الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الاساطير الإعلامية الحديثة

سعيد الوجاني
كاتب ، محلل سياسي ، شاعر

(Oujjani Said)

2024 / 3 / 6
مواضيع وابحاث سياسية


لكل عصر اساطيره . واساطير عصرنا هذا كثيرة وطويلة وباهرة . ولعل من أهمها وأقواها الاساطير التي تنشؤها وتمطرنا بها وسائل الاعلام الكثيرة .
كانت الاساطير في المجتمعات البدائية ، بطيئة النشأة وبطيئة الانتشار ، إذ كانت تستغرق العقود والقرون . اما اساطير اليوم فهي اسرع من البرق واقوى من الرعد ، واطول من عمر فقاعة الصابون . انها تعكس القدرة الهائلة للتطور المهول لوسائل الاعلام ، ولتقنياته التي اخذت تلف الكوكب عبر غشاء من الأقمار الصناعية . وقد لا يكون من المبالغة ان نقول ، اننا امام نوع جديد من الصناعة ، هو صناعة المتخيل وتسويقه على أوسع نطاق . فوسائل الاعلام اليوم تتمتع بقدرة رهيبة على التدويل والتهويل ، إذ انها انطلاقا من حدث صغير وقع في اقصى ركن من اركان الكرة الأرضية ، تستطيع ان تنشئ اساطير فقاعية ، تشد النفوس لفترة ، وتلهب العقول والاخيلة ، والافئدة لمدة .
وطيف الاساطير الحديثة ، طيف واسع وعريض ، يمزج الرعبة بالمتخيل ، والمعقول باللامعقول ، جائبا فضاءات تمتد من الطبيعة الى الانسان ، الى التقنية : من اساطير النجوم ( البشرية ) ، الى اساطير النجوم الفلكية ، ومن حياة وممارسات الساسة ، الى الكوارث الكونية ( مذنب هالي ) ، ومن غزو الكواكب البعيدة ، الى كوارث البيئة ، ومن الكوارث النقدية الى الغرائب والحروب .
الالية الأساسية في عمليات الاسْطرة الإعلامية ، تقوم على التضخيم والتهويل ، واضفاء الطابع الدرامي والقدري ، على الأشخاص والوقائع والاحداث . لهذا الأسلوب البيداغوجي الدرامي والسوداوي ، وظيفة أساسية هي جلب الانتباه ، واستقطاب اهتمام المشاهد الكوني ( ولا نقول المواطن او الكائن البشري ) ، في اتجاه دفعه الى ان يعيش هذه المسرحيات الكونية المُؤسْطرة ، وكأنها قدر من نوع جديد ، قدر دهري لا فكاك منه ابدا .
هذا فيما يخص الأسلوب . اما فيما يتعلق بالمرجعية الخلفية التي تلجأ اليها الاساطير الإعلامية الحديثة ، لكي تدعم مصداقيتها ، وتضفي على ذاتها مشروعية من زاوية المنطق والحقيقة ، فان هذه المرجعية المتعددة ، فهي في الاغلب الاعم ، تتحدث باسم العلم والاكتشافات العلمية . و نحن جميعا نعلم مدى القوة السحرية لمفهوم العلم في الخطاب الحديث . فالعلم هو مصدر المعرفة ، وكاشف الحقيقة ، واساس القوة ، ومطية الترقي والتقدم . والحديث باسم العلم اشبه ما يكون بأداء القسم بقول الحقيقة . فذكر مصطلح العلم يغني الخطاب عن البرهنة على صدقه ، لأنه يحيل الى مرجعية هي مصدر الصدق والحقيقة . وقد يختفي مصطلح العلم ، ويستبدل بمصطلح بديل آخر هو مصطلح الحقيقة . ومن البديهي ان المقصود في اغلب الأحيان بمصطلح الحقيقة هنا ، هو الحقيقة العلمية سواء من حيث المنهج والطريقة ، او من حيث الموضوع والغاية . وهكذا تأخذ الإحالة الى العلم طابعا سحريا ، وكأن العلم هو سحر العصر الحديث .
وقد تلجأ الاساطير الإعلامية الحديثة الى مرجعية أخرى قريبة من العلم ، او ذات طابع علمي هي التجربة . فما تقدمه لنا وسائل الاعلام الحديثة ، لييس وليد الخيال او الهذيان ، بل هو وليد الواقع والتجربة والاختبار . ومن ثمة الحرص على التحقيقات الميدانية ، والمراسلات الميدانية . فالخبر الأكثر صحة لم يعد يستمد صدقيته من نوع وكالة الانباء والاخبار ، بل من صوت وصورة المراسل في الميدان . أي في عين المكان .
تريد الاساطير الإعلامية الحديثة ، من خلال مرجعيتها الضمنية ، ان تقول لنا ، ان ما تقدمه ليس فيلما من نسج خيال هيئة التحرير ، بل مجرد حكاية وصفية لما يقع في الميدان ، وكأنها – ان لم توفق الى ايهام المتلقي بانه قد انتقل شخصيا ( بطريقة سحرية الى عين المكان ) – فهي انما تنوب عنه في المشاهدة والوصف .
هذا فيما يخص المرجعيات المعرفية ، او الابستيمولوجية للأساطير وللأسطورة الإعلامية الحديثة . اما فيما يتعلق بالمرجعية الأيديولوجية ، فقوامها عنصران اساسيان : النزعة الإنسانية ، والديمقراطية في سياقهما الليبرالي .
الأسطورة الإعلامية الحديثة هي خير نصير للديمقراطية ، وحكم الأغلبية ، وصناديق الاقتراع ، وخير نصير للإنسان في صراعه ضد استبداد الطبيعة ( الفيضانات ، الزلازل ، البراكين ، الامراض والكوارث ) ، وضد الاستبداد السياسي ، وحكم الفرد ، ومن اجل نصرة قوى الخير والحق على قوى الشر والبغيان والاستبداد والطغيان .
انها اسطورة حكائية كثيفة ودرامية ، منسوجة من صوت وضوء ، ابطالها فاعلون حقيقيون مرئيون ، ومادتها وقائع سياسية واجتماعية وبيئية ، تم إخراجها بالشكل الملائم ، في أسلوب لا يخلو من درامية وتهويل ، حكاية تنال صدقها من العقل والعلم والتجربة والحقيقة ، وتستمد طلاءها من القيم الليبرالية والنزعة الإنسانية ، وذلك من اجل خير الجميع ، ولصالح الإنسانية كلها ..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عراك داخل قاعة البرلمان الإيطالي


.. تصاعد حاد للقصف المتبادل بين حزب الله وإسرائيل




.. المستشفى العائم الإماراتي في العريش يستقبل مزيدا من الجرحى م


.. بعد رد حماس.. ما مصير الصفقة المقترحة لوقف الحرب على غزة؟




.. -عمرها 130 عامًا-.. احتفاء بمعمرة جزائرية كأكبر الحجاج سنا ف