الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الثقة المفقودة في المصارف العراقية: لماذا تبقى أموال المواطنين خارج النظام البنكي؟ – مقال رأي
عمار صالح عباس
باحث و كاتب
(Ammar S. Abbas)
2026 / 9 / 7
مواضيع وابحاث سياسية
ربما لا يوجد مؤشر يختصر مشكلة القطاع المصرفي العراقي بوضوح أكبر من حجم الأموال التي تدور خارجه. فبحسب أحدث البيانات المتداولة عن البنك المركزي العراقي، بلغت العملة الموجودة خارج المصارف نحو 101.97 تريليون دينار، أي ما يقارب 91.7% من إجمالي العملة المصدرة. وهذه نسبة كبيرة جداً في اقتصاد يفترض أنه يسعى منذ سنوات إلى توسيع الدفع الإلكتروني و الشمول المالي و تقليل الاعتماد على النقد.
لكن من المهم التمييز هنا بين الأموال خارج المصارف و الأموال المكتنزة في المنازل. فليست كل هذه التريليونات مخبأة تحت الوسائد أو داخل الخزائن، إذ يستخدم جزء كبير منها في التجارة و العقارات و دفع الأجور و التسويات النقدية اليومية. ويقدر مختصون أن نحو ثلثي الأموال خارج الجهاز المصرفي قد تكون متداولة في النشاط الاقتصادي، بينما يمثل الاكتناز جزءاً آخر منها. ومع ذلك، فإن بقاء أكثر من تسعة أعشار العملة المصدرة بعيداً عن المصارف يكشف خللاً بنيوياً لا يمكن تفسيره فقط بحب العراقيين للتعامل بالكاش.
المشكلة الأساسية، في تقديري، هي الثقة. المواطن لا يسأل فقط عن الفائدة التي سيحصل عليها مقابل إيداع أمواله، بل يسأل سؤالاً أبسط: هل سأستطيع استعادة أموالي عندما أحتاج إليها؟ هذه الفكرة تشكلت خلال سنوات من التجارب المتفاوتة مع بعض المصارف، و حالات التعثر، و التأخر في تسليم الودائع، و الأخبار المتكررة عن العقوبات أو القيود أو المشكلات الإدارية التي تواجه مؤسسات مالية مختلفة.
و جاءت التطورات الأخيرة لتوضح حساسية هذه المسألة أكثر. فقد اضطر البنك المركزي العراقي في 5 أيلول/سبتمبر 2026 إلى إصدار بيان يطمئن فيه المودعين، مؤكداً أن فرض الإشراف أو الوصاية على أحد المصارف لا يعني إفلاسه، و أن الإجراء رقابي و احترازي ويهدف إلى حماية أموال المودعين و استقرار المصرف. من الناحية التنظيمية، تدخل البنك المركزي أمر إيجابي، لأن وظيفة السلطة الرقابية هي التدخل قبل تفاقم المشكلة. لكن من ناحية أخرى، فإن اضطرار البنك المركزي إلى إصدار بيان لطمأنة الجمهور يكشف بنفسه مقدار هشاشة الثقة المصرفية و سرعة انتقال الخوف بين المواطنين.
هذه الأزمة تظهر أيضاً في مؤشرات الشمول المالي. فبيانات البنك الدولي لعام 2024 تشير إلى وجود نحو 19.8 مليون عراقي بالغ لا يمتلكون حساباً مالياً، من أصل نحو 28.36 مليون بالغ، أي أن قرابة سبعة من كل عشرة بالغين ما زالوا خارج دائرة الحسابات المالية الرسمية. كما أظهرت بيانات المسح أن الادخار عبر بنك أو مؤسسة مالية لم يتجاوز نحو 11% من العينة التي شملها المسح. وهذه أرقام لا تتناسب مع حجم الاقتصاد العراقي ولا مع عدد المصارف العاملة فيه.
و أسباب الابتعاد عن المصارف ليست نفسية فقط. ففي بيانات البنك الدولي المتعلقة بالعراقيين الذين لا يمتلكون حساباً، كان عدم امتلاك المال الكافي أحد الأسباب الرئيسية، بينما أشار جزء من المشاركين إلى ارتفاع رسوم الخدمات، كما ظهرت المسافة عن المؤسسات المالية ضمن الأسباب الأخرى. ولذلك فإن إصلاح القطاع لا يمكن اختزاله بالدعوة إلى استخدام بطاقة إلكترونية أو توطين راتب الموظف.
المواطن يحتاج مصرفاً يقدم خدمة حقيقية: حساباً واضح الكلفة، و تطبيقاً يعمل باستقرار، و تحويلاً سريعاً، و بطاقة مقبولة على نطاق واسع، و قدرة على سحب ماله دون عراقيل، و إجراءات شكوى يمكن الوثوق بها. والأهم أنه يحتاج إلى معرفة واضحة بما يحدث لأمواله إذا تعرض المصرف إلى التعثر. العراق يمتلك بالفعل نظاماً لضمان الودائع و شركة عراقية لضمان الودائع أُنشئت لهذا الغرض، لكن وجود المؤسسة وحده لا يكفي إذا بقي المواطن غير مدرك لطبيعة الضمان و حدوده و آلية الحصول على التعويض.
كما أن كثرة المصارف ليست دليلاً على تطور القطاع. فقد يمتلك البلد عشرات المصارف، لكن ما يهم اقتصادياً هو حجم الائتمان الموجه إلى الشركات و المشاريع و الأفراد، و جودة الخدمات، و مستوى الحوكمة، و القدرة على جذب المدخرات. المصرف الذي يعيش على نشاط محدود أو على عمليات مرتبطة بالدولة لا يؤدي بالضرورة الوظيفة التنموية للمؤسسة المصرفية الحديثة.
برأيي المتواضع فإن استعادة الثقة بالمصارف العراقية لن تتحقق بحملة إعلامية تدعو المواطن إلى إيداع أمواله، لأن المواطن لا يضع مدخراته استجابة لإعلان. المطلوب رقابة أكثر صرامة، و نشر مؤشرات الملاءة و السيولة بصورة مفهومة، و تطبيق حقيقي لضمان الودائع، و معالجة مبكرة للمصارف الضعيفة، و رفع مستوى الخدمات الرقمية، و تحميل إدارات المصارف مسؤولية أخطائها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بوادر حل تلوح في أفق الحرب في أوكرانيا... بوتين يبدي انفتاحا
.. إسرائيل وواشنطن تلوّحان بالرد بعد فرض بريطانيا عقوبات على مس
.. توتر غير مسبوق بين إسرائيل وبريطانيا إثر فرض لندن عقوبات على
.. عاجل | وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر: لهذا السبب قررنا
.. بعد تأجيل الاجتماع الرباعي.. هل فشلت مساعي حصر السلاح في الع