الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


وحده الحيوان لم يتغير

سعدون محسن ضمد

2007 / 3 / 14
الطب , والعلوم


يحدد العلماء حقبة زمنية انتقلنا خلالها نحن البشر من كوننا حيوانات إلى كوننا حيوانات ناطقة، وكنت دائماً وأنا أقرأ المؤلفات التي تتمحور حول هذا الانتقال، أسأل نفسي عن مقدار ما حملته (الكروموسومات) من صفات الحيوان ومررتها من خلالنا من الكون القديم إلى الجديد. وعن مقدار ما بقي ضامراً بين الكونين، ليشكل قناة اتصال كبيرة وفعالة تستطيع بلحظة جنون أو عنفوان أو فلتان أن تعيد وصل الحيواني بالإنساني.
الموضوع الذي فتح أبوابه الشاعر أحمد عبد الحسين أثار أسئلة كثيرة كان من أهمها ـ عندي ـ: متى بدأت جرعة الشر تتركز فينا؟ عندما كنا في الكون الأول أم الثاني أم بينهما؟
في رواية ذئب السهوب يعالج (هرمان هسه) جدل الكيانين (الحيواني والإنساني) في الإنسان المتحضر، ثم يحاول الفصل بينهما، من خلال بطل روايته (هاري) الذي يظهر في الرواية مثقفاً لامنتمياً. بطل يشعر بالعزلة التامة والانفصال الشديد، عن زمانه ومكانه.. وهكذا يبدو لهاري، أن ذئباً حبيساً بداخله يوشك على الانطلاق، والهرب، بعيدا في البوادي الشاسعة ليقضي من خلال هروبه الموشك، على الصلة بكل ما هو حضاري، أو كمالي، في المجتمع الإنساني الذي يعيش داخله، ويعيد عجلة الزمان إلى الوراء، محاولاً الوصول لشخصية الذئب.
لكن اللافت بالنسبة لرواية ذئب السهوب، أن (هرمان هسه) لا يطرح الذئب في شخصية البطل على أنه الجانب الدموي أو العنيف، بل فقط الجانب الطبيعي. الكيان الغرائزي الذي لا يستطيع الانسجام مع الحضارة، ربما لأنه متقاطع معها أو مزدري لها.
هنا أنا اتفق مع الروائي. ذاك إنني لا أرى بأن الشرير الذي ينتفض فينا بين الحين والآخر ويوقظ بداخلنا غرائز الإبادة والتدمير، هو ابن مباشر لكوننا الحيواني.. فالحيوانات لا تعرف الإبادة الجماعية.. كل ما تفعله الحيوانات، أنها تأكل بعضها عند الجوع.. وهذا فعل نشترك معها به. فنأكل بعض الفصائل الأخرى من جنسنا الحيواني، دون أن نعتبر ذالك مؤشراً على خلل في منظومتنا الأخلاقية. وربما نستطيع اعتبار هذه الطبيعة أرث ورثناه عن زمن كنا فيه حيوانات غير ناطقة.. لكن ما لا يمكن لنا أن نلصقه بالحيواني أو نعتبر أنه انتقل إلينا منه هو الإبادة الدموية.. فالحيوان لا يعرف مثل تلك الإبادة، الحيوان لا يقتل من أجل القتل، بل ليدفع عن نفسه أحد الخطرين (الجوع أو الموت).
هناك نقطة ما، في رحلة الانتقال بين الكونين، ترعرعت عندها نبتة شريرة وبشعة، واستطاعت أن تكبر في داخل الإنساني، وتنتج ما يسمى بجرائم الإبادة. هذه النبتة لم تتبرعم أيام الكون الحيواني أبداً.
هنا نستطيع أن نتسائل ونقول: ما هو المائز الحقيقي بين الكونين (الحيواني والإنساني)؟... ألم يتفق المعرفون للفصائل الحيوانية على أن (الناطقية) هي المائز الأبرز بين الحيواني والإنساني. أي الوعي والإدراك هما النقطة التي أخرجتنا عن كون وأدخلتنا في غيره، وهنا، وعند هذه النقطة أجد أننا يجب أن ننطلق في البحث عن بذرة الشر.
في كتاب (صعود وهبوط الشمبانزي الثالث) يعتبر المؤلف أن الحيوانات العليا هي وحدها التي تعرف جرائم إبادة الآخر (العدو). القردة العليا وحدها تفعل ذلك.. ونحن طبعاً على رأسها.
الغورلا وبحسب آخر الأبحاث تميز وبطريقة ما، بين أفراد الفصائل الأقرب إليها وبين غيرها.. فغورلا السهول مثلاً، لا تقاتل إلا غورلا الجبال. وبعد أن أجريت فحوصات على الـ(DNN) تبين أن غورلا السهول ترتبط مع بعضها بصلات قرابة ما يجعلها تعتبر أن جميع غورلا السهول تنتمي لمجموعة (نحن) وغورلا الجبال لمجموعة (هم).
الحيوانات ما دون القردة العليا لا تميز بين هذين الضميرين (هم، نحن). لذلك هي لا تمارس الإبادة الجماعية. التمييز بين الضمائر بهذه الطريقة هو ابن مباشر للوعي.. الذي هو الدرجة الأولى في سلم الصعود نـحو الإنسانية. لذلك كثيرا ما اعْتَبِر أن الوعي لعنة وليس هبة أو أعطية كريمة.
إذن نعود للسؤال الجوهري في الاستفتاء، لنقول: أن هذا الذي يظهر بين الحين والآخر (صاحب المخالب والأنياب) هذا الكائن الدموي إلى أبعد الحدود، ليس حيواناً، أبداً هو لا يعبر عن بقايا تاريخنا الحيواني، بل تاريخنا الإنساني فقط. هذا الكائن لا يعبر عن غير ثمرة ضرورية لبذرة الوعي، التي سقطت في أرضنا البكر في يوم ما، من أيام تاريخنا الغابر. ففي تلك الأيام، بدأ الإنسان، الذي كان يتنقل على شكل قطيع، يتسائل عن معنى الجماعة التي ينتمي لها، وتساعده على تجاوز صعوبات حياته (نحن)، ومعنى الجماعات الأخرى التي تشكل خطراً عليه (هم). هذا التمييز كان في ذلك الوقت ضرورياً لينتقل بالإنسان من حياة متوحشة إلى أخرى أكثر رخاء ودعة. لكن المشكلة أن التمييز بين الـ(نحن) والـ(هم) تضخم، وانتقل من هم الانتماء إلى هم التملك، فصار (منا وملكنا ولنا.. الخ). إلى درجة أن صار على الأشياء أن تدخل حيز ملكية الجماعة؛ النساء يجب أن يكن لنا، والأراضي والنبوءات والأديان. كل الأشياء صارت مخيرة بين أن تدخل بملكية الجماعة أو الفرد، أو أن تكون سببا في الحرب والدمار. هكذا بدأت الحروب، الحروب التي كانت أكثر فصولها مرارة عندما اشتركت بها الآلهة، إذ الآلهة أجبرت أيضاً على أن تنتمي للجماعة (آلهتنا)، الآلهة أنزلت إلى الأرض لتختار جماعة (نحن) من بين كل الجماعات، إذ لا يمكن للقوى العظمى أن تنصر الـ(هم) وتترك الـ(نحن). من هنا انطلق شعب الله المختار، وهو يؤسس للشرعي وغير الشرعي، ويقسم الوجود لقسمين، مضيء ومظلم.
إذا صدقت بعض الأبحاث والدراسات (الانثروطبيعية) فإن هناك الكثير من فصائل البشر قد تم إبادتها من قبل البشر.. إنسان النياندرتال مثلاً، اختفى فجأة، مخلفا آثاراً كثيرة تدل على أنه تعرض لعملية إبادة بشعة.
الحروب الكثيرة والبشعة تعبير حي على استمرار جنون القتل في الإنسان. إذ الحيوان بقي غير قادر على أن يعي معنى الآخر (العدو)، ولذلك الحيوان لا يقتل الأعدء، بل الفرائس فقط. إلا في حالات الدفاع عن النفس طبعاً.
الذئاب لا تقتل الذئاب، والقطط لا تلتهم القطط، الإنسان وحده يقتل الإنسان, ذلك أنه ومن خلال معاييره يستطيع أن يقرر أن أمة كاملة من البشر، باطلة وشريرة ولا تستحق الحياة. ثم يستدعي آلهته، ويسرج خيوله، ويهجم عليها، وهكذا وبكل دموية يمحوها من على وجه الأرض.
هناك مفصل آخر يمكن له أن يؤسس للجواب على السؤال الذي يثيره الاستفتاء، هو: إذا كانت إبادة الآخر وقتله جريمة ابتكرها الإنسان منذ أن كان متوحشاً، فلماذا لم تتمكن الحضارة إلى الآن من القضاء على هذه الطبيعة المتوحشة؟
يعتبر بعض علماء الأنثروبولجيا بأن تمكن الإنسان من تأجيل عمليات إشباع غرائزة كانت الخطوة الأولى على طريق حضارته الكبيرة. هناك حيوانات كثيرة تجمع غذائها للأوقات العصيبة، لكنها لا تؤجل حاجتها للإشباع، لا تبقى جائعة والطعام أمامها، لا يوجد حيوان آخر غير الإنسان يستطيع أن يؤجل غريزته، يقمعها، يدفنها في أغوار عميقة داخل مشاعره وأحاسيسه ووعيه. هذه القابلية أيضاً كانت مهمة على صعيد صراع الإنسان من أجل البقاء. لكنها ومن جهة أخرى أيضاً تضخمت لأبعاد غير ضرورية، بل أبعاد بشعة. الإنسان من خلال هذه القابلية تعلم كيف يقلب المفاهيم، كيف يسمي الأشياء بأسماء أخرى تنسجم مع حاجاته وضرورات حياته، الجوع، ألم. الحيوان لا يستطيع أن يقلب إحساسه بألم الجوع ويجعله إحساساً بالمتعة أو الفضيلة. لكن الإنسان يفعل ذلك، فيقرر أن الجوع اختبار،، ثم يستمتع بتحمل ألم الجوع. القتل بهذه الطريقة لم يعد شرا على الدوام، بل تحول لخيرا وفضيلة. وكان الفخ الكبير يوم تعلم الإنسان كيف يقمع غريزة حب الحياة (البقاء) عندما تعلم بأن الحياة يمكن أن تتأجل، أو تستبدل بحياة أخرى غيرها. عندما فعل ذلك صار عبارة عن مفخخة تمشي على الأرض وتهدد الحياة كل الحياة بالفناء العبثي والعشوائي.
إذن هناك ممر خفي يستطيع أن يمرر بعض وحشية الحيوان ليجمعها بجوانب أكثر وحشية من وعي الإنسان، وهكذا تلتقي وحشية الغريزة بوحشية الوعي، لتصنع لنا هذا الذي يستطيع أن يجعل من المجتمع أشبه شيء بالقطيع ومن الحضارة أشبه شيء برقصة دائرية دموية، حول ضحية مقطعة الأوصال، ومرمية بمحاذاة موقد للطبخ.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تطعيم من تجاوز الـ18 عاما.. فنلندا تتخذ إجراءات احترازية من


.. مخاوف الناتو تتصاعد من استهداف روسي لكابلات الإنترنت البحرية




.. بعد ثبوت إصابة 3 عمال بإنفلونزا الطيور.. أميركا تبحث عن أسبا


.. ماذا ستفعل مصر أمام أزمة نقص المياه في البلاد؟




.. العربية تصل المنطقة الصناعية في الخرطوم بحري التي تعد منطقة