَارَسَة الجنس، إلى حِين أن يَتزوّجوا طبقًا للقانون. وإذا أحسّوا، قبل عقد الزواج، بضغط الحاجة إلى مُمَارَسَة الجنس (خارج الزّواج)، يلزمهم أن يفـعلوا مثل أجدادنا، أي أن يتـعاطوا لِمُمَارَسَة الصّلاة، والصّوم، والقيام بأشغال مُنْهِـكَة، أو لعب الريّاضة. والهدف هو تحويل الطّاقة الجنسية إلى طاقة روحية، أو إلى طاقة عضلية. وهكذا سيتخلّصون من ضغط تلك الحاجة إلى مُمَارَسَة الجنس.
إبراهيم : لا يا مواطن ! هذه أُسْطُورَة. نحن البشر لا نعرف بعدُ كيف نحوّل الطاقة الجنسية إلى طاقة روحية، أو عضلية(1). والإكثار من مُمَارَسَة العِبادة، أو الاشتـغال، أو الرياضة، لا يقدر على إزالة ضغط تلك الحاجة الطبيعية إلى مُمَارَسَة الجنس. وبعض الـفـقـهاء الإسلاميّين الأصوليّين، الذين تَـعَـنَّـتُـوا وَتَشَدَّدُوا في مَنـع مُمَارَسَة الجنس خارج الزّواج، سَـقَـطُوا هم أنفسهم في فضائح مُمَارَسَة الجنس خارج الزّواج القانوني. وهذه الظاهرة مَوجودة لدى كلّ من اليهود، والنصارى، والمسلمين، وغيرهم. والعُلماء المَوْضُوعِيُّون يُدركون أن الإحساس بالحاجة إلى مُمَارَسَة الجنس يَنْتُج عن تَـغيّرات عُضْوِيَة (بَيُولُوجية) في تَوازنات هُرْمُونِيَة (hormonale) مَوْجُودة داخل الجَسَد. لأن بعض الغُدَد في الجسم، تُـفْرِزُ هُرْمُونَات. وَتَدُور هذه الهُرْمُونَات في الجسم، مثلًا عبر الدَّم، وَتُأَثِّـر على اِشْتِـغَال الدِّمَاغ، أو تُؤَثِّر على اِشْتِـغَال أعضاء أُخرى. وإلى حدّ الآن، لا يعرف الأطباء، ولا العُلماء، كيف يغيّروا تلك التوازنات الهُرْمُونِيَة، بهدف تَهْدِئَة الهَيَجَان الجِنسي، بدون الإساءة إلى بَـقِـيَـة أعضاء الجسم. ومهما قال فقهاء الدّين، في مجال الأخلاق الجنسية، فالعُلماء المَوضوعيّون يعرفون أن المُراهقين، والعُزّاب، والمُطَلَّـقِين، سواءً كانوا ذكورا أم إناثا، يطمحون كلّهم إلى الاستمتاع بتسهيلات في مجال العلاقات الجنسية الخارجة عن الزواج، ولو أنهم لا يجرؤون على المطالبة عَلَنِيَّةً بهذه التَّسهيلات.
آدم : ولماذا لا نطلب من جميع المواطنين التحكّم في النّـفس، والامتناع المطلق عن مُمَارَسَة الجنس خارج الزواج ؟
إبراهيم : لأن هذه الوصيّة ليست واقـعية. والدّماغ يُحاول التَـقَـيُّد باحترام الأخلاق، أو الدّين، أو القانون، لكن الجسم يفرض على الدّماغ بأن يتدبّر وسيلة ما للقيام بِمُمَارَسَة جنسية. فإمّا أن يقوم الجسم بهذه المُمَارَسَة الجنسية بطريقة طبيعية، وسليمة، وإمّا أنه سيضطر للقيام بها بطريقة مَخفـيّة، أو مُلتوية، أو غير مُباشرة، أو مَحظورة، أو مُنحرفة، أو شَاذَّة. لكن في جميع الأحوال، لا مَفرّ للجسم من القيام بمُمَارَسَة جنسية، بطريقة أو بأخرى. لكن، ما هو موقفنا نحن ؟ هل نَدفع المُواطنين نحو مُمَارَسَة جِنسية طبيعية، وسليمة، أم أننا نُـفضّل دفعهم نحو مُمَارَسَة جنسية منحرفة، أو شاذّة ؟ هذا هو المشكل.
آدم : من فضلك، لا تحاول إقناعي. أنا لا أقبل أيّ تَساهل في ميدان الأخلاق الجنسية. وفي رأيي، الحل الوحيد المقبول هو التَحَـكُّم في النّـفس، والإمساك التّام عن أي شكل من أشكال مُمَارَسَة الجنس، إلى أن تتوفر شروط عقد زواج قانوني. وكل مخالفة في هذا المجال، يجب مُعَاقَـبَتُهَا بِدون رأفة.
إبراهيم : لا يا مواطن ! تَخَيَّلْ نـفسك في وضعية الشخص الذي يصل جسمه إلى سِنّ البُلوغ العُضوي (أو النُّضج الجِنسي)، والذي يَحصل عادةً بين سِنَّـيْ 12 و 14 سنة، ولا يستطيع هذا الشّخص، في مُجتمعاتـنا الحَديثة، عَـقْد زواج قانوني (يسمح له بمُمَارَسَة الجنس)، إلاّ بَـعْدَمَا يَبْلُـغُ سِنًّا قَد يَتراوح بين 30 و 35 سنة. وَقُلْ لي من فضلك : هل بِمَـقْـدُورك حقّا أن تُمْسِك كلّيا عن مُمَارَسَة الجنس خلال قرابة 20 سنة من شبابك ؟ لا، هذا ليس بِمُستطاع أي بَشر سليم.
آدم : ولماذا لَا يَـقدر البَشر على الامتـناع عن مُمَارَسَة الجنس خلال مُدّة طويلة ؟
إبراهيم : لأن الطبيعة العُضوية للجسم، لَا تسمح بذلك الامتناع الطويل الأمد عن مُمَارَسَة الجنس. ومجتمعنا الحديث، لا يتوفّر، إلى حدّ الآن، على أيّ حلّ معقول ومُتوافق عليه لهذا المُشكل(2). إن مَن يطلب من مُواطن شابّ مُراهق، أو مِن مُطَلّـق، أن يَمتـنع عن مُمَارَسَة الجِنس خارج الزواج الـقانوني، كَمَنْ يطلب من شخص مَثَانَتُه (vessie) مُمْتَلِئَة، أن لَا يَبُول.
آدم : ولماذا تُـعارض إلى هذه الدّرجة مَنـع مُمَارَسَة الجنس خارج الزّواج ؟
إبراهيم : ألاحظ أنك لم تَـفْهَم بعدُ، أن حِرمان بعض المُواطنين من مُمَارَسَة الجِنس (خارج الزواج)، يُجبرهم على البحث (في السِرِّيَة) عن بَدَائِـل جِنسية، مهما كانت هذه البدائل سيّئة، أو رديئة، أو مُضرّة. وعليه، فهذا التَشدّد الأخلاقي، وغير العقلاني، (الذي يَمنـع مُمَارَسَة الجنس خارج الزَّواج)، يدفع كلّ هؤلاء المُواطنين نحو أنواع شَتَّى من الانحرافات الجنسية (مثل الاسْتِمْناء باليد والصَّابُون، أو اللّجوء إلى الدَّعَارة، أو الشُذوذ الجنسي(3)، أو المِثْلِيَّة (homosexualité)، أو الاغتصاب، أو الوَلَع بِمُمَارَسَة الجنس مع الأطفال، أو مُمَارَسَة الجنس مع بعض الحيوانات الأليفة، إلى آخره). فهل تَـقبل بِوُجود هذه الظواهر المُنحرفة في المُجتمع ؟ أَلَا تَـكُون مُمَارَسَة الجنس خارج الزَّواج أَهْوَن من هذه الانحرافات الجِنْسِيَة ؟
آدم : ولكن تُوجد بُلدان تَمْنَع مُمَارَسَة الجنس خارج الزّواج، دُون أن تَحدث فيها مثل تلك الانحرافات الجِنسية التي ذَكرتها سابـقًا.
إبراهيم : لَا يا مُواطن. لَا تَنْخَدِع بما يُشَاع مِن دِعَايَات. لَا يُوجد وَلَوْ مُجتمع حَدِيث واحد خَالٍ من تلك الانحرافات الجِنسية. كلّ المُجتمعات الحديثة التي تَمْنَع مُمَارَسَة الجنس خارج الزّواج، تُوجد فيها تلك الأنواع مِن الانحرافات الجِنسية التي ذكرتُها لك سَابِـقًا. (وَأَسْتَثْنِي هُنَا بعض المُجتمعات التي كانـت مَوجودة في التاريخ القَديم، والتي يُحْتَمَل أنها كانـت تـقريبًا خَالِيَّة من تلك الانحرافات الجِنسية، وذلك بِسَبب تَـعْـمِيمِهَا لِلزَّوَاج المُبْـكِر، منذ قُرابة سِنّ 18 سنة). وحتى بعض المُجتمعات المُتَدَيِّنَة (أو المُسلمة) الحَدِيثَة، التي تَـظهر وكأنها خالية من هذه الانحرافات الجنسية، إنما تَـكُون فيها هذه الانحرافات الجِنسية مَستورة، أو مَخفية، بسبب القمع الشديد المُسلّط ضِدَّهَا. لهذه الأسباب، أقـول لك، إن نتائج التَشَدُّد في مَجال مَنْع مُمَارَسَة الجنس خارج الزّواج (في المُجتمعات الحَديثة)، هي أخطر بِـكثير من نتائج التّسامح في هذا المجال. لِذَا، أطلب منك شيئا من المُرونة الفِـكرية، ومن العَقلانية، ومن الرّحمة، ومن التَـفَهُّم، ومن التَسامح، والإنسانية.
آدم : في ظَاهِر الأُمُور، الجِنْس غَائِب من المُجتمع. لا أحد يراه، ولا أحد يتـكلّم عنه. كَأَنّ الجِنْس مُخْتَـفٍ، أو مُتَوَارٍ. لكن في الواقع المُسْتَتِر، المُواطنون مَهْوُوسُون بِالجِنس، في كلّ مكان، وفي كلّ حِين. كأنهم لا يُـفكّرون سوى في الجنس، أو كأنهم لا يبحثون سوى عن الجنس. أنا لَا أَفْهَم لماذا يَبحثُ النّاس عن مُمَارَسَة الجِنس بهذه الحِدَّة. ولا أفهم لماذا يَتَـهَـافَـتُ الناس على مُمَارَسَة الجِنس بهذا الشّـغَـف المُلِـحّ. كما لا أفهم لماذا الناس هم مَهْوُوسِين بالجِنس إلى هذه الدَّرَجَة.
إبراهيم : معك الحَـقّ. هذه تَسَاؤُلات وَجِيهَة. يَرغب الناس في مُمَارَسَة الجِنس، لكن نَمَط تَنظيم مُجتمعنا الحالي، يجعل أن الاستمتاع بِمُمَارَسَة الجنس يبقى صَعْب المَنال، أو نَادِرًا، أو شِبْهَ مُستحيل، خاصّةً لدى غير المُتـزوّجين، مثل المُراهقـين، والعُزَّاب، والمُطَلَّقِين، والْأَرَامِل، الخ. وَكُلّما كَبُرَت نَدْرَة مُمَارَسَة الجِنس، تَزَايَد البحث عنها.
آدم : وماذا تَـقْصِد بِـعِبَارة «نَمَط تَنظيم المُجتمع» ؟
إبراهيم : أَنْمَاط تَنظيم المُجتمع مُتَـعَـدِّدَة وَمُتَنَوِّعَة. وفي مجال مَوضوعنا الحالي المُتَـعَـلِّق بِالجِنْس، فإنّ «الفَصْل المُجتمعي الصَارِم بين الإِنَاث والذُكور»، هو نَمَط مِن بين أنماط تـنظيم المُجتمع. وكلّما كان «الـفَصْل الصّارم بين الإناث والذكور» قَائِمًا، سَتَنْتَشِر حَتْمًا المِثْلِيَة (homosexualité) في المُجتمع المعني.
آدم : أنـتَ تَتـكلّم كأنّك واثـق مِمَّا تَـقول. وكأنّ ما قُلْتَه هو قَاعِدَة مُجتمعية، وَتَنْطَبِـق على مُجمل مُجتمعات العالم.
إبراهيم : بِالتَّأْكِيد ! أُنْظُر. مثلًا، سَبَـق أن عَرضت قَنَاة "نَاسْيُونَالْ جَايُوغْرَافِيكْ" (National Geographic) فِيلْمًا عن جَزِيرَة مَـعزولة، وخالية من السُكّان، وَتَـكْثُر فيها السَّلَاحِـف (tortues)، وَيَدرس فيها العُلَمَاء سُلُوكِيَّات هذه السَّلَاحِف. وَبِسَبَب وُقُوع خَلَل جِينِـي، أو ما شَابَه ذلك، اِنْخَـفَضَت نِسْبَة الْإِنَاث المَوْلُودَات، مِن قُرابة 50 في المِئَة مِن مَجْمُوع السَّلَاحِف الموجودة في الجزيرة، إلى قُرابة 25 في المِئَة. ولاحظ هؤلاء العُلَمَاء أنه، كُلّما كان وُصول السَلَاحف الذكور إلى السَّلَاحف الإناث، صَعْبًا، أو شبه مُستحيل، (مثلا بِسبب اِنْخِفاض نِسْبَة السَّلَاحف الإناث المَوجودات في البِيئَة المُحيطة)، تَضْطَرُّ نِسْبَة هَامّة من السَلَاحف الذُكُور إلى مُمَارَسَة الجنس مع سَلَاحف ذكور مثلهم. هذه قاعدة مُجتمعية، أو قانون مُجتمعي (loi sociétale). ولا تَخضع هذه القاعدة لِلْوَعْظ الأخلاقي، أو لِلْإِرْشَاد الدِّيني، أو للـقانون البشري.
آدم : كَيـف ؟ هذا مُدْهِش ! أنـتَ تـربط آليًّا بين الـفَصْل بين الإناث والذكور، من جهة أولى، ومن جهة ثانية، المِثْلِيَة ؟
إبراهيم : بَلْ تَـصْدُق هذه الـقاعدة (المذكورة سابقًا) على مُجمل البَشَر. كما تَنْطَبِـقُ هذه الـقاعدة، مثلًا، على السُّجَنَاء المَحكومين بـعـقـوبات كبيرة. لأنّ السُجون هي مكان تُوجد فيه جُدْرَان سَمِيـكَة، مَبْنِيَة بِالإِسْمَنْت، تَـفْـصِل بين الإناث والذكور، (بِالإضافة طَبْـعًا إلى الـجِدَار غير المَرْئِي الذي يَـفْصِل بين الإناث والذُّكُور في عُمُوم المُجتمع). فَـتَلْجَأُ نسبة مُـعَـيَّـنَة من السُجناء إلى الْاِسْتِمْنَاء بِاليَد والصَّابُون. وَتَـلْـجَـأُ أَقَـلِّيَة منهم إلى المِثْلِيَة. وتُحاول نسبة أخرى حلّ المُشكل الجنسي بِالصّلاة، أو بِالعِبادة، الخ.
آدم : غَرِيب ! تتـكلّم عن الجِنس بِبَساطة مُدهشة !
إبراهيم : لَدَى البَشَر، كُلّما تَرَاكَم السَّائل المَنَوِي(4) (sperme)، الجَاهز للاستـعمال، داخل الجهاز التـناسُلِي، تَتَصَاعَد رَغْبَة قويّة في مُمَارَسَة الجنس. حيثُ أنّه، في كلّ مرّة تَـتَـرَاكَمُ فيها إِفْـرَازَات الخِصْيَتَيْن (testicules)، وَالحُوَيْصَلَتَيْن المَنَوِيَّتَيْن (vésicules séminales)، لَدَى شخص مُذَكَّر، يُصبح هذا الشّخص مُجْبَرًا على تَدَبُّر شُؤُونه لِـتَـفْـرِيـغ هذا السّائِل المَنَوِي، سواءً عبر مُمَارَسَة سَليمة لِلجنس، أم عبر مُمَارَسَة للجنس تُوصَـفُ بأنها مُنْحَرِفَة.
آدم : ولماذا ؟
إبراهيم : لأنه كلّما اِمْتَلَأَت الحُوَيْصَلَتَيْن المَنَوِيَّتَيْن، كَبُر الضَّغط فيها، فَتَنْتَشِرُ هُرْمُونَات مُـعَيَّنَة في الجِسم. فَـيَـزْدَاد التَشْوِيش على الدِّمَاغ. وَيَـكْـبُرَ الْهَوَسُ بِالبَحث عن إِمكانيّة مُمَارَسَة الجِنْس. وعندما تـنجح الإثارة الجنسية في الوُصول إلى نهايتها، تحدث هزّة الجِمَاع، أو ذِرْوَة التَهَيُّج الجِنْسِي (orgasme). الشّيء الذي يُـفْضِي إلى الـقَذْف (éjaculation). وهذا الـقذف هو إفراغ الحُوَيْصَلَتَيْن المَنَوِيَّتَيْن. وبعدما يُـفْرِغُ الشّخص المَـعني حُوَيْصَلَتَيْه المَنَوِيَّتَيْن، يَرتاح من ضَغْط الرّغبة في مُمَارَسَة الجِنس. بَل يَنْسَى موضوع مُمَارَسَة الجِنس. ومن الواضح أنه لا يُمكن الخَلاص من الرّغبة في مُمَارَسَة الجِنس، أو بعبارة أخرى، لَا يُمكن إفراغ مُحتوى الحُوَيْصَلَتَيْن المَنَوِيَّتَيْن، بِالوَعْض، أو بِالْإِرْشَاد، أو بالعبادة، أو بالتهديد بالعـقاب. بل الحلّ الوحيد هو مُمَارَسَة الجنس، إمّا بطريـقة سليمة، وإمّا بطريقة مُنحرفة. وَمُعظم الأشخاص الذين يُمارسون الجِنس بطريـقة غير شَرعية، أو مُنحرفة، يُؤَنِّبُهُم ضَميرهم، أو يُحِسُّون بعدم الرِّضَـى عن أنـفسهم.
آدم : هذا غريب ! أنا أَتَـعَـجَّب من السُهُولة التي تُحَلِّـل بها هذه الـقضايا الجنسية المُـعـقّـدة ! وَتُـعْـطِـي الأولويّة إلى العمليّات البَيُولُوجِية التي تحدث داخل الجسم، وذلك على حساب أيّ اعتبار أخلاقـي، أو دينـي، أو قانوني.
[ صُورة تَشْرِيحِيَة للجهاز التناسلي المُذكّر (https://fr.wikipedia.org/wiki/Prostate) ].
[ صُورة تَشْريحية للجهاز التناسلي لدى الأنثى (رسم مَنْظُورِي). المرجع wikipedia.org ].
إبراهيم : هذه الـقاعدة (المذكورة فيما سَبـق)، هي مِثْلَ "قانون العَرْض والطَلَب" في الاقتصاد. أي أنّه، كُلّما كانـت فُرَص مُمَارَسَة الجِنس وَافِرَة في مُجتمع مُـعيّن، كُلّما كانـت مُمَارَسَة الجنس فيه تَافِـهَة، أو مُبْتَذَلَة. وكلّما كان الاستمتاع بِمُمَارَسَة الجنس نادرًا، كُلَّما زاد البحثُ عن مُمَارَسَة الجنس في هذا المُجتمع، وَلَوْ بِطُرق غَير مُـعـتادة، أو غَير قَانونية، أو غير شَرعية. وهذه النَّدْرَة في فُرَص مُمَارَسَة الجِنس، هي التي تَحُثُّ الناس على البحث عن مُمَارَسَة الجنس بِشَـغَـف أَكْبَر مِمَّا يُـعـتبر وَضْعًا عاديًّا.
آدم : إِنْ فَـهِمْتُـك جيّدًا، الْاِسْتِمْنَاء بِاليَد ليس عَيْبًا.
إبراهيم : على خلاف بعض الآراء الشّائعة، إذا كان شخص يُـعَانِـي من ضَغْط رَغْبَة قَوِيَّة لِمُمَارَسَة الجِنس، وَلَا تتوفّر لديه إمكانية مُمَارَسَة الجنس داخل إطار زَواج قانوني، فإنّ أسهل الحُلول، وأقلّها ضررًا، سَوَاءً لِلشّخص المَـعْـنِـي أَمْ لِمُجتمعه، هو مُمَارَسَة الاستمناء باليد (والصابون). لكن عامّة المُجتمعات الحالية لا تـقبل هذا السُّلوك.
آدم : أتـذكّر أنني إِلْتَـقَيْتُ في مـقهـى، مع صديـق لي. وكان هذا الصديـق يظهر مَهْمُومًا، أو كَئِيبا. وأثناء حديثنا، اِعتـرف لي أنه مَهْوُوس بِمُشكل عَوِيص، ولا يعرف كيـف يُـعالجه. وَأَسَرَّ إليّ أن زوجته نَبَّهَتْه إلى أنّ اِبْنَهُمَا المُراهِق له عادة سِرّية، حيث يُمارس الْاِسْتِمْنَاء باليد. وقال الأب أنّ ابنه تبدّل نسبيًّا، حيث أصبح مُتَوَثِّرًا، وَمُـكْـتَـئِـبًًا، وفي بعض الأحيان، يتصرّف بشكل عنيف. وطلب منّي هذا الصديق النَّصِيحَةَ. ولم أعرف كيـف أُساعده.
إبراهيم : إذا كان شابّ مُراهق يُمارس الاستمناء باليد، فهذا يعني أنه في صِحَّة جِسْمِيَة وَنَـفْـسِيَة عَادِيَة. وَنُمُوُّه البَيُولُوجِي الطبيـعـي يُحْدِثُ لديه حاجة جديدة إلى مُمَارَسَة الجنس. ولَا يَـقْدِرُ المُراهـق بَـعْدُ على عَـقْد زَوَاج قانوني لكي يستطيع مُمَارَسَة الجنس. ويحتاج المُراهق تِلًـقَائِيًّا إلى تَشْـغِيل، أو تَمرين، مَنْظُومَتِه البَيُولُوجِيَة الجِنْسِيَة. وبما أن مُجتمعه لا يسمح له بمُمَارَسَة الجنس مع أنثى، فإنه يلجأ إلى ما هو مُتاح له. فَيُمارس ذلك الاستمناء باليد والصّابون.
آدم : هكذا ! بهذه البساطة ! تـعتبر مُمَارَسَة الاستمناء باليد أمرًا عاديًّا ؟ وَتُهمل كُلّيًّا الأخلاق الحميدة !
إبراهيم : الاستمناء باليد هو ظاهرة مُجتمعية مُنـتشرة، وعادية. وحتى بعض البالغين، والرّاشدين، والمُتـزوجين، والمُسنّين، يمارسون الاستمناء باليد في بعض الظروف. وهذا أمر طبيعي في مجتمعنا.
آدم : أفهمُ من تَوضيحاتـك أنه، إذا مَنَـعْنَا مُمَارَسَة الجنس خارج الزّواج، تَحدث في المُجتمع اِنْحِرَافَات جِنسية؛ وَإذا سَمَحْنَا بِمُمَارَسَة الجِنس خارج الزّواج، يحدث في المُجتمع تَدَهْوُر الأخلاق. فَهُمَا أَمْرَان، أَحْلَاهُمَا مُرُّ.
إبراهيم : في الواقع، الأَضرار والانحرافات التي تَنْتُجُ عَن التَشََدُّد في مَنـع مُمَارَسَة الجِنس خارج الزَّواج، هي أكثر تَـعَدُّدًا وَتَنَوُّعًا مِن تلك التي عَرَضْتُهَا عليك سابقًا. بَل تُوجد أمثلة أخرى، وهي لَا تَـقِلُّ إِيلَامًا.
آدم : مَثلًا ؟
إبراهيم : منها مثلًا مُعْضِلَة "الأُمَّهَات العَازِبَات".
أدم : وما معنى "الأُمَّهَات العَازبات" ؟
إبراهيم : عِبَارَة "أُمّ عَازِبَة" تعني فتاة لم تَتَـزَوَّج بعد بشكل قانوني، لكنها وَلَدت إِبْنَا أو بِنْةً، في ظروف خاصّة. وفي المُجتمعات المُتَدَيِّنَة بِشِدّة، والتي تَكْبَتُ الجِنْسَ بِسَبَبِ الدِّين، تُوجد ظاهرة "الأُمَهَات العَازِبَات". وَلَوْ أن هذه المُجتمعات لَا تَـقبل الاعتراف بِوُجود هذه "الأمهات العازبات". وحينما يُغَرِّرُ رجلٌ فتاةً، ويَعِدُهَا بالزّواج، ثم يُمارس معها الجِنس، ثم يَهْرُب هذا الرجل مِن الـفتاة، أو يرفض الاعتراف بعلاقته السَّابقة بهذه الفتاة، يمكن أن تُصبح هذه الـفتاة حَامِلَةً، ثُمّ أُمًّا، رغم أنها مَا زَالت قَانُونِيًّا عَازِبَة، أي غير مُتزوّجة. وفي غَالبيّة الحالات، لَا تَـقدر بَنَاتُ الشّعب على أَدَاء كُلْفَة اَلْإِجْهَاض (سواءً كان مُرَخّصًا أم مَمنوعًا). زِيَّادَةً على أن الـقانون الجِنائي (في المَغرب) يُـعاقب على مُمَارَسَة الْإِجْهَاض(1). وهذه «الأمهات العازبات» هُنَّ ضحايا أوضاع مُجتمعية مُتَنَاقِضَة. ومن الظُّلم أن نُـعاقب هذه «الأمّهات العازبات» على شيء هُنَّ ضَحَايَا له. كما أنه مِن الظُّلم أن نُـعَاقِب هذه «الأمَّهات العَازِبَات» على مشكل مُجتمعي هو أَقْوَى بِكَثِير من هذه «الأمّهات العازبات». والمصير المحتوم لِـ «الأمهات العازبات» هو الطَّرْد من العائلة، أو الطَّرْد من التَـعليم، أو الطرد مِن الشُّـغْل، أو السُقُوط في التَهْمِيش والفَـقْـر، أو الاِرْتِمَاء في أَحْضَان قُوَّاد، أو قُوَّادَة، من أجل الدَّعَارة، أو حَتَّى الانتحار. والمُشكل المطروح هو أن المُجتمعات المُسلمة تَدَّعِي أنها تلتزم بِـ «منع مُمَارَسَة الجِنس خارج إطار الزواج القانوني»، لكن في الواقع، تُنْتِـجُ هذه المُجتمعات، في كل سنة، أعدادًا هامّة من «الأمّهات العازبات».
آدم : وكَيْف يَتَعَامَل المُجتمع مع «الأمهات العازبات» ؟
إبراهيم : تَـكْتَـفِـي عادةً الأحزاب الإسلامية، وكذلك الجمعيات الإسلامية، بِإِصْدَار إِدَانَة قَاسِيَة لِـ «الأمهات العازبات». وَتُهَدِّدُ "الشريعةُ الإسلاميةُ" الأمهاتَ العازباتَ بِـ «عُقوبة الرَّجم حتى المَوت». ولم يَـكْتَرِث الإسلاميون الأصوليون بِمَا تتعرّض له «الأمّهات العازبات» مِن مُعانات مُؤلمة. وحتّى الدولة تَخَلَّت كُلِّيًا عَنْهُنّ. والملجأ الوحيد لِحِمَايَة، أو لِمُساعدة، «الأمهات العازبات» هو بعض الجمعيات النِسَائِيَة. حيثُ تُوَفِّرُ هذه الجمعيات النسائية المَلْجَأ المُؤَقَّت لِلأمهات العازبات، وَتَمْنَحُهُنَّ المُساعدة القانونية الضرورية. وفي بعض الحالات، تَنجح الجمعيات النسائية في إِقناع الأب بِتَبَنِّي اِبْنِه أو بِنْتِه. وإذا فَشلت مُحاولات الصُّلح بين الأم العازبة وشريكها، تمنح الجمعيات النسائية لِلأمهات العازبات التعليمَ أو التكوين الذي يُمكن أن يُوصِلَهُنّ إلى الاستقلال المَادِّي. وهكذا، في المُجتمعات التي يَسُود فيها الذُكُور على الإناث، تكون الأنثى، في مُعظم الحالات، هي الضحية، وهي التي تُعانِي أكثر من المُذَكَّر.
آدم : ولماذا لَا نَتـرك هؤلاء العُزَّاب، أو غَير المُتـزوّجين، يَتَحَمَّلُون المَصِير المُـقَدَّر عليهم ؟
إبراهيم : من زَاوِيَة العَدل في المُجتمع، فإن مُمَارَسَة الجنس، تستحق، هي أيضا، قدرًا معيّنًا من المُساواة الديمقراطية. وليس مِن مَصلحتـنا أن نُـقَـسِّم مُجتمعنا إلى حِزْبَيْن مُتَنَاقِضَيْن وَمُتصارعين، وَهُمَا، مِن جهة أُولى، «حِزب المُتـزوِّجين» الذين يَـحـقّ لهم مُمَارَسَة الجِنس، ومن جهة ثانيّة، «حِزب غير المُتَزوّجين» الذين تُمْنَـعُ عليهم مُمَارَسَة الجِنس (خارج الزّواج). وكلّ شخص يُحاول مُعارضة طبيعته البيولوجية، قد يجد نـفسه مُضطرا إلى الكذب، أو النّـفاق. أمّا كَبْت الجنس، ومنعه، وقمعه، خلال وقت طويل، فهو سلوك يضرّ بالـفَرد المَعني، وَيَضُرّ كذلك بِمُجتمعه. بينما احترام الحرّيات الفردية (بما فيها الحرّيات الجنسية) هو الذي يُحْيِي الإنسان، وَيُحَرِّرُه، ويُعْلِيه.
آدم : أَكِيد أنّ التوضيحات التي عَرَضْتَها سابـقًا مُهمّة. وَتُمَهِّدُ لبعض الأُطْرُوحَات التي طَرَحْتَها. ولكن الذي يُـعطي أهمية ضخمة، ومبالغ فيها، للعلاقات الجنسية، ليس هو شخصي أنا، وإنّما هُم الْأَهَالِي، هم السُّـكان، هم جماهير هذا الشعب. واعتـقادات هؤلاء المُواطنين الضّاغطة، هي مَبْنِيَة على أساس مَنْظُومَة قِيمِيّة قديمة، قويّة، وراسخة. فكيف نُـقْنِـعهم بِقِيَم جديدة، خاصّةً في مجال الجنس، والذي هو مُحَرَّم، أو مَحْظُور (tabou) ؟ وكيف يمكن تَـغيير هذه التـقاليد العريقة، والقـوية ؟
إبراهيم : معك الحق. تَـغيير عَـقليات المُواطنين، هو من مهامنا جميعا، وعلى الخصوص، من مهام المناضلين، والسياسيين، والمثـقّفين، والمُدرّسين، والمصلحين، ومسؤولي الدولة (إن كانوا تَـقدّميّين)، إلى آخره...
آدم : وينبغي أيضا أن نَـفهم من أين تأتي تلك المبالغة في تضخيم خطورة مُمَارَسَة الجنس خارج الزواج. فما هو مصدرها حسب رأيك أنتَ ؟
إبراهيم : دِيَّانات الشرق الأوسط (مثل اليهودية، والمسيحية، والإسلام) تتشابه فيما بينها في كثير من الأمور، وخاصّة منها : كَبْت الجنس، وكُرْهِه، والتَشَدُّد في قمع العلاقات الجنسية الخارجة عن الزواج الشرعي. والسِرُّ الذي يُفسّر تَضْخِيم خُطورة مُمَارَسَة الجنس خارج الزواج، يرجع عموما إلى كون هذه المُمَارَسَة للجنس، كانت في الماضي تؤدّي، في كثير من الحالات، إلى إنجاب أبناء غير مُبَرْمَجِين، أو غير مَرْغُوب فيهم (في ذلك الوقت المعني). وتؤدّي إلى إحداث اضطراب في النَّسَب، أو في الإرث العائلي. أمّا اليوم، فقد تَـقَلَّصَت هذه الأخطار، بِفَضْل التِـقْنِيَات البسيطة التي أصبحت تُبيح التحكّم في مُمَارَسَة الجنس، وفي النَّسْل (مثل أكياس الـلاَّطِكْسْ الوَاقِيَة (condom, préservatif)، وأقراص منع الحَمْل، إلى آخره)... وأتذكّر هنا نُـقطة أخرى معبّرة. قد تظهر لك هذه النـقطة خارجة عن موضوع حوارنا العام. لكنها توضح جيّدًا أن أحسن حلّ عقلاني، هو المُرونة، والتّسامح، والرّأفة، في مجال التعامل مع مُمَارَسَة الجنس التي تُرْتَـكَب خارج إطار الزواج القانوني.
آدم : وما هي هذه النـقطة الأخرى؟
إبراهيم : المُلَاحَظُ عبر بلدان العالم، أنه كلّما بالغ شعب معيّن في معاني، أو في أهمية، العلاقات الجنسية الخارجة عن الزواج، يمكن أن تكون نتائج هذه المبالغة مأساوية، ودْرَامِيّة، ومُضرّة بالمجتمع. وفي بعض المجتمعات العتيقة، أو القبلية، أو التـقليدية، غالبا ما تُؤَوَّلُ «العلاقة الجنسية» بِمعاني خارقة، أو تُعطى لها أهمية مبالغ فيها. ويمكن لهذه المبالغة أن تصل إلى حدّ تبرير قتل الأنثى المتّهمة بِـ «علاقة جنسية خارجة الزواج». وتَعْتَبر بعض الشعوب العلاقات الجنسية الخارجة عن الزواج «مُخْزِيَة»، أو «مُلَوِّثَة لِلسُّمْعَة»، أو «مُلْـغِيَة لِلشّرف». وهو ما يحدث بالضّبط في «جرائم الشّرف». وتُوجد تـقاليد «جرائم الشّرف» في بعض بلدان العالم، ولو بدرجات متـفاوتة، وعلى الخصوص في بعض بلدان الشّرق (مثل باكستان، وكردستان، وأفغانستان، ومصر، والأردن، وشرق تركيا، إلى آخره). وهي تـقاليد عَريقة، وَقَويّة، وراسخة.
آدم : الصفة المشتركة بين البلدان التي ذكرتها هي أن شعوبها مسلمة. فهل يَتحمّل الدّين الإسلامي مسؤولية مَا في وُجود «جرائم الشّرف» ؟
إبراهيم : مُجمل ديانات الشّرق الأوسط (بما فيها اليهودية، والمسيحية، والإسلام)، لم تَدْعُ إلى ارتكاب «جرائم الشّرف».
آدم : وما الفائدة إذن من تناول موضوع «جرائم الشّرف»؟
إبراهيم : تُرتـكب «جرائم الشّرف» من طرف بعض الأشخاص الذكور في العائلة، الذين يُـقْدِمُون على قتل أُنْثَـى العائلة المُتَّـهمة بارتكاب علاقة جنسية خارج الزواج القانوني. وفي «جرائم الشّرف»، يمكن للأب أن يقتل بنته، أو للأخ أن يقتل أخته، أو للزوج أن يقتل زوجته. وغالبا ما يوجد إجماع نسبي لدى الشعب الذي يحمل هذه التـقاليد. وهذا الإجماع النسبي يَعتبر أن دخول أنثى من العائلة في علاقة جنسية خارج الزواج القانوني «يُحَطِّم شَرف العائلة بكاملها». ويعتـقد أن «استرداد شرف العائلة يستوجب قتل الأنثى المتهمة بِـ «علاقة جنسية خارج الزواج القانوني». وتعتـقد غالبية هذا الشعب أن قتل تلك الأنثى هو عمل «مشروع». وفي بعض الحالات، يلجأ بعض الأشخاص، أو بعض العائلات، إلى التحايل بهدف توسيع مبرّرات «جريمة الشرف». حيث يمكن أن تَـكون التّهمة الخَفِية المُبرّرة للقتل، في «جريمة الشرف»، هي مثلا رفض الأنثى لِـ «زواج مُرتّب» (mariage arrangé) من طرف العائلة، أو تَجَرُّؤ المرأة على مطالبة زوجها بالطّلاق، أو قيام الزوجة بِـ «خيانة زوجية» (adultère).
آدم : ولماذا هذا الاقتصار على قتل المرأة، وليس قتل الرجل؟
إبراهيم : يُفَسِّر العُلماء هذا التركيز على الأنثى (بدلا من التَركيز على المُذكّر) بكون هذه العلاقات الجنسية تُحدث اضطرابا في الأنساب، وفي الإرث. ولا تتدخّل عادة عدالة البلد المعني في «جرائم الشرف»، لأن جماهير هذا البلد لَا تُصَنِّـف هذا النّوع من القتل كَجريمة، بل تعتبره كَـ «قضية عائلية خُصُوصيّة».
آدم : ولكن، لماذا أدخلتنا في نـقاش مشكل «جرائم الشّرف». وما علاقتها بِمَوْضُوعنا الأصلي ؟ وما هي الغاية من نـقاش هذا المشكل ؟
إبراهيم : «جرائم الشّرف» هي مثال لنتائج التشدّد في مجال التعامل مع العلاقات الجنسية الخارجة عن الزواج القانوني. وتُحْدِث أضرارا تُؤلم الأفراد، والعائلات، والمجتمع. ويجب على جميع المواطنين التـفكير في الإشكالات التي تَطرحها «جرائم الشّرف» القديمة، ولو أن هذه الجرائم لم تعد كثيرة في مجتمعاتنا الحديثة. وينبغي مثلا، أن نتساءل، وأن نستوعب : لماذا نَضَعُ «الشّرف» في الجنس (وخاصّة في جنس الأنثى) ؟ ولماذا نَحصر «شرف العائلة» كلّه في السّلوك الجنسي لإناثها (وليس في السُلُوك الجِنْسِي لِذُكُورِهَا أيضا)؟ ولماذا نعاقب الإناث وحدهنّ، بدلا من محاسبة الإناث والذكور بالتّساوي ؟ ولماذا يُحسّ البعض بالعلاقات الجنسية الخارجة عن الزواج كَـ «جريمة خطيرة»، إلى درجة جَعْلِهَا تُبرّر عقوبات شديدة، مثل قتل الأب لبنته، أو قتل الأخ لأخته، أو قتل الزوج لزوجته؟ لماذا نـقبل بأن تدفعنا بعض التـقاليد العتيقة، أو بعض المُعتـقدات القديمة، إلى التَخلّي عن الاحتكام إلى العَقْل النّـقدي؟ ولماذا نَحصر «شَرف العائلة» في قضايا الجنس، وبالضبط في العلاقات الجنسية الخارجة عن الزواج الـقانوني ؟ وما معنى «الشّرف» ؟ وهل حقّا العِفَّة الجنسية هي وحدها التي تعطي «الشّرف» ؟ ولماذا لا نربط شرف العائلة بقضايا أخرى، مثل تَحْصِيل العُلوم، أو التَحَلِّي بالحِكمة، أو العمل المُنتج، أو خدمة الصّالح العام، أو الاستـقامة، أو النزاهة، أو النضال من أجل الحُرّيات والتـقدّم، أو الأخلاق الحميدة، إلى آخره؟ لماذا لا يفهم بعض المواطنين أن مَنْهَج التَـعَامُل مع العلاقات الجنسية (الخارجة عن الزواج) بمنهج التـفهّم، والتسامح، والرّأفة، هو المنهج العقلاني الأقلّ ضررًا للمجتمع ؟
آدم : أُوْفْ ... أرى ماذا تـقصد...
إبراهيم : أتذكّر حالة أخرى تؤدّي فيها المبالغة في تأويل معانيّ مُمَارَسَة الجنس (خارج الزواج) إلى نتائج مأساوية. إنها حالة الفتيات، أو النساء، اللائي يتعرّضن للاغتصاب، ويُحْسِـسْنَ بهذا الاغتصاب كنوع من «الكارثة العُظمى»، التي «تـقضي كُـلِّيًا على شَرفهنّ»، أو «تقضي على حياتهنّ»، فيُـقدمن على الانتحار. ومن واجب المجتمع، وكذلك الدولة، والعائلات، أن يُواجهوا هذه الظاهرة الفاجعة، عبر الإسراع إلى تَـقديم المساعدات النَـفسية اللازمة للنساء ضحايا الاغتصاب، لإنقاذهنّ من فكرة الانتحار.
آدم : إِيه… فَهِمْتُك...
إبراهيم : والمُقلق كذلك في موضوع مُعاقبة الذُّكور الذين يغتصبون فتيات قاصرات، أن مُجمل الحركات الإسلامية الأصولية تَـمِيل إلى إلغاء عُـقُوبة حبس هؤلاء المُـغْتَصِـبِــين، إِنْ هُم قَـبِـلُوا الزّواج بِضَحاياهم (أيْ بِالـفَـتيات المُغْتَصَبَات). وذلك هو ما حاولتْ تشريعه الأحزاب الإسلامية الحاكمة في كلّ من المغرب، وتركيا، في سنة 2016 م. بينما مجمل الحركات النسائية الحُقوقية ترفض تزويج الفتيات القاصرات؛ وترفض كذلك إرغام الفتيات ضحايا الاغتصاب على الزّواج بالمُجرمين الذين اِغْتَصَبُوهُنَّ. فهل يُعقل أن نُرغم الفتاة المُغتصَبَة على أن تَـعِيش حياتها كلّها مع المُجرم الذي اغتصبها ؟
آدم : أَلَا تُبالغ في اِتِّـهَـام الحركات الإسلامية بِأشياء سَلبيّة ؟
إبراهيم : هَل تُريد أن أُذَكِّرَك بِبَعْض الأحداث ؟ هل نَسِيتَ أنّ وزير العدل السّابـق، مصطفى الرَّمِيد (وهو مَسْئُول رئيسي في "حزب العدالة والتنمية" الإسلامي)، قد اِدَّعَـى أن الطِـفْـلَة «أمينة أفيلال تزوجت برضاها». لكن هذه الطفلة أمينة أفيلال (15 سنة)، اِنْتَحَرَت فيما بعد، بِسبب إكراهها على الزّواج بِمُـغْتَـصِبِهَا، وذلك بناء على الفصل 475 من القانون الجنائي. وهذا الـفصل المذكور، يسمح للمُغْتَصِب بالإفلات من عُـقُوبَة الإغتصاب... وقد كان نـفس الوزير للعدل يُهدّد المُواطنين المُتَوَرِّطِين في مُخَالَـفَة «الإفطار العلني في رمضان»، أو في العلاقات الجنسية الرِضَائِيَة خارج الزّواج القانوني، أو في قَضايا مُماثلة، ليس بِتَـفْـعِـيـل الـقانون وحده، وإنما كان يَتَوَعَّدُهُم أيضًا بِـ «أوخم العواقب، من قِـبَـل الجِيران، وناس الشارع». وهذا تشجيع على «شَرْع اليَد»(2).
آدم : آه ... سمعتُك... فهمتُك... لكن، ... ماذا أقول لك؟... المُشكل مُـعـقّـد... بل من الممكن... وأنا أيضا أتمنّى ... وأشتاق ... إلى أن نَصِل، إلى هذه المُرونة التي تَدْعُو إليها، وإلى هذه الحُريات، في كلّ المجالات،... بما فيها مجال العلاقات الجنسية الخارجة عن الزواج... وأطمح كذلك، إلى أن يَرقى مجتمعنا، إلى النّضج السياسي، والثـقافي، المُرافق لها... نعم... لكنّني، ... وبصراحة، لا أدري كيف نصل إلى هذه الحرّيات، وإلى هذا النّضج السياسي، والثـقافي، الذي يَلزم أن يُرَافِـق تلك الحرّيات... ولا أدري هل يُمكن تحقيق هذا التـغيير.
إبراهيم : ذلك النّضج الثـقافي، والسياسي، الذي يلزم أن يُصاحب تلك الحريات الجنسية، لن يسقط تلقائيا من السماء، ولن يتكوّن دفعة واحدة. بل يجب أن نُـعَلِّمَه إلى الأجيال الجديدة، عبر تربية جنسية علمية، وَمُتواصلة، وَدَقيقة، وَصَريحة، وَعَـقْـلَانِيَة.
آدم : تمامًا ! هذا ما كنتُ أريد قوله فيما سبق: تعميم تربية جنسية سليمة، ونشر الأخلاق، وتدريس التحكّم في النـفس.
إبراهيم : اِسْمَحْ لي بأن أثير انـتباهك، مرّة أخرى، إلى أن كل الأحكام الأخلاقية والدّينية القاسية، التي وضعتها الأجيال السّابقة، تُجاه مُمَارَسَة الجنس (الخارجة عن الزواج)، نَتَجَت عن كون مُمَارَسَة الجنس، كانت تؤدي حتمًا في الماضي، إلى إنجاب الأبناء. وبعدما ابتكر العُلماء، والأطباء، والمهندسون، وسائل بسيطة لمنع الحمل، بدأ موقف البشرية يتـغيّر تدريجيا تُجاه مُمَارَسَة الجنس (الخارجة عن الزواج). حيث تحوّلت مُمَارَسَة الجنس من نوع واحد (غير مُتحكّم فيه)، إلى نوعين مختلفين من مُمَارَسَة الجنس. فاليوم، نُميّز بين مُمَارَسَة الجنس من أجل الإنجاب، ومُمَارَسَة الجنس من أجل الاستمتاع بالحياة. لهذا السّبب، أصبحت الأحكام القِيمِيّة القديمة (تجاه مُمَارَسَة الجنس الخارجة عن الزواج) غير صالحة. وَغَدَى من الواجب على كل المواطنين، أن يُطوّروا مواقفهم، تجاه مُمَارَسَة الجنس، طبقا للإمكانيات الحديثة المتوفّرة. ونظرا لكون المواطن أصبح يتوفّر على وسائل رخيصة وفعّالة لمنع الحمل، فإن البشرية جمعاء، وفي كل بلدان العالم، تتطوّر ببطء، نحو مواقف تجاه مُمَارَسَة الجنس خارج الزواج، تَـتَّـسِـم أكثر فأكثر، بِالمُرونة، وبالتَـفَهُّم، وبالتسامح، وبالرّأفة، وبالتواضع، وبالاحترام المتبادل. لكن هذا موضوع آخر(3)، ويضيق المجال الحالي لنـقاشه بعمق أكبر.
آدم : فعلاً، هذا موضوع يتطلّب وقتا آخر، وحوارًا آخر.
إبراهيم : يجب الآن أن نختم نِـقَاشَ هذه المسألة المُتَشَعِّبة، ...
آدم : اِسمح لي، قبل ختم نِـقَاش هذا الموضوع، دَعني أصارحك بشيء ما. حيث لاحظتُ فرقًا مهمّا في منهج التـفكير، بين الإسلاميين السلفيين والعَقْلَانِيِّين. فالإسلاميون الأصوليون ينظرون إلى مُمَارَسَة الجنس (خارج الزواج) فقط من منظار أخلاقي أو إسلامي. بينما العقلانيون ينظرون إلى مُمَارَسَة الجنس (خارج الزواج) من منظار مُجتمعي، أو حقوقي، أو ديمقراطي، أو إنساني.
إبراهيم : هذه ملاحظة مهمّة. صحيح أن الإسلاميين الأصوليين ينظرون إلى مُمَارَسَة الجنس (خارج الزواج القانوني) من زاوية دينية محضة، أو أخلاقية صرفة، ويحكمون عليها طبقًا لنصوص دِينية قَديمة وَمُقدّسة. فَيُحَرِّمُونَهَا، أو يَمْنَـعُـونَهَا، ويريدون تشديد العقاب عليها. وبعض هؤلاء الإسلاميين يدافع بحماس عن هذا الخطاب الأخلاقي، ولو أنه لا يقدر، هو نفسه، على الالتزام به طوال حياته (مثلما حدث في حالات عمر بن احماد، وفاطمة النجار، والحبيب الشّوباني، ومحمد الفِزازي، إلى آخره). بينما العَـقلانيون ينظرون إلى مُمَارَسَة الجنس (خارج الزواج) كظاهرة مُجتمعية، منتشرة، ومتواصلة، وتهمّ ملايين المواطنين. ويعتبر العَـقلانيون أن هؤلاء المواطنين (الذين يلجؤون إلى مُمَارَسَة الجنس خارج الزواج) يَستحقّون هم أيضا التَّـقْدِير، والتَـفَهُّم، والاحترام. ويستحق سلوكُهم الجنسيّ الدراسةَ، والتحليلَ، والاهتمامَ. وما دامت هذه المُمَارَسَة الجنسية (الخارجة عن الزواج) لا تضر أحدًا، فإنها تستحق أن تتحوّل إلى سلوك غير مُجَرَّم، ولو أنها لم تكن مألوفة سابقًا في مجتمعنا. فيصبح اليوم من المُستحسن التَسامح مع مُمَارَسَة الجِنس خارج الزواج، ولو أن هذا التسامح لا يعني التّـشجيع عليها. فنحن لا ندعو الشباب أو المواطنين إلى اللّهو بالجنس، أو الانشغال به. ولا نُدافع على الخُضوع الأعمى لأهواء الجنس الحيوانية. لكن حينما تـقع حادثة جنسية خارجة الزواج القانوني، فإننا لا نُحوّلها إلى كارثة مُجتمعية، ولا نَـعتبرها جريمة تستدعي عقابا شديدا. بل نُحاول مُعالجتها بسلوك تَربوي، هادئ، ورحيم.
آدم : هذه الجوانب تستحق فعلاً أن نَـفْحَصَهَا، وأن نُـعَمِّـقَـهَا. لكن الوقت ينـقصنا مع الأسف.

رحمان النوضة
[ هذا النَصّ هو الجزء الثاني (2/2) من فَصْل مُـقْتَطَف من كتاب: (رحمان النوضة، الجِنْس والدِّين، نَشْر 2016، الصفحات 180، الصيغة 17). والعُنوان الكامل لهذا الـفَصل هو "كَيْف نَتَـعامل مع مُمَارَسَة الجِنْس خَارج الزَّواج ؟". وهذا الكتاب هو مكتوب على شكل حِوَار بين شخصين مُبْهَمَيْن، وهما آدم وإبراهيم. وَيُمكن تَنْزِيل هذا الكتاب من مُدوّنة الكاتب: https://livreschauds.wordpress.com/2015/01/03/liste-لائحة/ ].








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عودة على التغطية التلفزيونية الخاصة للهجوم الإيراني غير المس


.. ماذا نعرف عن المسيرات الإيرانية المستخدمة في الهجوم ضد إسرائ




.. بعد هجوم إيران على إسرائيل.. بولتون لشبكتنا: فرصة لتدمير برن


.. المنطقة تتحول نحو حرب إقليمية.. طهران ترى الهجوم على إسرائيل




.. أظهرت معلومات التتبع المباشر لموقع Flightradar24 الأجواء خال