الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إيلي فيزل وصناعة الهولوكوست: الكلّ وحوش خارج الشرنقة

صبحي حديدي

2007 / 3 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


تدخل إلى صالة سينما عامّة، في قلب مدينة أوروبية كوزموبوليتية مثل باريس، فيباغتك وجهه بطلاً في شريط دعائي صرف ـ تماماً مثل أيّ شريط يمتدح معجون أسنان أو شركة تأمين أو مستحضر تجميل ـ ضدّ إيران والرئيس الإيراني والجمهورية الإسلامية، وليس ضدّ مشاريع تخصيب اليورانيوم وحدها. تقرأ بياناً إسرائيلياً ضدّ زيارة محمود أحمدي نجاد إلى الأمم المتحدة، لا يطالب بإلغاء الزيارة فحسب، بل بإبطال عضوية إيران في الهيئة الدولية، فتجده في رأس الموقّعين إسوة بموظفين إسرائيليين سابقين من أمثال دوري غولد (مندوب سابق إلى الأمم المتحدة)، وإيتان بنتسور (مدير عام سابق لوزارة الخارجية)، ومئير روزين (سفير إسرائيلي سابق في واشنطن) وجستس رايدر فادنر (صاحب الزعم الشهير بأنّ إدوارد سعيد ليس مقدسياً، ولا حتى فلسطينياً!). وحين تصعقك، إذا كنت ما تزال تُصعق إزاء حالات كهذه، فقرات في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت أمام الكونغرس الأمريكي، شديدة الوقاحة في إنكار الحقّ الفلسطيني وشديدة القحّة في امتداح العنف الإسرائيلي النازيّ ضدّ الفلسطينيين، تكتشف أنّ معظم تلك الفقرات من صياغة صاحبنا!
وصاحبنا هذا ليس موظفاً في وزارة إسرائيلية، مختصاً بالدعاية في أكثر نماذجها ابتذالاً، ومتدرباً على مبدأ ممارسة الكذب ثمّ الكذب ثمّ الكذب حتى يصدّق البعض شيئاً أو حتى قسطاً كبيراً مما تكذب، بل هو إيلي فيزل، الكاتب والروائي والأستاذ الجامعي، لذي لا يفضّل لقباً آخر على صفته الأثيرة الأقرب إلى امتياز فريد ليس في وسع أحد أن ينافسه عليه: عميد ضحايا الهولوكوست من اليهود، والقيّم على شؤونهم الدنيوية والروحية، ومالك القول الفصل في كل ما يتصل بالشطر الهولوكوستي من التاريخ... قديمه وحديثه وقادمه، في آن معاً. والرجل، لمن لا يعرفه جيداً، ولد في رومانيا عام 1928، وتمّ ترحيله مع أسر يهودية أخرى إلى أوشفيتز في عام 1944، وكان بين قلائل ظلوا على قيد الحياة. عاش في باريس ونيويورك، وعمل مراسلاً لصحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، وفي عام 1963 حصل على الجنسية الأمريكية، ثمّ مُنح جائزة نوبل للسلام في عام 1986. رواياته ومقالاته أعادت إنتاج ذكرياته عن سنوات معسكرات الاعتقال، كما فعلت أعمال في السيرة الذاتية.
وقبل نحو عقد من السنوات، وضمن أدائه لوظيفة الحامل الأوحد لأختام مأساة الهولوكوست، رفض فيزل أيّ وجه للمقارنة بين الجثث التي كانت تتهاوى وتحترق في سراييفو (حيث كانت المأساة في أوج اشتعالها هناك)، وتلك التي تهاوت واحترقت في أوشفيتز. كذلك، في السياق ذاته، رفض حتى الاستخدام المجازي (الركيك أصلاً) لتعبير «الهولوكوست الجديد» أو «أوشفيتز الجديدة» في وصف الفظائع التي ارتكبها الصرب، ميليشيات أو قوّات نظامية، في البوسنة والهرسك. ولكي يقطع الشك باليقين، سافر بنفسه إلى سراييفو لكي يناشد الصحافيين الكفّ عن هذه الميوعة في ابتذال ما هبّ ودبّ من «مصطلحات مقدسة»!
وليس الأمر أنه لم ير المأساة كلّ المأساة في ما شهدته سراييفو من جرائم حرب، بل المنطق عنده سار كما يلي، ببساطة عجيبة أين منها أعجب التبسيط: «أوشفتز تظلّ فريدة في التاريخ المسجّل لأنها انطوت على إبادة شعب بأكمله، حتى آخر طفل وآخر أسرة وآخر نفس. لا أحد سيقنع الثاني بأن رادوفان كراجيش وراتكو ملاديش، على قسوتهما، يسعيان لإفناء جميع المسلمين حتى آخر مسلم». لكن فيزل كان لتوّه قد ارتكب زلة لسان ذات دلالة كبرى، وذلك حين أطلق على ضحايا اليهود صفة «الشعب»، وأطلق على الضحية البوسنية صفة «المسلم»، فأخرج المسيحي واليهودي من دائرة الإفناء (فأبقى الأوّل في الدائرة الحضارية الأوروبية، والثاني في الدائرة إياها بعد إضافة فظائع الهولوكوست)، وأبقى على المسلم في دائرة التراحم والشفقة والعطف، ليس أكثر.
وفي كتابه الشهير، «كلّ الأنهار تصب في البحر: مذكرات»، شن فيزل حملة اتهامات جديدة ضد لائحة طويلة من اليهود الذين تعاطفوا مع عذابات الفلسطينيين، تحت الاحتلال وبعد أوسلو الأولى والثانية، وليس قبلئذ كما يمكن للمرء أن يتخيل. وبين ضحاياه كان جان دانييل، الصحافي الفرنسي اليهودي المعروف ورئيس تحرير أسبوعية «لونوفيل أوبسرفاتور»، لأنه يواصل انتقاد الدولة العبرية حتى في هذه الأيام العصيبة (كما هتف فيزل مندهشاً!)، وذلك يرقى إلى ارتكاب الإثم الأكبر في يقينه. ومَنْ يقرأ لائحة الاتهام التي سطّرها فيزل ضد دانييل، يدرك بسهولة سبب الغضبة العنيفة القاسية التي أعرب عنها الأخير في افتتاحية طويلة، امتدّت على صفحتين من مجلّته.
دانييل اعتمد ستراتيجية بارعة مزدوجة: تقديم دفاعاته عن نفسه ضدّ اتهامات فيزل، من جهة؛ وتحويل تلك الدفاعات إلى اتهامات مضادة لرجل يحمل جائزة نوبل للسلام ولكنه يعيش خارج زمن السلام، داخل شرنقة توراتية خاصة، لا ـ تاريخية ولا ـ زمنية، من جهة ثانية. واستذكر دانييل خلافه العلني مع فيزل بصدد موقف الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتيران من فكرة الدولة الفلسطينية إجمالاً، وقراره استقبال ياسر عرفات في قصر الإليزيه. وتساءل دانييل: أليس من مهازل الأقدار أن إيلي فيزل يرفع في وجهنا اتهام تشجيع ميتيران على استقبال عرفات، هذه الأيام بالذات حين لا يتردد الرئيس الاسرائيلي عازر فايزمان في استقبال عرفات... على أرض الدولة العبرية؟
وما دام الاعتراض يخصّ ميتيران، يواصل دانييل سجاله، أليس من قبيل الوفاء المحض أن يُسجَّل لميتيران شرف مبادرة أثبتت وقائع الأيام اللاحقة أنها كانت شجاعة وصائبة؟ أليس من قبيل الوفاء الأخلاقي أن يحفظ هذا الشرف لميتيران رجل مثل إيلي فيزل بالذات، حين نعرف أن ميتيران كان وراء حملة ضغط خفية لمنحه جائزة نوبل للسلام؟ وفي كشف النقاب عن هذا السرّ كتب دانييل: «لقد ساررني ميتيران مراراً حول فشله في تأمين جائزة نوبل للآداب للروائي الفرنسي ميشيل تورنييه، وعزمه على تشكيل جبهة ضغط فرنسية ـ أوروبية تسعى لترشيح إيلي فيزل لجائزة نوبل للسلام، وتستكمل كل الجهود اللازمة لحصوله عليها بالفعل، وهذا ما حدث بالضبط».
وإذ أعرب دانييل عن فخر شخصي بأنه لم يغفل أبداً التاريخ الكولونيالي لبلاده فرنسا، ولم يغمط حقّ يهود كبار أسهموا في تطوير الوئام بين العرب واليهود (مثل النمساوي برونو كرايسكي، والفرنسي بيير منديس ـ فرانس)، فإنه ردّ البضاعة المعاكسة إلى فيزل واتهمه بالصمت التامّ عن السياسات الإسرائيلية ونسيان الآخرين والاكتفاء بالغرق في عوالمه المتشرنقة المتعصبة: التوراة، وفلسفة الحاسيديم، والولايات المتحدة الأمريكية! ذلك جعله، ويجعله اليوم أيضاً في الواقع، عاجزاً عن فهم ردّ فعل مواطن فرنسي يهودي لا يطمس التاريخ الكولونيالي، ولهذا فإن من السهل على ذلك المواطن أن يرى بعض كولونيالية الدولة العبرية، وكامل كولونيالية رجل مثل بنيامين نتنياهو.
غضبة دانييل تلك بلغت ذروتها حين ردّ عن نفسه تهمة الاستهتار بوجدان اليهودي ـ الضحية، يهودي المحرقة، ويهودي التراجيديا التي لا تشبه أية تراجيديا ولا تُقارن بغيرها البتة. وكتب دانييل: «يريدنا فيزل أن نصدّق أنه ما يزال يعيش في معسكر الاعتقال، وما يزال ضحية القمع والإضطهاد، وأن الحياة لم تخفف من آلامه أبداً، ولم تجلب له أي اعتراف بالألم، وأيّ تكريس، وأي شرف. ويريدنا أن نؤمن أن حيازة كرسي جامعي في هارفارد، والحصول على الجائزة الأدبية الأمريكية الأرفع (ميدالية الكونغرس الذهبية للإنجاز)، وجائزة نوبل للسلام، والصداقات الحميمة مع رؤساء فرنسا والولايات المتحدة، والشهرة العالمية، والنفوذ الواسع، والتوزيع الخرافي لأعماله الشخصية المترجمة إلى عشرات اللغات، كل هذا لا يُقارن إلا بصبر أيوب أمام عَرَض الدنيا الفانية»!
وهكذا كانت الإفتتاحية بمثابة بيان بليغ في السجال بين رجل يهودي (جان دانييل) يريد السلام اليوم، بعد أن دافع طويلاً عن الدولة العبرية، وأغمض عينيه مراراً عن الكثير من ممارساتها الأفظع، وساجل الآخرين في هذا على الباطل أكثر من الحقّ (كما في موقفه المؤيد لمقاضاة محمود درويش أمام المحاكم الفرنسية بسبب قصيدته «عابرون في كلام عابر»، على سبيل المثال)؛ وبين رجل يهودي (إيلي فيزل) حامل جائزة نوبل للسلام، لا يريد من السلام سوى أن يواصل تشكيل طبقة إثر طبقة من عمارة الهولوكوست المخصصة لليهود وحدهم، وأن تخفي تلك العمارة كلّ جرائم إسرائيل... كلّها، بلا استثناء. وكان السجال يدور، أيضاً، بين اليهودي الأوّل الذي يتحسس القلق الوجودي حين تنتخب الدولة العبرية رجلاً مثل نتنياهو للقبض على مقدرات العمارة وتنظيم شؤونها وأقدار ساكنيها، واليهودي الثاني الذي لا يرى سوى صورة ثابتة أزلية من العمارة ذاتها... أياً كان الحارس، أو حتى من دون أيّ حارس سوى حامل الأختام!
وأمّا في الولايات المتحدة فقد بدا فيزل وكأنه مندوب غير مباشر عن منظمة الـ AIPAC، أشهر هيئات اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، وأشدّها شراسة، في تأثيم عدد من كبار الكتّاب والصحافيين والفنّانين الأمريكيين اليهود، واتهامهم ليس بالتخاذل والخور في الدفاع عن دولة اليهود فحسب، بل كذلك بالتهمة العظمى: العداء للسامية! بين هؤلاء، مثلاً: وودي آلن، الممثل والسينمائي المعروف، الذي شنّت ضدّه حملة تشهير شعواء لأنه أعلن العجز عن هضم مشهد الجندي الإسرائيلي وهو يدقّ بالحجارة عظم فتى فلسطيني أعزل؛ وميلتون فيورست، المحرر المتجوّل في مجلة «نيويوركر»، واتُهم بالتواطؤ مع الشيطان العراقي لأنه التقى مع طارق عزيز عقب اجتياح الكويت، وكتب أن الكويت استفزت العراق حين رفضت خفض انتاجها أو رفع أسعار النفط؛ وسيمور هيرش، الكاتب والمحقق الصحافي المعروف، لأنه نبش خفايا الموساد وأسرار التسلح النووي الإسرائيلي في سلسلة مقالاته وتحقيقاته، ثم في كتابه «خيار شمشوم»؛ وأخيراً، مايكل ليرنر، الحاخام المستنير ورئيس تحرير المجلة اليهودية الثقافية ـ الفكرية Tikkun لأنّ خطّ التحرير ينتقد إسرائيل بشدّة ويؤيد الحقّ الفلسطيني.
وفي الخطّ ذاته، ليس ثمة غرابة في أن الكاتب الأمريكي اليهودي المعروف نورمان فنكلشتاين، في كتابه المتميز «صناعة الهولوكوست»، وكذلك في عمله التالي «أمّة تحت المحاكمة: أطروحة غولدهاغن والحقيقة التاريخية»، اقتبس مراراً مسلك فيزل الإجمالي وممارساته العملية ومواقفه وكتاباته، وذلك بغية تأمين قسط وافر من الحجج التي ساقها ضدّ تحويل عذابات اليهود إلى صناعة، وتأثيم الأمّة الألمانية إجمالاً بهدف ابتزازها، حتى أنه أطلق على فيزل صفة «المهرّج المقيم في سيرك الهولوكوست». وفي ما يخصّ شغف فيزل بالكذب والتكاذب، نختار من فنكلشتاين هذا المثال الصارخ: في كتاب مذكّراته «كلّ الأنهار تصب في البحر»، يقول فيزل إنه قرأ كتاب إيمانويل كانط «نقد العقل الخالص» وهو في السادسة عشرة من عمره، باللغة الإيديشية. لكنّ الحقيقة ـ وبمعزل عن اعتراف فيزل نفسه بأنه في ذلك الطور كان جاهلاً تماماً بالإيديشية ـ تشير إلى انّ كتاب كانط لم يُترجم أبداً إلى تلك اللغة!
فما الجديد، إذاً، في أن نتعثر به وسط عتمة صالة سينما باريسية، يتباكى على مستقبل الإنسانية من هذا الوحش الهولوكوستي الجديد، النووي، الإسلاميّ، الشيعي، المتطرّف، المتشدد: إيران!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. اتفاقية الدفاع المشترك.. واشنطن تشترط على السعودية التطبيع م


.. تصعيد كبير بين حزب الله وإسرائيل بعد قصف متبادل | #غرفة_الأخ




.. نشرة إيجاز بلغة الإشارة - الحكومة الإسرائيلية تغلق مكتب الجز


.. وقفة داعمة لغزة في محافظة بنزرت التونسية




.. مسيرات في شوارع مونتريال تؤيد داعمي غزة في أمريكا