الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المشروع الأيديولوجي العربي الإسلامي

سعيد الوجاني
كاتب ، محلل سياسي ، شاعر

(Oujjani Said)

2024 / 3 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


يعني هذا المشروع نهوض العرب والمسلمين في مرحلة يمكن ان نعرفها بانها مرحلة الخروج من السيطرة الاستعمارية الخارجية ، ومن الوجود التاريخي الذاتي ، للدخول الى عصر تشكلت قسماته العالمية الأساسية ، في سياق الأحداث الاجتماعية والسياسية التي حصلت في الغرب المسيحي ( العصرنة ) ، ثم التغييرات التي عرفها الشرق على اثر الهبّات والثورات التي قادتها شعوب تلك المنطقة من العالم (المبادئ الإنسانية والكونية ) ،الى تفجير بلدان العالم الإسلامي بحركات الرفض والثورة والإصلاح ، مستفيدين من جميع الاختيارات ليبرالية اشتراكية وإسلامية .
اما القسمات الحضارية للمشروع ، فيمكن ان نجسدها في الشعار التالي : حرية ، مساواة ، عدالة .
--- توجهات المشروع العربي – الإسلامي :
مر المشروع العربي – الإسلامي بثلاثة ازمنة متناقضة نلخصها كالاتي :
1 – زمن المصالحة بين الليبرالية والاصلاحية الإسلامية .
2 – زمن المد القومي .
3 – زمن الصحوة الإسلامية .
يلاحظ ان أياً من هذه المشاريع الثلاثة لم يحمل في زمانه الخاص ، كل هذه التوجهات والقسمات الحضارية مجتمعة ، بل لقد انفرد كل مشروع في التركيز الأحادي على جزء من هذه التوجهات ، واغفل الأجزاء الأخرى ، او اعتبرها ثانوية وسلبية .
في زمن الليبرالية والاصلاحية الإسلامية ، جرى التركيز على البرلمانية وحدها ، حتى أصبحت في نظر المقابلين ، مرجعية تركز على البرلمانية من اجل البرلمانية وحدها ، حتى أصبحت في نظر المعارضين المقابلين ، مرجعية رجعية تركز على البرلمانية وحدها من اجل البرلمانية ، لتصريف الكلام ، وإلهاء العامة ، وتفويت الوقت ، وتعطيل النهوض او الاحتجاجات ..
وفي المشروع القومي جرى التركيز على الاشتراكية الإنسانية ( سان سيمون ) التي أصبحت مع مرور الوقت ، عبارة عن بيروقراطية دولة مفصولة عن القاعدة ، ومكبلة بتعدد المساطير والقوانين التي تحولت مع ظهور البوادر الأولى للفشل ، الى ترسانة قامعة للحريات . فساهم هذا في احداث الشرخ بين القمة والقاعدة ، وكان سببا في جميع الهزائم التاريخية المتوالية التي حصدها هذا المشروع . ولا اذل على ذلك فشل الوحدة العربية ، هزيمة حرب اليمن ، النكسة العربية في 1967 ، وضياع ما تبقى من فلسطين والأراضي العربية التي احتلت في تلك الحرب الخاطفة .
اما المشروع الإسلامي ، فقد جرى التركيز على الموروث الأيديولوجي الحضاري ، بتقديم الاخر الطاغية في صورة الشيطان الذي لا يبحث الا عن الشر والهزيمة . وقد تحول هذا الأسلوب في العمل لذا حركات الإسلام السياسي ، الى ان اصبح عبارة عن نرجسية اكثر منه تقويما علميا لطبيعة الاخر المسيحي اليهودي . والأخطر ان أيا من هذه المشاريع لا يعترف لسابقه بفضل او ميزة ، حتى بدا ان كل مرحلة تكاد تبدأ من الصفر ، او تعود الى " تاريخها الخاص " الذي تبحث عنه في حقبة ، او اتجاه ، او في موقف ، او نص من النصوص .
اذن السؤال الذي يمكن ان نطرحه ، هو هل هناك ثمة استراتيجية حضارية بديلة لكل الإخفاقات ، والانتكاسات ، والانهزامات التي طبعت تاريخنا المثخن دائما بالجراح ؟ .
ان الجواب سيبقى دائما معلقا على أساس من الاقتناع ان الاستراتيجية لا يبنيها كاتب او باحث او مفكر ، بل تبنيها حركات الشعوب في نضالها وجهادها وعطاءها على كل المستويات . فالفلاسفة ينظرون للثورة ، والثوار يقومون بها ، وللأسف الجبناء والمنافقون يستمتعون بها .
--- استقطابان منهجيان تجادبا المشروع العربي – الإسلامي :
1 ) اتجاه يركز على منهج الثورة والعمل السياسي اليومي الدائم والمستمر . ان لهذا التوجه ، منطقه ومبرراته وتحليلاته التي يمكن ان نقراها عبر مفاهيم يزخر بها خطاب ( الثورة ) ، مثل مفاهيم التشديد على الجهاد ، والتغيير ، والرفض ، والمواجهة ، والكفاح المسلح ، واستخدام العنف الثوري في مواجهة العنف الامبريالي .. الخ . كما ان لهذا المنطق مبرراته التي تستقي التجارب من التاريخ والاحداث ، حيث فشلت ثورات توقفت او أُجهضت ، وحيث تعبت قوى مناضلة فتخلت او استراحت ، كما له رؤيته التاريخية والمستقبلية التي تستلهم الثورات من التاريخ الإسلامي ، وتتطلع نحو استمرار الثورة حتى التغيير الشامل ، واحيانا حتى الحلم بتغيير العالم .
2 ) اتجاه يركز على بناء الدولة العصرية القوية ، وما يزخر به هذا الخطاب من مفاهيم الانماء والمعاصرة والتّحديث . ان لهذا الاتجاه مبرراته المستقاة من التجارب التاريخية التي اثبتت أهمية المؤسسات ، والأجهزة ، والإدارات ، والخطط ، والبرامج ، للخروج من حالات التأخر والجمود الحضاري . أي الانخراط حاضرا ومستقبلا في النظام العالمي القائم . مطلب عصرنة الدولة وتحديثها .
ان هذين التوجهين ، يحملان عنصر التداخل والتشابك على مستوى القوى السياسية ، والأحزاب ، والنخب ، والكتل الحاكمة . فبعض هذا القوى كانت تقول بالثورة ، وانتهت في حضن السلطة ، وغرقت في خطاب الدولة وتوجهاته . وبعضهم فهم الثورة من خلال مصالح الدولة . ولما كانت الدولة العربية الإسلامية قد أضحت دولة وطنية ، فان اختلاط المنظور الوطني الإسلامي ، اضحى اختلاطا يشوبه الكثير من التوظيف السياسي لمصالح هذه الدولة او تلك . اذ أضحت الأيديولوجية القومية ، كما الأيديولوجية الإسلامية ، ايديولوجيات دول تعبر عن مصالح وطنية لكل دولة في غالب الأحيان ، وانْ كان التوظيف قوميا او إسلاميا . ان الرؤية المتجاوزة لهذا الواقع المأزم ، تدعو لإعطاء الأولوية لتحقيق هذه النزعات الإنسانية الثلاث ، والتي يمكن تلخيصها بكلمات ثلاثة : حرية ، عدالة ، مساواة ، في الدولة الوطنية ، وللامة على حد سواء .
--- اطراف المشروع العربي الإسلامي :
هناك ثلاثة اطراف في المشروع العربي الإسلامي :
-- الثورة بما هي طموح تغييري .
-- الدولة بما هي ضرورة اجتماعية .
-- والانسان بما هو عنصر الفعل والانفعال المتجاذب في هذا التغيير والإصلاح .
ا – الثورة : من المتعارف عليه عالميا ومن خلال التجارب الإنسانية المتنوعة ، فان كثيرا ما يقع أصحاب الثورة في الفوضى العارمة ، وفي اشكال من الرفض العدمي ، او المسلك النخبوي الاستبدالي او الحزبي ، وذلك على حساب نظام الجماعة ومصالحها ، وعلى حساب شورية الامة وشرعيتها. بل اكثر من ذلك ، تتحول الثورة من مبررات قيامها في سبيل الحرية والعدالة ، الى نقمة وبوليسية ودكتاتورية واستبداد ضد الاخر المعارض ، فيتحول الثوار الكتبة على حد وصف الشاعر العراقي مظفر النواب ، الى نخبة سياسية مستبدة وقامعة ، تتكلم باسم الامة ، فتستبدلها بحزبها ، وتحل محلها في تصريف شؤونها اليومية والمعاشية . استبدال الحزب بالشعب ، واستبدال القيادة عن القواعد . أي الانتهازية والعسكرتارية والاستبداد المجسد في القمع بشكليه المادي والايديولوجي .
ب – الدولة : من أخطاء هذا التيار ، انهم يقعون في أحادية الرأي والمسلك ، فيقمع الرأي والاجتهاد والاختلاف في المجتمع قمعا ، بدل ان يحل حلا إنسانيا . ان ضرورة ضبط التناقضات في المجتمع ، وغرائزه ، وباسم تجنب الفتنة بين افراده وجماعاته ، يعتبر ضرورة قسرية مشرعنة للاستبداد والقمع وسلب الحريات ، مع ان الضرورة لا تنفي الحوار والتحاور والجدل .ان النبوة القائمة على الوحي الإلهي ، التزمت منهج الحوار والجدل ، واكتفت وفقا للأمر الإلهي بمهمة النذير والبشير ، وامتنعت عن موقف السيطرة والتغلب والانفراد بالرأي .
فهل يمكن ان يحمل مشروعنا العربي الإسلامي ، الذي هو مشروعنا الحضاري الأصيل ، فهما مختلفا لمسألة الدولة السلطانية في تراثنا ،ولمفهوم الدولة البيروقراطية الحديثة في عصرنا الحاضر ؟ . فهل يمكن ان تتوازن العلاقات بين الدولة والمجتمع ، في صيغة مؤسسات لا يطغى فيها المجتمع بتناقضاته وبغرائزه المختلفة على الدولة ، فتنفجر الامة او الجماعة او الوطن ، ولا تطغى فيها الدولة بوحدانيتها وقسريتها على المجتمع ، فنقع في الاستبداد او الأنظمة التوتاليتارية ؟ .
انه تساؤل عما أصاب مختلف التجارب السابقة من انتكاسات ، عطلت مسيرة التنمية والديمقراطية ، فكان الخاسر الوطن والمواطن الذي تتقاذفه تناقضات الدولة والأحزاب بمختلف تشكيلاتها الأيديولوجية المتناقضة .
ج – حقوق الانسان : بمقارنة تاريخنا بتاريخ الغرب اللاّخلاقي العنصري ، المملوء حقدا ودما وعنفا ، سنجد هناك عدة نصوص واحاديث تتحدث عن المساوات ، التآخي ، وعن حقوق الانسان قبل ان تفطن لها التشريعات الغربية ، وتستعملها بشكل انتقائي غاية في المكر والتضليل . فيدفع بنا هذا التراث من قيمنا ، ومن دون ان نشعر ، ان نحس بالزهو والراحة ، على اننا فعلا وحقيقة كنا ولا زلنا ( خير امة أخرجت للناس ) . لكن من دون ان نشعر كذلك ، ننسى الانتباه الى ما يسمى بحقوق الانسان في الغرب اللاخلاقي ، في كيفية الاعتناء بمواطنيه ، بمنحهم المساوات في الاستمتاع بحقوقهم التي يعطيها لهم التاريخ ، وتعطيها لهم القوانين ، وان كل ذلك يتم على حساب تعاسة الشعوب الأخرى التي تستنزف ثرواتها ، لتحقيق الرفاهية لشعوب العالم المسمى متحضر .
اذا قمنا بمقارنة بسيطة بين قيمة الانسان عندنا وعندهم ، سنجد فروقا شاسعة في العديد من الخدمات الأساسية ، التي يجب ان يتمتع بها المواطنون كخدمات الصحة ، التعليم ، الشغل ، السكن اللائق ، حرية التعبير ، وحرية الرأي ، وحرية التنقل ... كما نجد فرقا شاسعا في مستوى الخدمات التي تقدمها دول المحيط ، مقارنة مع دول الغرب المركز لمواطنيها على مختلف المستويات .
اذن السؤال : كيف يمكن تجدد قيمة العمل في الإسلام على مستوى الفرد والجماعة معا ؟ . أي تخليق العمل بتحميل المسؤولية للمسؤول عن العمل ، وهو ما يعني المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب . انه باستثناء بعض الكتابات التي حصلت في الماضي ممثلة في ما كتبه محمد عبده ، حسن البنا ، مالك بن نبي ... الخ ، تحض على العمل وقيمته واخلاقيته من وجهة إسلامية ، فان المشروع الإسلامي المتمثل في خطاب الدولة ، او خطاب الثورة على حد سواء ، قلما يتنبه الى أهمية هذه القيمة في الإسلام ، فيسعى الى تجديدها نصا وسلوكا ونظرية . أي استدخالها في النفس كقيمة .
--- مشروع الاصالة والمعاصرة بين الدولة الوطنية والدولة القومية :
من خلال مختلف التجارب التي مر بها العالم العربي والى الآن ، لم تعد المسألة المطروحة للنقاش ، بين المفكرين والمحللين كامنة في السؤال التالي : كيف نثور ؟ . وما هي الطرق المؤدية الى الثورة ؟ . ولكن السؤال الان هو : كيف نستطيع الجمع بين مختلف الإيجابيات التي راكمتها مختلف التجارب الإنسانية ، بعيدا عن التشنج والتعصب والتطرف المؤدي الى الهلاك ، والمسبب في تعطيل قاطرة التطور والتقدم التي حققها الاخر ، وجعلته يختصر تاريخنا في ( محدودية إنتاجية العقل العربي المازم والمهزوم ) . ان هذا السؤال يهم الجميع ومن دون استثناء . الثوار والحاكمين . الوطنيين والقوميين . العلمانيين والإسلاميين . العلمانيين واللائيكيين . أي الجميع .
ا – الجمع بين الدولة الوطنية والدولة القومية : لا اشكال في ان الدولة الوطنية والدولة القومية ، يمكن ان يلتقيا على اكثر من صعيد ، واعتقد ان تجنيب الاختلاف السياسي والايديولوجي لصالح التعاون الاقتصادي والمشاريعي ، يمكن ان يسرع في تحقيق او على الأقل تقريب الأفق نحو الاندماج التحتي في افق تحقيق الاندماج العلوي ، مع الاحتفاظ بالخصوصية والتراث المحلي .
ان تجربة الاتحاد الأوروبي في الوحدة والتكامل، مع الاحتفاظ بالاختلافات العرقية والمذهبية واللغات والأعراف والتقاليد ... يبقى مثلا شامخا امام هذا الإنجاز العظيم للدولة الوطنية والدولة القومية . وفي هذا الإنجاز الذي تنتظره الملايين من العرب والمسلمين ، لتحقيق سمة أساسية من الحلم المعجزة في بناء المشروع العربي الإسلامي .
ب – ما بين الثورة والدولة : عندما يدرك الحاكم ان الشعوب لا تساس بالقوة ، والتفرد والاستئثار ، وبواسطة الأجهزة السرية ، بل ثمة مؤسسات وقنوات يجب ان تشكل وسائط لا بد منها ، بين الدولة والمجتمع .
وعندما يقتنع الداعون الى الإصلاح او الثوار ، بالمبدأ الفقهي الإسلامي ، الداعي الى تجنب الفتنة المرادفة للحرب الاهلية بين أبناء نفس الشعب ، وان يدركوا تماما الحد الفاصل بين الثورة والفتنة ، بين مصلحة الامة وسفك دماء ابناءها ، فتفهم الثورة على انها تغيير في النفس وتغيير في القوم ، تربويا واخلاقيا واجتماعيا .. آنذاك يسهل ردم الهوة الفاصلة بين المكونات الأساسية للمجتمع ، او الحاكمون والثوار والمصلحون . اذن كيف نوازن بين الدولة والمجتمع كي لا يطغى احدهما على الاخر ؟ . طغيان اهل الدولة على المجتمع طغيانا استبداديا . ويطغى أصحاب الثورة او الداعون الى الإصلاح ، على الدولة والنظام العام للجماعة ، فيسبب ذلك في الفتنة والعنف .
ج – ما بين العلمانية والإسلامية السياسية : لقد بلغ الاختلاف بين " العلمانيين " و " الإسلاميين " درجات قصوى ، خاصة بعد تحميل احدهما للأخر ، المسؤولية المباشرة عما آلت اليه أوضاع الامة ، من مدلة واهانة وحضيض ، كان ابرزها هزيمة الأنظمة التي لوحت باللائيكية مع إسرائيل (1967 ) ، وفي ارجاع التأخر الى المنظومة الفكرية لكل مجموعة . ان هذا الجدل الذي يتخذ شكل استنزاف فكري وسياسي ، خاصة بعد ان رفع القوميون ، والشيوعيون ، والماركسيون شعار علمنة الدولة ، او فصل الدين عن الدولة . وبعد ان رفع الإسلاميون شعار تطبيق الشريعة ، والإسلام هو الحل ، في عملية استعجال للوصول الى الحكم ، جعل الجدل العقيم بين المجموعتين يتخذ شكل حوار خارج التاريخ ، وخارج السياق الفكري ، وخارج حقل الصراع الفعلي .
في اوربة كان الصراع كالاتي : العلمانية مقابل الكهنوت . الدهرية مقابل اللاهوت او الغيبي . وكان الصراع تعبيرا عن صراع أفكار بين قوى ومؤسسات واتجاهات : الليبرالية مقابل الكنيسة . الديمقراطية مقابل التحالف الاقطاعي الكنسي . البرلمانية مقابل الاستبداد .
اذن . بهذا الجدل يمكن ان نفهم موقف إسلامي النهضة من الاتجاه الإصلاحي الإسلامي " محمد عبده ، رشيد رضا ، الكواكبي ، النائيني ... الخ " ، لماذا خاض هؤلاء المعركة الدستورية في كل من ايران والدولة العثمانية ، جنبا الى جنب مع الليبراليين والديمقراطيين البرلمانيين المحليين ، معتبرين ان كل هذه الأفكار والمؤسسات ، هي أفكار ومؤسسات إسلامية الأصل . وان المؤسسات السلطانية الاستبدادية وانْ توسلت بالدين ، فهي مؤسسات غير إسلامية . فمشيخة الإسلام في الدولة السلطانية ، واخر تجلياتها الدولة العثمانية ، والدولة الصفوية القاجارية ، كانت قد أضحت شبه مؤسسة إكليركية ، رغم التأكيد العام ان لا كنيسة في الإسلام .
لهذا رأينا الكواكبي يتحدث عن الاستبداد السياسي ، والاستبداد الديني في الدولة العثمانية ، وراينا " النائيني " يتحدث عن شعبتي الاستبداد في الدولة القاجارية : الشعبة الدينية المتمثلة بعلماء السوء ، والشعبة السياسية المتمثلة بالسلاطين . انه صراع الاتجاه الإسلامي السلطاني ، والاتجاه السلطاني الشوري .
ان حقل الصراع بين الاتجاه " العلماني " ، وبين الاتجاه " الإسلامي " ، فانه الى جانب الاستعارة اللاّتاريخية فيه ، فانه يترجم حاليا حالة الصراع السياسي بين نخب تستعجل الوصول الى الحكم . هذه باسم تطبيق الشريعة ، وتلك باسم الحداثة وفصل الدين عن الدولة . وفي الحالتين تستعيد الدولة العربية ( الحديثة ) لنموذجها السلطاني القديم ، فتعود الى الدين لاستخدامه أيديولوجية سلطانية ، اوفقها سلطانيا .
لقد سلبت الدولة السلطانية خلال القرنين الماضيين ، عبر نمط علاقتها بالدين ، المعاني السامية والنبيلة التي كان يمكن للقيمة الدينية ان تزخر بها ، وتشجع لتستقيم علاقة متوازنة بين الدين والسياسة ، بين الفقيه والسلطان ، وبين المجتمع المتدين والدولة . ثم أكملت الدولة ( الحديثة ) سواء كان خطابها إسلاميا او علمانيا ما قامت به الدولة السلطانية. كذلك فعلت بعض الأحزاب الإسلامية المعارضة ، مهمة ما بدأته الدولة السلطانية القديمة ، فتم اقبار ما تبقى من القيمة الدينية في المجتمع ، حتى انعدم الحد الفاصل الضروري بين الدين والسياسة . فغرق الفقيه في حقل السياسة حتى اضحى سلطانا او مشروع سلطان ، وابتذل الحاكم الدين حتى اضحى ممثلا فلكلوريا للتراث الديني .
والمفارقة اللافتة للعيان ان حاملي خطاب العلمانية ( في موقع المعارضة ) ، تناسوا ان السلاطين المسلمين ، كانوا اكثر علمانية منهم بالمعنى المدني والدنيوي والزمني ، كما انهم لا يدركون انه في حالة وصولهم الى السلطة ، سيكتشفون كما اكتشف بعض زملاءهم ، أهمية الاستخدام الديني في تثبيت السلطان الزمني ، ولو كان ذلك عن طريق الارتضاء بتطبيق الشريعة في باب الحدود .
وبالمقابل ينكشف العمل الإسلامي انكشافا سريعا ، عندما يرتضي محالفة الحاكم على أساس هذا الشعار ، وبمعزل عن السياق العلائقي بين المجتمع والدولة ، وبغض النظر عن القيم الدينية والأخلاقية والسلوكية التي يزخر بها الإسلام ، فلا يسأل اين هي في نصاب الدولة ومسلكها ؟ . وأين هي في نصاب المجتمع ومسلكياته ؟ . وأين هي في مسلكيات العمل الإسلامي واخلاقياته توجها وممارسة ؟ .
ان التجديد الحضاري الأخلاقي ليس خطابا في الاصالة ، او خطابا في المعاصرة . انه ليس تقليدا لماض يخص الذات وحدها ، او لماض يخص الاخر وحده . ان التجديد الحضاري أولا وقبل كل شيء ، جواب على تحديات راهنة ، محورها وقطبها الانسان أولا وأخيرا . الانسان في زمن قطعت فيه حركة التاريخ العالمي خلال القرنين الماضيين ، اشواطا هائلة من الإنجازات ، والنظريات ، والتجارب ، والأنظمة السياسية والاقتصادية ، كما قطعت فيه حركة التاريخ العربي الإسلامي المعاصر ، منذ منتصف القرن التاسع عشر والى الآن ، اشواطا من التجارب الفنية ، من ليبرالية ، وقومية ، وماركسية ، وصحوة إسلامية ، كما مرت بأشكال من التجارب الوحدوية والوطنية ، والمشاريع الاتحادية والإقليمية . والان وبعد كل هذه الثروة والغنى التاريخي المركب والمعقد ، لم تعد المسألة محصورة ، ولا يمكن ان تنحصر في سؤال : ماذا نختار من هذا التجارب ؟ لكن السؤال الفعلي هو : هل استوعبنا هذه التجارب ؟ وكيف نتجاوزها في مسيرتنا الراهنة ؟ .
ومن أولويات العمل الجاد في هذا الباب ، انه لا يكفي ان نشير إشارة سريعة الى ازمة النظام الرأسمالي العالمي ، ومأزق الحضارة المادية لنستدل على فشلها ، ولا يكفي ان نشير الى انهيار النظام الاشتراكي ، ولنصل سريعا الى البديل الإسلامي كنموذج حضاري محقق وناجز ، ذلك انه مع صحة الدعوة الى البديل الإسلامي ، فان النظرية الإسلامية المعاصرة ، اذا لم تستوعب تجارب التاريخ العربي الإسلامي ، قديمة وحديثة ومعاصرة ، ستبقى عاجزة عن إيجاد البديل الحضاري الإسلامي . ويبقى البديل مجرد نص وخطاب مؤمل ، وفي احسن الأحوال ثورة هنا او انتفاضة هناك . مقاومة هنا او معارضة هناك ، تقوم جميعا باسم الإسلام الشعبي ، طالما كان سلاح حماية ودفاع بيد الحركات الجماهيرية ، في مواجهة الاخر او الطرف المعارض . فعلى ضوء هذا الاعتبار يتشكل الوعي التاريخي الذي يتواصل مع الحاضر ، ويتصور صورة المستقبل ، بدل ان يبقى العرب والمسلمون اسيري تواريخ فرق وسير وتراجم ، كما هم أسيروا احكام فقهية ، لمذاهب انتجت في مراحل تاريخية سابقة ، وهم يحلمون الان بصناعة مشروع حضاري معاصر ، لامة وعالم إسلامي يقبض عليها نظام رأسمالي عالمي جائر ...
لقد فشلت جميع المشاريع الأيديولوجية التي جربت حتى الان . فشل المشروع الدولتي لتحوله الى مشروع استبدادي ، وتحول الدولة من دولة ديمقراطية الى دولة قامعة باسم الدفاع عن الشعاراتية ، فتحول النظام من نظام المجتمع والتعددية ، الى التوتاليتارية .
وفشل المشروع الماركسي العلماني لتركيزه على دكتاتورية طبقة " العمال " ، ونفي او الغاء الطبقات المكونة للمجتمع .
وفشل المشروع الإسلامي للإسلام السياسي ، لاعتماده النرجسية اكثر من اللازم ، واقتصاره على مخاطبة الحواس والشعور ، دون تعمقه في بحث اصل الداء ، بغية طرح الحلول المعقولة والمقبولة . والمستغرب له ان القاسم المشترك بين كل هذه التصورات ، هو تبادل التهم ، ونفي أي مزايا عند الاخر المعارض دولة او أحزاب سياسية .
ان البديل لكل هذا الفشل المتعاقب ، يكمن في الجمع بين ثوابت الدولة الوطنية ، والدولة القومية الوحدوية . أي الاحتفاظ بالخصائص الوطنية لكل دولة ، من تراث ومقدسات وطنية ، تحافظ على التمايز والاختلافية ، ثم الإسلام كمرجعية تستجيب للرغبات والأحاسيس الروحانية للمواطن العادي ، الى جانب التفتح على ما راكمته الإنسانية من ابداع في مختلف مجالات من قانون ، وفلسفة ، ورسم ، وعلوم ، واشكال الحكم ، ونظمه المختلفة والمتنوعة ، لإغناء التجربة بغية الدفع بالانطلاقة نحو الاتجاه الصحيح ، ولتفادي كل اشكال الإحباط والهزائم في المسيرة نحو بناء المشروع المجتمعي العربي والإسلامي . وهنا فان الاطار لمزج كل هذه الشروط وتنظيمها ، يبقى الدولة العصرية التي تجمع بين الاصالة والمعاصرة ، بين الأصل والتجديد ، ودون افراط او تفريط .اما القطع مع الماضي باسم " الحداثة " ، او الارتماء في الماضوية باسم تحصين الذات ، او التركيز على الدولة الاستبدادية القامعة ، باسم مجابهة الفتنة والاضطراب ... فلن يزيد المشكل الا تعقيدا والازمة استفحالا . ويبقى احسن مثال يقتدى به في هذا الباب ، دول الاتحاد الأوروبي التي تركز على الاقتصاد والعلوم ، مع احتفاظ دولها بخصوصيتها المختلفة . لغات ، ديانات كاثوليكية – برتستانية ، الالحاد ، اللاّدينيون ، يهود ، إضافة الى مجموعات دينية مختلفة ومتنوعة ، عادات وتقاليد ، واحتفالات دينية ووطنية ، تخلف من دولة الى أخرى .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السلفادور تنقل 2000 سجين إلى معتقل ضخم جديد


.. حاج مصري: جئت لأدعو لغزة فهي جرحنا النابض




.. نفاد الوقود يهدد بتوقف محطة الأكسجين الأخيرة بمدينة غزة وشما


.. مسؤولون أمريكيون: إدارة بايدن تشعر بقلق بالغ من العنف المتصا




.. نار هبّت بعد انفجار 12 صهريجا.. حريق هائل في مصفاة نفط بأربي