الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العزلة والأدب

إدريس زايدي

2024 / 4 / 23
الادب والفن


العزلة وعاء عام للإبداع. وليس تنفصل العزلة في المكان عن مفهوم العزلة في الأدب، وكأن الكتابة الأدبية لا تقوم خارجها، من حيث الاحتمال في فعل الأدب نفسه. فالشعور بالعزلة هو عنصر ملازم للأديب، فلا نتحدث عن الأمكنة والأزمنة والذات إلا في علاقتها بالأشياء والمواقف الاجتماعية والسياسية والنفسية وغيرها... هو كل هذا المزيج الذي يجعل من الكاتب أديبا في عزلته وتميزه عن باقي الذين يكتفون بالنظر والانفعال الباطني دون ترجمته إلى تجربة في الكتابة.
إن الكتابة تتعالى على الشعور بالعزلة التي تمنحها وجبة إبداعية كباقي المؤثرات الأخرى. قد يكتب المبدع وهو سجين أو مسافر أومهجّر، وغيرها من الأسباب، إذ تصبح العزلة بمختلف ألوانها الطبيعية أو الإجبارية فضاء لرحلة البحث عن واقع لا تقوى الكلمات على التعبير عنه إلا من حيث هي مادة لبنية الاحتمالات في اللغة . وهو نفسه ذلك القلق الذي يعتري الكاتب أثناء الكتابة. إنه صراع لا يفصل بين الذات الحاضرة واستحضار الموانع - التي هي بطبيعة التكوين البشري النفسي والاجتماعي - تفرض نوعا من الصراع ومناهضة القلق الوجودي. فما نعتقده عزلة لا يعني أن الكتابة تتجرد من الذات الثقافية التي تشكل رؤية المبدع للعالم الذي شكّل تجربته وبناها، بل ولا يحضر الشعور بالعزلة إلا كمحفز على تجديد العلاقة بين عنصري الخيال والعالم الرؤيوي الذي ينبثق منه. من هنا تصبح العزلة مجالا للكتابة خارج نطاق الشعور بالوحدة داخل الجماعة أو المجتمع .
إن ما نعتبره أدب العزلة ليس في حقيقته سوى موضوعات مؤجلة تنتظر لحظة الانفجار خارج مفهومي المكان والزمان، وما الشاعر أبو العلاء المعري متشائما، لو أن بيئته منحته ما تصبو إليه نفسه. وليس فرانز كافكا غير ما نسجته ثقافة الجبل من عزلة جعلته يتعلق بميلينيا التي ترجمت هواجسه، ليتعلق بها ويهرب من نساء أخريات، فكانت الرسائل ترجمة لرغبات ظلت معزولة فيه، كما يمكن الإشارة إلى فيرجينيا وولف وعزلتها في غرفتها الخاصة مستقلة عما حولها للكتابة ...
وفي تجارب الكتاب والفلاسفة ما يدل على أن العزلة ناتجة عن سبب ما، قد يكون المرض والرغبة والتأمل في الكون وغيرها من الأسباب التي تشكلت ماديا أو معنويا، بحيث لا يمكن أن يستوعبها غير الانعزال للتأمل في كيفية التعبير عن الحال، على شاكلة المتصوفة والسالكين العاكفين وهم يرغبون في التعالي عن عالم المادة، أو ما يقطعه المرء مع نفسة لأداء وظيفة معينة كانعزال أبي حامد الغزالي لتدوين قلقه الوجودي في (إحياء علوم الدين) ....
ويمكن الحديث عن علاقة الأدب بالعزلة من حيث الجمال الذي تصنعه، فمثلا لماذا كتب غابرييل غارسيا ماركيز روايته ( مائة عام من العزلة) لو لم تكن العزلة تشكل عنده عنصرا فنيا استطاع من خلال التخييل أن يكشف عن حكاية قرية(ماكوندو) وتاريخ أسرة ( بوينديا)...
من هنا فإشكالية العزلة تعتبر فضاء مجردا للكتابة، ولا يمكن أن يعكس بشكل آلي حياة المبدع وسلوكاته، لأن العزلة تتلبس بخضوعها لتطوير التجربة الأدبية، على غرار الجنون الذي يتفوه بصاحبه كلاما قد وُصف بالحكمة.
إن العزلة هو الانصراف إلى التأمل والخروج عن دائرة العالم المحسوس كما يراه الناس، حيث ينسج الكاتب مسافة بين الذات والموضوع، فيحقق العمق في الرؤية لديه نوعا من التطهير الشعوري بالمفهوم الفني والجمالي للأدب. وبهذا تكون العزلة انصرافا إلى لغة التأمل التي لا تكون إلا بركوب الخيال وما يحويه من مجازات وأمداء جمالية سواء تعلق الأمر بالرسم والشعر والسرد والفكر وغيرها من أشكال التعبير ....

• إدريس زايدي- المغرب








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفلسطينيين بيستعملوا المياه خمس مرات ! فيلم حقيقي -إعادة تد


.. تفتح الشباك ترجع 100 سنة لورا?? فيلم قرابين من مشروع رشيد مش




.. 22 فيلم من داخل غزة?? بالفن رشيد مشهراوي وصل الصوت??


.. فيلم كارتون لأطفال غزة معجزة صنعت تحت القصف??




.. فنانة تشكيلية فلسطينية قصفولها المرسم??