الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الماهية والوجود والفلسفة الحاضرية الوجودية الشاملة

غالب المسعودي
(Galb Masudi)

2024 / 7 / 10
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


في الفلسفة، الماهية هي التعريف الجوهري أو الحقيقة الأساسية لشيء ما. إنها الخصائص الضرورية والجوهرية التي تجعل الشيء ما هو عليه. الماهية تحدد ما هو ذلك الشيء وتميزه عن غيره، على سبيل المثال، في حالة الإنسان، فإن الماهية تتكون من خصائص أساسية:
• الوعي والعقل
• القدرة على التفكير والتخاطب
• التعاطف والقدرة على المشاعر
• القدرة على التعلم والتطور
هذه الخصائص هي جوهر الإنسانية وتعرف الإنسان وتميزه عن الكائنات الأخرى، الماهية هي "ما" هو الشيء بالأساس، بغض النظر عن وجوده الفعلي أو ظروفه المتغيرة، هناك جدل فلسفي طويل حول الماهية والوجود - هل الماهية سابقة على الوجود أم العكس؟ وهل الماهية ثابتة أم متغيرة؟ هذه النقاشات تشكل جزءًا أساسيًا من الفلسفة الميتافيزيقية.
هناك العديد من العوامل التي تحدد الماهية في الفلسفة:
الجوهر (Essence)
التعريف (Definition)
الكمال (Perfection)
الضرورة (Necessity)
الأبدية (Eternity)
الإمكان (Potentiality)
هذه العوامل مجتمعة تشكل مفهوم الماهية في الفلسفة، والذي يعتبر من المفاهيم المركزية والمؤثرة في الفكر الفلسفي عبر التاريخ. هناك نقاش حول أولوية الماهية أو الوجود وكان محور اهتمام العديد من الفلاسفة عبر التاريخ، مثل أفلاطون وأرسطو، وديكارت، وهيغل، وهيدغر. الفلسفة تهتم بالأسئلة الجوهرية، هل يمكن اعتبار الماهية هي برمجة الوجود ام الوجود بذاته...؟
هذه مسألة فلسفية معقدة وهناك وجهات نظر متباينة بشأنها. هناك بعض الفلاسفة الذين ينظرون إلى الماهية على أنها "برمجة" أو تحديد للوجود، بينما يرى آخرون أن الوجود هو الأساس الأول والماهية تنشأ منه. بعض الفلاسفة كهيجل ينظرون إلى الماهية على أنها المحدد والمنظم للوجود, الماهية تمثل المفاهيم والأشكال الكامنة التي توجه وتحدد طبيعة الوجود, الوجود هنا ينشأ من الماهية ويتبعها، فالماهية هي التي تعطي الوجود شكله ومعناه, هناك فلاسفة آخرون مثل لا وتسو ومرلو-بونتي الذين ينظرون إلى الوجود باعتباره الأساس الأول, الماهية تنبثق من الوجود وتعبر عنه، وليست مستقلة عنه أو سابقة عليه, الوجود هو الأصل والماهية هي الصورة أو التعبير عن الوجود في أشكال متنوعة, في الحقيقة، هذا النقاش حول أولوية الماهية أو الوجود هو جزء من جدل فلسفي مستمر منذ قرون. ولا توجد إجابة موحدة أو حاسمة، فالنظر إلى هذه العلاقة يختلف باختلاف المنظور الفلسفي. السؤال الجوهري الاخرهو هل يمكن القول إن الماهية والوجود متلازمان ولا يمكن فصلهما...؟
هناك وجهة نظر فلسفية مهمة ترى أن الماهية والوجود متلازمان ولا يمكن فصلهما بشكل كامل. يمكن توضيح هذه الفكرة على النحو التالي:
ترابط الماهية والوجود
الماهية تعبر عن الطبيعة الأساسية والهوية لشيء ما، بينما الوجود هو الشكل المتحقق والواقعي لهذه الماهية، لا يمكن أن توجد ماهية بدون وجود ملموس، كما لا يمكن أن يكون هناك وجود بدون خصائص وتحديدات ماهوية, الماهية والوجود متلازمان ويكملان بعضهما البعض، فالماهية تعطي الوجود معناه والوجود يجسد الماهية. محاولة فصل الماهية عن الوجود أو النظر إليهما كأمرين منفصلين هو نوع من التجريد والانتزاع الفلسفي. هناك توافق فلسفي كبير على أنه لا يمكن أن يكون هناك وجود بدون ماهية. وذلك للأسباب التالية:
الماهية تُعرِّف الوجود
الماهية هي الطبيعة الأساسية والخصائص المميزة لشيء ما، والتي تجعله هذا الشيء بالتحديد، بدون ماهية، الوجود سيكون مجرد وجود عام وفارغ، بدون أي تحديدات أو معنى، الوجود يكتسب معناه ومحتواه من خلال الماهية التي تُعرِّفه وتُميِّزه. يُنظر إلى الحيوان على أنه موجود فقط، بينما يُنظر إلى الإنسان على أنه له وجود وأيضًا له ماهية محددة تميزه عن غيره. هذا الاختلاف في الماهية بين الحيوان والإنسان هو جزء أساسي من التمييز الفلسفي بينهما. اذن الماهية تعني الوجود الواعي. يمكن للماهية باعتبارها محددة لشكل الوجود أن تخلق أشكالاً مغايرة للوجود. هناك عدة جوانب يمكن التطرق إليها في هذا السياق:
• تنوع الماهيات وتعدد أشكال الوجود
• إمكانية التطور والتغيير في الماهية
• تفاعل الماهيات وخلق صور جديدة للوجود
إذن، يمكن القول إن الماهية باعتبارها محددة لشكل الوجود قادرة على خلق أشكال مغايرة للوجود، سواء من خلال تنوع الماهيات أو التغير والتطور فيها أو تفاعلها مع ماهيات أخرى. وهذا يؤكد قدرة الماهية على التأثير والتحكم في طبيعة الوجود. يمكن للماهية أن تخلق أشكالاً وجودية متناقضة أو متعارضة. وهناك عدة جوانب يمكن التطرق إليها في هذا السياق:
• تعدد الماهيات والتناقض في خصائصها
• التغير والتطور في الماهية
• التداخل والتفاعل بين الماهيات
إذن، يمكن القول إن الماهية قادرة على خلق أشكال وجودية متناقضة أو متعارضة، سواء من خلال تعدد الماهيات المختلفة أو التغير والتطور في ماهية واحدة أو التفاعل والتداخل بين ماهيات متباينة أو الإمكانات الكامنة في الماهية نفسها. وهذا يؤكد قدرة الماهية على إنتاج وجودات متضادة أو متناقضة، يمكن اعتبار وجود أشكال مختلفة من الوجودات، منها متدنية ومنها متفوقة، يرجع ذلك إلى ماهيات متناقضة. هناك عدة أوجه لهذا الموضوع:
تباين الخصائص الأساسية للماهيات
إذا كانت هناك ماهيتان مختلفتان تماماً في خصائصهما الأساسية، كالقوة والضعف أو الكمال والنقص، فإن هذا التباين سينعكس على الأشكال الوجودية المنبثقة عنهما فالماهية الأكثر كمالاً ستنتج وجودات متفوقة، بينما الماهية الأقل كمالاً ستنتج وجودات متدنية.
المراتب الوجودية والتسلسل الهرمي
قد تكون هناك مراتب وتسلسل هرمي في الوجودات، بحيث تكون بعض الوجودات أعلى مرتبة وأكثر تفوقاً من غيرها، ويرجع هذا التسلسل الهرمي إلى اختلاف ماهيات الوجودات والخصائص المتمايزة التي تنبثق عنها.
التطور والنمو في الماهيات
قد تشهد الماهيات تطوراً وتغيراً في خصائصها عبر الزمن، مما ينتج عنه أشكال وجودية متفاوتة في درجة التفوق والتدني، فالماهية الأكثر تطوراً ونضجاً ستنتج وجودات أكثر تفوقاً، بينما الماهية الأقل تطوراً ستنتج وجودات أكثر تدنياً.
التداخل والتفاعل بين الماهيات
عندما تتداخل أو تتفاعل ماهيات مختلفة، قد ينتج عن هذا التفاعل أشكال وجودية متباينة في درجة التفوق والتدني، فالجمع بين خصائص متناقضة للماهيات قد يخلق حالات وجودية متفاوتة. إذن، يمكن القول إن اختلاف الماهيات وتناقضها هو ما يؤدي إلى ظهور أشكال مختلفة من الوجودات، منها متفوقة ومنها متدنية. وهذا التفاوت يعكس التباين في الخصائص الأساسية للماهيات المتناقضة.
الجينات والماهية
الجينات من ناحية امبريقية لها تأثير قوي على التطور والنمو الدماغي، وبالتالي على الخبرات الذاتية للوعي والإدراك، هناك بعض النقاط مهمة:
الجينات تشفر المعلومات الوراثية التي توجه عملية تطور وبناء الدماغ والأعصاب منذ مرحلة الجنين, التركيب الجيني الفريد لكل فرد له دور كبير في تحديد خصائص الدماغ والقدرات المعرفية والعقلية, التفاعل المعقد بين الجينات والبيئة هو الذي يشكل الدماغ وخصائصه النهائية, بعض الجينات مرتبطة بوظائف عقلية محددة كالذاكرة والإدراك والانتباه وغيرها, الاضطرابات الجينية قد تؤدي إلى اختلالات في وظائف الدماغ وبالتالي التجربة الذاتية للوعي, لذلك، يمكن القول أن الجينات تمثل أساس "ماهية الوجود" من خلال تحديدها لخصائص الدماغ والقدرات العقلية, ولكن هذا التأثير ليس مطلقًا، بل يتفاعل مع البيئة والخبرات لتشكيل الوعي والإدراك بصورته النهائية. وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه المناقشات الراهنة بشأن التأثيرات العملية للربط بين الجينات والوجود المادي والروحي، لان التأمل يتم من خلال العقل والمعرفة المكتسبة من خلال العقل ومكانها الموضوعي هو الدماغ، هذا التفاعل بين الموضوعي والذاتي هو ما يجعل التأمل مجالاً فكريًا غنيًا وذا أبعاد متعددة. وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه المناقشات الفلسفية والعلمية المعاصرة حول طبيعة الوعي والخبرة الإنسانية.
البرمجة الجينية تتحكم في عملية تنظيم وتعبير الجينات، جينات التطور والتمايز الخاصة بكل نوع من الكائنات الحية تحدد شكل جسمها وخصائصها المظهرية. كما أن جينات التحكم بالوظائف الحيوية وتلعب دورًا أساسيًا في تحديد سلوكيات الكائن وطرق عيشه، لذلك، يمكن القول إن البرمجة الجينية هي العامل المركزي الذي يقف وراء تنوع الأشكال والوظائف للكائنات الحية في الطبيعة. وهي تشكّل أساس المعلومات الوراثية التي تنتقل مما يمكن من الوصول الى نتيجة مقبولة واقعيا وفلسفيا لأسبقية الجدل بين الماهية والوجود, هذه نقطة مهمة حول العلاقة بين الماهية والوجود في سياق البرمجة الجينية للكائنات الحية. هناك بعض النقاط التي يمكن أن تساعد في توضيح هذا الموضوع:
الطبيعة البيولوجية للماهية
في حالة الكائنات الحية، يمكن اعتبار الماهية كالبرمجة الجينية التي تحدد الخصائص والسمات الأساسية للكائن، هذه البرمجة الجينية سابقة على الوجود الفعلي للكائن، إذ إنها تسبق ولادة الكائن وتحدد إمكانياته وطبيعته.
الديناميكية بين الماهية والوجود
على الرغم من سبق الماهية (البرمجة الجينية) على الوجود، إلا أن التفاعل بينهما مستمر وديناميكي، فالوجود الفعلي للكائن يؤثر في تطوير وتغير هذه البرمجة الجينية تدريجيًا عبر عمليات التطور والتكيف.
التأثير البيئي والاجتماعي
لا ينحصر التأثير على الماهية (البرمجة الجينية) في الوجود الفعلي للكائن فقط، بل إن العوامل البيئية والاجتماعية والثقافية تلعب دورًا مهمًا في تشكيل وتطوير هذه البرمجة الجينية أيضًا.
التوافق بين الماهية والوجود
في النهاية، يمكن القول إن هناك توافق وتكامل بين الماهية (البرمجة الجينية) والوجود الفعلي للكائن، فالماهية تسبق الوجود، لكن الوجود والعوامل المحيطة به تؤثر بدورها في تطوير وتغيير الماهية.
بهذا المنظور، يمكن الوصول إلى موقف متوازن يعترف بأسبقية الماهية (البرمجة الجينية) دون إغفال دور الوجود والعوامل المؤثرة الأخرى في تشكيل الكائن وتطوره. وهذا يساعد في التوفيق بين وجهات النظر الفلسفية المختلفة من خلال الحاضرية الوجودية الشاملة. وبهذا يمكن اعتبار الماهية والوجود متكاملين في سياق التطور البيولوجي للكائنات الحية، هناك بعض الأسباب التي تؤيد هذا الرأي:
الترابط الديناميكي
التأثير البيئي والاجتماعي
التكامل في التطور
التأثير على مستوى الأنواع
بالتالي، يمكن القول إن الماهية والوجود متكاملان بشكل وثيق في سياق التطور البيولوجي للكائنات الحية. فهما يؤثران ويتأثران ببعضهما البعض على مختلف المستويات، مما يمكّن الكائنات من التكيف والتطور. كذلك أن التكامل بين الماهية والوجود هو أمر متدرج ويختلف من نوع إلى آخر حسب مستوى التطور والتعقيد البيولوجي للكائن الحي. فالكائنات الأكثر تطوراً تظهر درجة أعلى من هذا التكامل هذا يشير إلى أن الماهية والوجود ليسا مفهومين منفصلين، بل إنهما متداخلان ومترابطان بطرق مختلفة في مختلف الأنواع البيولوجية. وبالتالي، لا يوجد ضرورة لافتراض وجود ماهيات خارجية مسبقة لتفسير هذه العلاقة، بل يمكننا النظر إليها كعملية تطورية متدرجة تنشأ من التفاعل والتكامل بين الخصائص البيولوجية للكائن الحي وبيئته. هذا المنظور أكثر موضوعية ودقة في تفسير العلاقة بين الماهية والوجود. ولكن في الوقت نفسه، فإن المناقشات الميتافيزيقية حول الوجود والماهية والذات والقيم لا تزال ذات أهمية فلسفية، على الرغم من محدودية الأدلة الإمبيريقية المباشرة، فإن للميتافيزيقيا قيمة فكرية ومنهجية بطريقة منضبطة ومفتوحة على النقد والتحقق.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -منافسون متواضعون-.. فوز سهل منتظر لتبون في الانتخابات الرئا


.. مفاوضات التهدئة في غزة.. حديث أميركي عن اتفاق قريب| #الظهيرة




.. مراسلتنا: استهداف سيارة في خراج بلدة برج الملوك في مرجعيون ج


.. إدارة الغذاء والدواء الأميركية توافق على شريحة دماغ من ابتكا




.. حملة تفتيش للمباني السكنية بالكويت للتأكد من اشتراطات السلام