الحوار المتمدن - موبايل


التجربة النووية الكورية الشمالية/نهاية الشرق القديم أم بداية الشرق المسلح

علي حسن الفواز

2007 / 3 / 9
الارهاب, الحرب والسلام


ثمة من يقول اننا قريبون من نهاية العالم !!وربما نهاية الشرق القديم ،اذ اضحى هذا الشرق كنزا مكشوفا للمعادن النووية التي تصنع وفق قياسات سياسية خالصة !! بعد كان شرقا سحريا للمثيولوجيات والاساطير وثقافات التابو !!!حتى قال البعض الاخر ساخرا ان قابل الايام سيجعل التكنولوجيا النووية صناعة شعبية بامتياز !!!
فتنامي الطموح النووي لكوريا الشمالية واجراءها الاختباري النووي قبل اشهر وتعقّد ما يسمى بالمفاوضات السداسية وتضخم مفهوم الصناعة النووية واسواقها واقتصادها وثقافتها خارج الحاضنة التقليدية ،،،يعدّ اول تحدّ حقيقي للهيمنة الامريكية المفترضة على العالم الجديد !! وافتراضها بالمقابل شروطا جديدة وغير مسبوقة على وقائع ما يمكن تسميته بالسيطرة على سباق التسلح ، وتجاوز فكرة الحجر على مفاهيم اشاعة الملكية الخاصة للاسلحة النووية !!! ولاشك ان الطبيعة السياسية والامنية المكتسبة لهذا الحدث العسكرتاري والتكنولوجي تعكس في جوهرها ارهاصا لتحول قد يزعزع الكثير من المعطيات والثوابت في الجغرافيا السياسية الاسيوية وانماط الصراعات الاقليمية المعقدة فيها ، اذ يمكن لهذا التحول النووي ان يمنح تلك الصراعات طابعا عسكريا وسياسيا وازمويا من الصعب السيطرة عليه ، وينقلها من مديات محدودة وطموحات مقبولة الى مديات غامضة وذات افق يرسم مستقبلا اشكالويا للمنطقة المزدحمة اصلا بالصراعات المعقدة وبكم هائل من الترسانة النووية ..
ان اصرار كوريا الشمالية على حقها في التجريب !! النووي وضرورة التعامل معها كقوة اقليمية فاعلة لها مصالحها وسياساتها ،يرسم افقا اكثر انفلاتا لقوى اقليمية اخرى لها ذات الطموح في الاستقلال السياسي والاقتصادي وحتى النووي !!! وكوريا الشمالية رغم ظروفها الاقتصادية الصعبة واتساع اثار المجاعة فيها منذ اكثر من سبع سنوات ،حيث مات بحدود 10% من سكان كوريا الشمالية بسبب حجم الكوارث الطبيعية وتأثيرات المجاعة والفقر منذ استلام الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ ايل الرئاسة خلفا لوالده الزعيم التاريخي كيم ايل سنغ ،فانها تصر على توسيع قاعدتها العسكرية التقليدية والنووية ،وكأنها تصطنع لها توازنات افتراضية ازاء شقيقتها كوريا الجنوبية ذات النظام الليبرالي السياسي والاقتصاد الحر ومظاهر الاستقرار والغنى الواضح !!
ولعل النجاح الكوري في كسر عقدة الخوف من القوة العالمية الامريكية وانماط علاقاتها وسياساتها المعروفة والصارمة في جنوب شرق اسيا ،يمثل تهديدا للسياسات الهشة التي باتت تتحكم بالكثير من المعايير السياسية والعسكرية التي تتحكم بالمنطقة ،خاصة مع اتساع قاعدة الازمات السياسية والحروب الاقليمية والصراعات الاثنية بدءا من الارخبيل الاندونسي مرورا بالازمة التقليدية بين الثنائي النووي الهندي/ الباكستاني والمثلث الدامي في افغانستان وانتهاء بازمة الرعب النووي القادم من ايران ، ولاشك ان نجاح هذه التجربة رغم التهديد العالمي يمنح الكثير من القوى ذات الطموحات غير الامريكية لانشاء تحالف نووي !! من الخطورة بمكان مواجهته بحلول عسكرية تقليدية او قرارات سياسية وعقوبات اقتصادية لا أثر لها في الواقع وذات نتائج محدودة ..
لقد دأبت امريكا ومنذ زمن التعاطي مع القضية الكورية في اطار المعالجات الدبلوماسية البطيئة وحث الاطراف في المباحثات الدبلوماسية السداسية للضغط على كوريا وتهديدها تارة اخرى لايقاف مشروعها النووي ،رغم انها لم تقدم لها بالمقابل حلولا جدية تنطلق اساسا من الاعتراف بالحقوق الاقليمية والوطنية للدول ،والتعاطي مع جوهر الازمات السياسية على اساس حرية هذه الدول وشعوبها في الاستقلال والخيارات ،فضلا عن اشاعة التخويف الدائم من اي طموح سياسي او عسكري يتعارض مع الستراتيجية الامريكية في المنطقة ..
وازاء هذا نجد ان تفكيك مفهوم الهيمنة العالمية واللجوء الى مجلس الامن كتبرير لتأكيد مسميات المجتمع الدولي /والعالم الحر/ والتوازنات السياسية ،تصدير الارهاب النووي ،يعكس ايضا اتجاها جديدا في السعي الى انتاج منظومات سياسية غير تقليدية وغير آمنة بالنسبة للستراتيجات الامريكية ،وربما السعي الى انتاج اقطاب سياسية مضادة تعيدنا الى اجواء وثقافات ومواجهات الحروب الباردة !!!!
ان الاصرار الامريكي على خيارات العقوبات والتهديد بالعمل العسكري مع وجود رغبة (اطلسية) ويابانية تناغم هذا العزف الامريكي ، وامتعاض صيني وكوري جنوبي بسبب الخوف من ازمة اقليمية ! !! يشكل افقا غائما لواقع جديد في مجال نمو النزعة العسكرية الصراعية عند اغلب دول المنطقة ،اذ بدأت اليابان تسعى الى تعديلات دستورية تتخلص بموجبها من تاريخ هزائم الاستسلام عام 1945 وتمنح لقواتها العسكرية ان تلعب دورا في العسكرتاريا السياسية وايجاد قاعدة غير تقليدية للصناعة العسكرية ،وكذلك سعي كوريا الجنوبية الجار الارستقراطي لاهل الشمال الكوري الى تعديل نظامها التسليحي في مجال الصورايخ والمنظومات الدفاعية والهجومية بما فيها نشر قواعد صورايخ مضادة للصورايج البالستية الحاملة للرؤوس النووية !!
ان صناعة هذه الازمة !! يمثل ارباكا للتوازنات السياسية والعسكرية والامنية في المنطقة ، وتهديدا غير تقليدي للمفهوم الامريكي المتداول و القائم على ثنائية القوي والضعيف !! و ربما يطرح الكثير من الاسئلة حول جدية النظام المخابراتي القوي !! الذي لم يستطع ان يكشف شيئا واضحا عن الطبيعة السرية للبرنامج النووي الكوري منذ ان بدأت المشكلة الكورية النووية عام 2003 بعد تشغيل مفاعل يونغ بيون وطرد فريق خبراء المفتشيين من كوريا ، مثلما يكشف ايضا عن السياسيات الاخلاقية التي تدّعي امريكا التبشير بها وفقا لنزعتها (المسيحانية) النبوءية التي امتزجت فيها الرغبة لانشاء نظام دولي يقوم على دينامية الحضارة السبرانية في التقنيات والاقتصاديات !! مع الافراط في استخدام القوة والسيطرة !! واعتقد ان نشوء هذا النظام قد وضع الادارة الامريكية امام تحديات والتزامات اقتصادية معقدة مثلما وضعها امام معادلات سياسية ترتبط بجوهر الثقافة الجديدة للسياسة الامريكية !! التي تسعى الى (تجريدات) صراعية تقوم على مركزة القوة واعادة انتاج العلاقات الدولية بعيدا عن حيازة اية حصانات تاريخية وايديولوجية وعقائدية بما فيها الدين !! تؤكيدا للحلم الامريكي القديم في انشاء المجتمع العظيم الذي تدين له الامم وشعوب العالم بالولاء والطاعةةة ولو قسرا !! كما يقول شوقي جلال في كتابه( العقل الامريكي يفكر) القاهرة سنة 1999 /مكتبة مدبولي
وبحسابات متقابلة نجد ان احتدام الحديث عن الازمة النووية الكورية يقابله اصرار على مواصلة التمادي في التمسك بالحق المفترض !! فضلا عن ان هذا الاحتدام قد امتد الى داخل الحاضنة الامريكية ذاتها !! بين داع لمواصلة الضغط وحتى الردع ان تطلب الامر !! على كوريا والذي جسده مشروع القرار الامريكي المقدّم الى مجلس الامن بدعم من اوربا الاطلسي واليابان واستراليا والذي يتضمن تدابير اقتصادية وعسكرية والذي يجيز استخدام القوة العسكرية بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة للرد على هذه التجربة الكورية ، حتى لايكون نجاحها حافزا لدول اخرى مثل ايران لركوب الموجة النووية وصناعة محيط من العسكرية الخارقة التي يمكن ان تهدد بها الاخرين او امكانية تسريبها الى قوى الارهاب الدولي وبالتالي فانها ستكون مثار قلق للمجتمع الدولي ، وبين مندد بفشل الادارة الدبلوماسية الاميركية في السيطرة على الطموحات الكورية النووية وخلق بؤر واسواق واقتصادات واستثمارات نووية تهدد نظام العسكرة والاقتصاد وبرنامج الديمقراطيات الاميركية في الشرق والجنوب الاسيوي !! وربما التمهيد لنشوب حروب اقليمية او ثانوية لكن بامتياز نووي !!!!
ان الازمة الكورية النووية هي ازمة شرقية خالصة !! !!وليست ازمة عالمية كما يصورها البعض !! اذ بات هذا الشرق السحري قاب قوسين او ادني من الكارثة ،فهو يسعى وفي ضوء تفاقم الازمات الى ان يتحول الى غابة نووية !!وقبائل من المحاربين السوبر !!!مثلما سيكون الشرق فخا صراعيا كبيرا يمكن ان يضع القارة الواسعة والغنية بمصادرها الطاقوية والاقتصادية امام ازمة كونية تهدد العالم بالبرد والفقر !!
ان هذه الازمات المتراكبة ستسهم حتما في فرض معادلات قهرية في المنطقة من خلال دعم محاور سياسات تسليحية واقتصادية تقوم على تناقض المحاور ، المحور التايواني على حساب الصين ، المحور الكوري الجنوبي على حساب كوريا الشمالية ، محور دول النمور الاسيوية على حساب دول فقيرة مثل فيتنام ولاوس وكمبوديا ، المحور الاسرائيلي على حساب ايران وعموم الدول الاسلامية والعربية وغيرها من الثنائيات المضطربة التي اشاعات الازمات داخل القارة الاسيوية ...
ان دخول الازمة الكورية الى خانة مجلس الامن والمباحثات طويلة النفس !! واختلاف وجهات النظر حول طبيعة العقوبات رغم الاصرار الامريكي على فرض العقوبات والتهديد باجراء عسكري وتسخين كل خطوط المواجهة القادمة ،من شأنه ان يضع السياسة الامريكية في الخانق الضيق !!فالصين وهي قوة دولية فاعلة مازالت تعارض العقوبات العسكرية خاصة مع تهديد كوريا الشمالية باجراء المزيد من التجارب وامكانية تحميل صواريخها برؤوس نووية !! لان الصين ترى ان العقوبات والصراعات يمكن ان تهدد الامن الاقليمي لدول المنطقة ، كما ان هذه الازمة ستحرّض ايران الى تنمية طموحها النووي الى الدرجة التي تزيد من سرعة تخصيب اليورانيوم وسط انشغال العالم بالجدل حول الازمة الكورية وعدم الاتفاق على طبيعة العقوبات ومدى تأثيرها على الواقع السياسي ..
وسط هذا اللغط وسوء ادارة المنظمات الدولية المرتبطة بالامم المتحدة للازمة !! خاصة منظمة الطاقة الذرية بسبب طبيعة عملها وصلاحياتها ، ثمة من يطرح سؤالا عن الكيفية التي سيكون بها العالم بعد هذا الجنون العسكري والفلتان النووي ! وهل ثمة من يبحث عن عالم اكثر أمنا واكثر ضمانا لحقوق الاخرين؟ من خلال اعادة انتاج تداول الخطاب السياسي والاقتصادي على اساس مرجعياته الانسانية واعطاء كل ذي حق حقه !!
ولعل ارتباك وتعثر المباحثات الدبولوماسية السداسية مع كوريا ومنذ اوقات طويلة ، يعكس جوهر هذا (الجنون) ونزعات الاحتجاج والتمرد التي قد تعتور سلوك بعض البلدان ، ليقينهم ان الازمات الحقيقية وحلولها التي ينبغي ان تكون ذات اسس تمنح الجميع احساسا بان حضارتنا الانسانية هي حضارة ثقافية وان العالم يتبادل المصالح الامينة اكثر من مصالح الحروب وتجارات الاسلحة والرعب النووي ...
ان عالمنا يتجه نحو محنة كونية !! محنة الحروب المسيسة بالكامل !!! والصالحة لتغيير الخارطة الديموغرافية للبشرية !! فهل ثمة من وعي وقائي يوقف هذا الجريان !!؟ وهل ثمة من عقل سياسي يتخلص من اغواءته التبشيرية بعالم عدمي ليكون بعيدا عن حروب الفراولة المغموسة بذرات اليورانيوم وال تي ان تي !!!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الولايات المتحدة: الشرطي المتهم بقتل جورج فلويد يرفض الإدلاء


.. ليبيا: رئيس حكومة الوحدة الوطنية يطلب الدعم الروسي لإنهاء ال


.. بلينكن يعد ب-شراكة أمنية دائمة- مع أفغانستان بعد انسحاب القو




.. أفغانستان: مخاوف من انهيار الوضع الأمني بعد انسحاب القوات ال


.. إلى أين وصلت محادثات فيينا حول الاتفاق النووي الإيراني؟