الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الإنفصام

سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)

2024 / 6 / 11
الادب والفن


١ - أسمع المفتاح يدور في قفل الباب
 عدة أصوات خافتة تتهامس 
أرفع رأسي قليلا 
مقفل حتى إشعار آخر 
أقول لهم بصوت خافت 
ويبتعد صوت الخطوات 
ويعود الصمت ثقيلا 
مبهما ينضح بالقلق 
وأحاول النوم 
والعراك مع الأرق 
وأخسر في لعبة الصور الغامضة
 وقبل الفجر بقليل
أتسلل إلى دهاليز الذاكرة 
سوداء رطبة معتمة 
بدون خارطة 
أتيه في سراديب الزمن 
تضيئني فكرة وتذكرة 
وطعم كحول رديء 
في ظلمة الليل 
ينتابني شعور غامض
بالغربة والقلق 
وربما بالضياع 
وبأنني معلق في الهواء 
والسرير 
يطفو في فضاء الحجرة 
يتأرجح 
يتهيأ للإقلاع 
يجتاز النافذة 
ويحلق في فضاء المدينة الصامتة 
فوق أسطح البيوت والشوارع النائمة 
كبساط الريح 
وينتابني القلق ثانية 
وأخاف السقوط 
فيوقظني الخوف من الخوف 
وأقفز من السرير

٢ - وأجد نفسي واقفا كالعادة في وسط الغرفة الصغيرة، بعد أن أقفل الباب وراءه يلف المكان بنظراته وكأنه ينتظر أن يكتشف شيئا جديدا في كل مرة، غير أن كل شيء باق في مكانه كما هو ، الكرسي والطاولة والسرير والكتب على الأرض وكأس القهوة، باقية كما هي عند خروجه في الصباح، الزمن لم يمر من هنا هذا اليوم، قال ذلك في نفسه وهو يخلع معطفه ويعلقه في مسمار على الجدار، ثم كالعادة يستلقي على السرير ويغمض عينيه. وينتابه الشك، ربما تغيرت الأشياء دون أن يتمكن من ملاحظتها، أو تحركت أو حتى اختفت من الحجرة ثم عادت إلى وضعها قبل أن يفتح الباب، كيف يتأكد بأن السرير ما زال في وضعه كما كان بالأمس.

٣ - اللوح الزجاجي المغطى ببقع الذباب السوداء، وبطبقة صفراء شفافة من الدخان اللزج تفصله عن ضجة الشارع وأصوات الآخرين، وتفصله عن نفسه وعن إحساسه بجسده. "أنا" في الجانب الآخر، يمد يده، يحاول يائسا أن يتحدث معه ويقنعه بأن كل شيء باق كما هو وأن جسده لم يترك السرير منذ وقت طويل. هذا اللوح الزجاجي الداكن هذا الحاجز الهش يفصلني ويبعدني عني وعنكم وعن كل الآخرين، يبدون من بعيد كالأشباح التائهة تتحرك في جميع الاتجاهات، يمسكون عشرات الأشياء الغريبة في أيديهم، وفوق رؤوسهم، وفي أفواههم، وفوق جباههم ترتسم رموز وإشارات العبودية. يتحركون بسرعة وببطء، يتوقفون، ينحنون وينبطحون على الأرض، يتمرغون في التراب والوحل، ثم ينهضون، ويواصلون رحلتهم اليومية. حركة مستمرة بلا هدف، لا أسمعهم، ولا أراهم، فقط أميز ظلالهم خلف اللوح الزجاجي الداكن.

٤ - طعم البيرة، أو القهوة، لا أتذكر جيدا هذه التفاصيل، يحملني بعيدا عنهم، يحملني إلى جغرافية أخرى، وتاريخ آخر، مررت بهما ذات يوم، وسأعود إليهما حتما بعد غد، أو بعد اسبوع. سأركب البحر، سأجوب العالم في صندوق خشبي صغير، سأقايض هذه الأراضي السوداء التي سئمت مني وسئمت منها، ببحار غريبة، الأسود والأبيض والأحمر والأصفر، وعشرات الألوان الأخرى. سأغرق في مثلث برمودا ومربع ماليفيتش، وقد اجد ذلك اللون الذي لا أسم له ذا العينين المشتعلتين، والتي تغوي كل من يمر بتلك البقعة من السماء، وتقوده إلى أعماق البحر، حيث ينتهي وسط قبر في إحدى ساحات الجنة، محاطا بحدائق لم تطأها سوى أقدام الضائعين. زجاجة أخرى على الطاولة الخضراء، وسألتقي بسندباد، يقول ذلك وهو يضحك ويملأ الكأسين .. لا .. لا .. أنا لست سندباد، ولم أحب في حياتي ألف ليلة وليلة، لا .. ذلك الجو العابق بالبخور والجلابيب والعمائم، إن ذلك يثير خيال البعض أما أنا فلست من هؤلاء، وأكره المثقفين أكثر حتى من الجنرالات والعسكر ورجال السياسة. لا .. أنا لست سندباد، ولست أوليس، ولست ديدالوس. أنا مجرد كرنافة ملقاة على قارعة الطريق، وفي وسط الكرنافة شريط، لا يتوقف، كلمات تلهث الواحدة تلو الأخرى، دون أي منطق صوري أو لوني أو صوتي، مجرد صرير القلم على الورقة، أو صوت اللون السائل يسقط على القماش الأبيض المتوتر، قطرات وخطوط وظلال. مجرد كلمات، كل الكلمات، كل الكلمات، الكلمات التي ابتلعتها حينما كنت طفلا، هذا إذا كنت طفلا في يوم ما، أو حينما كنت سجينا، هذا إذا ما كنت سجينا في يوم من الأيام. الكلمات التي هربت وأظل ألاحقها من شارع لشارع ومن مدينة لمدينة ومن زمن لآخر. الكلمات التي ذابت في لون عيون الليل وتبخرت دخانا يتصاعد من بين ألأصابع ومن بين الأوراق. لست سندباد، ولست جلجامش، ولست أوليس او ديدالوس، لست شيئا من هذا النوع

٥ - "أنا" فقط شيء يتكون.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عيو ن القلب سهرانة ما بتنامشي??.. إسراء عصام تبدع في الغناء


.. جيف مونسون مصارع الفنون القتالية المختلطة يعلن إسلامه في موس




.. ياليلة العيد آنستينا وجددتي الآمل ??.. إبداع فرقة أعز الناس


.. الفنان القدير دريد لحام يوضح آراء ومواقف شخصية ارتبطت بمسيرت




.. نزاع في الوسط الفني بين مؤلفين بسبب -سفاح التجمع-