الحوار المتمدن - موبايل



سوريّة بلد الدّكاترة، والمقتولين

نادية خلوف

2017 / 9 / 13
المجتمع المدني


يلتبس عليّ اللقب، لكنّني أكن له- أعني اللقب-احتراماً كبيراً حيث ارتبط في ذهني اسم الدّكتور باسم الطبيب الذي يمنحك الأمل في الحياة، والذي يقضي سنوات طويلة في العمل. جاء اليوم الذي خاب ظنّي فيه، فالدكتور هو أي شخص يحمل شهادة من أيّ مكان ، وفي أي مجال ويضيف حرف الدّال لاسمه، بل إنّهم يرسلون باقات الورد مذيّلة باسمهم على الفيس بوك مثل:" الدكتورة ليلى تبارك لأخيها الدكتور حسام في حصوله على منحه"
قبل ولاية بشار على سورية، وقبل أن يصبح طبيباً بمنحة ربّانية. تجاوز عدّد الدكاترة من الضباط من الجيش الأعداد المتوقّعة. طبعاً انتظروا أربع سنوات حصلوا بعدها على الشهادة الجامعية ، ومن ثمّ أكملوا مسيرة النّجاح. وعلى سبيل المثال للحصر الدكتور رفعت الأسد، والذي قدم أطروحته الرّائعة التي كتبها له أساتذة حقيقيين معروفين بالاسم، حيث أفشوا السّر فيما بعد ونكروا أنهم هم من أفشوه.
كان الدكاترة من كل الاتّجاهات السياسيّة يزخون كالمطر، فللحزب الشيوعي دكاترته القادمة من موسكو، وليس بالضرورة أن يكونوا شيوعيين، هم من يستطيعون دفع هبة معينة لعضو فاعل في الحزب.
المصيبة في عدد الدكاترة الذين تخرّجوا من سورية، فبعضهم من أولاد الفلاحين نذر عمره للدراسة وحصل على مقعد في دراسة الطب، وخسر أهله كلّ ما يملكون كي ينهوا مهمّتهم، ورفيقه الذي يجلس بقربه دخل الطّب بعلامات الصّاعقة، وأنهى اختصاصه بالمسدس تارة، وبتنكات الجبنة البلدية تارة أخرى، وعندما انتهى من الدراسة أصبح مدير مستشفى، بينما الثاني ربما موظف تحت إمرته.
في إحدى جلسات نقاش حضرتها بالصّدفة. كان أحدهم يرغب أن يصبح في فرع البعث في الحسكة، وهو من السّاحل السّوري، ويحمل شهادة الكفاءة، لكنّه موظّف في الرّميلان. كان يتناقش مع أخيه الأكبر كيف يجب عليه أن يأخذ الدكتوراه، لكن قبل ذلك عليه أن يحل موضوع الثانوية والجامعة، وموسكو هي الوجهة ، وربما دون سفر، وبعد أن خرج. قالت لي زوجة أخيه:" أبو باسل حربوق بيعملها مومتل جوزي"
بالنسبة لي لا أستغرب فقد تمّ إرغامي على ترقين قيدي كمحام لأنّني غبت عاماً عن سورية يومها. شعرت أنّني أحتقر المهنة، وبخاصة أنه كان معي بعض المحامين في الإمارات -أغلبهم أكراد-وهم مبتدئون في المهنة، ولهم سنوات يعملون خارج البلد، ولم يرقن قيدهم، كما أن هناك أعضاء مجلس شعب، وقيادة قطرية وغيرهم من المحامين، والذين يجب ان يرقنوا قيدهم حتى يلتحقوا " بخدمة الوطن" لكنّ القانون هو القانون! فزوجي توفي بعد أن عمل سبعة وثلاثين عاماً في المهنة، ولم نأخذ حقوقه التقاعدية، حيث ليس له سجلّ -حسب-قولهم-، ولما أحضرنا كل الأوراق اللازمة كانت سوف تكون نهايتنا. .
لم يقبل السوريون من الطرف الآخر بأقلّ من لقب طبيب أيضاً، فبعضهم ذهب إلى الخليج، وأصبح لديه بعض النقود، ومصر على بعد ساعة، وفيها جميع أنواع الدكترة، أو أن هناك شهادات أون لاين. فالذي درس صحافة أصبح اسمه الدّكتور فلان، والفيس بوك هو الذي يشهد.
يشكون اليوم من المناهج، ولا يشكون من التعليم، ولا زلت أذكر عندما كان السّوريون يتحدثون عن قوة التعليم في سورية، وفي إحدى المرات أتى ابني إليّ ،وكان في الصف السّادس، وقال لي: هذه مسألة الرّياضيات حلّتها المعلمة خطأ، هل أحلّها لو أتت في المذاكرة مثلما حلتها المعلمة، أو على الطريقة الصّح؟ تهرّبت من الإجابة . ما قيمة المنهاج إذا كان من يدرّسه أمّي، وهنا أتحدّث عن المرحلة الابتدائية، فأغلب من يتخرجون من الصف الخاص ينجحون بالحزبية، أو القبلية، أو الدفع، ومعروفين بضعف علاماتهم، وعدم تمكنّهم من اللغة العربية، والعلوم الأساسيّة ، وهم أصلاً لا يرغبون بالتّعليم، وفي مرحلة من المراحل كان يتم استيراد المعلمين من السّاحل، ويتم تعيينهم من قبل فرع الأمن في قرى الحسكة، وعلى أهل القرية تأمين غذائهم. بل إن بعضهم كان يعيش في بيوت وجهاء القرية. فقد ذهبوا ليجمعوا الثروة من بلاد الاحتلال.
المناهج الجديدة قد تعبّر عن الثقافة الجديدة، فالوطن مهتمّ بالتراث، والغناء والدبكة، ولا يمنع ان تدرّس الموليا في دمشق، وتنشأ الجامعات في الجزيرة. جامعات فيها أسماء كليات جميلة يقوم على التدريس فيها حملة إعدادية، حتى أنّ هناك قضاة جدد في سورية، وقد لمع اسم القاضيّة شمسة. طبعاً هي غير متعلّمة لكنّها معينة في بيت المرأة التّابع "للإدارة الذاتية" وقد تمكّنت القاضية شمسة من سجن امرأة في ليلة زفافها هي وزوجها لأنّ الزواج قبل أن تبلغ سن الثامنة عشر بأشهر، وهو ممنوع، مع أن الزوجان يحبان بعضهما البعض، وعندما ناقشت الأمر مع بعض " الثوريين الأكراد" قالوا لي: هل يمكن للمرأة في سويسرا أن تتزوّج قبل هذا السّن؟
خليط من العرب والأكراد في شمال سورية يحكمون في محاكم" الشعب" ويدخلون الشباب إلى السّجن بتهمة الخيانة، كم يذكرني هذا بالثورة الثقافية في الصين!
أعتقد أنّنا كسوريين يلزمنا إعادة تأهيل لنتخلّص من وضع لقب دكتور على الفيس، وإعادة تأهيل في القول أنّنا كنّا عايشين، وإعادة تأهيل في أنّنا كنا نملك شركات، ولغة جسدنا تنطق بحالنا، وربما تتمّ إعادة التّأهيل هذه من خلال الجيل الجديد الذي كشف زيف الأجيال السّابقة.
إنّ القادم أعظم، ومن نال نصيباً من العلم الحقيقي، ومن لديه فكر تنويري هو الضّحيّة، لكن لا شيء يعود إلى الوراء، سوف يذوب الثّلج، ويظهر المرج.







اخر الافلام

.. هذا الصباح- إنشاء محطة للطاقة الشمسية في مخيم الزعتري


.. مؤتمر في الرباط يبحث الصعوبات التي تعيشها الأقليات في المغرب


.. 690 طفلاً من ذوي الاحتياجات الخاصة في الغوطة الشرقية نتيجة




.. الحصاد-السعودية.. جحيم مكافحة الفساد!


.. تعديل تشريعي يثير مخاوف حقوقية في موريتانيا بسبب إتاحة إعدام