الحوار المتمدن - موبايل


مفهوم الديمقراطية بين الليبرالية والماركسية

خالد كاظم أبو دوح

2007 / 3 / 18
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


احتدم الصراع طوال القرن العشرين ، بين أنصار كل من التيار الليبرالي ، والتيار الماركسي ، وذلك من أجل أن يثبت أنصار كل تيار ، كفاءة النظرية التي يناصرها ، ويقدمها على أساس أنها هي النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ، الذي يمكن في إطاره تحقيق السعادة لبني البشر ، وتخليصهم من التعاسات التي يتعرضون لها في حياتهم ، ولم يكن مفهوم الديمقراطية بعيداً عن هذا الصراع ، بين أنصار كل من التيارين ، لذلك سوف يعرض الباحث لرؤية كل تيار للديمقراطية وذلك فيما يلي :

( 1 ) الديمقراطية والاتجاه الليبرالي

لا توجد أية محاولة تفسيرية لأي مفهوم سياسي في علم السياسة العام أو علم الاجتماع السياسي ، تخلو من الإشارة إلى الليبرالية Liberalism ، وذلك لأنها هي الأيديولوجية السائدة في مجتمعات المركز الرأسمالي ، إضافة إلى أنها تعد في معظم دول العالم الأيديولوجية المثلي لأي نظام .(1 )

وفي إطار هذا التيار، طرح أنصار الديمقراطية الليبرالية (*) Liberal Democracyوالتي تعد الأساس الفلسفي للديمقراطيات الغربية، وهي تزاوج بين فلسفتين مختلفتين، نشأتا تاريخياً في ظروف متباينة، ولكل منها جوهرها الخاص بها، ونتيجة لذلك فإن عملية التزاوج هذه كان لها مشاكلها وتناقضاتها، وهاتان الفلسفتان هما الديمقراطية، والليبرالية .(2 )

والليبرالية باعتبارها مصطلحاً أساسياً في الفكر السياسي ، تضمن أكثر من معنى واحد ولكن هذه المعاني جميعاً لا تبتعد بأية حال عن الاشتقاق الأصلي للمصطلح من الكلمة اللاتينية Liber أي التحرر ، فهي عموماً تعبر عن وجهة نظر أولئك الذين يبحثـون عن درجـة أكبر من التحرر .( 3)

ولقد ظهرت جذور الفكر الليبرالي من خلال كتابات الفلاسفة والمفكرين ، خاصة منذ القرن السابع عشر في إنجلترا وفرنسا ، كما أنها وجدت أهم تطبيقاتها في إنجلترا خلال القرن التاسع عشر . ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن العصر الذهبي للفكر الليبرالي في التطبيق خلال القرن التاسع عشر ، قد اصطحب ازدهار الثورة الصناعية ونموها في إنجلترا أو ما عرف باسم النظام الرأسمالي . ( 4)

والليبرالية تعبر عن ذلك المذهب الذي يضع الفرد في مكانة مطلقة أعلى من الجماعة ، ويعطي الأولوية للمصالح الشخصية على المصالح الاجتماعية ، الأمر الذي يتجلى في إيمانه المطلق بالحريات الفردية : حرية العمل ، وحرية التملك ، وحرية التعاقد ، وحرية التجارة ، وحرية الاعتقاد والتفكير ، وحرية التعبير . وهي الحريات التي لو توافرت لأمكن للفرد أن يعظم من حجم منفعته الشخصية . ولهذا كثيراً ما يستخدم مصطلح المذهب الفردي Individualism كبديل لمصطلح الليبرالية . ( 5)

ويعتقد أنصار المذهب الليبرالي ، أن مصلحة المجتمع ما هي إلا مجرد تجميع حسابي للمصالح الفردية ، ومن هنا فإذا استطاع كل فرد أن يحقق مصالحه الشخصية ، فإن مصلحة المجتمع تكون قد تحققت أيضاً وكأن الفرد حينما يسعى إلى تحقيق مصلحته الذاتية ، فإنه يحقق دون أن يدري مصلحة الجماعة ، ومن خلال هذا التوافق بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة ، فقد وقفت الليبرالية منذ فجر ظهورها - بشكل عام - ضد تدخل الحكومة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي ، وطالبت بأن تكون الحكومة مجرد حارس للحريات الفردية لردع أي اعتداء عليها . (6 )

والربط بين الديمقراطية والليبرالية ، هو في المقام الأول ربط أيديولوجي ، حيث إن الليبرالية قد تخلقت أولاً ثم تم دمقرطتها،بعد توسيع الحقوق والحريات التي دافعت عنها .(7 ) ومنذ ذلك الحين جاء الربط بين الديمقراطية والليبرالية ، كنظام سياسي نهض علي أساسه نظم الحكم في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية ، ثم انتشر في أرجاء العالم الأخرى ، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانهياره ، وأصبحت الديمقراطية الليبرالية جزءاً من الثقافة المرتبطة بالتحولات السياسية التي يشهدها عالمنا المعاصر . (8 )
وتتمثل المصادر الأساسية للديمقراطية الليبرالية في كل من :

( أ ) التيار الاقتصادي الليبرالي .
( ب) التيار السياسي الليبرالي .
( ج ) المدرسة النفعية Utilitarianism .

ويقوم التيار الاقتصادي الليبرالي علي فكرة جوهرية هي الحرية الاقتصادية ، بمعني عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ، أو أن يكون هذا التدخل محصوراً في أضيق الحدود ، ويظهر تأثير أصحاب المذهب الطبيعي واضحاً في أفكار هذا التيار ، والذي تلخصت فلسفته – المذهب الطبيعي – في شعار " دعه يعمل دعه يمر " . (9)

أما التيار السياسي الليبرالي فيرجع بصفة خاصة إلى أفكار " جون لوك " John Locke والذي يقول عنه " مارك جولدى " Mark Goldi أنه منظر الليبرالية السياسية Political Liberalism الأول ، من خلال عرضه وحديثه عن قوانين الطبيعة ، وهي قوانين مطلقة تتضمن في الأساس حقوق الأفراد الطبيعية ، إضافة إلى أفكاره المهمة التي تعبر عن عمق إيمانه الصادق بالحرية ، والحقوق الإنسانية وكرامة بني البشر ، ويربط " لوك " بين مشروعية احترام الدولة والخضوع لها ، وبين مدي محافظتها علي الحقوق الطبيعية للأفراد . (10)

أما المدرسة النفعية والتي أسسها " بنتام " Bentham ( 1748 – 1832 ) فقد كانت أيضاً أحد المصادر المهمة التي أثرت علي الفكر الديمقراطي الليبرالي ، وقد أرست هذه المدرسة القانون والدولة والحرية علي أساس نفعي ، بمعني أن أساس الحياة يسودها " سيدان " هما الألم واللذة ، فهما وحدهما اللذان يحددان ما يتعين الإقدام عليه من أفعال ، وما ينبغي التقاعس عن اقترافه . وقد نادي " بنتام " بترك كل فرد حراً في تقرير مصلحته بدافع من أنانيته سعياً وراء اللذة ودون خشية ضرر يلحق بالجماعة نتيجة هذا المسلك ، نظراً لوجود انسجام تلقائي يؤدي إلى تحقيق حياة اجتماعية أكثر سعادة ، وقد كانت هذه المدرسة النفعية هي المصدر المهم الذي استمدت منه الديمقراطية الليبرالية أفكـارها عن الحرية بشقيها السياسي والاجتماعي . (11)

وانتقالاً من الجذور والروافد الفكرية للديمقراطية الليبرالية ، إلى مستوي التطبيق ، يلاحظ أن النظم الديمقراطية قد قامت علي عدة أسس هي : (12 )

أولاً : التعددية السياسية Political Pluralism ، والتي تتمثل في تعدد الأحزاب السياسية وتداول السلطة بينها ، ومن ثم إمكانية التغيير السلمي .

ثانياً : القرار السيـاسي Political Decision ، وهو ثمرة التفاعل بين كل القوي السياسية ، ومن ثم الوصول إلى حل وسط من خلال المساومة .

ثالثاً : احترام مبدأ الأغلبية ، كأسلوب لاتخاذ القرارات والحسم بين وجهات النظر المختلفة .

رابعاً : المساواة السياسية Political equality ، والتي تتمثل أساساً في إعطاء صوت واحد لكل مواطن ، أو بمنعي المساواة بين جميع الأفراد في الحقوق والواجبات السياسية .

خامساً : مفهوـم الدولة القانونية ، وأهم عناصرها : وجود الدستور ، والفصل بين السلطات ، وخضوع الحكام للقانون ، وانفصال الدولة عن شخص حكامها ، وتدرج القواعد القانونية ، وإقرار الحقوق الفردية للمواطنين،وتنظيم الرقابة التشريعية والقضائية علي الهيئات الحاكمة .

هذا وقد تعرضت الديمقراطية الليبرالية لانتقادات مهمة علي المستويين النظري والعلمي فافتراض أن المجتمع الليبرالي قادر علي تعظيم منافع الأفراد ، أصبح محل شك ، باعتبار أن هذا التعظيم يتوقف علي نمط توزيع الموارد في المجتمع ، الذي يؤثر علي تكافؤ الفرص بين الأفراد ، وأن السوق توزع المنافع حسب القدرة الاقتصادية للفرد ، وحجم ما يسيطر عليه من موارد ، وليس وفقاً لعمله أو حاجته ، دعم من ذلك التراجع التدريجي للمنافسة الحرة في السوق .

وبعبارة أخرى فإن المجتمع الليبرالي لم ينشئ من المعطيات المادية ما يسمح بضمان الحريات والحقوق الفردية التي قام لإقرارها ، فكل حرية من الحريات تتضمن جانبين " جانب الحق " الذي ينص عليه القانون ، " وجانب القدرة " التي توفرها الظروف الاجتماعية ونمط توزيع الموارد في المجتمع ، فكم من حريات نصت عليها القوانين ، ولكن القدرات اللازمة لممارستها ظلت رهينة لشريحة محدودة من المواطنين . ومن ثم برزت المفارقة بين الحريات التي تدافع عنها الديمقراطية الليبرالية ، والقدرات التي يوفـرها نمط توزيـع الموارد في النظام الرأسمالي . (13)

كما أصبح مفهوم حرية الاختيار محل شك ، فتحدث " هربرت ماركيوز " Herbert Marcuse عن عملية تضييق العالم السياسي للإنسان ، بما يتضمنه من تقييد لحدود الاختيار والحوار ، وذلك من خلال أدوات الإعلام الحديثة ، ودورها في التأثير علي أذواق الناس واختياراتهم ، ومن طبيعة القضايا المطروحة للحوار السياسي وانخفاض درجة المشاركة السياسية في المجتمع . (14)

وفي القرن التاسع عشر ، تحدث " موسكا " Mosca ، و" باريتو " Pareto (*) عن التفاوت في الكفاءات والمهارات والقدرات البشرية ، وهو ما يمثل الأساس الاجتماعي لعدم المساواة السياسية ، ومن هنا وصف " باريتو " الديمقراطية بأنها عواء إذاعة الضعفاء ، كذلك هناك ما أسماه " ميشيلز " R. Michels بالقانون الحديدي للأوليجاركية iron law of oligarchy بعد دراسته لعدد من الأحزاب في ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولي ، وصل إلى أن هناك اتجاه عام في الأحزاب ، وكل التنظيمات الكبيرة كالنقابات ، إلى نمو جهازها الإداري الأمر إلي يحول دون قيام ديمقراطية حقيقية بداخلها . ( 15)

( 2 ) الديمقراطية والاتجاه الماركسي :

يتعرض الباحث فيما يلي لمفهوم الديمقراطية على ضوء الفكر الماركسي ، وذلك من منطلق أن الديمقراطية ليست ابنة أو ثمرة للمجتمع أو أيديولوجيا بعينها ، وإنما هي تاريخ متصل من تراكم الخبرات السياسية والاجتماعية والإنسانية . ولاشك في أن هذا التراكم يفضي دائماً إلى مزيد من الاتساع الشكلي ، والعمق المضمونى لمفهوم الديمقراطية . إضافة إلى أن أهمية أفكار " كارل ماركس " Karl Marx ( 1818 – 1883 ) في علم الاجتماع السياسي لا تكمن في أنه قدم طائفة من المفاهيم والأدوات التصورية والتحليلات النظرية التي تنطوي علي ثراء وعمق واضحين ، ولكن لأن كتاباته استمرت تؤدي دوراً مهماً في الحياة السياسية لعدد كبير من أقطار هذا العالم . (16)

وسوف يقدم الباحث في البداية عرضاً موجزاً لأهم المقولات الماركسية ، ثم يتجه بعد ذلك مباشرةً إلى تحليل الرؤية الماركسية لمفهوم الديمقراطية . إذ إنه من العسير عرض هذه الرؤية دون إدراكها في السياق الكلي للفكر الماركسي .
يتلخص محتوي الفكر الماركسي في النظريات الثلاثة التالية : ( 17)
1 – نظرية المادية الجدلية .
2 – نظرية المادية التاريخية .
3 – نظرية لاقتصاد السياسي .

والموضوع الأساسي للمادية الجدلية Dialectical Materialism ، هو القضية الفلسفية التي تدور حول علاقة الوعي بالوجود . وموقف الفلسفة الماركسية من هذه القضية هو أنها تسلم بأن المادة والوجود أساس الوعي أو الفكر . فالوجود هو الأولي ، والوعي هو الثانوي ، وهي تسلم بالأساس المادي للعالم وبإمكانية فهمه ومعرفته ، كما أنها تدرس هذا العالم المادي بوصفه في حالة حركة وتطور مستمرين ، علي أساس جدلي أو ديالكتيكي . وتكشف المادية الجدلية عن أكثر القوانين التي تحكم تطور العالم المادي عمومية ، أي تلك القوانين التي تحكم مجالات الواقع كافةً . فكل الموضوعات الحية وغير الحية وكذلك ظواهر الحياة الاجتماعية والوعي تتطور علي أساس قوانين الجدل الأساسية ، وصراع الأضداد ، وقانون التحول الكمي ، وقانون النفي ، كما تدرس المادية الجدلية أيضاً القوانين التي تحكم المعرفة بوصفها عملية والتي تعكس قوانين العالم الموضوعي . (18)

أما المادية الجدلية التاريخية Historical Materialism ، فإنها تحاول أن تجيب عن السؤال التالي : ما الذي يحدد سير التاريخ ، وهل يخضع لقوانين موضوعية ضرورية ، أم أنه من صنع الصدف العمياء ؟

أن المـادية التاريخية تدرس إذن المجتمع من خلال التحولات التاريخية التي تطرأ عليه . وهي تنظر للمجتمع نظرتها إلى عضوية حية في حالة تطور دائم ، تربط ما بين الأفراد في داخلها بروابط اقتصادية وسياسية وثقافية متنوعة . ومن بين هذه الروابط تبرز الماركسية الروابط المادية للإنتاج وتعتبرها في نهاية التحليل عوامل حاسمة ، تؤدي دور الموجه والمحدد للروابط الأخرى . (19)

أما نظرية الاقتصاد السياسي ، فإنها تحاول البحث في تطور العلاقات الاجتماعية للإنتاج ، وتحليل القوانين التي تتحكم في الإنتاج ، وفي توزيع الخيرات المادية في المجتمع البشري خلال المراحل المتعددة لتطوره . (20)

وعلي ضوء المقولات النظرية السابقة أوضح " ماركس " Marx المضمون الطبقي للديمقراطية البرجوازية ، وكذلك حدودها ونواقصها بالنسبة للجماهير الكادحة ، ولم يعد "ماركس " هذه الديمقراطية مزيفة ، بل اعتبرها حقيقة صحيحة ومهمة رغم نواقصها ، كذلك اعتبرها تقدماً مهماً في تاريخ الإنسانية لا يقارن مع تخلف النظم الاستبدادية السابقة ، لذلك فإن الطرح الماركسي اعتقد أن النظام الاشتراكي في الممارسة لا ينكر الحقوق الشكلية بل يحترمها ويطورها فيعطيها مضموناً أعمق وأوسع ، من خلال إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج (*)means of production ، وهي السبب في تفريـغ الديمقراطيــة من مضمونها بالنسبة للجماهير الكادحة . (21)

ومن هنا فالماركسية تؤكد علي أن الاشتراكية Socialism هامة وضرورية للديمقراطية ، وذلك لأن الديمقراطية تحتاج أكثر ما تحتاج إلى مطلب مهم هو المساواة ، وهذه المساواة لن تتحقق بالشكل المناسب إلا من خلال الاشتراكية . (22)

وانتقال المجتمع من مرحلة الرأسمالية إلى مرحلة الاشتراكية يستوجب أن تقوم البروليتاريا (*) Proletariat برسالتها ، التي تتلخص في أنها : مدعوة تاريخياً لإحداث التحول الاجتماعي في حياة العالم ، من خلال الثورة علي الدولة ، التي تنظر إليها الماركسية علي أنها أداة قمع طبقي ، وتؤدي هذه الثورة إلى تحول الدولة من دولة البرجوازية إلى دولة البروليتاريا ، وهي المرحلة التي تطلق عليها الماركسية اسم " مرحلة ديكتاتورية البروليتاريا " والتي يقصد بها " ماركس " Marx وانجلز Engles ، نموذجاً للدولة من نوع جديد يختلف جذرياً عن جميع أنواع الدول السابقة عليه ، نموذجاً تتوفر فيه العديد من الخصائص والسمات والتي من أهمها :
( أ ) أن يكون علي رأس المجتمع الجديد جهاز منتخب بالاقتراع العام ، يقوم بالمهام التشريعية والتنفيذية معاً .
( ب ) تلغي السلطة القمعية للحكومة والجيش ، والبيروقراطية المركزية .
( ج ) تنزع عن البوليس السياسي مهامه السياسية .
( د ) النواب والموظفون في جميع فروع الإدارة يتقاضون مرتباً لا يتجاوز أجرة العامل .
( هـ ) هدف دكتاتورية البروليتاريا تحويل جهاز الدولة من سيد إلى خادم المجتمع . (23)

ودكتـاتورية البروليتاريا هي التي تحقق – في نظر الماركسية – ديمقراطية البروليتاريا . وهذه الأخيرة يقصد بها نموذج جديد ، وشكل أعلي من الديمقراطية البرجوازية . فبفضل هذه الديمقراطية يشارك العمال في إدارة الشئون العامة ، ويخلقون الشروط المـلائمة لتطـور الفـاعلية الاقتصادية والسياسية للجماهير باتجاه بناء الاشتراكية . (24)

ولتبرير دكتاتورية البروليتاريا ، يؤكد " محمود أمين العالم " علي أن كل ديمقراطية هي دكتاتورية ، وكل دكتاتورية هي ديمقراطية . هي ديمقراطية لفئة أو فئات اجتماعية ، وهي دكتاتورية لفئة أو لفئات اجتماعية أخرى ، من هنا فإن دكتاتورية البروليتاريا ، هي في جوهرهـا النظري ديمقراطية للأغلبية ، وأن الديمقراطية البرجوازية هي دكتاتورية للأقلية.(25)

وتتلخص أهم الأسس التي تقوم عليها ديمقراطية البروليتاريا فيما يلي :(26)
( 1 ) إلغاء جميع القيود التي كانت تستند إلي الامتيازات العرقية أو القومية أو الدينية أو الجنس أو التعليم .
( 2 ) عدم الاكتفاء بضمان الحقوق الديمقراطية ، كحرية الصحافة ، والمنظمات ، بل خلق الشروط التي تساعد علي تمتع العمال بهذه الحقوق .
( 3 ) عدم حصر المشاركة السياسية ( بحق الانتخاب ) كما في الديمقراطية البرجوازية ، بل إعطاء الفرصة لطبقات واسعة من الشعب للمشاركة اليومية في الشئون العامة ، سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر ، عن طريق اللجان أو المنظمات الاجتماعية .
( 4 ) توسيع نطاق الديمقراطية حتى يشمل مجال الاقتصاد والثقافة والحقوق الاجتماعية فلا يقتصر نطاق السياسة ، كما هو الحال في الديمقراطية البرجوازية ، فتأميم وسائل الإنتاج ، ونقل المؤسسات الثقافية والتربوية وجهاز الصحافة إلى أيدي الشعب جزء من مفهوم ديمقراطية البروليتاريا .

تعكس الماركسية علي المستوي النظري أفكاراً جديرة بالاحترام عن شكل الديمقراطية يجد فيه كل المقهورين سبيلاً للنجاة من أنماط القهر التي يتعرضون لها ، ولكن جاء التطبيق العملي لهذه الأفكار النظرية بنتائج مخالفة ، وهذا ما يتأكد من تجربة الاتحاد السوفيتي والذي أخذ بالاشتراكية ، وطبقها وجعل منها الأسلوب الأمثل لإدارة مختلف النظم الاجتماعية داخله حيث إن الاتحاد السوفيتي الذي أخذ بالأفكار والمبادئ الاشتراكية ، ولم ينجح في أن يحقق نموذجاً جذاباً للديمقراطية ، أكثر تقدماً من الديمقراطية البرجوازية ، وذلك رغم نجاحه في تحقيق إصلاحات اجتماعية عميقة لا مثيل لها ورغم إلغاء الملكية الفردية ، ورغم تحقيق تنمية اقتصادية هي الأخرى بدون مثيل . فالواقع أن مبادئ جوهرية للديمقراطية مثل حرية الرأي والتعبير وحرية اختيار الحكام وغيرها ، كانت ناقصة في تجربة الاتحاد السوفيتي ، وحلت محل الديمقراطية ، دكتاتورية متركزة في أيدي من يسيطر علي الحزب الوحيد والحكم في آن واحد . (27)

ورغم الفشل في تطبيق الأفكار الماركسية والذي عكسته تجربة الاتحاد السوفيتي ، إلا أنه لا يمكن تجاهل الإضافات الجوهرية التي أضافها الطرح الماركسي إلى الديمقراطية والتي تتمثل في تشديده علي الجوانب التي أغفلتها الديمقراطية البرجوازية وهي : الحقوق الاجتماعية – الاقتصادية ، فمع الفكر الماركسي باتت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمنتخبين تشكل جوهراً جديداً في تطور النظام السياسي الحديث . ومعها بات التوزيع العادل للسلطة هدفاً غير ذي معني من دون إقرار هدف التوزيع العادل للثروة . ( 28) بمعني أن الماركسية ركزت علي الديمقراطية الاجتماعية Social Democracy التي تعني في المقام الأول تحقيق العدالة الاجتماعية . (29)

مراجع الدراسة:

1- Andrew Heywood, Politics, Macmillan press,London,1997, p . 42 .
*- هناك عدد من الباحثين يرفضون ربط الديمقراطية بأي اتجاه نظري ، وعلى رأس هذا التيار يأتي " ماكيفر " الذي يقول " من جوهر الديمقراطية ألا تكون مقيدة بأي مذهب أو برنامج ، ويجب تحرير الديمقراطية من الارتباط مع أي مذهب أو أيديولوجية " انظر في ذلك :
- ادوارد م . بيرنز ، النظريات السياسية في العالم المعاصر ، ترجمة عبد الكريم أحمد،دار لبنان، بيروت،1988، ص 28 .
2-علي الدين هلال ، مفاهيم الديمقراطية في الفكر السياسي ، في أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، ص 38 .
3- محمد على محمد ، أصول علم الاجتماع السياسي ، الجزء الأول الأسس النظرية والمنهجية ، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية 1985 ، ص 151 .
4- السيد حنفي عوض ، المجتمع والسياسة، ص 178 .
5- رمزي زكي ، الليبرالية الجديدة تقول : وداعاً للطبقة الوسطى ، عالم المعرفة ، المجلد الخامس والعشرون ، العدد الثاني ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، أكتوبر 1996 ، ص 32 .
6- المرجع السابق ، ص 32 .
7- ثناء فؤاد عبد الله ، الديمقراطية بين المفهوم والممارسة ، مجلة الديمقراطية ، العدد الخامس ، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ، القاهرة ، شتاء 2002 ، ص 195 .
8- علي الدين هلال ، أزمة الفكر الليبرالي في الوطن العربي ، عالم الفكر ، المجلد السادس والعشرون ، العددان الثالث والرابع ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، يونيه 1998 ، ص 109 .
9- إكرام بدر الدين ، مفهوم الديمقراطية الليبرالية ، في التطور الديمقراطي في مصر ، تحرير علي الدين هلال ، نهضة الشرق ، القاهرة ، 1986 ، ص 190 .
10 – Mark Goldi , Locke …. Political Essays , Cambridge University Press , Cambridge , 1997 , p.p. 81 – 82 .
11- إكرام بدر الدين ، مفهوم الديمقراطية الليبرالية ، مرجع سابق ، ص 191 .
12- ثناء عبد الله ، الديمقراطية بين المفهوم والممارسة ، مرجع سابق ، ص 295 .
13- علي الدين هلال ، أزمة الفكر الليبرالي في الوطن العربي ، مرجع سابق ، ص 113 .
14- المرجع السابق ، ص 114 .
*- " باريتو " و " موسكا " و " ميشيلز " ، ترتبط أسماؤهم باتجاه نظري في علم الاجتماع السياسي عرف باسم نظرية الصفوة Elite Theory ، ولقد كان أصحاب هذه النظرية لا يعادون الاشتراكية فحسب ولكن الديمقراطية الليبرالية أيضاً كما تعبر عنها أي حركة تحاول أن تمنح الجماهير دوراً مؤثراً في الحياة السياسية " لمزيد من التفاصيل حول نظرية الصفوة ، وأفكار " باريتو " ، انظر :
- علي ليلة ، النظرية الاجتماعية المعاصرة ، دار المعارف ، القاهرة ، 1991 ، ص ص 443-465 .
- إسماعيل علي سعد ، نظرية القوة – مبحث في علم الاجتماع السياسي ، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ، 2000 ، ص ص 141 – 191 .
15- ثناء فؤاد عبد الله ، الديمقراطية بين المفهوم والممارسة ، مرجع سابق ، ص 296 .
16- محمد علي محمد ، أصول علم الاجتماع السياسي ، مرجع سابق ، ص 193 .
17- إلياس فرح ، تطور الفكر الماركسي ، مرجع سابق ، ص 31 .
" هناك عدد من الباحثين في علم الاجتماع ، يشيرون إلى أن الماركسية تتكون من شقين متكاملين هما : المادية الجدلية ، والمادية التاريخية فحسب " انظر في ذلك :
- سمير نعيم ، النظرية في علم الاجتماع ، دار المعارف ، القاهرة ، 1979 ، ص 152 .
- عبد الباسط عبد المعطي ، اتجاهات نظرية في علم الاجتماع ، عالم المعرفة ، العدد 44 ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، أغسطس 1981 ، ص 100 .
18- سمير نعيم ، النظرية في علم الاجتماع ، مرجع سابق ، ص 152 . ولمزيد من التفاصيل حول المادية الجدلية ، انظر:
- إلياس فرح ، تطور الفكر الماركسي ، مرجع سابق ، ص ص 31 – 42 .
19- المرجع السابق ، ص 43 .
20- المرجع السابق ، ص 68 .
*- تتفق الرؤية الماركسية المعادية للملكية الخاصة مع مقولة " روسو " Rousseau التي يؤكد فيها علي أن الملكية الخاصة والترف والإمعان في الشهوات ، هي سبب كل التعاسات المكدسة التي تقع علي رءوس ملايين الفقراء ، والتي يحتملها الشعب لما طال إيهامه أنها أصلح الأنظمة للوجود الاجتماعي " انظر في ذلك
- محمد حسنين هيكل ، جان جاك روسو ... حياته وكتبه ، دار المعارف ، القاهرة ، 1978 ، ص 10 .
21- سمير أمين ، أزمة المجتمع العربي ، دار المستقبل العربي ، القاهرة ، 1985 ، ص ص 142 – 143
22 – John E.Roemer , Future for socialism , Harvard university press , Cambridge 1994 , p. 109


*- تعني البروليتاريا عند " ماركس " الطبقة العاملة في ظل الرأسمالية ، وإليها ينسب الدور الرئيسي في إحداث التغير الثوري . انظر في ذلك :
- جوردون مارشال ، موسوعة علم الاجتماع ، ترجمة محمد الجوهري ، الجزء الأول ، المجلس الأعلى للثقافة ، 2000 ، ص 279 .
23- إلياس فرح ، تطور الفكر الماركسي ، مرجع سابق ، ص ص 96 – 107 .
24- المرجع السابق ، ص 110 .
25- محمود أمين العالم ، من نقد الحاضر إلى إبداع المستقبل ، مرجع سابق ، 256 .
26- إلياس فرح ، تطور الفكر الماركسي ، مرجع سابق ، ص 112 .
27- سمير أمين ، أزمة المجتمع العربي ، مرجع سابق ، ص 144 .
28- عبد الإله بلقريز ، نحن والنظام الديمقراطي ، المستقبل العربي ، العدد 236 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، أكتوبر 1998 ، ص 76 .
29- السيد يسين ، العولمة والطريق الثالث ، مرجع سابق ، ص 146 .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. من جديد.. الفصائل الفلسطينية تطلق 130 صاروخا باتجاه عسقلان و


.. ماهي الصواريخ التي استخدمتها الفصائل الفلسطينية ووصلت إلى عم


.. ارتفاع عدد الضحايا في غزة، وإسرائيل تستهدف قياديين بالفصائل




.. كيف يمكن أن تكون لدى الفصائل الفلسطينية في غزة قوة صاروخية ر


.. رصيف الغربا- مسلسل لبناني يرصد الصراع الطبقي في خمسينيات الق