الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الانتقال الديموقراطي : الوسيلة قبل الغايه

عبد العزيز حسين الصاوي

2007 / 6 / 14
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان


انعقد الاجماع علي نزاهة الانتخابات الموريتانيه البرلمانية ثم الرئاسية التي جرت في مارس الماضي ومن ثم التفاؤل بمستقبل تجربة الانتقال الديمقراطي فيها. يتبني هذا المقال رؤية تشكيكية للموضوع تستند الي تفسير للتجربة السودانيه في هذا المجال يقوم علي فكرة مؤداها ان العقبة الرئيسية امام التحولات الديموقراطية في العالم الثالث عموما والاسلامي العربي خصوصا تكمن في المجتمع وليس القيادات، في الواقع الموضوعي وليس النوايا او القناعات الذاتيه للافراد عسكريين كانوا ام مدنيين. صحيح ان الارادة البشرية قادرة علي تغيير هذا الواقع ولكن شريطة الاعتراف بأولوية تأثيره وادراك الطبيعه المحددة لهذا التأثير في السياق الزماني والمكاني المعين. هذا، حسب زعم هذه الرؤية، مالم يدركه العقل السياسي السوداني لذلك جاءتنا مايو 69 بعد اكتوبر 64 ويونيو 89 بعد ابريل 85.
القاعدة العامة هي ان التدخل اللاديموقراطي سواء كان صريحا في شكل انقلاب عسكري شمولي التوجه او غير مباشر تقييدي للمسار الديموقراطي بوسائل من خارجه، ليس فكرة شيطانية تطرأ جزافا في عقل المنفذين ايا كانت دوافعهم وانما نمو متدرج يستمد عناصره الغذائية من تربة ضعف الوعي الديموقراطي لدي النخب والجمهور العام. في هذا الصدد يتذكر كاتب المقال قولا للمشير عمر البشير حول دوافعهم الانقلابيه انهم كانوا يسمعون من معارفهم واصدقائهم من يقول لهم : " ماذا تنتظرون؟ لماذا لاتقلبونها؟ ". وأي مهتم بالشئون العامة يعلم مدي صحة هذا القول الذي يطرق مسامع الضباط كثيرا ابان الفترات الديموقراطيه هذرا احيانا وجدا احيانا اخري ولكنه في حد ذاته يبقي عديم الفعالية في الدفع الي التخطيط والتحرك انقلابيا اذا لم يكن تعبيرا عن حالة عامه تتجاوز الضيق بعيوب الالية الديموقراطيه الي الاقتناع او،اقله، الشعور بعدم قدرتها علي التخلص منها. وكما هو الحال عندنا وفي موريتانيا وغيرها يتضاعف البطء الطبيعي للالية الديموقراطيه بقلة الخبرة بكيفية اشتغالها لدي السياسيين وهشاشة الاوضاع المعيشيه، خالقا تطلعا قويا وشاملا الي حلول سريعه هو الذي يشجع المغامرين ومعتنقي الايدولوجيات الشموليه يمينا ويسارا، عسكريين ومدنيين للاقدام علي الفعل الانقلابي.
بصورة مختصرة يمكن ارجاع هذا البطء الاستثنائي وربطه شعوريا او قناعة بعدم فعالية الديموقراطية نفسها، الي أنها نظام ( مستورد ) من الحضارة الغربيه. تستخدم الكلمة بين قوسين للايحاء بأنها غير دقيقه فالحضارة الغربية ليست صناعة اوروبية- امريكية خالصه وانما نتاج تراكم للابداع البشري ساهمت فيه الحضارة العربية والاسلامية بالذات بقسط معتبر. وحتي اذا افترضنا جدلا عدم صحة ذلك فأن الاستيراد الحضاري ممكن ومطلوب لان التجربة والاحتياجات الانسانية بين البشر واحدة من حيث هم كذلك كما ان الخصائص المميزة لحضارة معينة في اطار هذه الوحده قادرة علي لفظ مالايتناسب معها والذهاب خطوة ابعد الي اضافة معترف بها الي رصيد الحضارة البشريه.
( اجنبية ) المنبع الحضاري للديموقراطيه، علي ضرورة وامكانية استيرادها، هي التي تدلنا علي الدائرة المفرغة الحقيقة في تجربتنا السودانية وشبيهاتها الموريتانيات وغير الموريتانيات. درج التفكير عندنا علي ان اطراف هذه الدائرة هما النظامان الانقلابي والديموقراطي اثر الانتفاضات بينما هي في الواقع بين ضعف او انعدام الوعي الديموقراطي شعبيا ونخبويا، والحركات والافكار الشموليه، وليس الانظمة الانقلابية فقط، التي تنشأ كمعالجة زائفة لعدم فعالية الانظمة الديموقراطيه الناجم عن هذا الضعف مما يقود بدوره الي تعميقه. اهمية هذا التشخيص لماهية الدائرة المفرغة انه يركز الانتباه علي سطحية وهشاشة العقلية والتقاليد الديموقراطيه وبالتالي علي معالجة المعضله في المجتمع ومستوي الوعي العام اساسا وليس القيادات والاحزاب ونواياها او توجهاتها.
وتكمن خطورة الانقلاب العسكري ( الحميد ) كوسيلة لكسر هذه الدائره في انه، مهما كانت تصرفات قادته متمشية مع الوعود التي يقطعونها، يسد الطريق الوحيد امام التعويض عن شح التراث الديموقراطي في حضارتنا بالتعلم عبر اسلوب التجربة والخطأ الذي لايحقق الغاية المنشودة منه الا اذا جري في مناخ حر غير مقيد حتي جزئيا. والسؤال المشروع الذي تثيره هذه المحاججة هو : كيف يمكن ضمان استمرار هذا المناخ، اوخلقه بأسقاط نظام دكتاتوري، دون تدخل ذي طبيعة غير ديموقراطية تماما ؟ والاجابة السهلة والصعبة معا هي : اجماع النخبة، وهي مجموع الشرائح الحضرية عموما والمتعلمة خصوصا، علي تجنب كل مايمكن ان يضر بفرص تنمية الوعي الديموقراطي وهي تعمل لخلق المناخ المطلوب حتي في ظل دكتاتورية صريحه. علي سبيل المثال : تقييم أي فرجة حرية تتاح او يمكن خلقها بالضغوط الداخلية او/و الخارجيه، ومهما كانت ضيقه، من زاوية فائدتها للاستثمار لتنمية الوعي الديموقراطي لدي الافراد والجماعات وليس من زاوية اضفاء الشرعية علي الانقلاب فقط. وامامنا نموذج حي لهذا النوع من النضال الايجابي لانه منتج ديموقراطيا بترسيخه لاحد اركانها وهو ثقافة احترام القانون، ممثلا في مثابرة بروفسور فاروق محمد ابراهيم علي مقاضاة بعض المسئولين وفق القوانين السائده. هذه قضية خاسرة قانونيا لان الخصم والحكم جهة واحده ولكنها رابحة علي الصعيد الاهم. خطوة صغيرة المبني ولكنها كبيرة المعني.
ان التركيز الكلي علي انهاء السلطة الانقلابيه بالمواجهة العنيفة او نظيرها السلمي المقاطعة الكامله، يتجاهل حقيقة انها بنية فوقية لاخري تحتيه هي عدم تجذر الوعي الديموقراطي في المجتمع الذي يوفر البيئة الحاضنة لبذرة الانقلابات. انه تركيز علي النتيجة دون السبب اثبتت تجربتا اكتوبر 64 وابريل 85 انه يؤدي لادامة وتقوية الظروف الموضوعية المؤدية لاستنساخ الانظمة الانقلابية وبشكل تزداد فيه نسبة الشمولية. علما بأن فهم الامور علي هذا النحو المتمشي مع التحليل النظري والتجربة العمليه، لايعني استبعاد خياري العنف او المقاطعه ولكنه يعني انهما يظلان الخيار الاخير فعلا كما يضمن ممارستهما بصورة عقلانية ومدروسه تقلل من اثرهما السلبي الحتمي علي تنمية الحس والسلوكيات الديموقراطيه لان القيادات التي ستتولاه ستكون ذات تكوين ديموقراطي متأصل. وبطبيعة الحال فأن اتباع الاستراتيجية الصحيحة في ظل انظمة شبه دكتاتوريه او انقلابيه ( حميده ) اسهل كثيرا سيما وان البيئة الدولية والاقليمية الراهنة مواتية لاتباعها اكثر من أي وقت مضي.
الخلاصه : الديموقراطية، لاسيما في اقطار العالم الثالث، ليست هدفا او منتجا جاهزا وانما هي عملية PROCESS ومسيره، هي تكوين ذهني وشعوري يستزرع استزراعا ويستنبت استنباتا لدي الافراد والجماعات. لذلك فأن الطريق اليها طويل ومعقد ولكنه اقصر كثيرا واقل كلفة من جميع النواحي بالمقارنة للطريق ( السريع )، ويزداد قصرا وقلة تكلفة كلما مضينا فيه لانه ينطوي علي ميكانيزم تصحيح ذاتي بعكس الطريق الاخر. لايتمني المرء لتجربة الانتقال الديموقراطي الموريتانية ان تكون دليلا علي صحة افكار هذا المقال ولكن الارجح ان قصتها لها بقية مخالفة لبدايتها المبشره.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. في شمال كوسوفو.. السلطات تحاول بأي ثمن إدماج السكان الصرب


.. تضرر مبنى -قلعة هاري بوتر- بهجوم روسي في أوكرانيا




.. المال مقابل الرحيل.. بريطانيا ترحل أول طالب لجوء إلى رواندا


.. ألمانيا تزود أوكرانيا بـ -درع السماء- الذي يطلق 1000 طلقة با




.. ما القنابل الإسرائيلية غير المتفجّرة؟ وما مدى خطورتها على سك