الحوار المتمدن - موبايل


دراسة حول (الماركسية و - قاطرات التاريخ - ) -الجزء الاول

غياث نعيسة

2007 / 1 / 22
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


مدخل

تشهد السنوات الاخيرة عودة الى ماركس وكتاباته ، باعتباره المفكر الاهم الذي لا يمكن تجاوزه في اية محاولة لفهم الرأسمالية كمدخل لمناهضتها. وتأتي عودة الاهتمام به هذه بعد نحو عقد من محاولات وضعه على رف التاريخ ، ليتم نسيانه مع هيمنة ايديولوجيا " نهاية التاريخ" و " أبدية الرأـسمالية" . و بعضها الأخر حاول ،في أحسن الاحوال ، تعليب افكاره في دراسات أكاديمية وجامعية تنزع عن ماركس ونظريته جوهرها أي كونها نظرية الممارسة (البراكسيس).
لعل هذه العودة للاهتمام بالماركسية يمكن تفسيرها بحالة استمرار الفوضى العالمية (او العولمية) الاقتصادية والسياسية للنظام الرأسمالي في بدايات القرن الحادي والعشرين.فقد نشرت صحيفة الفايننشال تايمز في 25 أذار/مارس 1998 مقالاَ يؤكد ان البيان الشيوعي "لماركس وانجلز وصف وضعاَ للاقتصاد العالمي يشبه ذلك القائم عام 1998 اكثر منه ذلك في عصرهما عام 1848".
ترتبط عودة ماركس والماركسية بقوة، من جهة، بانكشاف آكذوبة "النظام العالمي الجديد" و " الشرق الاوسط الكبير" على حقيقتهما مع اندلاع الحروب الامبريالية والمذابح الجماعية في منطقتنا وفي البلقان وافغانستان والصومال ورواندا وفلسطين ولبنان و ....، وفشل ما سمي "بمعجزة" اقتصادات النمور الاسيوية ، و افلاس الارجنتين التي كانت تسمى بالتلميذ النجيب لليبرالية المتوحشة. و من جهة اخرى ، باندلاع حركات جماهيرية واسعة وعالمية ، كحركة مناهضة العولمة الرآسمالية ، وحركة مناهضة الحروب الامبريالية ، والاضرابات الواسعة في دول اوربا المتقدمة كفرنسا وغيرها ، والانتفاضات الجماهيرية في الارجنتين واندونيسيا ..الخ، وانتصارات اليسار في امريكا اللاتينية.
تناقض هذه الوقائع تماماَ الصورة المثالية التي يسعى دعاة الرأسمالية وايديولوجيا الليبرالية الى طرحها. فلم تقدم الرأسمالية ولا الليبرالية لا سلاماَ ولا رفاهاَ . بل يقدمان حروباَ واضطهاداَ واستغلالا وفوضى عالمية لا مثيل لها .
في الوقت نفسه ، لا تعني عودة ماركس ، في كل الكتابات المنتشرة هذه الايام ، عودة متكاملة لأعماله. فهناك من يركز ويعترف بدقة تحليل ماركس للرأسمالية وتناقضاتها ، وهنالك قراءات أخرى ،اكاديمية او شبه اكاديمية، ميته " تفقد النص روحه" حول الديالكتيك ، تعزل بعض الافكار التي طرحها ماركس قبل ان تحنطها.
لكن ما تفتقر له اغلب هذه الكتابات هو الاشارة الى القناعة الراسخة والواضحة لدى ماركس بالكمون الثوري والتغييري الاساسي للطبقة العاملة.
واذ تشكل هذه الفكرة حقاَ حجر الزاوية في فكر ماركس وتحليله للرأسمالية ، فانها تمثل بلا شك العلامة الفارقة للماركسية عن سواها من النظريات الاشتراكية للعديد من المفكرين قبل ماركس. لأن مضمون الفكر الماركسي يقوم على مقولة " ان التحرر الذاتي للطبقة العاملة والمأجورين هو وحده الذي بأمكانه ان يقدم بديلاَ عن الرآسمالية", لأن حركة الطبقة العاملة ، وفق ما ورد في البيان الشيوعي هي " الوعي الذاتي والحركة المستقلة للغالبية الغظمى من الناس في مصلحة غالبية الناس".
مثلما لا تعني هذه العودة الى ماركس بالضرورة عودة الى التراث الماركسي الثوري. اذ يصعب، مثلاَ، فهم التطور الراهن للرأسمالية وعولمتها ، واوضاع " دول العالم الثالث" والنزعات القومية ، والانتشار الواسع للاصلاحية واسبابها وجذورها ، وتحليل الامبريالية اليوم وغيرها من القضايا ، دون ان يمتلك ماركسيو اليوم وعياَ باعمال مفكرين ماركسيين كبار مثل لينين وتروتسكي وروزا لوكسمبورغ وغرامشي واخرين ، بالرغم من تمايزاتهم، ولكن باعتبارهم مكونات لكل موحد هو التراث الماركسي الثوري.
الجيل الشاب والجديد ذو المزاج الراديكالي ، ما يزال ينفر من بعض كتابات مثقفي الجيل السابق لعام 1986 ، التي تتميز –كتاباتهم- بالطابع الاكاديمي او المعقد او المحافظ ،او بكل هذه المساوئ معاَ.
هكذا جيل شاب كان في السابق يجد، احياناَ، ، ملاذا له في الاحزاب الشيوعية والاصلاحية ، ولكن مع انهيار الاتحاد السوفياتي وانظمة اوربا الشرقية ، وزيادة ضعف نفوذ هذه الاحزاب او تفككها والتي يسود ما تبقى منها تشوش فكري وعملي واضحين. فان هذا الجيل الشاب الراديكالي انما هواليوم بحاجة الى ان يلتحم بعلاقة حميمة مع الفكر الماركسي الثوري ومع نضالات المأجورين والمضطهدين ، لكي لا ينتهي به الحال الى مجرد خوض تجربة ثقافية او فكرية عابرة دون أدنى اثر اجتماعي يذكر لها.
وعلى أرضية الاهتمام بماركس والماركسية حصلت ، وما تزال تحصل، تجارب عديدة في العالم لاعادة تكوين َمجموعات يسارية او ماركسية او حتى تجمعات يسارية اوسع, لكن فشل اغلبها ان كان في مسعاها على صعيد تغيير الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية اوداخل الاحزاب الشيوعية اوفي تجارب انشاء احزاب "من طراز جديد" ، ادى الى تخلى الكثيرين من الناشطين فيها حتى عن فكرة "الاشتراكية" و"دور الطبقة العاملة" لصالح مفاهيم عائمة عن "الديمقراطية". او بقي البعض ممن يجتر مقولات ستالينية او قومية-يسارية محنطة.
ما يطرح نفسه وبالحاح في الوقت الراهن ، وهو ما يبرز من خلال النضالات والتجارب العالمية ، هو حاجة النشطاء والمناضلين الى "شئ ما" يتجاوز اسلوب مجرد "لم شمل مجموعة من الافراد" الى "شئ ما اخر" يقدم لهؤلاء النشطاء والمناضلين رؤية استراتيجية ونظرية وتربوية ، ويكون اطاراَ سياسياَ مفتوحاَ للافراد ، وباعتباره كذلك يسعى الى تجاوز الهويات الفردية من خلال دعمه وبنائه للنضالات. هذا الاطار السياسي (الحزب) هو ضرورة من اجل الالتحام بالحركات والنضالات اليومية لجماهير العمال والمأجورين والمضطهدين ، بأفق تغيير المجتمع. لذلك فان الفكر الماركسي الثوري ، ليس ضرورياَ لفهم العالم والتاريخ البشري فحسب، بل هو ايضاَ "مرشد للعمل". فالنشاط العملي السياسي هو الذي يعطي الحياة للنظرية ، وبدونه لا قيمة لاية نظرية مهما كانت. وتطمح هذه المقالة للاندراج في هذا السياق.

هل افل عصر الثورات؟


أدت ثورات 1989 الى انهاء عصر ، اشاعت خلاله الاحزاب الشيوعية-الستالينية- عالمياَ مقولة ان حركات الطبقة العاملة لا يمكنها القيام بالثورة الاشتراكية حتى يتم انجاز وتحقيق مهام الثورة الديمقراطية . بالرغم من ذلك ما تزال تتردد مثل هذه الاطروحات بالرغم من غياب البنى التي كانت تدعو لها سابقاَ . وللمفارقة التاريخية فقد حصل الشئ نفسه بعد ثورات 1848 وثورة 1905 . سنتناول لاحقاَ وبايجاز بعض الدروس الاساسية لسلسلة من الثورات.
تتضمن مقدمة كتاب ماركس" نقد الاقتصاد السياسي" المقولة الاساسية التالية : " لاتزول تشكيلة اجتماعية اطلاقاَ الا بعد ان تنمو كل القوى المنتجة التي بامكانها ان تستوعبها باقصى مايمكن ، ولا يمكن لعلاقات انتاج جديدة وارقى ان تحل محلها قبل ان تتوفر شروط الوجود المادية لهذه العلاقات ضمن المجتمع نفسه" . هذه المقولة تحدد الحقل السياسي، بمعنى انه صحيح ان البشر يصنعون تاريخهم التي تشكل الثورات قاطراته ، لكمهم يصنعونه ضمن شروط محددة ، لا يمكن تجاهلها . بهذا المعنى كانت الثورة الفرنسية عام 1789 اخر الثورات البرجوازية (الاجتماعية)، لانها اجهزت على الاقطاعية سياسيا واجتماعيا ، واحلت محلها نمط حكم جديد ونمط اجتماعي –اقتصادي جديد ايضاَ . بينما لم تكن ثورات 1848، التي شهدت بروز البروليتاريا كطبقة نشطة وفاعلة ، وما بعدها ثورات برجوازية بالمعنى السابق (بمعنى ثورات اجتماعية) بل كانت ثورات "ديمقراطية"، شهدت اشكال عديدة من الصفقات والتسويات بين الطبقات المالكة (البرجوازية والاقطاعية ..) على حساب الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين . لقد فقدت منذئذ البرجوازية روحها الثورية.
في هذا الوضع (1848) لبرجوازية " يقف وعيها في تعارض مع الشروط الموضوعية لبسط سيطرتها " وفق تحليل تروتسكي في "نتائج وتوقعات" ، وطبقة عاملة لم تتوفر بعض شروط انتصارها ، فكما وصفها انجلز لاحقاَ في كتابه " الصراع الطبقي في فرنسا" ان هذه الاحداث " كشفت بوضوح ان حالة التطور الاقتصادي في القارة الاوربية لم تكن بعد ناضجة من اجل الغاء الانتاج الرأسمالي". وبالرغم من ذلك فقد رأى ماركس ان ثورة برجوازية في المانيا تحققها البروليتاريا بالتحالف مع البرجوازية الصغيرة يمكن ان تنتقل الى ثورة بروليتارية بشرط ان تخلق البروليتاريا نوع من ازدواجية السلطة تمنع البرجوازية من سحقها بمجرد وصولها الى السلطة وحدد ماركس وجهة نظره هذه في خطابه الذي وجهه الى العصبة الشيوعية في نيسان/ابريل 1850 " عليهم (العمال) ان يبذلوا اقصى جهدهم لاحراز النصر الاكيد عبر توعية انفسهم على مصالحهم الطبقية ، وتبنيهم باسرع وقت ممكن لوقف حزبي مستقل ، وبرفضهم ان تحرفهم العبارات الخبيثة التي يرددها ديمقراطيو البرجوازية الصغيرة ولو للحظة واحدة، عن تنظيم حزب البروليتاريا بشكل مستقل. يجب ان يكون شعار نضالهم : الثورة الدائمة".




حول الثورات البرجوازية الكلاسيكية

يسمح تاريخ الثورات البرجوازية الكبرى (القرنين 17 و 18) بالقاء الضوء على سمتين اساسيتين للعلاقة الحديثة التي تربط مابين الثورة الديمقراطية والثورة الاشتراكية .
السمة الاولى ، هي دينامية التجذير والراديكالية التي تفعل فعلها في القلب من كل الثورات. فمن المعروف ، في كل هذه الثورات ، أن أولئك الذين يصنعونها لا يدخلون الصراع والمعمعة بوعي يقوم بالضرورة على فكرة واضحة هي الاطاحة بالنظام القائم. ولكن الازمات الداخلية المتكررة للسيرورة الثورة هي التي يمكنها ان تضعهم وجهاَ لوجه أمام هذه الضرورة. وتشهد سيرورة الاستقطاب هذه انتقال العديد من الشخصيات ، بل والعديد من المنظمات السياسية، وبشكل مأساوي من يسار الثورة الى يمينها ، او الانتقال من المعسكر الثوري الى المعسكر المعادي للثورة.
ودينامية التجذر والراديكالية هذه شهدتها الثورات البروليتارية مثلما شهدتها الثورات البرجوازية.
السمة الثانية ، وهي السمةالاكثر وضوحاَ التي تفرق بين هذين النوعين من الثورات . انها الاختلاف في الشروط الاقتصادية-الاجتماعية التي تميز كلاَ منها.
فالثورة البرجوازية هي التي تقوم في مواجهة بنى اجتماعية ما قبل رأسمالية. بينما الثورة البروليتارية انما تقوم في مواجهة البنى الرأسمالية (الصناعية المتقدمة).
هذا الاطار الموضوعي للشروط الاقتصادية الاجتماعية يحدد بصرامة تخوم السيرورة الثورية . وهو الذي يضع حداَ لا يمكن القفز فوقه اوتجاوزه حتى لأكثر البرامج الثورية جذرية.

بما يخص السمة الاولى ، توضح الثورتين البرجوازيتين الفرنسية والانكليزية ان تحالف الجناح الديمقراطي البرجوازي الاكثر جذرية فيها مع الجناح الجذري الشعبي للثورة ( مثل اللامتسرولون) انما كان بالنسبة للجناح الديمقراطي البرجوازي هو نوع من التحالف مع الشيطان. وسرعان ما استدار الاخير لضرب الجناح الراديكالي الشعبي للثورة ، حيث قضى روبسبيير على اللامتسرولين وكرومويل على الجناح الراديكالي للثورة الانجليزية. ونتيجة هذا السلوك كانت متشابهة في كلتا الثورتين ، حيث ان الحكومة الثورية ، بفقدانها لسندها الراديكالي ، انما تحولت الى فريسة سهلة لاعدائها اليمينيين، وانتصرت الثورة المضادة.
اما فيما يخص السمة الثانية، فاننا نلحظ ان موقف ماركس وانجلز تطور مع دينامية الثورات. اذ كان موقفهما في بداية الثورة (1848) يقوم على اساس ضرورة "حث" البرجوازية من قبل قاعدة يسارية مستقلة والقيام بتنظيم الطبقة المستغلة باستقلال عن البرجوازية ، بهدف الضرب المشترك علىالنظام القديم . والاعداد لتحالف ديمقراطي يشمل البروليتاريا والبرجوازية الصغيرة والفلاحين يكون قادراَ على قيادة الثورة في حال تراخت البرجوازية واظهرت علامات "برودة في قدميها".
بيد ان موقف ماركس وانجلز تعدل وفق تطور ثورات 1848 . فقد اظهرت الاشهر الثلاث الاولى للثورة الالمانية أن البرجوازية غير حازمة ، ويجب دفعها الى موقف ونشاط حاسم. لكن مع تطور الثورة ، تحولت البرجوازية الى موقف مشلول ومائع. لتصل في "ايام حزيران /يونية" الى حالة واضحة تقف فيها كل الطبقات المستغلة بما فيها البرجوازية وغالبية ممثليها "الديمقراطيين" في صف الرجعية. عندئذ مال ماركس وانجلز الى تبني موقف جديد وهو ان الطبقات المستغلة أي العمال والفلاحون هم وحدهم القادرون على دفع الثورة الى الامام.
لقد اوصل خداع البرجوازية الكبير بماركس وانجلز الى موقف استراتيجي ينص على " ان النشاط المستقل والنقدي للطبقة العاملة ، ان كان على صعيد القضايا التكتيكية ام المسائل النظرية تجاه البرجوازيين الديمقراطيين هو امر جوهري".
لقد دفع تطور الثورة الى تفاقم الانقسامات السياسية داخل المعسكر الثوري على اساس الفروقات الطبقية. هذه الاستقطابات دفعت ماركس الى التركيز على اهمية التنطيم السياسي المستقل للطبقة العاملة ، مؤكداَ انه بمقدار ما يزداد الاخير قوة بقدر ما يمكن دفع الديمقراطيين الى اليسار. وطمح ماركس الى ان تزداد قوة الحركة العمالية لدرجة تسمح لها بالثورة ضد الديمقراطيين الليبراليين.
وتبلورت قناعته بأن هذه الثورة يجب ان تكون ثورة اشتراكية. هذا الافق دفع بماركس الى التوصل الى استنتاج بان جهاز الدولة ليس جهازاَ محايداَ ، بامكانه ان ينتقل من يدي طبقة الى ايدي طبقة اخرى . بل على الطبقة العاملة ان تعمل على بناء جهاز دولتها الخاص بموازاة وبمواجهة جهاز الطبقات المالكة. وانه سوف تنبثق في الصراع ضد النظام القديم اشكال تنظيمية جديدة مثل "لجان الاضراب" و"هيئات مندوبي العمال المحليين" و"الاجتماعات الجماهيرية". وفي ظروف النضال الملائمة سيتضمن هذا تشكيل ميليشيا عمالية مسلحة بما يمكن ان يتوفر لها. وقد اطلق ماركس على "منظمات مناهضة الدولة" اسم "المجالس الثورية المحلية" او الحكومات العمالية الثورية" التي رأى انها لا يمكن ان تتعايش طويلاَ مع الدولة البرجوازية دون حسم من هو الطرف المنتصر : تحطيم العمال للدولة البرجوازية ، او سحق الدولة لهيئات السلطة العمالية.
وهكذا نرى ، وفق ما سبق، ان افق الثورة الدائمة لم يكن اول من طرحه هو تروتسكي عام 1906 بل كان ماركس عام 1850 . هذه المقولة ـ أي الثورة الدائمةـ تعني وجوب طرح افق استراتيجي من أجل استقلالية التنظيم الاشتراكي للطبقة العاملة ، ليس فقط منذ بداية الثورة فحسب بل ومنذ المرحلة التي يدعم فيها الحزب العمالي المطالب الديمقراطية ، بهدف خلق ازدواجية السلطة ومن ثم الثورة الاشتراكية.

مع انتهاء ثورات 1848 انتهت بشكل نهائي حقبة كانت فيها البرجوازية قادرة وراغبة على الفعل بصفتها طبقة ثورية.
لم تحصل بعد ذلك التاريخ ـ وفي كل البلدان ـ اية محاولة للبرجوازية لقيادة جماهير الشعب ، من خلال ثورة مفتوحة، ضد النظام القديم. هذا لا يعني أن البرجوازية أصبحت الان مباشرة هي السلطة السياسية الحقيقية ، حتى في اكثر البلدان تقدماَ ، بل يقوم بهذا العمل ،اغلب الاحيان، موظفون و سياسيون وخبراء من الشرائح الوسطى والعليا.. يدافعون ويتفرغون لخدمة مصالحهها العامة. كما ان غياب الارادة الثورية للبرجوازية لا يعني ان الانتفاضات الشعبية ضد النظام القديم اصبحت شيئاَ من الماضي.

دروس ثورات 1848

قبل اندلاع ثورات 1848 كان ماركس وانجلز واضحان حول نقطتين . الاولى ، ان الثورة القادمة ستكون ثورة برجوازية، أي انها ستقيم دولة رأسمالية سيكون شكلها السياسي ، في افضل الحالات، ديمقراطي وجمهوري.
الثانية، انه يجب العمل على دفع البرجوازية نحو مواجهة حاسمة ضد النظام القديم. مع خشية ان تقوم الثورة البرجوازية ، بسبب القوة المتزايدة للطبقة العاملة ، بوضعها جانباَ هي والدولة الاقطاعية.
مع اندلاع الثورة رأى ماركس وانجلز ان الثورة في المانيا ستحصل "في افضل الشروط المتقدمة للحضارة الاوربية ومع البروليتاريا الاكثر تطوراَ مما كانت عليه في انجلترا القرن 17 او فرنسا القرن 18" ولهذا السبب فانها "ستكون المدخل لثورة مباشرة لاحقة هي الثورة البروليتارية".
وهكذا نجد في البيان الشيوعي الذي كتب قبل اندلاع الثورة انه ان كان على الطبقة العاملة " ان تناضل مع الرجوازية في كل مرة لتصرف فيها بطريقة ثورية" الا انه على الاشتراكيين " ان يطرحوا، وبالشكل الاكثر وضوحاَ ، في صفوف الطبقة العاملة الوعي بالتناقض التناحري بين البرجوازية والبروليتاريا".
بالرغم من هزيمة ثورات 1848 الا ان نتائجها تحققت واختبرت خلال القرن التاسع عشر .
النتائج الاولى ، استمرارية الانتفاضات الشعبية التي شهدت ازدياد تجلي الوعي الذاتي للطبقة العاملة على صعيدي النشاط والتظيم. وكان تتويجها في عام 1871 كومونة باريس التي ازدهرت خلالها ، ولوهلة قصيرة، أول ثورة عمالية ناجحة.واضحت السلطة العمالية تطرح في كل الانتفاضات اللاحقة ، وقد حددت روزا لوكسمبورغ الموقف الماركسي من النضالات الجماهيرية من اجل الاصلاحات بربطها دوما –عبر المناضلين الاشتراكيين- بافق الثورة البرليتارية " لانه بالرغم من تقليص برنامجنا ليقتصر على العمل من اجل الاصلاحات الاجتماعية والعمل النقابي المعتاد ، الا ان الهدف النهائي للحركة لا يلقى به جانبا، لان كل خطوة الى الامام انما تؤدي الى ابعد من الهدف المباشر المعطى ، ولان الهدف الاشتراكي يبقى قائما كوجهة في التقدم المفترض" ( لوكسمبورغ، اصلاح اجتماعي ام ثورة).
النتائج الثانية ، هي استمرار محاولات البرجوازية ـ من خلال اصلاحات فوقيةـ في تطوير الاشكال السياسية للحكم والدولة بما يتوافق و الشروط الجديدة لتراكم رأس المال.


الثورة الروسية ودروسها،ستالينية الثورة على مراحل

كان موقف لينين الاولي حول الثورة في روسيا ،والذي عبر عنه بشكل واضح في كراسه "خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية"، هو ان الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في روسيا ليست متطورة بشكل كاف يسمح بان تكون الثورة القادمة في روسيا ثورة اشتراكية، وشرح في كتابه " تطور الرأسمالية في روسيا" الاليات الكلاسيكية لتطورها في روسيا . وهو موقف متراجع حتى عن مواقف ماركس وانجلز منذ عام 1850. واعتقد لينين في الوقت نفسه ان البرجوازية الروسية من الضعف الى درجة عاجزة فيها عن قيادة الثورة الديمقراطية ، لذلك يقع على عاتق الطبقة العاملة ان تقود الثورة لاسقاط القيصرية واقامة جمهورية ديمقراطية . لكن موقف لينين اقترب كثيرا من موقف تروتسكي " في اطروحات نيسان" وهو الموقف القائل بانه من اجل ان تكون الثورة اشتراكية ، وليس-في احسن الاحوال- مجرد اقتصاد راسمالي وجمهورية برلمانية ، فمن الضروري ان تنتشر-أي الثورة- الى البلدان الصناعية المتقدمة. وحدد تروتسكي وجهة نظره في كتابه "نتائج وتوقعات " بان " البروليتاريا تنو وتتضاعف قوتها بنمو الرأسمالية ، بهذا المعنى يكون تطور الرأسمالية هو تطور البروليتاريا في اتجاه تحقيق دكتاتوريتها . على ان توقيت انتقال الحكم الى ايدي الطبقة العاملة لا يعتمد بشكل مباشر على المستوى الذي بلغته قوى الانتاج ، وانما على العلاقات في الصراع الطبقي وعلى الوضع العالمي ، واخيرا على عدد من العوامل الذاتية كتقاليد الطبقة العاملة ومبادرتها واستعدادها للنضال .....ان التصور ان قيام دكتاتورية البروليتاريا يعتمد بطريقة ما على تطور البلد المعني وعلى موارده انما هو زعم من مزاعم المادية "الاقتصادية" التافهة ". وهذا التصور هو الاساس النظري الذي انشأت على اساسه الاممية الثالثة. مثلما دافع تروتسكي عن مبدأ ارتهان نجاح وانتصار ثورة اكتوبر بانتشارها العالمي.
لقداكتشف لينين عام 1817 ما سبق ان اكتشفه ماركس وانجلز في زمنهما ، وهو انه حتى في روسيا المتأخرة فان على الطبقة العاملة ان تقوم مباشرة وفي نفس الوقت بحل قضايا الثورة الديمقراطية والاشتراكية . وانه ان وجد نوع من "المراحل" في تطور وعي الطبقة العاملة عام 1917 فان هذا لا علاقة له بالشروط الاقتصادية الموضوعية للثورة الاشتراكية ، بل يتعلق بحقيقة ان العمال يبدأون المعركة بثقة بقياداتهم التقليدية التي تمزع الى تسويات مع النظام الرأسمالي. هذا قد يؤثر على انخراطهم في البداية لكنه لا يضع حداَ لمدى التزامهم تحت تأثير النضالات الثورية.

لكن الستالينية قطعت الرابط بين امكانية الثورة الاشتراكية في بلد من جهة وبين ضرورة النضال من اجل نشرها عالمياَ ، من جهة اخرى.
فاشتراكية ستالين في بلد واحد انما ارتكزت على مقولة ان الدولة الروسية لوحدها بامكانها اقامة المجتمع الاشتراكي ، وانتقدت تروتسكي "لاستخفافه بالفلاحين" .
وبالتالي فان انموذج الثورة الذي نشرته الدعاية الستالينية في العالم الثالث هو انموذج الثورة على "مرحلتين" . المرحلة الاولى هي الثورة الديمقراطية والتي يجب خلالها- حسب الايديولجيا الستالينية- ان تخضع الطبقة العاملة طموحاتها الاشتراكية الخاصة لمصلحة "تحالف واسع" يهدف الى انجاز الثورة الديمقراطية. وفقط بعد انجاز الثورة الديمقراطية يمكن رفع المطالب الاشتراكية.
هذا الطرح الستاليني كان يعني ان الثورة لم تعد بحاجة للطبقة العاملة العالمية من اجل تحقيق النصر( في عصر الامبريالية) ، واصبحت الثورة الديمقراطية منذئذ قابلة للتحقيق عبر تحالف متعدد الطبقات للقوى التقدمية التي تعمل في بلد محدد فحسب. وهكذا اصبح مقبولاَ للاشتراكيين ان ينادوا بتحالف الطبقة العاملة مع "الاقسام التقدمية" للبرجوازية في الثورات القادمة.
لقد ادى هذا الطرح الستاليني الى كوارث في صين عام 1921 واسبانيا 1936 من خلال اخضاع ثورة الطبقة العاملة لصالح البرجوازيين القوميين في الصين او البرجوازيين البرلمانيين (الاحزاب الجمهورية)في اسبانيا. والنتيجة كانت ثورة مضادة ودكتاتورية في كلتا الحالتين.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد: كيف يسعى بطل أنغولا للغولف لكسر الصورة النمطية للعبة ا


.. مدريد: قدمنا للرباط التفسيرات لاستقبال زعيم البوليساريو


.. إسبانيا: فوز اليمين في انتخابات منطقة مدريد والحزب الاشتراكي




.. إسبانيا: فوز اليمين في انتخابات منطقة مدريد والحزب الاشتراكي


.. اليمين يفوز في مدريد والاشتراكي سانشيز يتعرض لهزيمة كبرى …