الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الدبلوماسية القائمة على الإكراه

محمد بن سعيد الفطيسي

2007 / 4 / 24
العولمة وتطورات العالم المعاصر


الدبلوماسية القائمة على الإكراه, مصطلح غريب ودخيل على أخلاقيات الفكر السياسي والدبلوماسي الحقيقي, حيث إننا تعودنا دائما في عالم السياسة أن نفهم مصطلح الدبلوماسية على انه العمل الذي يقوم على الإصلاح والتسوية السلمية, وهو الوسيلة الأنسب لحل جل النزاعات السياسية والخلافات الدولية بالطرق اللينة, وذلك من اجل الابتعاد عن الأعمال القائمة على العسكرية والسياسة الصلبة والعنف السياسي وسياسة الإكراه, وكل ذلك كي يبقى العالم في حالة من الاستقرار والرخاء واللذين لا يمكن أن يكونا مع الحرب والقوة, ولكن ـ المؤسف ـ انه قد تغير هذا المفهوم الأخلاقي لأدبيات السياسة الدولية, واستخدم بطريقة جديدة وغير صحيحة, بل أصبح أشبه بسياسة الردع المضاد للدبلوماسية والقائم على الغلظة والابتزاز السياسي وإرهاب الحوار ومنطق القوة ولي الذراع وسياسة العصا من غير جزرة وازدواجية المعايير السياسية.
وبمعنى آخر قد تحولت إلى ما يمكن أن نطلق عليه (بدبلوماسية الإكراه), وهذا ما نلاحظه اليوم في تعامل بعض الدول الكبرى كالولايات المتحدة الاميركية على سبيل المثال في علاقاتها السياسية والاقتصادية مع العديد من الدول والشعوب, مع العلم بان أسلوب الدبلوماسية القائمة على القوة قد أصبح مهيمنا على السياسة الخارجية الاميركية في الآونة الأخيرة, بل وأصبح له مؤيدين كثر من صناع القرار السياسي الاميركي وبشكل ملفت للنظر, وبالتالي فان الرؤية السياسية الاميركية لمثل هذا النوع من الاستراتيجيات قائم على تبني رسمي له, بل وهناك مساع كثير من اجل (إعادة الحياة إليها جنبا إلى جنب مع الدعم الشعبي المتنامي لدبلوماسية أكثر تشددا تعزز من مواقع صانعي القرار السياسي المستعدين, في أي أزمة محددة لتحدي الدعوة إلى الإحجام عن اللجوء إلى القوة العسكرية إلا في حالة الضرورة القصوى).
كما قامت بإعادة إحيائه بعض دول الاتحاد الأوروبي على خلاف الولايات المتحدة الاميركية في تعاملها السياسي والدبلوماسي مع الدول الصغرى والنامية وخصوصا دول (الشرق الأوسط), وقد برز تطبيق هذا الاتجاه السياسي على سبيل المثال مع الحكومة الفلسطينية في الآونة الأخيرة, وذلك من خلال قطع المعونات المادية التي كانت تضخ إليهم سابقا في حال لم تعترف منظمة حماس والتي وصلت بطريق الانتخابات الحرة والمباشرة إلى تلك السلطة إن هي لم تعترف بإسرائيل كدولة وشريك في العملية السلمية, كذلك برفض تلك الدول لامتلاك الجمهورية الإيرانية للطاقة النووية مع الصمت المتواصل على الترسانة النووية الإسرائيلية, وسابقا في تعامل دول الناتو مع أزمة إنقاذ (ترويض) كوسوفا في العام 1999م, وعن هذه الناحية فقد استخلص ابرز كاتبين قاما بدراسة وتحليل الظاهرة الدبلوماسية القسرية في حرب كوسوفا ووضعا توصيفا لشكلها الحقيقي من الناحيتين السياسية والاستراتيجية ما يلي:
إن استراتيجيات القصف والدعاء والصلاة جنبا إلى جنب مع الميل إلى الاكتفاء بخفض مستوى القدرة العسكرية لخصم معين بأنماط غامضة ومحدودة ولا تنطوي عموما إن انطوت إلا على قليل من التأثير الاستراتيجي في أولئك الذين نسعى إلى ممارسة النفوذ عليهم... وبالتالي فان الحاجة إلى استخدام فعلي للقوة تتزايد مثلها مثل كمية القوة الضرورية في آخر المطاف لبلوغ الأهداف المرجوة.. وبعبارة أخرى ليست دبلوماسية الإكراه فكرة جيدة على الإطلاق حين لا تكون مسنودة إلا بتهديدات ضعيفة.
كما برزت كذلك تلك السياسة القائمة على القوة ولي الذراع في طريقة تعامل الولايات المتحدة الاميركية مع أزمة الملف النووي الإيراني وذلك من خلال ازدواجية معاييرها السياسية وضغطها المستمر على جل الدول المعنية بهذه القضية وخصوصا الدول المؤثرة كروسيا من خلال تدخلاتها المستمرة في شئونها الداخلية والخارجية إن هي لم تتساعد وتكون في الصف الاميركي في توجهاته القادمة والقائمة تجاه إيران, و(ابتزازها) لتركيا من خلال رفضها لأي تدخل تركي بالعراق إلا بشرط التعاون التركي التام وغير المشروط في حال وجهت الولايات المتحدة الاميركية ضربة عسكرية للجمهورية الإيرانية, وكان لسان حال الولايات المتحدة الاميركية يقول: نحن لا نرفض تدخلكم في القضية الكردية بأي شكل من الإشكال وبمختلف الوسائل التي ترونها مناسبة, لأننا ننظر إليها من الناحية الإنسانية أو السياسية أو القانونية ولكنها المصلحة أولا, والمصلحة أخيرا ونحن مستعدون للتنازل والصمت عنها في حال تعاونتم معنا سياسيا وسياديا لضرب الجمهورية الإيرانية التي أصبحت هذه الأيام من وجهة النظر الاميركية الشوكة المميتة في خاصرة السياسة الخارجية للإمبراطورية الاميركية.
كذلك بالتدخلات الاميركية المستمرة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي واستخدام حق النقض (الفيتو) على كل كبيرة وصغيرة قد تمس سلامة وسياسة (المشاعر الحساسة) للحكومة الإسرائيلية, والضغوطات المتواصلة على الجمهورية العربية السورية ولبنان والسودان ودول عديدة في مختلف أرجاء العالم بذريعة نفس القانون وتحت مسميات الديمقراطية وحفظ السلام وحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب, وغيرها الكثير من الوسائل التي تنطوي تحت مسمى الدبلوماسية الصلبة أو سياسة الإكراه بطريقة القانون الجديد الذي تتسيده بعض القوى العالمية الكبرى.
وقد قمنا باستقراء أدبيات هذا النوع من السياسات الخارجية الحديثة فوجدناه يعود إلى ما قبل حرب فيتنام ويعود في أصله الأدبي إلى عدد من الباحثين والمحللين السياسيين المعاصرين كتوماس شلنغ وهيرمان كاهن وروبرت اوزغود وهنري كيسنجر وهو نوع من الاعمال الفكرية السياسية الاستراتيجية القائمة على (التهديد بالقوة واستخدامها كجزء لا يتجزأ من المساومة الدبلوماسية, كما لو كان هذا التهديد (العصا) المكملة (للجزرة) في جعبة أدوات الإغراء لدى هذا البلد أو ذاك.. كما يميل الباحثون المعاصرون المهتمون بالدبلوماسية القسرية إلى تأكيد مطباتها جنبا إلى جنب مع نقاط قوتها الكامنة فيها).
وقد يكون هذا النوع من الدبلوماسية ليس بجديد في عالم السياسة المعاصرة ـ أي ـ أننا لا نستطيع أن نقول بأنه نتاج الأحداث السياسية الراهنة وتطوراتها, فقد استخدم قبل ذلك أثناء الحرب الباردة (أزمة الصواريخ الكوبية) مع الاتحاد السوفيتي, مع التأكيد كذلك على أننا لا نستطيع أن نقول بأنه قد اثبت نجاحه أو فشله, فقد كان العالم واقعا تحت رحمة دولتين نوويتين كادتا أن تتواجها لولا رحمة الله بهذا العالم, وفي اتجاه آخر فإننا نستطيع أن نقول بان هذا الأسلوب قد استطاع بوجود الدعم الكامن في قوة الردع النووية من ارضاخ جميع دول النزاع إلى الركون إلى الحوار والهدوء, أما حديثا فقد برز وبأشكال عديدة ومختلفة وخصوصا خلال السنوات الماضية في كثير من المواقف السياسية الدولية وخصوصا بعد أعقاب حرب الخليج وأحداث الحادي عشر من سبتمبر مع العديد من الدول ذات الشأن وغيرها, ولكن الجديد هو في تطبيق هذا المفهوم السياسي وبأن تستخدم الدبلوماسية بهذه الطريقة غير القانونية والملتوية وتحت ذرائع (ما انزل الله بها من سلطان), وان تكون الأهداف من وراء هذا النوع من الاستراتيجيات السياسية هو المصلحة الفردية للدول الكبرى وليس المصلحة العامة للدول والشعوب المعنية بهذه القضايا.
وختاما فإننا نستطيع أن نؤكد بان ظاهرة استفحال الدبلوماسية القائمة على القسرية والمبنية على القوة ستستمر لوقت ليس بالقصير في ظل التغيرات الدولية ذات الاتجاه العالمي نحو تبني لهجة الحوار بالقوة في التخطيط الاستراتيجي للحوار السياسي المستقبلي على مستوى السياسة الخارجية الدولية بشكل عام, والاستراتيجية الأميركية بشكل خاص لتغيير خارطة العالم لمواكبة رغباتها وطموحاتها الامبريالية, والمرعب في الأمر بأننا نتخوف من جرها لدول أخرى لتبني نفس المعايير المزدوجة في سياستها الخارجية, وبالتالي فإننا نخلص إلى نتيجة واحدة وهي.. أن ملامح الحروب والنزاعات المسلحة إقليميا ودوليا ستبقى تلوح في الأفق مما يجعل واقع ومصير الأنظمة والكيانات الهشة يسير نحو نفق مظلم.
محمد بن سعيد الفطيسي
كاتب وباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
سلطنة عمان








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. روسيا والصين.. تحالف لإقامة -عدالة عالمية- والتصدي لهيمنة ال


.. مجلس النواب الأمريكي يصوت بالأغلبية على مشروع قانون يمنع تجم




.. وصول جندي إسرائيلي مصاب إلى أحد مستشفيات حيفا شمال إسرائيل


.. ماذا تعرف عن صاروخ -إس 5- الروسي الذي أطلقه حزب الله تجاه مس




.. إسرائيل تخطط لإرسال مزيد من الجنود إلى رفح