الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أشواك القنفذ: فكرة لحماية الصحفيين

صائب خليل

2007 / 5 / 13
الصحافة والاعلام


للقنفذ اسلوب فريد في التعامل مع الثعابين. انه يقبض عليها بعضها بقوة من ذيلها ويبدأ بقضمها. الحية لاتستطيع الإفلات من اسنانه فلا تجد سوى ان تحاول عضه او عصره وفي الحالتين تدمي نفسها اكثر فيثور جنونها ولا تجد سوى ضربه برأسها فتزيد حالتها سوءً حتى تنتهي.

على من قرر تجشم مخاطر مهاجمة الثعابين ان يجد ما يحميه من عضتها وسمها ويحول هجومها الى الام دامية تسرع في نهايتها. هكذا يجب ان يفكر جميع قناصي الأفاعي السامة... وخاصة الصحفيين!
لكن من اين للصحفي المسكين هذا الدرع الشوكي؟ وهل يمكنه حمل رشاشاً اينما ذهب؟ الن يعرقل هذا عمله ويخيف الناس منه؟ وهل يكفيه رشاشه ان حمله؟ وهل سيتمكن من استعمال سلاح العنف بكفاءة القتلة المحترفين ان هو احتاجه وهو الذي قضى حياته بين الثقافات والكتب؟ ولو ان الحكومة قررت حمايته بواسطة رجال امن مسلحين, فهل سيمكنه بعد ذلك ممارسة عمله وهو يتحرك كأنه فرقة عسكرية؟

كل ما يتصل بالصحفي يجعله ضعيفاً امام الإرهاب على ما يبدوا. هو معروف للجميع وبخاصة لإعدائه, ومواقفه معروفة فلا يقدر على اخفائها دون ان يقضي على نفسه كصحفي, ومقر عمله معروف وطبيعة عمله تضطره الى الحركة والى الذهاب الى الخطر برجليه حتى ان لم يأته الخطر بنفسه. ان نقطة ضعف الصحفي الأساسية هي كونه مكشوفاً عار الصدر!

وضع الصحفيين والمؤسسات الصحفية, وخاصة في العراق وضع مرعب. أن مجرد الإشارة العابرة الى امثلة القتل والإنتهاك التي يتعرض لها الصحفيون في العراق ستملأ صفحات عديدة لذا ساعبرها واكتفي بحقيقة ان عدد الصحفيين العراقيين المقتولين منذ الإحتلال حتى الآن زاد على 200 صحفي, والوضع يزداد سوءً فقد وصل معدل الانتهاكات ضد الصحفيين العراقيين خلال العام الماضي الى حالة انتهاك كل ثلاثة ايام!

وحينما لايتكفل الإرهاب بتحطيم الصحفيين تتكفل الحكومات وجيش الإحتلال بهم والأمثلة كثيرة هي الأخرى. فنحن نذكر كيف تجرأت حكومة كردستان على الحكم على كمال السيد قادر بثلاثين سنة سجن بتهمة التشهير بالقادة, ثم اطلقت سراحه بسبب فضيحة ذلك الحكم القرقوشي, وقد تكررت الإنتهاكات منذ ذلك الحين وكان اخرها وبالتأكيد لن يكون اخيرها مطاردة الصحفيين الذين جرأوا على التطرق الى الفساد في الحكومة المحلية مثل رحمان غريب وئاسو جبار.

ولا تقتصر الإنتهاكات على العراق بالطبع رغم كونه صاحب الرقم القياسي, فقد شمل عار ايذاء الصحفيين بقية الدول العربية ومرة اخرى سنكتفي هنا ايضاً بمثال من مصر علماً ان الدول الأخرى ليست بحال افضل. فقد تحدث جو ستورك من هيومن رايتس ووتش عن الحكم على هويدا طه متولي بالحبس ستة أشهر بسبب تحدثها عن التعذيب في مصر وقال انه يمثل سخريةً من مناسبة من مثل اليوم العالمي لحرية الصحافة, وقال إن السجل المؤسف للتعذيب في مصر يزداد سوءاً بفعل معاقبة الصُحفيين الذين يجرؤون على التحدث عنه.
اضافة الى ذلك فقد طالت الإعتقالات محرري مدونات الإنترنيت ونشطاء حقوق الإنسان مثل عبد المنعم محمود و عبد الكريم نبيل سليمان الذي كان يوجه انتقاداته إلى الإسلاميين وإلى الرئيس حسني مبارك.

كيف تواجه هذه الأزمة؟ من ناحية الصحفيين تواجه بالشجاعة البطولية الخالصة:
اشار معهد السلامة الصحفية الدولي (I N S I ) إلى "إن شجاعة الصحفيين العراقيين تثير الاعجاب حقا , فعلى الرغم من سقوط العديد منهم صرعى وتعرضهم للأذى وإبعادهم عن عوائلهم التي مافتئت تتلقى التهديدات , فإنهم مازالوا يواصلون العمل بإصرار."
وأضاف بيندر , وفقا للبيان , "لولا الصحفيين العراقيين , لاصبح العالم أعمى عما يجري في العراق ، وانهم يسطرون احدى الملاحم المتميزة في تأريخ الصحافة الحديثة."

اما منظمة اليونسكو فقالت "إن العنف ضد الإعلاميين، أصبح اليوم من أكبر الأخطار التي تُهدد حرية التعبير، وبناء عليه فقد قرر أن يكرس اليوم العالمي لحرية الصحافة لعام 2007، لموضوع سلامة الصحفيين", التي لم تكن محفوفة بالمخاطر كما هي اليوم, و"إن الأشخاص الذين يجازفون بحياتهم لتوفير معلومات مستقلة وموثوق بها، يستحقون إعجابنا واحترامنا ودعمنا.إن سلامة الصحفيين قضية تهمنا جميعاً. فكل اعتداء على صحفي ،هو اعتداء على حرياتنا الأساسية"
وفي حفل تكريم عوائل الضحايا قال نقيب الصحفيين العراقيين شهاب التميمي " عندما نخرج من بيوتنا نقبل اطفالنا وزوجاتنا ونودعهم لاننا حال مانخرج من الدار تكون حياتنا مهددة وقد لانعود."

اخيراً حادثة تستحق الوقوف عندها بجدية, وهي الهجوم الذي استهدف مقر راديو دجلة المحلي غرب بغداد واسفر عن قتل عدد من الصحفيين والعاملين في الراديو ورفض الحماية الحكومية التي تبعد 500 مترا عنها التدخل! المثير للإنتباه ان المهاجمين لم يتمكنوا من اختراق الإذاعة بفضل بسالة المقاومين فانسحب المهاجمون ليأتى الجنود ليقنعوا الصحفيين باخلائها بسرعة وفعلاً تم ذلك ليعود الإرهابيون ليدمروها وليبقوا فيها 30 ساعة دون ان يتعرض لهم احد حسب الرسالة التي وجهها مدير الإذاعة الى الرئيس طالباني, الذي لم يجد للأسف سوى الإستنكار جواباً عليها!

لكن الشجاعة وحدها لاتكفي لتحقيق النصر, فما العمل؟ نقيب الصحفيين العراقيين شهاب التميمي دعا إلى أن يشير الدستور الى حماية الصحفيين. اما جمعية الدفاع عن حقوق الصحافيين العراقيين، فلديها مشروع لتقديم المساعدة القانونية والانسانية واما مفيد الجزائري مسؤول لجنة الثقافة والاعلام بمجلس النواب فيتحدث عن قانون للضمان الاجتماعي لعوائل الصحافيين الضحايا.

لنواجه الحقيقة: هذه المشاريع والحلول, رغم فائدتها, لكنها لاتحمي الصحفيين. انها لاتقول في الحقيقة سوى "اننا عاجزون تماماً امام الإرهاب". فكيف يتمكن الدستور من حماية الصحفيين؟ مفيد الجزائري اعترف ايضاً "ان النصوص الدستورية لا تعني الكثير اذا لم تجسد في الواقع، والصحافة عندنا مهددة باستمرار، في نفس الوقت الذي تتمتع فيه بحرية لا مثيل لها، انها مهددة في كل لحظة ليس في حريتها وانما في وجودها، وصناعها مهددون في كل خطوة، من ابتزاز وتهديد وضغط واغتيال، اي سفح الدم البريء للاعلامي او الاعلامية».
هذا العجز تجلى ايضاً في بيان منظمة مراسلون بلا حدود حول مقتل ثلاثة صحافيين عراقيين مؤخراً قائلا "ان لائحة الصحافيين القتلى في تزايد مستمر دون ان تبادر السلطات العراقية الى اتخاذ اي اجراء"

ليس للصحفي كما يبدو "كعب اخيل" واحد فقط, وانما الصحفي كله نقاط ضعف امام الإرهاب!

لكن هناك سر واحد قد يمنح الصحفي الدرع اللازم لحياته الخطرة. ان نقطة ضعف الصحفي في كونه مكشوفاً هي بالذات نقطة قوته ايضاً. انكشاف الصحفي يجعل من عدوه مكشوفاً هو الآخر, وجلاء موقفه يجعل من موقف عدوه جلياً ايضاً! ففي حين يختفي بقية الإرهابيين بعد جريمتهم فلا تعرف لهم طريقاً, فان قاتل الصحفي لايمكنه الا ان يكون في المكان المقابل لموقف ضحيته, ولا تحتاج إلا الى اطلاق سهمك بالعكس من اتجاه السهم الغادر, حتى تصيب القاتل! هذا هو الدرع الشوكي الذي يجب ان يوفر للصحفي فلا يستطيع احد ايذاؤه دون عقاب.

الحقيقة الأخرى الهامة هي ان قتل الصحفي او الكاتب لايقتل فكرته معه, رغم انها هي الهدف من قتله. فالحقيقة والرأي الصحفي سيقى حياً وقادراً على الإنتشار بعد مقتل ممثله, وعلينا ان نعمل على ضمان هذا الأمر وتحويله الى عرف صحفي حضاري يعرفه القتلة قبل غيرهم, فيكون لهم رادعاً عن جريمتهم. يمكننا بسهولة ان نتخيل ان قتل الصحفيين لن ينتشر إلا حيث يكون قتل الصحفي يعني موت فكرته بعده بالإهمال وقلة الرعاية. الفكرة هي ان لاندع الحقيقة تموت بموت صاحبها بل ان يزيد قتله انتشارها. هكذا يصاب القاتل بسهمه.

شاهدت قبل اسبوعين بطل العالم السابق في الشطرنج غاري كاسباروف وهو يتحدى رجال الدرك الروسي دون ان يخشى منهم اذى كبير. ان شهرته تحميه, كما قال بنفسه في مقابلة للتلفزيون الهولندي, بمثل ذلك الدرع الشوكي الذي نطمح ان يحصل الصحفيون على مثله. لقد كان كاسباروف مثالاً على فعالية مثل هذا الدرع, على العكس من كل المحاولات اليائسة لمواجهة العنف بالشجب والتنديد والنصوص الدستورية ومقالات الإحتجاج.
مثال اخر الكاتب سلمان رشدي الذي كان السهم الموجه اليه, والمتمثل بالفتوى بالقتل, السبب في شهرته التي لم يكن يحلم بها, حتى وان كان السهم لم يقتله! لاشك بان مصدر الفتوى قد ندم عليها لأنها خدمت اغراض عدوه بشكل غير اعتيادي.

ليس الأمر جديداً تماماً, لكن الجديد الذي اريد اضافته هو هذا الشكل المحدد بـ"بوليصة تأمين نشرية" تؤمن نشر وتوزيع اعماله (مهما يكن شكلها) وليس الأمر صعباً على الإطلاق, ويمكن تنظيمه من خلال الدولة باعتبارها مسؤولة عن حماية الصحفيين بشكل خاص, او عن طريق النقابات او الجمعيات. ولايحتاج الصحفيين من اجل ذلك الى منيّة احد, فيمكن بسهولة ان يجمعوا المال اللازم لذلك بشكل مبلغ تأمين بسيط, ويمكن ان يكون الموضوع مثيراً لإهتمام حتى شركات التأمين الإعتيادية الباحثة عن الربح. مبلغ التأمين لايحتاج لأن يكون كبيراً لأن الإنتاج المنشور سوف يعيد (جزءاً من) المبلغ, كما ان نسبة من سيقتل او يعتقل من الصحفيين تبقى نسبة بسيطة مهما كان المكان خطراً, وستقل هذه النسبة حتماً ان تم اتخاذ مثل هذه الإجراءات المحبطة للإرهاب. كذلك فأن العديد من المؤسسات لن تمانع من كسب سمعة رائعة من خلال دعمها لمثل تلك التأمينات تبرعاً.

أن وراء كاسباروف ورشدي مؤسسات ومصالح تكفل له تلك الحماية الشوكية, المهم ان يحصل عليها ايضاً الصحفيين الذين لايمثلون مصالح قوية وغنية, بل يمثلون الحقيقة كما يرونها هم بإخلاص.
كل ما نحن بحاجة اليه هو بعض الجهد لتفصيل للفكرة وامكانيات تطبيقها المختلفة وهي كما تبدو لي غنية بالإحتمالات, فافترض ان كل صحيفة وكل مؤسسة صحفية وكل محطة اذاعية او تلفزيونية (بل ان اية مجموعة من خمسة صحفيين يمكن ان يتفقوا على ذلك بشكل ما) قادرة على تأمين مثل هذا المطلب البسيط لصحفييها والإعلان عنه بشكل واسع واستغلال اول جريمة ترتكب ضد احد اعضائها لتلقين المجرم درساً يجعله يتردد في القيام بمثل جريمته ضد صحفي "مؤمّن", يحمل "شارة القنفذ" على صدره كتحذير!

وصل صديق لي الى الأمارات مؤخراً للعمل ليكتب لي خيبة امله انه لا يستطيع الوصول الى موقع "الحوار المتمدن" هناك. لقد دعوت سابقاً في مقالة مماثلة, المواقع الصحفية للتعاون لوقف مثل هذا العدوان عليهم, وها انا اكرر ذلك هنا بوصفة "درع القنفذ": ان يتفق اصحاب المواقع على دعم اي موقع يتعرض للإغلاق من قبل دولة ما وذلك بتقديم عرض لمقالات ذلك الموقع من خلال جميع المواقع المشاركة في التأمين, بحيث يستحيل على دولة اقصاء موقع ما دون اقصاء جميع المواقع المتضامنة, وهو امر اكثر صعوبة, هذا اضافة الى تعاون هذه المواقع في انشاء موقع يضع قائمة باسماء الدول المانعة لحرية المواقع كسبب رادع اضافي.

اتمنى من زملائي الصحفيين العمل على تفعيل الفكرة بالعمل عليها مباشرة او توصيلها الى من يمكن ان يفعلها او نشرها حتى تصل الى الجهة الفاعلة القادرة على تنفيذها فعلياً, متمنياً ان يكون عيد الصحافة القادم وقد حققت الصحافة الشريفة انتصارا على اعدائها. اتمنى ان يذكر لصحفيوا العراق ليس فقط كأشجع الصحفيين, بل ايضاً الصحفيين الذين تمكنوا من ابتكار حل فعال ومحدد لحماية انفسهم وزملائهم من الإرهاب ليصبح تقليداً عاماً في العالم. الدعوة لاتقتصر بالطبع على الصحفيين العراقيين انما قصدت انهم اليوم الأكثر حاجة اليها, وكل عام وانتم بسلامة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ملابس الرياضيين في أولمبياد باريس: ملابس لستر أجساد اللاعبات


.. إسرائيل تدرس رد حماس على صفقة التهدئة والمحتجزين ونتنياهو يع




.. تقارير تكشف استمرار تقليص مساحة الضفة الغربية من قبل السلطات


.. إسرائيل تبحث رد حماس على صفقة التهدئة والمحتجزين | #الظهيرة




.. حزب الله يطلق عشرات القذائف والمسيرات صوب شمالي إسرائيل | #ا